الليل كان قد هبط على المدينة. "عثمان البحيري" لا يزال جالسًا داخل سيارته في ذلك المكان المعزول بجوار الشاطئ. كان الجو باردًا، وهو يشدد قبضته على عجلة القيادة كأنما يريد أن يقبض على كل شيء فقده في تلك اللحظات السوداء. يضرب المقود بيده في عنفٍ، وكأن تلك الضربة ستعيد له شيئًا من القوة أو القدرة على التحمل. ولكنه كان يشعر بالعجز لأول مرة في حياته. كل شيء كان يتلاشى أمامه. عمّه مات. "رفعت البحيري" مات.
وبالتالي أيّ أمل خيالي بالانتقام قد ذهب أدراج الرياح فورًا. يشعر بالقهر يغلّفه من الداخل، مثل طوق خانق، يضغط على صدره ويتركه يتنفس بصعوبةٍ. "ماكانش لازم يموت... همس لنفسه، وهو يحاول أن يهدئ من ثورة عقله ليفكر جيدًا. وتابع من بين أسنانه: "رفعت... كان لازم يعيش.. كان لازم اخد روحه بإيدي.. ليه؟ مات ليـه؟ كان لازم يموت على إيدي انـاااااا... وازدادت حالته سوءًا.
فك أزرار قميصه العلوية بعصبيةٍ وأخذ يتخبّط بمقعد السائق كوحشٍ مكبّل بالأصفاد. "صالح البحيري" الذي اعتبره مصدرًا للأمل في الانتقام، أدرك عندما رآه بأن لا ذنب له في كل هذه الدوّامة. يفكر في أبيه الراحل، ويشعر بالألم يعتصر قلبه. يتمنّى لو كان أبيه حيًا، لو لم يحدث كل هذا. ولكنه يعلم في قرارة نفسه بأنه لا يستطيع تغيّير ما حدث. لماذا قد يفعل "رفعت" ذلك؟ كيف طاوعته نفسه؟ أن يستحلّ شرف شقيقه ويقترف هذا الفعل الوضيع؟ كيف؟
لماذا؟ لم يُعد أمامه أحد للانتقام. الآن، وهو غارقٌ في أفكاره الحزينة، دق الهاتف فجأة. دهش "عثمان" بأن الجرس يرن من جديد. كان قد تجاهل المكالمات التي تلقّاها منذ فترة. ولكن يبدو بأن أيًّا من كان الذي يهاتفه يُصر على أن يلاحقه بالرسائل أيضًا. "مين ده اللي مش عايز يسيبني في حالي؟ تمتم و هو ينظر إلى الهاتف بعيون ممتلئة بالانزعاج و الغضب. كانت "هالة" بنت عمّه. فكّر للحظة، ثم ألقى نظرة على المكالمات الفائتة.
كانت قد اتصلت به عدة مرات، وأخيرًا أرسلت له رسالة صوتية. كان في قمّة التوتر. فكّر للوهلة الأولى بأن "صالح" قد يكون خابرها و حدّثها بما جرى. زم فمه بغضبٍ و تحفّز لوضعها على قائمة الحظر. إلا إن شيئًا ما في قلبه دفعه إلى فتح الرسالة رغم تردده. و ما إن بدأ صوت "هالة" يتدفق من الهاتف، حتى كانت الكلمات التي سمعها تتغلغل في أعماقه كالصاعقة. "هالة" تخبره بلهجةٍ متوترة للغاية: "عثمان بليز رد عليا.. ملك...
ملك في مشكلة كبيرة. وقعت في مصيبة. انا خايفة عليها.. خايفة عليها من فادي.. مش عارفة ممكن يعمل فيها ايه.. بليز يا عثمان كلّمني انا مش متحملة كل ده لوحدي." شعر "عثمان" بشيءٍ ثقيل يسقط داخل قلبه. اهتزت كل أفكاره الماضية و ارتبكت مشاعره مرةً واحدة. "ملك! ايه اللي حصل لها؟ تساءل بصوتٍ مرتجف و هو يتخبّط في أفكاره. و عيناه ظلتا ثابتتين على الهاتف في يده، وكأن تلك الرسالة الصوتية كانت ما ينقصه.
