أمام جناح "فريال" هانم ... طرق "عثمان البحيري" الباب مرتين بخفة، وانتظر للحظة قبل أن يدخل. داخل الغرفة، أضاءت أباجورة صغيرة بجانب السرير تكفي لتكشف ملامح والدته النائمة. تمددت "فريال" تحت الغطاء بلونها الشاحب، وجهها الذي استوطنته تجاعيد خفيفة لم تمسّ جمالها. كانت كما هي دائمًا، أمه، الملاك الذي تحمل رغم كل شيء.
أغلق الباب بهدوء، وسار بخطواتٍ مترددة نحوها. توقف عند طرف السرير، جلس ببطءٍ، وكأن حركة واحدة خاطئة قد تفسد لحظة السلام الهشّة. عينيه لم تتركا وجهها، شعرها الأصهب الذي مزج الزمن بياضه فيه، بشرتها التي رغم بهتانها ظلّت تحتفظ بنقاءٍ دافئ. مدّ يده ببطءٍ، أصابعه ترتعش قليلاً وهو يلمس شعرها الناعم. أنفاسها كانت هادئة، لكنها حرّكت بداخله إعصارًا من المشاعر المتناقضة.
الدم في عروقه بدأ يغلي. عاد به عقله إلى الماضي، إلى ما حدث هنا في هذا السرير تحديدًا، الذكرى التي لوّثت كل شيء باكتشافها مؤخرًا. لماذا لم يكتشفها في وقتٍ باكر؟ لم يحميها؟ كيف لذلك الوغد، عمه الراحل، أن ينتهك حرمتها في غيابهم؟ وكيف مات دون عقاب؟ ضغط على أسنانه بشدة، يحاول كبح غضب خامد استيقظ فجأة. لكنه تذكر، تذكر كيف انتقم من "مالك عزام" شر انتقام، كيف حقق عدالة مؤلمة وكأنه يقتصّ من الماضي ويمحو آثاره في الحاضر.
كانت تلك الأفكار تختفي تدريجيًا عندما بدأت "فريال" تتحرك. همست باسمه: "عثمان... "، وهي ما تزال تحت تأثير النوم. قلبه انقبض، عينيه أغمضتا، وكأنه يحاول أن يحبس مشاعره قبل أن تظهر أمامها. "أنا هنا، يا ماما. اقترب أكثر." صوته دافئ ومنكسر في الوقت ذاته.
فتحت عينيها ببطءٍ، وكأنها ما تزال غير مصدقة. عندما أدركت وجوده فعلاً، مدت ذراعيها نحوه دون تفكير، وانهارت في بكاءٍ مكتوم. حاصرها بحضنه، ضمّها بقوة، وتركها تبكي كما لو أن كل آلام العالم تجد منفذها الآن. ظلت متعلّقة برقبته، وجهها مخبأ في صدره وهي تغمغم بحرارةٍ: "عثمان... سامحني... هزّ رأسه، صوته كان بالكاد مسموعًا: "ولا كلمة... أنا هنا... أنا معاكي."
استمر في احتضانها حتى هدأت تمامًا، لكنه لم يتركها. بقى بجانبها كأنه الحارس الذي عاد أخيرًا إلى مكانه الصحيح. ***
خارج المقابر، في مشهد ثقيل بالرثاء والندم، كانت "لمى عزام" تقف بين والديها. جسدها الصغير منكمش في سترتهما الحامية من الرياح الباردة. عيناها متسعتان، تحدقان في الأرض دون أن ترى شيئًا. الذهول خيّم على ملامحها، وكأنها لم تستوعب بعد أن جدها "حسين عزام" قد رحل. كانت الأمور تبدو و كأنها تتحسن بينهما. كان جدها قد وعدها ببدء صفحة جديدة، لكن القدر خطف اللحظة قبل أن تكتمل.
