الفصل 49 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
45
كلمة
8,781
وقت القراءة
44 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

في قلب قصر آل البحيري الكبير، حيث اتحدت الفخامة بالعراقة، بدا المشهد وكأنه لوحة رسمتها أنامل مبدعة. القاعة المفتوحة مضاءة بثريات كريستالية تتدلى من السقف الاصطناعي العالي كنجوم متلألئة. الأعمدة مغطاة بنقوش ذهبية تعكس سطوع الأضواء. على طول القاعة، امتدت طاولات مزينة بزهور بيضاء وزهرية، تنسجم مع الشموع الذهبية التي أضفت دفئًا وسحرًا خاصًا على الأجواء.

من حولهما، اكتظ المكان بالضيوف الذين توشحوا بأجمل أثوابهم. موسيقى هادئة تُعزف مباشرة على آلة الكمان قرب الكوشة الفخمة المصممة من زهور الأوركيد والورود الحمراء.

العروس، شمس البحيري، وقفت أمام الكوشة كأنها نجمة على عرشها. فستانها الأبيض الطويل، المطرز يدويًا بخيوط فضية، بدا وكأنه يتلألأ مع كل حركة. ذيل الفستان امتد برقة، والطرحة المطرزة بدانتيل دقيق انسدلت لتكمل جمالها. شعرها البني الداكن كان مرفوعًا بأسلوب كلاسيكي، تزينه قطعة مجوهرات بسيطة على شكل تاج صغير.

بجانبها، رامز الأمير بدا في قمة أناقته. بدلته السوداء الإيطالية المصممة خصيصًا له زادت من وسامته، بينما ربطة العنق الحريرية باللون الكريمي انسجمت مع الألوان الهادئة للحفل. كان يقف منتصبًا بثقة، عيناه مثبتتان على شمس وكأنها محور الكون بالنسبة له. مع إعلان الموسيقى عن بدء الرقصة الأولى، صمت الحضور وتركزت الأنظار على العروسين. تقدم رامز نحو شمس بخطوات واثقة، ومد يده.

مدت يدها بتردد بسيط يعكس شعورها بالخجل، لكن ابتسامته طمأنتها. أمسك يدها برفق وقادها إلى منتصف القاعة حيث بدآ بالرقص. الحركات كانت بطيئة، لكنها ممتلئة بالمعاني. يد رامز على خصرها، ويده الأخرى تمسك يدها بإحكام، وكأنما يخشى أن تنفلت من بين أصابعه. شمس، رغم ارتباكها الظاهر، انسجمت سريعًا معه. همس لها رامز بصوت منخفض، لا يكاد يُسمع: "شمس.. أنا مش عارف ألم على بعضي. انهاردة دخلتنا، هاندخل يا شمس!!

ضحكت بخجل وردت بصوت منخفض: "بس بقى.. اسكت وما حد يسمعك وأنت بتقول الكلام ده." رامز بجرأة: "اللي يسمع ما يسمع.. خلاص.. بقيتي مراتي قدام ربنا والناس.. واللّيلة دي هاتبقى ملكي." اقشعرّت شمس متأثرة بكلماته، ورددت بهمس خافت: "أنا طول عمري ملكك.. وليك.. مش لأي حد غيرك." وصمتا عند هذا الحد. تبادل النظرات بينهما كان كافيًا ليكشف عمق المشاعر، الحب الممزوج بالراحة واليقين بأن كل شيء أخيرًا أصبح في مكانه الصحيح.

في زاوية من القاعة، بعيدًا عن الأنظار، وقفت رحمة جابر تراقب ابنتها وهي ترقص في حضن زوجها رامز الأمير. رغم أجواء الفرح التي غمرت القاعة، إلا أن وجه رحمة كان يحمل ملامح ضيق واضح. عيناها السوداوان كانتا تتابعان حركات شمس ورامز بدقة، كأنهما تبحثان عن شيء خفي، شيء يعيد إليها شعور الاطمئنان الذي تلاشى.

كانت ترتدي فستانًا أنيقًا من الشيفون الأسود المطرز بخيوط ذهبية دقيقة، يعكس أناقتها المعهودة، مع شال حريري يغطي جزءًا من كتفيها. شعرها الأسود مصفف بعناية مرميًا على طول ظهرها. لكنها رغم كل هذه الأناقة والجاذبية بدت وكأنها في معركة داخلية، بين أن تكون أمًا تحترم اختيار ابنتها وبين أن تظل على موقفها الرافض لرامز.

في هذه اللحظة، اقترب منها إبراهيم النشار، زوجها. الرجل الضخم ذو الحضور الطاغي، كان يرتدي بذلة زرقاء داكنة بخياطة متقنة، وربطة عنق أنيقة تضيف لمسة من الرقي. هيئته كانت تعكس قوته، لكن عينيه اللطيفتين كانتا مليئتين بالحب والاهتمام لزوجته التي بدا عليها القلق. وضع يده الكبيرة برفق على كتفها وقال بصوت منخفض: "مالك يا رحمة؟ مش مبسوطة زي الناس كلها ليه؟ نظرت إليه بطرف عينها، ثم أعادت بصرها نحو العروسين وقالت بنبرة متوترة:

"أفرح إزاي بس يا إبراهيم؟ أنت مش شايف شمس.. معمية بحب الراجل ده وباين استسلامها له. كان نفسي تبقى قوية.. كان نفسي تبقى أحسن مني." ابتسم إبراهيم ابتسامة صغيرة، وكأنه يتوقع ردها، ثم قال بهدوء وهو يقرب وجهه منها:

"يا رحمة.. البنت خلاص بقت في عصمته.. وباين عليها مرتاحة وسعيدة مش قصة مستسلمة زي ما أنتِ مفكرة. وبعدين ما هي خلاص بقت في حماية أخوها برضه.. عثمان البحيري بقى في الصورة من يوم ما عرف بيها.. خوفك عليها دلوقتي ملوش مبرر." تنهدت رحمة ورفعت يدها تحرك بها طرف شالها، محاولة كبح مشاعرها: "أنت مش فاهم قصدي.. محدش فاهمني! نظر إبراهيم إليها بحنان، ومال قليلاً ليكون حديثه أكثر خصوصية وقال:

"فاهماك يا حبيبتي.. محدش في الدنيا ممكن يفهمك ويحس بيكي قدي. عارف إنك خايفة عليها.. عارف إن شمس ضي عنيكي.. بس رامز دلوقتي بقى جوزها.. اديهم فرصة.. يمكن يقدر يثبت لك إنه يستاهلها." هزت رأسها ببطء، وكأنها تحاول أن تستوعب كلماته، لكن القلق لم يختفِ من وجهها تمامًا. قالت بصوت أقرب للهمس: "أنت عارف إني دايمًا بفكر في اللي حصل زمان.. مابقيتش أقدر أثق بسهولة.. وده اللي مخوفني أكتر من أي حاجة."