قلبه ينقبض الآن، وعقله يشتعل بالأسئلة التي كانت بلا إجابات. ماذا حصل لها؟ "ملك".. ابنته الروحية التي تربّت بين يديه.. كيف أهملها كل هذه المدّة؟ هل طال أمد عقوبتها إلى هذا الحد؟ و إلى درجة أن تقع بالمصائب و هو لا يدري؟ الرسالة الصوتية التي تلقّاها من "هالة" كانت تزعجه بشكلٍ لا يوصف. أخذ يُفتش برسائلها السابقة. كانت جميعها تحمل نفس الكلمات و المعنى المُراد إيصاله و هو ضرورة تدخله العاجل.
بدون أن يكمل الاستماع إلى بقيّتها، تنازل عن قراره بعدم الرد على ابنة عمّه. الآن لم يعد يملك رفاهية التردد. شعر بشيءٍ من القلق في صدره بينما عيناه تشخصان في الشاشة. ضغط على اسم "هالة"، ورن الهاتف مرتان، حتى جاء الرد سريعًا. وانبثق صوت "هالة" على الفور. كان واضحًا بأنها مرعوبة. جاء صوتها في أذنه أكثر انكسارًا من أيّ وقتٍ مضى: "عثمان...
يا عثمان إلحقني.. انا مش عارفة ارجع البيت و فادي مش بيبطل يكلّمني مش عارفة ارد عليه.. مش عارفة أقوله ايه... "فين ملك؟ سألها على الفور، وكان صوته قاسيًا، يتخلّله الخوف و القلق على صغيرته. ولكن "هالة" كانت غير قادرة على إكمال الكلام بشكلٍ صحيح. قالت بتلعثمٍ: "ملك.. ملك سيبتها عند الدكتور.. حالتها صعبة اوي... صاح بها بعنفٍ: "ايه اللي حصل لملك يا هالة؟؟؟؟ جاوبته "هالة" بصوتٍ كالأنين: "واحد.. حيوان... اغتصبها !!!
تجمّد "عثمان" في مكانه، وكأن صدمة أصابته مباشرةً في قلبه. صدمة أشدّ ممّا سلفها كله. كانت الكلمة الأخيرة كالسوط الذي لطم وجهه بعنفٍ. خفق قلبه بشدة، كأنما نبضاته توقفت للحظة. دموع "هالة" الحزينة كانت تنبثق من خلال كلماتها، وهو عاجز تمامًا عن الرد. "انا خايفة عليها.. خايفة عليها من فادي... مش عارفة اعمل ايه !! لم يستطع الاستماع لأكثر من ذلك. أغلق الهاتف في وجه "هالة" قبل أن تتمكن من قول المزيد.
انطلق بسيارته و قد أغمض عينيه للحظةٍ و هو يحاول استيعاب الموقف. ولكن هذا لم يكن وقت التفكير أو التأمل. يجب عليه أن يتحرّك الآن. "ملك" في خطر. صغيرته في خطر و هو الوحيد القادر على إنقاذها. ألقى بنظرة سريعة على الطريق أمامه، وقرر على الفور العودة إلى القصر ليجلب جواز سفره وبعض المستلزمات التي سيحتاج إليها. في قلبه يقينٌ واحد: يجب أن يذهب الآن.. يجب أن يصل إليها في أسرع وقتٍ... **عادت "هالة البحيري" إلى المنزل أخيرًا.**
دخلت من الباب الأمامي و خطواتها كانت ثقيلة، وكأنها تحمل عبئًا أكبر من قدرتها على التحمّل. حالما عبرت المدخل، رأت "فادي" يجلس الصالة المفتوحة. عينيه ملتهبتين بالقلق و الغضب. كان جالسًا في صمتٍ على الأريكة، و شيئًا فشيئًا بدأ يتململ و يقوم بتحريك ساقيه في توتر. فما إن رآها، قفز من مكانه فجأة. عيناه تتسعان و وجهه يطفح بالحيرة والحنق. "كنتي فين!؟ قالها و هو يسرع خطواته تجاهها. الصوت في نبرته كان كالمطرقة، حادًا و عنيفًا.