وقف "مراد" إلى جانبها، ذراعه ملفوفة حول كتفيها، يحاول أن يمنحها شعورًا بالأمان الذي يبدو أنه تلاشى في تلك اللحظة. بقى صامتًا، لكن عينيه كانتا مليئتين بالقلق والخوف عليها. أما "إيمان"، فقد وقفت في صمتٍ، عيناها حمراء، تمسح أنفها بين الحين والآخر بمنديلٍ صغير. رغم أنها لم تكن تحمل مشاعر طيبة تجاه "حسين" طوال حياتها، إلا إن موته المفاجئ هزّها بطرق لم تتوقعها.
بعد لحظاتٍ من الصمت الثقيل، خرجت "مايا عزام" من المقابر، وإلى جانبها زوجها "نبيل الألفي". "مايا" كانت صورة للحزن الأنيق، فستانها الأسود الطويل يتماوج مع خطواتها، وشاحها يغطي رأسها بعناية. وجهها كان محتقنًا من البكاء، لكن عيناها الآن ثابتتان، تملؤهما صلابة مشوبة بالحزن العميق. اقتربت "مايا" متمسكة بذراع "نبيل"، بخطواتٍ بطيئة. ورغم التوتر الذي ملأ الجو، توجهت مباشرةً نحو "إيمان".
"شكرًا إنك جيتي يا إيمان." كان صوتها منخفضًا لكنه واضح، نبرة تحمل قدرًا من الامتنان المخلوط بالحزن. ظلت "إيمان" للحظة تنظر إلى "مايا" بترددٍ، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها طويلًا. "مايا" لم تكن مجرد ابنة عمتها، بل كانت أشبه بأخت في يومٍ من الأيام. تربّت معها في بيتٍ واحد وتشاطرت أشياء كثيرة. بابتسامة صغيرة مترددة، ردت "إيمان" بلطفٍ: "مايا... انتي اختي، وأنا اللي ربّيتك...
ما تشكرينيش أبدًا." كلماتها كانت صادقة، وبدت و كأنها تفتح نافذة صغيرة للمستقبل بينهما. لم تتردد "إيمان" أكثر، اقتربت من "مايا" واحتضنتها بقوة. بينما "مايا" التي حافظت على تماسكها طوال الجنازة، شعرت بشيء داخلي ينهار. دموعها انزلقت بلا إرادة منها، وذراعاها ضمّتا "إيمان" كما لو كانت تتمسك بآخر شظايا ذكرياتها الجميلة، قبل أن تنقلب حياتها رأسًا على عقب بدءًا من وفاة شقيقها "سيف" قبل ما يزيد عن خمسة عشر عامًا.
كانا كلًا من "مراد" و"نبيل" يقفان جانبًا، ملتزمين بالصمت. كلاهما يعرف الآخر، لكن علاقتهما لم تكن أبدًا ودية. "مراد" نظر إلى "نبيل" نظرة عابرة، ثم أعاد تركيزه على ابنته "لمى" التي كانت تشاهد المشهد كله بعيون ملؤها نظراتٍ فارغة.
بعد لحظاتٍ، تراجعت "مايا" عن حضن "إيمان" ببطءٍ، تمسح وجهها بمنديلٍ صغير. نظرت نحو "لمى"، تلك الفتاة الصغيرة التي تحمل لمحات من ملامح أخيها الراحل، وكأنها تنظر إلى جزء منه لا يزال حيًا. اقتربت منها بخطواتٍ هادئة. رفعت "لمى" عينيها لتواجه عمتها "مايا"، تحدق فيها بقوة لم تناسب عمرها الصغير. "إزيك يا لمى... فاكراني؟ " سألتها "مايا" بصوتٍ دافئ رغم حزنه.
هزّت "لمى" رأسها ببطءٍ، عيناها تحملان خليطًا من الحزن والتحفّظ. انحنت "مايا" قليلاً لتكون على مستوى نظرها، ثم مدت ذراعيها بحذر واحتضنتها. لم تبادلها "لمى" الحضن في البداية، لكن مع مرور الثواني، شعرت بدفء "مايا"، ورفعت ذراعيها لتحيط بها. همست "مايا" بكلماتٍ، وكأنها تحاول أن تمنح ابنة أخيها شيئًا من الطمأنينة: "أنا عايزة وعد منك يا لمى... إحنا لازم نفضل على تواصل... هاجي أزورك وتبقي تيجي عندي...