اقترب إبراهيم أكثر، وأمسك بيدها برفق وهو يقول بحزم ممزوج بالحب: "اللي حصل زمان انتهى يا رحمة.. أنتِ محتاجة تنسي.. عشان شمس تقدر تعيش.. ما تخليش الماضي يطاردك للأبد.. عيشي معايا.. وسيبي بنتك تعيش مع اللي قلبها اختاره." نظرت إليه رحمة وكأنها تحاول أن تجد رادع لترددها في عينيه. ثم عادت بنظرها نحو شمس التي بدت سعيدة جدًا بين ذراعي رامز. للحظة شعرت بشيء من الراحة، لكنه كان شعورًا هشًا، كأنه يمكن أن يتبدد في أي لحظة.

أضاف إبراهيم بنبرة أكثر دفئًا: "فرح بنتك النهاردة يا رحمة.. لازم الفرحة تبان عليكي الفرحة وبس.. كل اللي هنا عينهم عليكي وعلى شمس.. لو مشيتي ورا مخاوفك البنت هاتحس والجو هايتكهرب.. خليكي قوية.. عشانها."

أومأت رحمة برأسها دون أن تتكلم، ثم تنهدت بعمق، كأنها تحاول إخراج القلق من صدرها. في أعماقها لم تكن متأكدة إن كانت قادرة على تقبل رامز تمامًا، لكنها أدركت بأن عليها المحاولة، إن لم يكن من أجله، فمن أجل شمس التي كانت تبدو سعيدة للغاية في تلك اللحظة. ابتسم إبراهيم وهو يرى علامات الاستسلام تلوح على ملامحها. ربت على كتفها وقال ممازحًا: "أيوه بقى سيبك من التكشيرة دي.. لو شمس شافتك كده هتقول إن أنا السبب وإني منكد عليكي."

ابتسمت رحمة ابتسامة خفيفة، لكنها لم تخفِ تمامًا مخاوفها. حاوط إبراهيم خصرها وسار بجانبها باتجاه الحضور، لكن عينيها بقيتا مثبتتين على ابنتها وهي تحاول أن تقنع نفسها بأن هذه البداية الجديدة قد تكون أفضل مما تتوقع.

في جهة أخرى، ملك حفظي واقفة بعيدًا، بفستانها الحريري الأخضر الداكن، الذي عانق جسدها النحيل بخفة. بدت كلوحة حية متناغمة مع لون عينيها الخضراء التي امتلأت بالتوتر. شعرها البني الطويل كان مرفوعًا في تسريحة بسيطة تتدلى منها خصلات ناعمة على جانبي وجهها. أناملها لم تهدأ وهي تعبث بأطراف الفستان كأنها تبحث عن ملاذ من الخوف الذي يسكنها.

كانت تراقب الحفل. أخذت نظراتها تنجذب تلقائيًا نحو عثمان البحيري وشقيقتها سمر. كانا يقفان معًا وسط الحضور، وكأنهما جزيرة من الهدوء وسط بحر الاحتفال الصاخب. تألقت سمر بحضور طاغٍ وأناقة متفردة تعكس رقيها واحتشامها. ارتدت فستانًا من التفتا الحريري باللون الزمردي العميق، ينساب برقة على جسدها كأنه ماء يتدفق على صخرة ناعمة. الفستان مزين بتطريز يدوي دقيق من خيوط الذهب عند الأكمام والصدر، يضفي عليه لمسة ملكية. غطت رأسها بطرحة طويلة من الشيفون الخفيف، بلون عاجي ينسجم برقة مع بشرتها الشمعية. تزيّنت أطرافها بتطريزات ناعمة كالريش،

واختارت إكسسوارات بسيطة: قرطين متدليين من اللؤلؤ الأبيض وسوار رقيق من الذهب، مما أكمل إطلالتها بجاذبية آسرة.

أما عثمان، فبدا كأنه الأمير الذي خرج من حكاية خيالية. ارتدى بذلة رسمية سوداء ذات تفصيل دقيق، يظهر فيها القماش المخملي على ياقة الجاكيت كلمسة فاخرة. نسقها مع قميص أبيض ناصع وربطة عنق من الساتان بلون أخضر داكن يتناغم مع إطلالة زوجته، وكأنه يعلن بصمتهما المشتركة. الحذاء اللامع والخياطة المثالية أعطيا إطلالته بريقًا إضافيًا، بينما أضافت ساعة كلاسيكية فضية اللمسة الأخيرة التي زادت من جاذبيته.

بين الحضور، كانا كلوحة متناغمة، يعكسان جمال البساطة وأناقة التفاصيل. كانت نظرات ملك تجاههما تحمل في طياتها مشاعر متناقضة بين الحب الصامت والحسرة. لكن نظرتها لم تخفَ عن عثمان الذي لاحظها حتى دون أن يلتفت إليها. بل ازداد قربًا من زوجته، وبدون أن ينطق بكلمة جذبها أقرب إليه. لف ذراعه حول خصرها بحنان، كأنما يعلن للعالم بأسره بأن هذه المرأة هي قلبه وملاذه.

سمر، التي شعرت بحركة زوجها، ابتسمت بخجل وأخذت تضع يدها على بطنها البارزة، كأنها تحتمي بذلك الحب المتبادل بينهما. سمعت صوته يردد بصوت خافت مليء بالحب: "يا ترى عندك فكرة قد إيه أنتِ بتكوني حلوة أوي لما بتبقي حامل؟ ابتسمت سمر له، عيناها تشع حبًا وامتنانًا، ثم مالت برأسها قليلاً على كتفه وهي تقول بابتسامة مرحة: "كلامك ده فوق فوق راسي والله.. ومش هانسى إعجابك بيا حتى وأنا شبه طائر البطريق."