"كنتي فين كل ده؟ ليه ما بترديش على مكالماتي؟ كانت أسئلته تتناثر و كأنها طلقاتٍ نارية. وكان بامكانه أن يرى على وجهها التوتر، لكنه لم يحصل على أيّ إجابة. لم تجب "هالة". كانت في حالة مربكة من الصمت، كأنها غارقة في بحر من الأفكار التي لا تعرف كيف تسبح فيه. كل شيء كان يغرقها. لكن الموقف كان أكثر من أن تتحمّله. وفجأة، "فادي" انتبه لما لم يكن قد لاحظه منذ دخولها. كانت "هالة" قد دخلت وحدها، وعيناها تبدوان حزينتين.
أين هي "ملك"؟ أين أخته التي كان يفترض أن تعود معها؟ ابتلعت "هالة" ريقها بصعوبةٍ، ومرّت لحظة من الصمت الثقيل بينهما. قبل أن يوجه "فادي" سؤاله التالي بنبرةٍ أكثر حدة: "فين ملك؟ ليه مارجعتش معاكي؟ سكتت "هالة"، تنظر إلى الأرض و تبتلع الكلمات التي كانت تريد أن تخرج من فمها. كلّما نظر إليها "فادي"، يسأل نفسه لماذا هي صامتة هكذا، ولماذا لا تجيب على أسئلته الواضحة. كان قلقه يزداد، وعينيه تلمعان بالضغط. "هالة!!
صرخ باسمها بعصبيةٍ، بينما اقترب منها بسرعة، كأنما لا يستطيع أن يتحمّل المزيد من الأسئلة دون إجابة. "فين ملك؟ قولي فين هي؟ الضغط على "هالة" كان يزداد مع كل كلمة ينطقها. قلبها يكاد ينفجر من الصمت المطبق الذي تحاول أن تفرضه على نفسها. عيناها مليئة بالدموع التي لم تجرؤ على البوح بها. جسدها كان يرتعش، وكأنها تنتظر لحظة الانفجار. وفجأة قبض "فادي" على ذراعها بشدة، وكان وقع يده عليها أشبه باللكمة التي تصل إلى أعماقها.
"فين ملك؟ قوليلي! سألها و هو يعصر ذراعها بعنفٍ، صوته الآن يملؤه القلق و الذعر. لا تستطيع أن تجيبه. عجزت "هالة" عن النطق بالكلمات. دموعها كانت تتساقط من عينيها الآن، وفي لحظة من الضعف التام، أخيرًا فتحت فمها. كانت كلماتها تتقطع بينها و بين صوتها المرتجف: "في... في العيادة... ملك اتعرضت للاغتصاب يا فادي... سبتها عند الدكتور... كل كلمة قالتها كانت ثقيلة كالحجارة، وكل حرف كان يجرحها أكثر ممّا يمكن أن يتحمّله أحد.