مش عايز اكي تغيبي عني أبدًا... مفهوم؟ أومأت "لمى" بخفة، ودمعة وحيدة انزلقت على خدها. كان "مراد" يراقب من مكانه، عينيه مليئتين بمشاعر مختلطة. بينما "نبيل" وقف جامدًا، يطوي ذراعيه أمام صدره، منخرطًا في حزنه الخاص على شريكه وصديقه الوحيد، الرجل الذي آواه واحتضنه وأنقذه من الضياع، "حسين عزام". الصمت الذي ساد بينهم جميعًا حمل وعدًا ضمنيًا بمرحلة جديدة، مليئة بالتحديات والآلام التي تحتاج إلى التصالح معها مستقبليًا. ***
كان الصمت يلف الأجواء داخل السيارة، رغم صوت المحرك الذي كسر هدوء المساء. جلس "مراد" خلف عجلة القيادة، بجواره جلست "إيمان" في كرسي الراكب. عيناه مركزتان على الطريق أمامه، لكنه كان يشعر بوزن اللحظة يخيّم على الجميع. في الكرسي الخلفي، جلست "لمى"، ذراعيها متشابكتان أمام صدرها، ونظرتها مثبتة على النافذة. عيناها كانتا تتبعا المشاهد العابرة، لكنها لم تكن ترى شيئًا.
"إيمان" أيضًا كانت غارقة في أفكارها، تعبث بمنديلها بين أصابعها، لكنها قررت قطع الصمت. "لمى، حبيبتي... انتي كويسة؟ التفت مراد إلى ابنته عبر المرآة الأمامية، صوته كان منخفضًا لكنه حنون: "إيه يا حبيبتي... تحبي نقف في أي مكان؟ قوليلي آخدك في حتة تغيري مود؟ انتي ما أكلتيش من الصبح! تنهدت "لمى" بهدوء، ثم قالت بصوتٍ خافت: "أنا كويسة يا بابي... بجد... بس... حسين، جدو... ظهر فجأة وكان بيحاول يعوضني غيابه زي ما قال. كان لسا...
لسا بيقول إنه هايحاول... أحنى "مراد" رأسه قليلاً، يحاول أن يجد الكلمات المناسبة: "عارف يا لمى، وكان واضح إنه فعلاً بيحاول، بس ساعات... القدر بيتدخل بطريقة إحنا مانقدرش نتحكم فيها." نظرت "إيمان" إلى زوجها، وكأنها تريد أن تضيف شيئًا، لكنها ترددت للحظة قبل أن تسأل: "مراد... إحنا هانروح على فين دلوقتي؟ تحدث "مراد" بنبرةٍ هادئة ولكن حازمة: "إحنا رايحين المطار، هانقابل رامز الأمير هناك، ونرجع كلنا على مصر الليلة."
زفرت "إيمان" براحة قائلة: "أيوه من فضلك... لازم نرجع بسرعة، قلبي مشغول على عمر قوي من ساعة ما سيبته في بيت صاحبك." هزّ مراد رأسه وقال بصوتٍ أجش يطمئنها: "ما تقلقيش خالص، أنا مطمن على ابننا في بيت صاحبي ومش شاغلني نهائي. قصر البحيري آمن جدًا، وعثمان بنفسه هناك، وبعدين أنا تقريبًا متربي هناك، ما انتي عارفة، عثمان البحيري صديق عمري، أخويا."