ضحك عثمان برقة وهو يضع يده فوق يدها على بطنها، وقال بصوت منخفض: "على فكرة.. أنا اخترت اسم البيبي." نظرت إليه سمر بدهشة ممزوجة بالحب، وقالت بفضول: "أخيرًا! طيب قول لي عشان أنا مش عارفة ألاقي اسم حلو خالص." اقترب منها أكثر، وكأن الاسم نفسه كان سرًا يريد أن يهمس به في أذنها، وقال بابتسامة عميقة: "عزيز." تأملته للحظات، وكأنها تتذوق الاسم في قلبها قبل أن ترد. كانت عيناها تلمعان بحب، وابتسامتها تتسع وهي تقول بصوت ناعم:

"عزيز... الله.. الاسم جميل يا عثمان.. تحسه قوي.. وهادي في نفس الوقت.. زيك كده." ضحك عثمان بخفة وهو يقترب ليطبع قبلة صغيرة على جبينها قائلاً: "أنا عمري ما بعرف أبقى هادي طول ما أنا جنبك." ضحكت سمر بحياء وهي تضع يدها على بطنها مجددًا، وكأنها تريد أن تشعر بحياة الطفل الذي يحمل ذلك الاسم للمرة الأولى. ثم همست: "عارف.. حاسة إني بحبه أوي.. متعلقة بيه من قبل ما أشوفه.. وخايفة لما يجي أحبه أكتر من إخواته." طمأنها بلطف:

"الشعور ده طبيعي.. الفترة دي كلها أنتِ حساسة أوي ومشاعرك كلها بتكون أقوى من أي وقت.. افتكري كلام الدكتورة.. وما تقلقيش.. ولادنا كلهم غلاوة واحدة عندنا.. ومافيش مشكلة لو حسيتي إن واحد فيهم له مكانة خاصة عندك.. زي ما قلت أنا بحس بكده ناحية يحيى... " وقبض على يدها مستطردًا بدعم: "ما تقلقيش يا سمر.. مش هاتقصري أنا واثق من كلامي.. أنتِ أحن أم شوفتها في حياتي.. ولادي محظوظين عشان أنتِ أمهم."

في تلك اللحظة، تلاشت كل الأصوات من حولهما، وأصبح العالم كله مركزًا على تلك اللحظة الخاصة بينهما. كانت الأضواء الساطعة، أصوات الموسيقى، وحتى همسات الحاضرين تبدو كأنها مجرد خلفية لصورة رومانسية رسمها الحب بين عثمان وسمر، وهي تقف بجواره تحمل ابنهما في أحشائها، وعيونهما مليئة بالحب والأمل في المستقبل. من الجهة المقابلة، فادي حفظي يقترب من شقيقته الصغرى بهدوء محسوب. خطواته الواثقة وصوته الذي يناديها منخفض لكنه واضح:

"مـلك! كان يرتدي حلّة رمادية أنيقة، وربطة عنق خضراء داكنة تناسقت مع عينيه الحادتين التي تشبه عيني أختيه ملك وسمر، لكنهما بداتا مليئتين بحزم أكثر منه رقة. ملامحه القوية لم تحمل أي تعبير سوى الثبات، وكأن الزمن لم يترك أثرًا عليه. حين وقف أمامها، شعرت به كأنه يسد الهواء من حولها. رفعت عينيها نحوه ببطء، لكن نظرتها لم تستطع الثبات عليه طويلاً. حاولت أن تبعد خطواتها، لكنه قال بنبرة حاسمة: "مش كفاية ولا إيه يا ملك!

لحد امتى هاتفضلي تهربي مني كل ما تشوفيني؟ أجفلت للحظة، ثم ردت بصوت خافت: "مش بهرب... أنا بس... قاطعها بحدة لم يتخللها أي عدوان: "أنتِ خايفة مني.. من زمان.. من قبل اللي حصل لك وأنا بشوف الخوف في عينيكي كل مرة لما بقابلك.. أنا مش فاهم الخوف ده ليه؟ أنتِ أختي الصغيرة.. عمرك حسيتي إني مش بحبك.. إني ممكن أقسى عليكي أو آذيكي.. قولي لي يا ملك بتخافي مني ليه؟ ابتلعت ريقها بصعوبة، وضغطت على يدها بتوتر قائلة: "مش خوف...

أنا عمري ما خوفت منك.. بس.. أنا مش واخدة عليك.. ودلوقتي إحساسي.. يمكن إحراج.. عثمان قالي إنك عرفت اللي حصل معايا.. أنا مش عارفة أتعامل معاك بعد اللي حصل." حدق فيها للحظة طويلة، ثم قال بنبرة أهدأ لكنها مليئة بالحزم: "اللي حصل انتهى.. وعدّى عليه وقت.. أنا هنا مش عشان أفتح جراح قديمة أو أحاسبك.. أنا هنا عشانك." رفعت عينيها إليه بسرعة، خجلها بدأ يتحول إلى اضطراب أكبر، فسألته: "عشاني؟ يعني إيه!؟ ابتسم نصف ابتسامة، وقال:

"عشان نرجع عيلة زي ما لازم نكون.. وده مش هايحصل إلا لما تكوني تحت عيني زي ما المفروض كنتي تبقي من زمان.. ملك أنتِ هاتتنقلي تعيشي معايا.. أنا قررت أستقر في مصر.. هاناخد بيت كبير وهانعيش سوا.. هانعوض كل السنين اللي عدّت وإحنا بعيد عن بعض.. هانبدأ صفحة جديدة." شعرت ملك بضربة في قلبها. تراجعت خطوة للخلف، عيناها اتسعتا من المفاجأة، وشفتيها تحركتا كأنها تحاول أن تقول شيئًا لكنها فشلت.

رفعت رأسها ونظرت عبر القاعة نحو عثمان الذي كان لا يزال يقف مع شقيقتها. عيناها امتلأتا بالدموع، لكنها ابتسمت بخفة كأنها تحاول أن تعتذر له بصمت حتى دون أن يراها. رغم حبها لعثمان، ورغم تمسكها بالبقاء في القصر حيث وجدت لأول مرة إحساسًا بالأمان، إلا إنها تعلم جيدًا بأن وجودها هنا بات خطرًا، عليها وعليه. كانت تعلم بأن قلبها لن يستطيع تجاهل مشاعرها تجاهه، ورغبتها في البقاء معه قد تتحول إلى خطأ لا يغتفر.

تنفست بعمق، وأجابت فادي بصوت متحشرج لكنه ثابت: "أوكي يا فادي.. أنا موافقة.. هاجي أعيش معاك! نظر إليها فادي نظرة طويلة، كأنه يحاول التأكد من قرارها. ثم اقترب، وضع يده برفق على كتفها، وقال: "معايا.. ده المكان الصح ليكي.. وهاتشوفي بنفسك.. أنا هاكرّس وقتي كله ليكي وهابذل وسعي كله عشان أخليكي مبسوطة ومرتاحة."

رفع يده عنها ببطء، ثم استدار عائدًا إلى زوجته بخطوات واثقة. بينما ملك بقيت في مكانها، تنظر نحو عثمان الذي بدا كأنه شعر بشيء، لكنه لم يتحرك. أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا. تعلم بأن هذا القرار هو التضحية الأكبر التي يمكنها تقديمها لحماية من تحب، ولحماية نفسها من الانجراف وراء مشاعر قد تؤدي إلى تدمير كل شيء.

