الفصل 7 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السابع 7 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
27
كلمة
2,167
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

أنهى ما تبقّى من فنجان قهوته الداكنة في جرعة واحدة، قبل أن ينهض عن مكتبه أخيرًا ليلحق بمدراء أقسام شركته بغرفة الاجتماعات. إلا إن الدخول المفاجئ لابن عمه جعله يرتد إلى مقعده ثانيةً. ركضت سكرتيرته الخاصة وراء "صالح البحيري" تحاول منعه من اقتحام المكتب وهي تقول له: يا صالح بيه قلت لك هاديله خبر! لكن فات الأوان، لقد صار أمام "عثمان" بالفعل.

ترفع السكرتيرة يديها في استجداءٍ حتى يعرف رئيسها بأنها حاولت منع الأخير من الدخول هكذا. يومئ "عثمان" برأسه مخاطبًا سكرتيرته: أوكي يا رشا، ممكن تستني برا 5 دقايق. أكدي إن أفراد الـ Board كلهم في الـ Meeting Room. أنا مش هتأخر. أطاعته "رشا" على الفور وانسحبت في صمت.

ابتسم "عثمان" ببساطة وهو يتطلع إلى ابن عمه. لقد مضى وقت طويل منذ رآه آخر مرة، ربما عام وبضعة أشهر. مع ذلك لم يطرأ عليه تغييرٌ كبير، باستثناء قصة شعره الخفيفة التي أعطته مظهرًا أكثر نضجًا من المعتاد. أهلًا يا صالح! رحّب "عثمان" به. أخيرًا جيت يا راجل، ده أنا كنت مفكرك نسيت. هي القاهرة بتنسّي الأهل كمان؟ لا يرد "صالح" على مبادرة ابن عمه المعاتبة، ينظر إليه عابسًا وهو يقول بحدة واضحة:

أنا سايب شغلي كله، ووقفت حياتي كلها بالمعنى الحرفي يا عثمان وسمعت كلامكو. وأديني هنا أهو واقف قصادك، فين صفية بقى؟ لو روحت القصر دلوقتي هالاقيها؟ يشير "عثمان" بيده نحو أحد المقعدين أمامه وهو يتحدث إليه بهدوء: طيب أقعد يا صالح، واقف ليه؟ أقعد وإديني فرصة أتكلم معاك. على مضض شديد، أذعن "صالح" لطلب "عثمان" وجلس قبالته زامًا فمه. لم يمهله الوقت الكافي لبدء حديثه، ليباغته على الفور باقتضاب:

فهمّني إيه اللي بيحصل، عشان انت لو ما عندكش شك في ذكائي، تفهم إن تصرفات أختك دي ما فيش راجل يقبلها على نفسه. ولو انت حقّاني مش هاتقول غير كده! تنهد "عثمان" بصبر قائلًا: ممكن تهدا شوية؟ اهدا واسمعني، لو سمحت ما تقاطعنيش. أنا مستحيل أسمعك وأنت بتتكلم بالأسلوب ده! يضغط "صالح" شفتيه بقوة مجبرًا نفسه على الانصياع. ليسحب "عثمان" نفسًا عميقًا، ويمد جسده للأمام قليلًا وهو يقول بصوته الهادئ:

بص يا صالح، أنا طبعًا معاك إن أختي غلطت، في حاجة واحدة بس، وهي إنها سافرت من غير ما تاخد موافقتك. بس آخر معلوماتي منها شخصيًا إن أساسًا علاقتكوا بقت متوترة جدًا في الفترة الأخيرة. أنا ما أعرفش تفاصيل ومش مهتم أعرف، طالما أختي ما جتش بإرادتها وطلبت مني أتدخل يبقى عمري ما هتحشر بينكوا.

العقل هنا بيقول، ما دامت صافي مصممة فجأة إنها عايزة تسيبك، ودي في نظري مشكلة كبيرة جدًا لو هاحط نفسي مكانك، هاتفرّغ تمامًا عشان أحلّها، لأن عيلتي دايمًا بتيجي في المقام الأول. انت جاي عصبي وغضبان عشان سيبت شغلك وده حقك، لكن من حق صافي كمان إنها تعترض على أسلوب أو سلوك فيك مش مريحها. ولأني عارفك كويس وفاهم طبعك العنيد، مش قادر ألومها أوي. وحط في اعتبارك إني لسه ما عرفتش أسبابها. أثار حديث "عثمان" حفيظة "صالح" كليًا،