أما "فادي"، فقد تجمّد في مكانه، وعينيه اتسعتا في صدمة و كأنها ضربته على رأسه بقوة. "إيه؟ همس بصوتٍ غير مصدق، وكأن "هالة" قد قالت شيء لا يمكنه استيعابه. "هي مين دي اللي اتعرضت للاغتصاب؟ مين يا هالة؟ صوت "هالة" كان غارقًا في البكاء. لم تستطع أن تجيب على أسئلته المتزايدة. كانت تشعر بكامل ثقل الواقع يهبط عليها، وعقلها غير قادر على ترتيب الأفكار. لكن "فادي" لم يكن يصدق ما سمعه. صرخ بها بغتةً: "ايه اللي حصل؟
مين عمل فيها كده؟ هي فـيــــن؟؟؟؟ عينيه تتطاير فيهما الشرر من الغضب. رفعت "هالة" يدها أمام وجهه، كأنها تحاول أن تردعه، ولكن كلماتها كانت ضبابية و صعبة. "مش هقولك! قالتها بصوتٍ مهزوز، و الدموع تسيل على وجهها. "خايفة عليها منك... خايفة لو قلتلك... هتئذيها أكتر... لم يصدق ما سمع. إنها تؤكد الأمر إذن! تجمّد في مكانه لوهلةٍ، ثم اقترب منها أكثر و حاول أن يُجبرها على إخباره بمكانها: "فين هي؟ فين الدكتور ده؟
لازم أروح لها.. انطقـي يا هالـة !!!! ارتجفت من كل هذه الأسئلة. قلبها يتفطّر بداخلها و هي تكرر باكية بمرارةٍ: "لأ.. مش هقولك.. ملك... مهما حصل منها.. هي بنت صغيرة.. دي لسا مجرد طفلة.. انا عارفاك.. انت مش هاتفهم... مش هاتفهم ان ده كله ماكنش غلطها... مالهاش ذنب ! لكن "فادي" لم يتوقف. كان يصر على معرفة مكان شقيقته. كان عقله يعمل بسرعة من دون أن يفكر في شيء آخر. "فينها؟ قولي!
أعاد السؤال بغضبٍ أشدّ، والضغط كان أكثر من أن تتحمّله. "مش هقولك! ردت "هالة" باصرارٍ و بصوتٍ مرتجف بالنشيج. عينيها مليئة بالدموع، كانت تقاوم بكل ما في داخلها. كانت تعلم بأن "فادي" لن يتركها في حالها. ولكنه في نفس الوقت لم يكن يعي حجم الألم الذي تعيشه. ولكنها أيضًا لم تكن تعلم شيئًا عمّا يخالجه من الداخل. كان في حالة غضب لم يشعر بها مسبقًا سوى مرةً واحدة في حياته قبل خمسة عشر عامًا.
وكان جسمه كله يرتعش من التوتر و هو يهدر بوحشيةٍ: "بقولك اتكلمي يا هالة... لو حصل حاجة لأختي... انتي اول واحدة هاتدفعي تمنها.. اتكلمـــــي !!!! **يشعر "عثمان" بالدماء تغلي في عروقه.** كانت الأسئلة لا تزال تشغل باله عندما كان يتحدث إلى "هالة" منذ دقائق. ما الذي حدث لها؟ كيف يمكنه حماية "ملك" الآن؟ ألم يكن قادرًا على حمايتها طوال تلك السنوات الماضية؟ لماذا لم تفتح "هالة" فمها لتقول له كل شيء منذ البداية؟
قبل أن يقع كل هذا؟ الآن.. لم يعد يهتم بالتفاصيل.. أو لماذا لم تخبره "هالة" بكل شيء. لا يهمه سوى أن يراها بأمانٍ.. أن يحميها ممّا حدث.. بل ممّا قد يحدث أيضًا. ربما كان عليه أن يعرف أكثر.. لكن ما الذي يهم الآن؟ الملكة الصغيرة التي تربّت في أحضانه أصبحت في خطر. وعليه أن يتعامل مع ذلك بسرعة و بدون ترددٍ. لم يعد يهمه أيّ شيء سوى الوصول إليها. أيّ شيء سوى التأكد من أنها ستكون بأمان بين يديه مرةً أخرى.
"فادي" سيكون له حسابه جزاء تقصيره في مراقبتها و الاهتمام بها. ولكن الآن "ملك" هي الأولوية. "حسابك معايا بعدين يا فادي.. هاتشوف مني اللي عمرك ما شوفته! تمتم "عثمان" في غضب و هو يضغط على دوّاسة البنزين منحرفًا تجاه الطريق المعبّد المفضي لقصر آل"البحيري". عاد أخيرًا إلى القصر. أوقف سيارته في الباحة و نزل منها بخطواتٍ سريعة. يتسارع نبضه في صدره وهو يفكر في الخطوة التالية أثناء عدوه السريع نحو المنزل.