أتت طمأنته ثمارها وشعرت "إيمان" بشيء من الراحة، لكنها اكتفت بهزة رأس خفيفة. نظرت إلى "لمى" التي كانت ما تزال تحدق في النافذة، ثم وضعت يدها على كتفها، تحاول أن تمنحها شعورًا بالطمأنينة قائلة: "إن شاء الله أول ما نوصل نبدأ نخطط لإجازة طويلة في مصر، عشان لولو وعمر يتفسحوا ويتبسطوا. أنا مش شايفة إن بقى في سبب يمنعنا نستقر هناك شوية، صح يا مراد؟ أومأ "مراد" بصمتٍ، ثم قال بهدوء: "صح...
أنا هاظبط شغلي كله من هناك عشان نقعد لآخر الصيف، وبالنسبة للدراسة نبقى نرجع على الامتحانات وننزل مصر تاني. المهم عندي لمى تكون مبسوطة وأي حاجة تطلبها تتنفذ فورًا." ابتسمت "لمى" لعينيه عبر المرآة الأمامية وإلتزمت الصمت. الجو داخل السيارة استمر مشحونًا، لكنه أصبح أكثر هدوءًا، وكأن الكلمات التي قيلت كانت كافية لإعادة بعض التوازن المؤقت. في الأفق، أضواء المطار بدأت تظهر، ومعها بدأ فصل جديد يلوح في الأفق لعائلة "مراد".
*** داخل غرفة المكتب في قصر "البحيري"، كانت الغرفة مضاءة بإضاءة خافتة تعكس دفء المكان وهيبته بالإضافة لضوء الشمس المتسلّل عبر زجاج النوافذ العريضة. الأثاث الفخم يشهد على عراقة تاريخ العائلة، بينما "عثمان البحيري" يلج أولاً، متبوعًا بزوجته "سمر حفظي" التي كانت تراقبه بعينين مليئتين بالقلق. "في إيه يا عثمان؟ " سألته بنبرةٍ حذرة وهي تتابع خطواته الثقيلة نحو الأريكة.
جلس "عثمان" على الأريكة وأشار لها أن تجلس بجانبه، ثم مد يده نحو الطاولة أمامه حيث استقر ملف سميك من الأوراق. "عايز أكلمك في حاجة مهمة! " قالها بهدوءٍ، بينما دفع الملف قليلاً باتجاهها. غاصت "سمر" بجانبه فوق الأريكة الوثيرة، عيونها معلّقة على الملف قبل أن ترفعها إليه. "إيه ده؟ أخذ "عثمان" نفسًا عميقًا، ثم قال بثباتٍ: "القصر ده... كله بقى ملكي لوحدي." رمشت "سمر" بعينيها بدهشةٍ، ولم تقل شيئًا، تنتظر أن يكمل.
"أنا اشتريت نصيب كل الورثة... محدش بقى له حاجة هنا غيري." "ليه؟ " سألته بذهول وهي تشير للملف: "عملت كده ليه؟ ابتسم "عثمان" بهدوء، ونبرة صوته بدت وكأنها تحمل إجابة معدّة مسبقًا: "عشان كتبت القصر باسم يحيى... ابننا." تجمّدت "سمر" في مكانها للحظة، تحاول استيعاب كلماته. رددت مشدوهة: "بإسم يحيى؟ ليه؟ ليه ما كتبتش باسمك انت؟ "لأن ده حقه...