بعد قليل، في وسط أجواء من البهجة، وقف الجميع حول التورتة الضخمة التي زُينت بتفاصيل أنيقة، مكوّنة من خمس طبقات بيضاء مزينة بأزهار ذهبية وحمراء متقنة الصنع. تصاعدت أصوات التصفيق والضحكات عندما أمسك رامز بيد شمس بلطف موجهًا السكين المزين بشريط حريري ذهبي نحو الطبقة الأولى من التورتة.

ابتسمت شمس بينما عيناها العسليتان تلمعان بعشق واضح وهي تتبع حركة رامز الذي كان يتحرك بثقة. ضحكته الخفيفة وتصرفاته الرقيقة أظهرت مدى سعادته بهذه اللحظة. بعد أن قطعا قطعة التورتة معًا، أمسك رامز بالشوكة ووضع قطعة صغيرة أمام فم شمس قائلاً بنبرة مرحة: "سيب لي طرف، أوعي تاكليها لوحدك!

ضحكت شمس وهي تفتح فمها لتتناول القطعة بأسنانها المثالية، ولكن قبل أن تستقر داخل فمها، مال رامز فجأة ملتهمًا شفتيها في قبلة عميقة وسط دهشة الحضور. تصاعدت الأصوات بين التصفيق والضحك، بينما شمس تحمر خجلًا وتدفعه بخفة لتوقفه. قطع رامز القبلة وهو يضحك بحيوية قائلاً: "معلش يا جماعة.. لازم نحافظ على التقاليد.. دي فقرة أساسية."

الحضور انقسموا بين مستمتعين وضاحكين، ومن بينهم بعض الوجوه التي لم تخف غيرتها أو حسدها، لكن أجواء الفرح غلبت على الجميع. من بين الجموع، اقترب عثمان البحيري بخطوات ثابتة. وقف أمامهما، حاجباه معقودان وقال كأنه يوبخ رامز: "شكلك عايز تمشي من غير العروسة! تراجع رامز بخفة، ورفع يديه معتذرًا: "حقك عليا يا كبير.. بس والله الفرحة واخداني." ضحك عثمان بخفة، لكن نبرته بقيت جادة:

"مقدر فرحتك.. بس حاول تهدى شوية.. مش كل حاجة تنفع تتعمل قدام الناس." تدخلت شمس سريعًا لتخفيف الجو، وابتسمت وهي تمسك بيد أخيها: "أيوه يا عثمان عندك حق.. بس رامز مش قصده حاجة.. إحنا الاتنين فرحانين أوي.. وأنا... أنا ممتنة ليك إنك وافقت على جوازنا." نظرت إلى عثمان بعينين ممتلئتين بالامتنان والدموع، ثم احتضنته بحب قائلة: "أنت دايمًا سندي يا عثمان.. وعمري ما أنسى اللي عملته عشاني." ابتسم عثمان ورّبت على ظهرها بلطف:

"فرحتك فرحتي يا شمس.. وأهم حاجة أشوفك سعيدة.. أنتِ وصية أبويا.. وطول ما أنا عايش هأفضل صاين الوصية." دمعت عينيها عندما أتى على ذكر والدهم. لم تترك حضنه فضمّها بقوة بدوره، ليتدخل رامز بعد لحظة وقد اقترب من عثمان وهو يقول بنبرة جادة وصادقة: "وأنا كمان عايز أشكرك يا عثمان.. على الفرصة اللي اديتهالي.. وعلى إنك وثقت فيا.. أنا غلطت زمان.. ويمكن كنت متهور أحيانًا.. بس ده وعد مني...

شمس هاتعيش جوة عيني.. وهكون إنسان أفضل عشانها وعشان ولادنا اللي جايين في المستقبل." نظر إليه عثمان طويلاً، كأنه يقيّم صدقه، ثم ابتسم ورّبت على كتفه بقوة قائلاً: "طالما شمس اختارتك ومصممة إنها بتحبك وعايزاك.. يبقى عندي ثقة إنك قدها.. حافظ عليها يا رامز.. هي مش بس أختي... هي جزء مني." ابتسم رامز وقطع المسافة بينهما ليعانقه عناق الصداقة والأخوّة:

"مش هاتندم يا عثمان.. وعد شرف.. عمر رامز الأمير ما خذلك من يوم ما عرفتك.. الغلطة حصلت وأنا ما عرفتش إنك طرف في الموضوع.. من الليلة دي مافيش غلط تاني.. أوعدك." وتباعدا. تبادل الثلاثة نظرات مليئة بالمحبة والتقدير، بينما عاد الجو العام في القاعة إلى أجواء الفرح والاحتفال.

تحت سماء الليل الهادئة، توقفت السيارة أمام شاليه فاخر يطل على شاطئ خاص. الأمواج تصطدم بالرمال في انسجام وكأنها تعزف معزوفة خاصة للعروسين. الشاليه كان هدية من عثمان البحيري لأخته وزوجها بمناسبة ليلة الزفاف، مجهزًا بعناية فائقة ليكون ملاذًا رومانسيًا يليق بشمس في ليلة عمرها.

فتح رامز باب الشاليه بمفتاح فضي، ثم انحنى قليلاً ليحمل شمس بين ذراعيه بينما هي تتشبث بكتفيه بخجل واضح. كان قد خلع سترته الآن، ليبرز قميصه الأبيض مفتوح الياقة، ربطة عنقه قد فُكت منذ وقت طويل، بينما عينيه تتأملان شمس بحب عميق. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه وهو يغلق الباب بركلة خفيفة من قدمه متجاهلاً الضحكة الخافتة التي أفلتت من شمس.

الشاليه من الداخل كان أشبه بتحفة فنية، مصممًا ليجمع بين الفخامة والحميمية. جدرانه بلون الرمل، تزينها لوحات طبيعية مستوحاة من البحر. الأرضية من خشب السنديان الدافئ، مع أضواء خافتة تُبرز تفاصيل الأثاث الحديث، وكل زاوية منه تنطق بالرومانسية. في الصالة، أريكة كبيرة باللون الكريمي، أمامها طاولة زجاجية صغيرة تحمل مزهرية مليئة بورود حمراء وبيضاء. شموع معطرة كانت موزعة بعناية لتضفي أجواء من الدفء والسكينة.

قاد رامز زوجته إلى غرفة النوم مباشرة. كانت قلب الشاليه. السرير الملكي مغطى بأغطية من الساتان الأبيض، مزينة ببتلات ورد حمراء متناثرة بشكل فني. الستائر الشفافة الممتدة حتى الأرضية كانت تتحرك برفق مع نسمات البحر القادمة من النافذة الكبيرة التي تطل مباشرة على الشاطئ. وضعها رامز برفق على السرير، ثم تراجع قليلاً ليتأملها. وقف للحظة يضع يديه في جيوبه وعيناه تغمرانها بحب واندهاش، وكأنه لا يصدق بأن هذه اللحظة حقيقية.