ليصيح باستهجان: انت بتبرر لها إيه؟ أنا مش فاهمك بجد. دي سافرت من ورايا، وفوق كده بمنتهى البرود باعتالي مسج وبتطلب الطلاق. انت سامعني؟ صفية عايزاني أطلقها! يستعين "عثمان" بكل قوته حتى يبقى هادئًا في مواجهة ابن عمه. يشبّك أصابع يديه فوق سطح المكتب معًا وهو يرد عليه بذات الهدوء: أنا عاذرك والله، وما قلتش إنها ما غلطتش، بس غلطها هايفضل نسبي بالنسبة لي. أنا لسه ما عرفتش دوافعها زي ما قلت لك يا صالح. تخبط "صالح" بمكانه

وهو يزمجر بعصبية متزايدة: انت بتنصرها عليا وانت بتعترف إنها غلطانة! هز "عثمان" كتفه بحركة خفيفة وقال: دي أختي يا صالح أكيد هانصرها. عليكماتتخيّليش لحظة إني ممكن أجي عليها لأي سبب، لو حصل واضطريت آخد صف حد فيكوا أكيد هاكون في صفها هي، وهاتلاقيني أنا اللي في وشك أصلًا. ارتفعت حاجبا "صالح" باستنكار وعجز عن الرد لوهلة، إلا إن "عثمان" لم يسمح له بالتحدث أكثر، فقاطعه قبل أن يفتح فاهه قائلًا بسأم:

بقولك إيه يا صالح، الكلام ده سابق لأوانه، وبعدين انت عارف إن صافي سافرت مع فريال هانم. انت عارف إن أمي تعبانة نفسيًا ومحتاجة كلنا ندعمها وناخد بالنا منها. صافي ما سافرتش تتفسح، ولو انت ذكي كفاية هاتعرف إنها ما طلبتش الطلاق غير بعد المشكلة اللي حصلت في البيت. فكر كده هاتفهم ببساطة إنها هي كمان جايز جدًا تكون حالتها النفسية مش مظبوطة. ما تبقاش اندفاعي، والأهم... ماتبقاش أناني وما بتفكرش غير في نفسك!

يصمت "عثمان" عند هذا الحد محدقًا بغضب إلى ابن عمه. بينما يزداد الأخير إجفالًا، لا ينكر أن كلمات "عثمان" هزّته حتى النخاع، لدرجة أنها تركته معقود اللسان تمامًا. زفر "عثمان" بنفاذ صبر وهو يلقي نظرة إلى ساعة معصمه قائلًا بصوت أجش: أنا اتأخرت على الـ Meeting، وأصلًا ده مش مكان نناقش فيه داخلياتنا. ثم هب واقفًا وهو يجمع أدواته وأوراقه الهامة بحقيبته الخاصة مستطردًا: امشي يا صالح، روح على القصر وشوف بنتك.

أكيد وحشتك زي ما انت واحشها. وأشوفك الليلة دي على العشا إن شاء الله. وأهي فرصة تقابل شمس. عقد "صالح" حاجبيه متسائلًا: شمس مين؟ هتف "عثمان" مجاوبًا إياه وهو يمر من جواره إلى الخارج: شمس يحيى البحيري، بنت عمك! هكذا تركه "عثمان" على صدمة أعتى من سابقيها و ولّى إلى عمله غير مباليًا. *** مرّ أربعة وعشرون ساعة منذ أن خرج "نبيل الألفي" من بيت أبيها مطرودًا من قبلها.

وها هو بكل صفاقة وتبجح يتصل بها وكأنه لم يسمعها جيدًا عندما أخبرته بألا يحاول الاقتراب منها، وأنها لن تتوانى عن التصدي له بنفسها مستغنية عن حماية أبيها أو حتى أخيها. إلا إنه لم يفهم كما ترى، لم تخاله قد بهذه الوقاحة. رغم إنها هي التي منحته عن نفسها تلك الصورة الوضيعة، هي ومن أجل أن توضح له حقيقتها حتى لا يجرؤ على المساس بها، حتى ترى بعينيه النفور منها فلا يعد يرغب بالتحدث إليها أو حتى رؤيتها.