القصر ده لازم يبقى باسم الوريث الأكبر في العيلة، وهو الوريث الكبير من بعدي. لما يكون باسمه مافيش حاجة من المِلك هاتطلع بره، وأنا عارف إن يحيى زي ما هو ابني، هايبقى عادل زي أبوه، هاياخد باله من اخواته، وهايدير كل حاجة بحكمة." نظرت إليه "سمر" بعيون مليئة بالحيرة، لكن شيئًا في كلماته جعلها تشعر بالرهبة والحنان في الوقت ذاته. "طيب وباقي ولادك؟ انت مش شايف إن ده ظلم ليهم؟ "مافيش ظلم يا سمر! " قالها بثقة،
وابتسامته لم تفارقه: "أنا ضامن لكل واحد فيهم حقه، كلهم ليهم حقهم في ميراثي، ومحدش فيهم هايتظلم أبدًا، لكن ده... ده تراث العيلة، لازم يبقى في أمان وملك شخص واحد بس." صمتت "سمر" للحظاتٍ، وكأنها تستوعب كلماته، ثم رفعت نظرها إليه وقالت بصوتٍ شبه منكسر: "عثمان... ليه كل ده دلوقتي؟ إيه اللي خلاك تفكر بالطريقة دي؟ ابتسم لها بهدوءٍ، وعيناه مليئتان بتعب سنوات
لم يعترف به من قبل وقال: "محدش فينا هايعيش للأبد يا سمر، أنا بس عايز أطمن على مستقبل ولادي قبل ما أسيبهم في أي وقـ... قاطعته فجأة، ورمت نفسها في حضنه، دموعها بدأت تسيل دون أن تشعر وهي تقول من بين أنفاسها المتقطعة: "اسكت! ما تقولش كده، انت بتوجع قلبي بالكلام ده يا عثمان." ضمّها "عثمان" بحنانٍ، ومسح على شعرها، لكنه أكمل بصوتٍ منخفض،
وكأنما يخاطب قلبها قبلها: "أبويا مات فجأة يا سمر، وكان لسا ماكبرش أوي، كان صغير، وأنا دلوقتي بقرب من السن اللي مات فيه! رفعت "سمر" رأسها بسرعة، وضعت يدها على فمه لتوقفه، عيناها امتلأتا بالدموع وهي تهز رأسها: "بعد الشر عليك يا حبيبي، أبويا وأمي كمان ماتوا وهما لسا صغيرين، بس ده قضاء وقدر، محدش عارف معاده إلا ربنا."
ابتسم "عثمان" برقة، وأمسك يدها ليبعدها عن فمه بلطفٍ قائلاً: "ونِعم بالله يا حبيبتي، أنا عارف كل ده، بس أنا اتعلمت من اللي فات، اللي سبقونا سابوا الدنيا من غير ما يضمنوا حاجة، وأنا مش عايز أعمل كده، عايز أسيبكوا كويسين، مش ناقصكوا حاجة." كلماته كانت ثقيلة على قلبها، لكنها لم تستطع الرد، فقط أغمضت عينيها ودفنت وجهها في صدره. ابتسم "عثمان" من جديد، ومسح دموعها بأنامله بحنانٍ، ثم همس لها بصوتٍ
طمأنها رغم كل شيء: "ما تقلقيش يا سمر، أنا مش هاسيبكوا دلوقتي... مش هاسيبكوا دلوقتي خالص." *** الإسكندرية –مطار برج العرب ضجيج صالة الوصول كان طبيعيًا، المسافرين يتنقلون بين الحقائب، أصوات عربات النقل وصدى الإعلانات عن الرحلات. لكن وسط الزحام، وقعت تلك الصدفة التي بدت وكأنها مكتوبة في سيناريو مُحكم.
كان "مراد" يسير بجانب زوجته "إيمان"، وخلفهما "لمى" تمسك بيد "رامز الأمير" الذي كان يدفع عربة حقائبهم. الكل بدا مرهقًا بعد الرحلة، لكن "مراد" كان أول من لاحظ الثنائي الذي ظهر أمامهم فجأة: "هالة البحيري" وزوجها "فادي حفظي".
بشعرها البني المصفف بعناية وفستانها الكاجوال الأنيق، وقفت "هالة البحيري" بجانب زوجها الذي بدا أطول منها بشكلٍ مُلفت، وجذابًا بملامحه الجادة ونظرته الحذرة. كانت المفاجأة بادية على وجه "مراد"، لم يكن يتوقع أن يلتقي بها هنا، بعد كل هذه السنوات. اصطحب زوجته في يده بينما يتوجه نحو طليقته وزوجها مباشرةً، ورغم السنوات التي مرّت، لم يخفِ "مراد" ابتسامته الخفيفة وهو يقترب منها هاتفًا: "هـالة!