قال بصوت مبحوح من التأثر: "مش مصدق إنك بقيتي مراتي.. على اسمي رسمي... بجد يا شمس.. أنا مش قادر أوصف إحساسي دلوقتي." رفعت عينيها إليه بخجل وهي تجلس على حافة السرير. عضت شفتها السفلى بلطف وقالت بصوت خافت: "وأنا كمان يا رامز... كأني بحلم." اقترب رامز منها جاثيًا على ركبتيه أمامها. أمسك بيدها بين يديه، نظر إلى عينيها الواسعتين وقال:

"الحلم ده أخيرًا بقى حقيقة.. بعد كل السنين اللي كنتي بعيدة عني.. كل لحظة كنت بحلم بيها بقت بين إيديا دلوقتي.. أخيرًا إحنا مع بعض." عيني شمس لمعت بالدموع، لكنها ابتسمت وهي تقول: "أنا كنت خايفة.. خايفة إننا ما نوصلش للحظة دي." أمسك رامز وجهها بين كفيه برفق، ونظر إليها كأنها العالم كله، ثم همس: "مافيش حاجة هاتبعدني عنك تاني.. وعد يا شمس."

قبل أن تضيف شيئًا، مال برأسه نحوها، عينيه مغلقتان كأنها لحظة مقدسة، حتى التقت شفتيه بشفتيها في قبلة بطيئة عميقة، مليئة بالشوق والاحتواء. كانت قبلة رامز الأولى بعد الزواج ناعمة، كان كأنما يمتص فيها توتر شمس وارتباكها، لكنها تحولت تدريجيًا إلى قبلة أكثر حرارة، مشبعة بشغف رجل طال انتظاره ليحصل على المرأة التي أحبها من أعماقه. شفتيه التقطتا شفتيها في حركة متناغمة، وكأنهما يرقصان معًا على نغمة غير مسموعة.

حين انسحب قليلاً ليلتقط أنفاسه، لم يمنحها وقتًا لتفكر. شفتيه بدأتا تتجولان على وجهها. قبّلا جبهتها برفق أولاً، ثم تنزلا إلى عينيها المغلقتين، قبلة طويلة على كل عين وكأنه يريد أن يطبع عليها أمانه. انتقل بعدها إلى أرنبة أنفها، ثم وجنتها، حيث كانت قبلاته خفيفة، كأنها لمسة ريشة. لكن حين وصل إلى زاوية فمها، تغيرت وتيرته. فمه أصبح أكثر جرأة، يقبل زاوية فمها ببطء شديد، ثم نزل نحو فكها بخطوات مدروسة. لم يمنحها فرصة للتنفس بشكل كامل، حيث كانت أنفاسه تختلط بأنفاسها، ورائحة عطره المألوفة تعبق في الهواء، تغرقها في عالم جديد من الحواس الدقيقة.

حين وصل إلى عنقها، توقفت شمس عن التنفس للحظة، وكأنها تشعر بتيار من المشاعر يجتاحها. لامست شفتيه بشرتها هناك، بداية بخفة، وكأنها اختبار لردة فعلها، ثم ازدادت عمقًا، قبلة طويلة عند جانب عنقها، تبعتها قبلة أخرى أسفل أذنها، حيث ترك أنفاسه الدافئة تلامس بشرتها الحساسة.

لم تستطع شمس منع نفسها من إطلاق آهة خافتة، كانت مزيجًا من الخجل والرغبة. ابتسم رامز وهو يسمعها، وكأن صوتها كان كل ما يحتاجه ليشعر بأنها أخيرًا استسلمت بين يديه. همس بصوت منخفض جدًا، أشبه بوعد: "شمس... عايزك تطمنّي خالص.. وتسيبي نفسك تمامًا.. لو سمعتي كلامي بضمن لك إن الليلة هاتعدي زي الفل.. ومش هاتتنسي."

تجول بقبلاته نحو الترقوة، حيث منحها وقتًا لتعتاد على حرارته. كان يبطئ أحيانًا، ثم يعود ليشعلها من جديد بقبلة أكثر عمقًا. بينما يديه بدأت تتحرك بخفة ليزيل فستانها ويسحبه عبر ساقيها. بدأ بنزع ثيابه هو الآخر بينما يلامس ظهرها بأنامله، يشعرها بحماية لا مثيل لها.

مع كل قبلة، كانت شمس تحس وكأنها تذوب أكثر وأكثر بين ذراعيه. صوت البحر في الخارج كان بالكاد يُسمع، طغت عليه أصوات أنفاسهما المتقطعة وآهاتها التي حاولت كتمها دون جدوى. رامز، الذي كان يراقب كل ردة فعل منها، شعر بأنه أخيرًا في المكان الذي ينتمي إليه. كانت اللحظة مزيجًا من الحب، الشغف، والرغبة. حيث لم يترك رامز جزءًا من وجهها وعنقها إلا وطبع عليه قبلاته، وكأن كل قبلة كانت شهادة على سنوات اشتياقه لها، وعلى الوعد الذي قطعه لنفسه بأن يجعلها أسعد امرأة في العالم.

في اللحظة التي وصلت فيها الأمور إلى أوجها، أطلقت شمس شهقة حادة لا إرادية، شهقة مزجت بين الألم اللحظي والخجل. جسدها ارتعش برفق بين يديه، بينما تركت شفتيها تطلق آهتين خافتتين متتاليتين، وكأنها تحاول التكيف مع الوضع الجديد الذي يغمرها. يدها ترتعش قليلاً وهي تمسك بذراع رامز، وكأنها تبحث عن دعم أو طمأنة.

تجمد رامز في مكانه للحظات، عيناه تبحثان عن عينيها وسط الضوء الخافت. لم يتحرك، لم يضغط، فقط بقي ثابتًا تمامًا، وكأنه يريد أن يمنحها الوقت لتستوعب اللحظة، ولتشعر بالأمان الكامل بين يديه. همس لها بصوت منخفض، مليء بالحنان والدفء: "هدّي يا شمس... ماتخافيش... أنا مش مستعجل."

كانت أنفاس شمس متقطعة، وصوت آهات خافتة يخرج منها رغماً عنها. بين التردد والخجل، أغمضت عينيها للحظة، محاولة أن تهدئ ضربات قلبها المتسارعة، ويدها ترتخي على ذراعه قليلاً وكأنها بدأت تثق به.