لم يحدث ما أرادت، بل العكس تمامًا، حين فاجأها بطلبه، بل عرضه بتقديم خدمات خاصة بالفراش، إن هي وافقت على إقامة علاقة سرية معه بدلًا من الذهاب إلى الغرباء. كانت وجهة نظره أنه هو الأولى بها. النذل، الحقير. كزّت "مايا" على أسنانها وهي تلتقط هاتفها من فوق طاولة صغيرة بزاوية جانبية هنا، بصالة "الجيم" المترفة. جففت جبينها المتعرّق بمنشفة صغيرة وعلقتها على كتفها العاري، ثم فتحت الخط وردت بنزق:

أنا ماشوفتش في برودك ولا بجاحتك بصراحة. هو أنا مش طردتك من بيت أبويا امبارح يا بني آدم انت؟ انت إيه؟ ما عندكش دم؟ ما عندكش كرامة؟ جاء صوت "نبيل" هادئًا رصينًا بطريقة من شأنها أن تفقدها عقلها: مايا، أعتقد دي مش طريقة مهذبة تكلميني بيها. حبيبتي احنا لازم نبني علاقتنا على الاحترام المتبادل. ده بغض النظر طبعًا عن إن العلاقة اللي هاتربط بينّا هاتكون من جوا بعيدة تمامًا عن أي احترام!

كان بإمكانها سماع نبرة الخبث في كلماته الأخيرة، ما أجج نيران غضبها أكثر وهي ترد عليه بخشونة: ده في أحلامك، انت لو آخر راجل على الأرض كلهامش هاطول منك شعرة يا اللي اسمك نبيل الألفي! ده رهان ممكن أخده عليكي لما نوصل لمرحلة معينة في علاقتنا، وصدقيني ده قريب قوي. انتي عجبتيني يا مايا ودخلتي دماغي، وأنا مش هاسيبك. خليك عايش في الأوهام، أنا مش بطيقك ومن أول يوم. مش مهم تطيقيني، احنا الاثنين هانعمل علاقة ليها أهداف محددة.

علاقة محصورة في سرير يا مايا، تحبي أوضح أكتر؟ أعتقد ده اللي كنتي بتسعي وراه مش صح؟ تبًا له، إنه حقًا لا ينطق بكلمة لا تهدف إلا لإثارة غضبها. لعله محقًا، ولعلها مريضة إلى هذا الحد لتسعى وراء غرائز حيوانية بحتة. لكنها عندما تفكر بمشاركة هذا الجانب الفاسق منها معه، لا تقبله، لا تقبله أبدًا ولا تعرف سببًا مقنعًا لذلك. لأن "نبيل الألفي" رجل لا يقاوم، رجل تتمناه أجمل النساء وأرفعهن مقامًا وثراءً.

إنه حتى من ذلك النوع الذي ترضى أي امرأة بإقامة علاقة عابرة معه لأن كل شيء به غير قابل للتقييم. إنه مثالي، وسيم، جذاب، راجح العقل، وذو شخصية فريدة. لماذا تمتنع في حين أنه يجمع بين كل هذه الصفات؟ إغراء التفكير دفعها للحظة أن تتخيل نفسها بين أحضانه، أن تتخيل علاقة خاصة معه. أقشعرّت وارتعدت بعنف من حسية الشعور، مغري، خطير، معذب. مش هايحصل! هسّت "مايا" تحت أنفاسها الثقيلة.

سمعته يضحك بطريقة مؤذية لمشاعرها الهشة في الحقيقة، ثم يقول: صدقيني يا مايا، هايحصل. القصة محتاجة مقابلة كمان بيني وبينك وهاقنعك، لكن عمومًا أنا مش بتصل دلوقتي عشان أكلمك في الموضوع ده. الموضوع ده بالذات ماينفعش نناقشه على التلفيون. استشاطت غيظًا منه وسألته من بين أسنانها: إنجز، عايز مني إيه؟ تريّث للحظة، قبل أن يخبرها بهدوء: مبروك، ورقة طلاقك وصلت.

أنا ماسكها في إيدي في اللحظة اللي بكلمك فيها دلوقتي، تحبي أبعتها لك مع حسين؟ ولا أخليها معايا لحد ما أشوفك؟ لم تعد قادرة على تحمل الضغط الذي يمارسه عليها أكثر. وآخر ما كانت بحاجة إلى سماعه سخريته منها، أو أي خبر يشير إلى زواجها المخزي وطلاقها الذي لا يقل عنه خزيًا. لا شعوريًا وجدت نفسها تغلق الخط بوجهه، ثم تعبث بهاتفها حتى وضعت رقمه على قائمة الحظر. أفلتت منها صرخة منفعلة وهي تضرب الأرض بقدمها كالأطفال.

ولم تحسب بنفس اللحظة إنها كانت محط نظرات رواد الصالة الرياضية قاطبةً. كانت صرختها البائسة واليائسة وحدها كفيلة بتوقيفهم لثوانٍ عما يفعلون.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...