التفتت "هالة" إلى النداء، وفي عينيها شيء من الارتباك ما إن رأته، كأنها تراجعت إلى ذكرياتٍ قديمة. على الرغم من ذلك، بقيت يدها متشابكة مع يد زوجها "فادي"، كما لو كانت تحاول الحفاظ على تلك المسافة بين الماضي والحاضر. "مراد... إزيك؟ " قالت بصوتٍ منخفض وعيناها تشي بما يختبئ من توتر خلف تلك الكلمات البسيطة. هذه هي المرة الثالثة التي يلتقي زوجها وطليقها وجهًا لوجه.
مدت يدها له، لكنها كانت تتحاشى أن تترك يد "فادي" الذي أحسّت بتصلّبه بجوارها. شدّ "مراد" على يدها بحميميةٍ مألوفة، ثم أضاف بصوتٍ ناعم كأنما يعتذر عن أيّ إساءة لحقت بها بسببه أو اقترفها هو بحقها: "أنا كويس... وإنتي أخبارك إيه؟ ما شاء الله... ابنك! ونظر إلى الطفل الجميل الذي تعلّق بأيدي والديه، ثم نظر إلى "فادي" مبتسمًا وقال: "ربنا يحفظه، ويبارك لكوا فيه يارب."
ازداد "فادي" جمودًا وهو يقف بجانب "هالة"، وبغض النظر عن كم التوتر الذي شعر به، كانت عينيه تتنقل بين "مراد" و"هالة" بعنايةٍ. لم يكن يخفى عليه تاريخ "مراد" و"هالة"، تاريخ كانت فيه العلاقة بينهما ذات يوم أكثر من مجرد صداقة. لقد كان زوجها!!!! على الطرف الآخر، "إيمان" التي كانت تراقب المشهد عن كثب، نظرت إلى "مراد" ثم إلى "هالة"، ثم إلى يد "فادي" المترابطة مع يد "هالة". كانت تعرف القصة جيدًا. "هالة البحيري"...
كانت في يوم من الأيام جزءًا من حياة "مراد" وكانت العلاقة بينهما تحمل الكثير من الذكريات المختلطة. "إيمان".. رغم صمتها، كانت تراقب بهدوء، لكن لم يكن في عينيها مكان للمقارنة أو الشك، فهي تعرف كل شيء، وتخطّت حاجز الثقة بزوجها منذ مدة طويلة. هو ليس زوجها فحسب، إنه حبيبها، حب عمرها. "إزي حالك يا مراد؟ " سأل "فادي" بصوتٍ رزين، لكنه كان يحمل توترًا خفيًا في طياته، ناتجًا عن معرفة تاريخ العلاقة بين "مراد" وزوجته "هالة".
أجابه "مراد" بثباتٍ وهو يدرك تمامًا عبء الصدفة التي جمعت بهم وتأثيرها عليه: "بخير يا فادي، حمدلله على السلامة. إنتوا جايين في زيارة؟ رايحين على قصر البحيري!؟ أومأ له "فادي" قائلًا: "آه فعلًا، رايحين... هاننزل ضيوف كام يوم، لكن قررنا نستقر هنا." "حلو... إحنا كمان رايحين على هناك... نتحرك سوا ولا معاكوا عربية؟
لم يجاوبه "فادي" بسرعة، بينما "هالة" نظرت إليه بتوتر، لكنها لم تعلق. بدا كأن اللقاء ترك طعمًا معقدًا على الجميع. ليقترب "رامز" من "مراد" ويربت على كتفه قائلًا: "أنا معايا عربية برا تكفينا كلنا، الطريق طويل يا جماعة، لو هانكمل دردشة، نخليها في مكان أريح." الجميع التقطوا الإشارة بصمت، واتجهوا للخروج من صالة الوصول. الجو كان مشحونًا، لكن اللقاء في قصر "البحيري" بدا وكأنه يحمل وعودًا لمزيد من التوترات والمفاجآت. ***
قاعة الطعام الرئيسية بقصر "البحيري"، كان العشاء فرصة نادرة لاجتماع العائلة بأكملها بعد الأوقات العصيبة التي مرّوا بها. المائدة ممتدة، اجتمع الجميع حولها. الأجواء هادئة على السطح، لكنها تخبئ تحتها مشاعر متضاربة. أطباق شهيّة متنوّعة وموّزعة بإتقانٍ، أضواء الثريات تنعكس على الكريستال الفاخر، لكن العيون كانت هي الحكاية الحقيقية.