لم يتحرك رامز حتى شعر بأنها بدأت تسترخي ببطء بين ذراعيه. حينها، رفع يده ليضعها على شعرها بخفة، أصابعه تمر بين خصلاتها، وكأنه يقول لها إن كل شيء بخير. كان وجهه قريبًا جدًا من وجهها، حتى أن أنفاسه كانت تختلط بأنفاسها. ثم قبل جبينها قبلة طويلة، مفعمة بالاحتواء. قال بصوت أهدأ، وكأن كلماته كانت بلسمًا لتوترها:

"مبروك يا حبيبتي.. أخيرًا يا شمس.. أخيرًا.. أنا مش عايزك تخافي أبدًا.. مش هأعمل حاجة إلا لما تكوني مرتاحة.. أنا مش مستعجل.. الليلة كلها لينا." رفعت شمس يدها ببطء تضعها على صدره، حيث شعرت بنبضات قلبه المتسارعة. عيناها اللتان فُتحتا قليلاً بحثتا عن عينيه. وجدت فيهما الأمان والاطمئنان الذي تحتاجه. ابتعلت ريقها بصعوبة، ثم همست بصوت مبحوح: "رامز... أنا... مش خايفة... أنا بحبك."

ابتسم لها برقة وقد طرب قلبه لاعترافها الآن بالذات. يديه انتقلتا إلى وجهها، يمسح بسبابته آثار دمعة كانت على وشك السقوط. ثم اقترب منها مرة أخرى، ولكن هذه المرة ببطء أكبر. قبّلها على جبينها أولاً، ثم تدرّجت شفتيه إلى زاوية فمها، وعنقها، في محاولة لطمأنتها واستبدال أي ألم بشعور من الراحة.

مع كل لحظة، كانت تشعر بأن جسدها يبدأ في التكيف، والخجل يتلاشى تدريجيًا تحت تأثير لمسات رامز الحانية. كل قبلة منه كانت تشبه وعدًا جديدًا، وكل لمسة تحمل رسالة حب لا تنتهي. ابتسمت شمس ابتسامة خفيفة جدًا، لكنها كانت مليئة بالامتنان. فتحت عينيها من جديد لتنظر إليه، وكأنها تخبره بأنها مستعدة الآن.

حينها بدأ رامز يتحرك بحذر شديد، ببطء متناهي، وكأنه يخشى أن يكسر شيئًا ثمينًا. مع كل لحظة كانا يقتربان أكثر من التناغم الكامل. شعرت شمس بحرارة جسده تغمرها، وبلمساته الرقيقة التي جعلتها تتخطى ألم اللحظة الأولى. كانت همساته وقبلاته المتناثرة على وجهها وعنقها كسحر يذيب كل مخاوفها، حتى بدأت آهاتها تتحول تدريجيًا إلى صوت مختلف، مزيج من الارتياح والشغف.

بينما يشعر رامز بنشوة غامرة، ولكنها لم تكن مجرد انتصار جسدي. كان يحس وكأن روحه أخيرًا وجدت ملاذها. كل حركة منه كانت مدروسة، كل لمسة مليئة بالحب والاحترام. كان يراقبها بعينيه لحظة بلحظة، وكأنه يريد التأكد من أن كل شيء على ما يرام.

بمرور الثواني أصبحت شمس أكثر استسلامًا. يدها تنتقل إلى كتفيه، تحتضنه بإحكام وكأنها تريد أن تؤكد له بأنها الآن معه بالكامل، بجسدها وروحها. لم تكن هذه مجرد لحظة حب عادية، بل كانت لحظة اندماج كامل، شعور بأن كل شيء أصبح كما يجب أن يكون.

مع تصاعد المشاعر بينهما، أصبحت حركاتهما أكثر تناغمًا، وآهات شمس كانت ترتفع تدريجيًا، ولكنها كانت تحمل في طياتها إحساسًا جديدًا بالثقة والشوق. رامز، الذي كان لا يزال يراقب كل تفاصيلها، ابتسم وسط تلك اللحظة الحميمية وهمس من بين أنفاسه: "أنا عمري ما حلمت بلحظة أجمل من دي.. ياما تخيلتها.. لكن الواقع غير... بحبك يا شمس... بحبك.. بحبــك...

واستمرت طقوس الحب بينهما في تطور. كل لمسة وكل همسة تضيف طبقة جديدة من المشاعر التي جعلت تلك الليلة لا تُنسى. ليلة توّجت حبًا انتظر طويلًا ليصبح حقيقة.

بعد مرور أشهر قليلة، كان القصر الكبير يضج بالحياة. الحديقة الواسعة تملأها الزينات الملونة، والأضواء اللامعة التي تنعكس على الجدران المهيبة، مزينة بالأقمشة البيضاء والزرقاء. الطاولات المصطفة بحرفية كانت تعج بالحلويات التقليدية والمشروبات. مظاهر احتفال باذخة، رغم أن الحضور يقتصر على العائلة والمقربين فقط.

في منتصف حفل "السبوع"، وقف عثمان البحيري يحمل بين يديه صغيره عزيز. وجهه يلمع بالفرحة والفخر، وكأنه يحمل العالم بأسره بين ذراعيه. كان يداعب الرضيع بصوت منخفض، يمسح على رأسه برفق بينما يهمس لـ سمر بابتسامة مليئة بالمودة: "قلت لك من الأول إنه ولد! حسيت بيه قبل حتى ما أشوفه." كانت سمر تجلس بجواره بفستان بسيط بلون السماء، ترتدي وشاحًا أبيض ناعمًا يغطي رأسها وكتفيها. ابتسمت له بدفء وهي تضع يدها على ذراعه:

"وأنا قلت لك إن متعلقة بيه وبحبه من قبل ما أشوفه.. دلوقتي لما وصل اتأكدت.. عزيز بقى أعز على قلبي يا عثمان.. بحبه.. بحبه أوي." كانت السعادة تفيض من عينيها. وفي لحظة دافئة نظرت إلى طفلها الجميل النائم بأمان بين يديّ والده، وكأنها تتمنى أن تتوقف الحياة عند هذه اللحظة.

في الزاوية الأخرى، كانت شمس البحيري جالسة بجوار زوجها رامز الأمير. وجهها يضيء بإشراقة الأمومة التي بدأت تظهر عليها. بطنها البارز قليلاً كان دليلاً واضحًا على حملها الأول، بينما كان رامز ملاصقًا لها، يضع ذراعه حول خصرها كأنه يحميها من العالم. همس لها بابتسامة عذبة وهو يضع يده على بطنها غامزًا: "التوأم بتوعنا مش مريحين جوة.. تفتكري طالعين أشقيا لمين؟

ضحكت شمس بمرح كبير. كانت تعلم في داخلها كم كان رامز متحمسًا لهذه المرحلة الجديدة في حياتهما. كم كان يحلم بها لسنوات. كان ينظر إليها بحب وإعجاب وكأنها أعظم إنجاز في حياته.