كان يتمنّى لو يستطيع تجاهل هذه الضغوط. لكنه كان يعلم بأن هذا مستحيلًا. لقد آمن بأنه يمرّ بأصعب فترات حياته على الإطلاق. و قد تمّت بالخبر الذي وصله عن صغيرته التي كان ليكتبها باسمه إن جاز ذلك لشدة تعلّقه بها و إيمانه بأنها حقًا ابنته. فهو من ربّاها. لعله ليس أبيها البيولوجي. لكنه كان معها في كل مراحل عمرها. لم يتركها أبدًا و كان في أمانٍ تام معه. الأعمى يرى الآن ماذا حدث لها عندما خرجت عن دائرته!
أخفق شقيقها في حمايتها. "ملك" في خطر الآن. وهو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يفعل شيئًا حيال ذلك. يلج "عثمان" إلى جناحه الخاص. سحب نفسه بعزم إلى غرفة الملابس. أنفاسه متسارعة و هو يفتح الخزانة و يختار بعناية بعض الأغراض الشخصية. قميصين.. سروال جينز.. معطفٌ خفيف.. و حذاء مريح. فهو لم يكن ينوي المكوث طويلًا هناك. سيذهب ليأخذ "ملك" أولًا ثم يرى كيف سيتصرف إزاء ما حدث لها. في جميع الأحوال لن يطول غيابه.
جمع كل شيء بسرعة، ثم أقفل الحقيبة الصغيرة باحترافيةٍ كمن يهرب من حياته المألوفة ليبدأ رحلة مجهولة. وقف أمام خزنته الرقمية، وفتحها بسرعة. يده تندفع بحركةٍ آلية نحو المكان الذي يضع فيه جواز سفره. سحبه ثم أخرج معه بطاقاته الائتمانية الضرورية. لم يريد أن يترك شيئًا للصدفة لذلك جمع كل ما قد يحتاجه. فقط كان يعرف بأنه يجب عليه الذهاب. لا مجال للتأخير. أوقف عينيه للحظة على جواز السفر، ثم أغلق الخزنة بعنفٍ.
وكأن تلك اللحظة هي الفصل الأخير في حياة سابقة. وفصل جديد قد بدأ للتو. أمسك بالحقيبة الصغيرة بيد.. و الجواز في اليد الأخرى. واستدار ليغادر الغرفة. ولكن في تلك اللحظة فاجأته "سمر" زوجته عندما وجدها تخرج من إحدى الغرف الجانبية الأخرى في الجناح.. وكأنها كانت تنتظره. عندما رأته بهذا الشكل.. حاملًا للحقيبة.. جواز السفر في يده.. و في عينيه نظرة غريبة من القلق و المشاعر التي لا يستطيع أن يخبئها.