تجلس "سمر" على يمين زوجها، "عثمان البحيري"، تحاول أن تكون أقرب إليه في غياب "فريال" هانم التي ما زالت تتعافى في جناحها. كانت تتحدث بهدوءٍ إلى الحضور، تحاول التخفيف من توتر اللحظة.
على الجانب الآخر، "شمس البحيري" جلست في صمتٍ يشبه العزلة. وجهها شاحب، وعيناها مثقلتان بالكآبة، لا تكاد ترفع رأسها عن طبقها. قلبها مثقل بذكريات حبيبها الذي حُرمت منه قسرًا، وحياتها التي أصبحت كأنها قيد. لم تكن قادرة على التركيز مع أي حديث أو صوت حولها. كان "عثمان" يراقبها خلسة لعدة دقائق، ثم فجأة، مد يده وأمسك بيدها بهدوءٍ، مما جعلها تنتفض قليلاً وتلتفت إليه بتوهان. "إيه يا شمس؟
" سألها بنبرةٍ دافئة وعيناه مليئتان بالحنان الذي نادرًا ما أظهره لها. لم ترد "شمس"، لكنها شعرت بطمأنينة غريبة من لمسته. في تلك اللحظة، رفع "عثمان"
صوته ليتحدث إلى الجميع: "يا جماعة، مبدئيًا منورين، أنا عايز أشكركوا كلكوا إنكوا هنا معايا انهاردة، وجودكوا معايا بيسعدني أكتر من أي حاجة تانية. لما بنشوف بعض بعد مدة طويلة من الغياب، بتكون لحظات غالية، ما تتقدرش بتمن. لحظاتي معاكوا دلوقتي ما تتقدرش بتمن، كلكوا عيلتي، كلكوا مني." كانت كلماته تملأ الجو بشيء من الألفة والمحبة، تبادل النظرات مع كل فرد على الطاولة مبتسمًا ومعبرًا عن امتنانه. ثم توقف
للحظة وبصوته العميق أضاف: "الليلة دي كمان ليلة مميزة بالنسبة لي، ليلة فيها أمل جديد، بعد كل اللي عدينا بيه، عايز أشارككم حاجة مهمة." توقف قليلاً، ثم وجه نظره نحو "رحمة جابر"، والدة أخته نصف الشقيقة التي كانت تجلس في مكانها بعيون مليئة بالشك والحيطة. "رحمة، أنا أخدت قرار، القرار ده يخص شمس، وواثق إنك مش هاتراجعيني فيه، لأن في الأول والآخر كل اللي يهمنا هو سعادتها."
نظرات "رحمة" كانت خليطًا من الشك والارتباك، الهمسات بدأت تدب بين الحاضرين، ونظرت "شمس" إلى أخيها غير قادرة على تخمين ما سيقوله. بينما "رحمة" التي كانت توقعاتها تميل للأسوأ، حدقت فيه بعينين متسائلتين، لكن "عثمان" تابع بثقة: "رامز الأمير... جالي من فترة وطلب إيد شمس مني، أنا كنت رافض لأسباب مافيش داعي أقولها دلوقتي، لأنه ببساطة قدر يرتقي بنفسه للمعايير اللي حطتها في الراجل اللي ممكن أقبل بيه زوج لأختي."