في زاوية قريبة، الصديق المقرب للعائلة، مراد أبو المجد يقف بجوار زوجته التي أخذت تشرف بنفسها على تجمع الأطفال الصبايا حول مائدة الحلوى. يساعدها في السيطرة على الأمور يحيى البحيري الابن، بينما مراد يشاركهم في الأحاديث الفكاهية والضحكات. الجميع كان يشعر بالألفة والدفء، وكأن هذا الاحتفال لم يكن مجرد سبوع، بل تجمع عائلي يزخر بالحب والمصالحة والتجدد.

على الجانب الآخر من ساحة الاحتفال، وقفت صفيّة البحيري بين ابنة عمها هالة وزوجها فادي حفظي. الاثنان لم ينفكا يتسائلا عن علة غياب صالح، لكنها كانت تتهرب من السؤال باستمرار متذرعة بعمله. جمالها كان مختلفًا اليوم، ناعمًا وهادئًا، لكنه آسر. ارتدت فستانًا أزرق داكن من الحرير، بقصة تُبرز جمال قوامها دون مبالغة. أكتاف الفستان المكشوفة كانت تزينها زخارف بسيطة من الترتر، أضفت لمسة من البريق. شعرها البندقي القصير كان مصففًا بنعومة على شكل أمواج انسيابية، تتناثر فوق حول وجهها كأنها تحاكي البحر في ثورانه. مكياجها بسيطًا، مع لمسة من أحمر الشفاه الوردي الذي أبرز شفتيها المكتنزتين، وعينيها الواسعتين ذات النظرات التي كانت تتحدث حتى في صمتها.

رغم ضحكاتها مع كلًا من هالة وملك، كان الحزن يسكن في أعماقها، يظهر في اللحظات التي تسكت فيها للحظة. كانت تمسك بكأس من العصير، تحركه دون أن تشرب، وكأنما تفكر في شيء بعيد. قطع عثمان هذا المشهد بتقدّمه نحوها. كان يبدو واثقًا في حلّته الصيفية الخفيفة بيضاء اللون. ناداها بصوت هادئ: "صافي! استدارت نحوه بابتسامة خفيفة تخفي الكثير، واعتذرت لابنة عمها قائلة: "هارجع لكم بعد شوية."

ابتعدا قليلاً عن الصخب، ووقفا بجوار إحدى الزوايا المليئة بالزهور البيضاء. نظر إليها عثمان بنظرة أخوية مليئة بالحنان قائلاً: "إيه يا صافي.. عاملة إيه يا حبيبتي؟ ردت صفيّة برقتها المعهودة: "كويسة يا عثمان.. الحمد لله." رمقها بنظرة شك وقال: "متأكدة إنك كويسة؟ باين عليكي غير كده! جاوبته وهي تحاول التهرب من السؤال المباشر: "لا صدقني أنا كويسة.. كلها حاجات بتعدي." ينظر لها بجدية قائلاً: "وديالى؟

أنا شايفها مش تمام.. بقالها فترة أحوالها مش زي أي بنت في سنها." هنا تنهدت صفيّة، وبدت وكأنها تحمل هم العالم على كتفيها، لتصارحه في الأخير: "واحشها أبوها.. لسه صغيرة مش فاهمة حاجة.. بس حاسة إن في حاجة غلط.. وأنا مش عارفة أعمل إيه.. كل يوم بتسألني عنه." صمت قصير، ثم قال عثمان بهدوء محتضنًا جانب وجهها براحته: "عايزة رأي أخوكي؟ حاولي عشانها يا صافي.. مهما كان.. ديالى تستاهل إنك تدي الموضوع فرصة تانية."

قبل أن ترد عليه، ظهر صالح البحيري فجأة. كان يرتدي بذلة سوداء، ويبدو مرتبكًا. التقت أعينهما للحظة مطوّلة، وبدا الارتباك واضحًا على كليهما. نظر عثمان صوب صالح وابتسم، كأنما يريد أن يخفف من ثقل الموقف. رّبت على كتفه شقيقته وقال: "صالح هو صالح.. ماينفعش اسمه يتشطب من العيلة.. هو أخ وأب وزوج.. وبس.. وعلى فكرة يا صافي.. ده كمان رأي فريال هانم."

ثم تركهما وعاد إلى الحفل. بينما ظل صالح واقفًا مترددًا. تقدم نحوها بخطوات بطيئة. نظر إليها بعينين تحملان مزيجًا من الندم والشوق والخجل. أما صفيّة، لم تقل شيئًا، لكنها كانت تنظر إليه بعيون مدمعة كأنما تحاول أن تقول الكثير دون كلمات. ظل الاثنان واقفين في صمت، وسط ضجيج الحفل الذي بدا وكأنه توقف في تلك اللحظة.

وفجأة، هدأت الأحاديث وتوجهت الأنظار نحو مدخل المنزل، حيث خرجت فريال هانم. بثوب بسيط من الحرير الليلكي، وشال من الدانتيل الأسود يغطي رأسها وشعرها بالكامل. لقد ارتدت الحجاب، وقد أظهرها بمظهر جديد كليًا، إذ بدا عليها الوقار والجمال في آن واحد. كانت الصدمة واضحة على وجوه الجميع، لكن سرعان ما تحولت إلى ابتسامات وإعجاب. اقترب عثمان منها بسرعة، وجهه يشع فرحًا لا يمكن وصفه. أمسك يدها بحنان مقبلًا إيّاها كدأبه، وقال بصوت

منخفض لكنه مليء بالفخر: "فريال هانم.. ماما... أنتِ دلوقتي أجمل.. وأقوى من أي وقت فات." ابتسمت فريال وهي تنظر إليه بعينين مليئتين بالدموع ونظرات الحب والرضا، ثم قالت: "وأنت السبب يا عثمان... أنت السبب اللي خلاني أبدأ من جديد.. وأحس إن لسه لحياتي قيمة ومعنى... طول ما أنت جنبي يا حبيبي." توافد بقية أفراد العائلة مهنئين فريال. وجاءت سمر لتضع حفيدها الرضيع بين ذراعي جدته. رامز الأمير، الذي كان يراقب الموقف من بعيد، همس لـ

شمس بابتسامة خفيفة: "شايفة إزاي العيلة دي بتلم بعضها مهما حصل؟ ده أكبر دليل إننا نقدر نبدأ حياة جديدة." تنهدت شمس التي شعرت بارتياح كبير وهي ترى والدتها رحمة تتحدث مع فريال هانم لأول مرة دون أي توتر. أومأت برأسها وهي تضع يدها على يد رامز قائلة: "أيوه عندك حق.. وأنا دايمًا جاهزة لأي حاجة.. عشان أنت معايا."

استمر الحفل وسط ضحكات وأصوات الأهل والأصدقاء تمتزج معًا في لحظة من السعادة الحقيقية. كان المشهد عبارة عن لوحة متكاملة من الحب والتسامح. وكأن القصر نفسه احتضن الجميع في أمان. كانت تلك الليلة دليلًا حيًا على أن العائلة، رغم تعقيداتها وخلافاتها، هي الملجأ الأخير، والمكان الذي يبدأ فيه كل شيء من جديد. عزيز، الذي حمل اسمًا ذا معنى كبير، كان رمزًا للمستقبل الذي يوحد القلوب وينهي الحكايات بنهاية سعيدة تستحقها.