توقفت "سمر" فجأة.. و بدون أن تفكر.. اقتربت منه و سألته بحيرة: "عثمان! انت مسافر و لا ايه؟ شعر "عثمان" بتوتر داخلي عميق عندما سمع صوتها. لكنه تمالك نفسه. لم يكن يستطيع أن يجيبها بالحقيقة. لم يكن هذا الوقت المناسب لذلك. فأجابها بنبرةٍ مقتضبة محاولًا تهدئة مخاوفها الظاهرة: "في مشكلة طارئة لازم اسافر عشان احلها بنفسي.. مافيش وقت اشرح دلوقتي." لكن "سمر" كانت واضحة في قلقها. بادرت بسؤالٍ آخر.. محاولة أن تكتشف
سر هذه الرحلة المفاجئة: "طيب قولّي على الاقل.. مسافر فين؟ ماينفعش تسيبني قلقانة عليك! لم يرد "عثمان" أن يثقل قلبها أو يعقّد الأمور أكثر. فابتسم بتوترٍ و هو يقول: "ماتقلقيش.. مش هاتأخر.. اول ما تيجي الفرصة هاكلمك." ثم اقترب منها بشكلٍ مفاجئ. أمسكت عيناه بعينيها، ودنى برأسه قليلًا منها ليقول بصوتٍ خافت:
"خلّي بالك من نفسك.. و من فريال هانم.. و من ولادنا.. مش عايزك تشيلي هم حاجة.. بس خليكي هنا مكاني لحد ما ارجع.. و ماتخافيش من حاجة." كانت "سمر" غارقة في شعور عميق من القلق. لكنها حاولت أن تكون قوية. كانت تعرف تمامًا بأنه لا يخبئ شيئًا جيدًا في تلك الرحلة. لكنها في نفس الوقت لم تستطع أن تمنعه. رغم كل شيء.. فهي تثق به. اقتربت منه و عانقته بقوة. همست في أذنه بلهجةٍ مختلجة:
"انا بحبك.. لازم تاخد بالك من نفسك.. مش هقدر اصمد من غيرك كتير.. عشان كده... لازم ترجع لي بسرعة ! كان الوداع بينهما موجعًا هذه المرة. لكن "عثمان" كان يشعر بقلق أكبر كلّما مرّ الوقت. لا وقت للمزيد من الكلام.. فقط عليه أن يرحل. بعد لحظاتٍ من الصمت الذي امتلأ بالمشاعر العنيفة بينهما.. خرج عثمان من الجناح بسرعة دون أن يضيف كلمة أخرى.. وعيناه تتألقان بالعزم. هبط الدرج في دقيقة واحدة و مرّ بالبهو. حيث قابل "مراد" صدفة.
عبس "مراد" حين رآه. يبدو بأنه لاحظ عجلة "عثمان". فقال و هو يقترب منه بتساؤلٍ: "في إيه؟ رايح على فين كده!؟ تنهد "عثمان" بينما عيناه تلتقي بعينيّ صديقه المقرّب. وكان واضحًا بأنه يحاول أن يخفف من توتره قدر الإمكان. كانت إجابته مختصرة.. ولكنها كافية لإيصال شعور التوتر الذي كان يعيشه: "في مشكلة كبيرة عند فادي و هالة في دبي.. لازم اسافر عشان اتعامل معاها بنفسي." استمع "مراد" إليه باهتمامٍ شديد.
لكنه لم يصرّ على المزيد من التفاصيل. مجرد شعور قوي من عدم الارتياح على وجهه. ومع ذلك لم يستطع إخفاء قلقه و قال بجدية: "لو المشكلة كبيرة اوي.. انا ممكن اجي معاك.. و ماتروحش لوحدك! تردد "عثمان" للحظةٍ. ثم قال بصوتٍ خافت: "هي كبيرة فعلًا.. ملك... المشكلة تخص ملك.. بس مش هقدر اقولك تفاصيل اكتر." شعر "مراد" بقلق أعمق. وحاول أن يصر على المساعدة قائلًا: "بس انت لو محتاجني في حاجة.. قولّي و انا معاك."
هز "عثمان" رأسه في رفض و هو يضغط على أعصابه. يشعر بأنه منهك.. وأنه بحاجة إلى تحريك عجلة الأمور بأسرع وقتٍ ممكن. قال بصرامةٍ: "لو احتاجتك هاكلمك.. دلوقتي لازم اتحرك." أومأ له "مراد" و قال: "تمام.. مع السلامة.. ابقى طمنّي بس.." يغادر "عثمان" الطابق مسرعًا. يستقلّ سيارته ثانيةً و يتوّجه إلى المطار. قلبه لا يزال ممتلئًا بالقلق. وتدور في ذهنه أفكار كثيرة. ولكنه كان متأكدًا من شيء واحد.
"ملك" بحاجة إليه.. ولا وقت للتوتر أو التردد!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!