ارتفعت بعض الأنفاس المفاجئة من الحضور، بينما "شمس" كانت كأنها فقدت القدرة على التنفس، عيناها امتلأتا بالدموع، ويدها اهتزت في مكانها. ليكمل "عثمان" بنبرةٍ أقوى: "هو جه وطلبها مني تاني، وأنا وافقت." شهقت "رحمة" بصوتٍ مكتوم، عيناها ملأتهما الريبة، كانت لتعترض، لكن نظرة واحدة من "عثمان" أوقفت في حلقها أيّ كلمة قبل أن تخرج. عيناه كانتا قاسيتين بما يكفي لفرض سلطته، لكنهما أيضًا حملتا وعدًا صامتًا بحماية "شمس" تحت أيّ ظروف.
بإشارة من "عثمان"، ظهر "رامز الأمير" فجأة من خارج القاعة، كان أنيقًا بشكلٍ لافت، يرتدي بذلة سوداء وربطة عنق أنيقة، ممسكًا بباقة من الورود الحمراء الكبيرة. كل العيون تحوّلت نحوه، لكنه كان ينظر فقط إلى "شمس". فتحت "شمس" فمها، لكن الكلمات أبت أن تخرج، صدمتها كانت عميقة، عيناها تتحركان بين "عثمان" و"رامز"، كأنها تحاول أن تستوعب ما يحدث.
اقترب "رامز" بخطواتٍ واثقة، لكن وجهه كان يعكس توترًا دفينًا، وقف أمام "شمس" وركع على ركبته ممسكًا بالباقة التي تخفي علبة صغيرة من القطيفة. صوته كان مليئًا بالمشاعر حين قال: "بحبك يا شمس... تتجوزيني؟ كانت "شمس" تنظر إليه وكأنها ترى حلمًا مستحيلًا يتحقق أمام عينيها، الدموع انهمرت من عينيها بغزارةٍ دون أن تستأذن، ويدها ارتجفت وهي تلتقط باقة الورد. لم تستطع الرد بالكلام، لكن عيناها قالتا كل شيء.
و"رحمة" التي لا تزال تجلس في مكانها مشدوهة، غير قادرة على تصديق ما يحدث أمامها، شعورها بالاعتراض كان واضحًا، لكنها ابتلعت كل شيء حين نظرت إلى "عثمان" الذي أدار الموقف بذكاء وقوة. يفتح "رامز" العلبة أمام عينيّ "شمس" كاشفًا عن خاتم زواج أنيق ولامع، همس لها بصوتٍ سمعه الجميع بسبب الهدوء الشديد والمترقب للحظة: "أوعدك إن عمري كله ليكي... وإنك هاتكوني أسعد إنسانة في الدنيا... لو قولتي آه... أنا هكون أسعد راجل في الدنيا."
لم تتمالك "شمس" نفسها، وانفجرت بالبكاء، تقلّص وجه "رامز" بجزعٍ، حاول أن يقترب ليحتضنها، لكن "عثمان" كان أسرع، مد يده ليوقفه هاتفًا بنبرةٍ صارمة: "ممنوع أي لمس قبل كتب الكتاب! تطلّع إليه "رامز" بدهشةٍ ممزوجة بالرجاء، وقال: "بس هي بتعيط... لازم آخدها في حضني." رد "عثمان" بابتسامة صغيرة مستفزة، لكن نبرته بقيت حازمة: "أنا اللي آخدها في حضني."
وا`قترب "عثمان" من أخته، احتضنها بحنانٍ أخوي عميق، نهضت "شمس" وتعلقّت به كأنها تبحث عن الأمان في حضنه، وهي تجهش بالبكاء وتردد بصوتٍ مرتعش: "شكرًا يا عثمان... شكرًا... شكرًا." الحاضرون صفقوا بحماس، بعضهم ابتسم بسعادة خالصة، والبعض الآخر كانت مشاعره مختلطة. "رامز" وقف في مكانه، عينيه تمتلئان بالدموع، لكنه اكتفى بابتسامة امتنان عميقة لـ"عثمان"، لصديقه.
كانت "رحمة" الوحيدة التي ظلّت ساكنة في مكانها، نظراتها ملؤها القلق، لم تستطع تقبّل "رامز" بسهولة، لكنها عرفت بأنها لن تملك الكلمة الأخيرة أمام "عثمان"!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!