في نهاية الليلة، الإضاءة خافتة بجناح عثمان البحيري. ضوء القمر يتسلل من بين الستائر نصف المفتوحة. عثمان وزوجته ممددان فوق السرير الكبير، وبينهما الرضيع عزيز الذي يغط في نوم هادئ. السرير يبدو أكبر وأكثر اتساعًا، لكن دفء اللحظة يملأ الأجواء. بعد لحظات طويلة من الصمت الدافئ الذي اجتمع فيه قلباهما مع قلب صغيرهما، ابتعدت سمر قليلاً عن عثمان. لا يزال يحاوط كتفيها بذراعه. نظرت إلى عينيه بتركيز، كما لو أنها كانت

تفكر في شيء عميق وقالت: "عثمان... أنا تقريبًا افتكرت كل حاجة.. كل حاجة بينا وكل الأحداث المهمة افتكرتها... إلا ذكرى واحدة بس! رفع عثمان حاجبيه باهتمام، ثم اقترب منها أكثر. ضحك برقة، لكن عينيه كانتا مليئتين بالفضول، كما لو كان يحاول فهم شعورها. "إيه هي طيب أو عن إيه؟ " سألها بصوت حاني وهو يمرر يده على شعرها. ابتسمت سمر بابتسامة خفيفة محاولة أن تخفي توترها، وأجابت: "أول مرة... أول مرة اتقابلنا.. إيه اللي حصل.. إزاي!؟

توقفت يد عثمان عن الحركة للحظة، ثم ابتسم ابتسامة غامضة، وعيناه تلمعان بحنان. كان يعرف بأن هذه الذكرى هي نقطة البداية لكل شيء، وقرر أن لا يترك هذا السؤال بدون إجابة. "ياااه... أول مرة اتقابلنا! " قالها وهو يقترب منها أكثر، مبتسمًا كما لو كان يراها للمرة الأولى،

وتابع: "أنتِ كنتي زي حلم بعيد.. حاجة ما صدفتهاش طول عمري.. أول مرة شفتك كنتي مش شبه أي حد.. كانت عينيكي مليانة أسئلة.. وخوف وقلق.. ومش عارفة تجاوبي عليها ولا على أي حاجة." ابتسمت سمر بتوتر، لكنها لم تستطع منع نفسها من الاستماع له بحب عميق، بينما كان يكمل حديثه بصوت منخفض وحالم: "كان يوم عادي في حياتي...

لحد ما دخلتي أنتِ فيه.. وخلّيتيه مميز.. حياتي كلها اتغيرت لما ظهرتي يا سمر.. كأني قطعة بازل.. ولا واحدة قبلك قدرت تكمّلني.. لكن أول ما جيتي عرفت إن أنتِ اللي هاتكمّليني." رغم إنه لم يذكر فعليًا كيف التقيا، لكنها أحبت ما يرويه عليها من مشاعر لحظة لقائهما. نظرت سمر إليه بعيون مغمورة بالدموع، وعلى شفتيها ابتسامة لا تستطيع إخفاءها. الكلمات التي يقولها الآن تعني لها كل شيء، كل شيء حرفيًا. يضيف عثمان تائهًا في النظر

بأعماق عينيها الخضراوين: "أنا لسه فاكر أول لحظة شفتك فيها... كنت شايفك غضبانة ومتعصبة.. بس كمان شوفت جواكي طفلة ضايعة.. محتاجة الأمان.. ساعتها حسيت إني لازم أكون أمانك.. لازم أقرب لك أكتر وأخد بالي منك.. كنت عارف... كنت عارف إني لازم أكون جنبك.. حتى لو كنت أنا مش مستعد وقتها.. حتى لو كنت مش مصدق إني هاكمل حياتي معاكي...

من يوم ما شوفتك ما بطلتش أفكر فيكي ولا ثانية.. وبدأت أحبك من لحظتها لحد دلوقتي.. وهفضل طول عمري أحبك يا سمر." كان هناك صمت طويل أعقب كلماته، صمت يملؤه فقط همسات الرياح في الأفق، لكن كان بينهما نوع آخر من الكلام... كلام قلبي عميق. كانت سمر قد استعادت ذكرى أول لقاء لهما بالفعل أثناء حديثه، لكن الآن، أصبحت كل اللحظات بين يديها، كأن الماضي والحاضر أصبحا واحدًا في تلك اللحظة. همست له وعيناها تبرقان بعشق لا نهاية له:

"وأنا عايزة أعترف لك بحاجة.. أنا عمري ما كرهتك.. حتى في بداية علاقتنا... غصب عني كنت بتشد لك... كل لحظة لما كنا قريبين من بعض على قد ما كنت بكره وضعنا.. على قد ما كنت بحس بيك وبيزيد إعجابي بيك بسبب كل حاجة.. بسببك وبسبب الطريقة اللي بتعاملني بيها.. لحد ما وقعت في حبك.. أوعدني إنك مش هاتسيبني أبدًا يا عثمان!

صمت يتبع كلماتها، كأنها أسقطت حجرًا في بحيرة ساكنة. ملامح عثمان جامدة للحظة، وكأن عقله يحاول استيعاب ما سمعه. فجأة تهتز زاوية فمه، ابتسامة صغيرة تشق طريقها على ملامحه الجادة، لكنها تكبر تدريجيًا، وتتحول إلى ابتسامة دافئة لا يمكن إخفاؤها. رد عليها عثمان وهو يقترب منها بحذر كي لا يوقظ الرضيع الذي بينهما: "مقدرش... عمري ما أقدر أسيبك أبدًا يا سمر.. مهما حصل.. هاتفضلي حبيبتي لحد آخر يوم في عمري."

ثم لثم شفتيها في قبلة هادئة مليئة بالوعود التي لا تحتاج إلى كلمات أكثر.

أغمضت سمر عينيها، وكأنها تغرق في تلك اللحظة الأبدية، تحتوي رضيعها بذراع، وتتشبث بزوجها بالآخر. تنمو الهمسات بين النظرات والقبل، بينما عيناهما مفتوحة على المستقبل والذي يخبئه لهما. أدركا بأن الحب بينهما أكثر من كافٍ لتمضي الأيام الصعبة بسلام، ولكن في ظنها كان الصعب كله قد ولّى، والآتي كله ليس سوى حب ودفء وغرام. مع حلول عزيزهما الصغير، كان ميلاده إيذانًا ببداية عهد جديد من العشق. فقط العشق.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...