الفصل 44 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
27
كلمة
4,761
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 90%
حجم الخط: 18

"رامز" يتحدث بصوتٍ متعب: -مش قادر أتنفس يا مراد.. كل يوم بيعدي وأنا بفكر... هو ممكن يرضى؟ ممكن في يوم هايفهم؟ شمس بتحبني.. ليه مش قادرين نكون مع بعض زي أي اتنين طبيعيين؟ يضع يده على جبينه في حركةٍ عفوية.. وكأن الأفكار التي تدور في رأسه تنهش عقله. يرد "مراد" بصوتٍ هادئ وحذر: -أنت عارف يا رامز إن عثمان عنده مبادئ.. مش أي حد يقدر يغيرها.. بالنسبة له أنت مش شخص مناسب لشمس.. وأنت بنفسك أثبت له وجهة نظره أكتر من مرة.

يقول "رامز" بنبرةٍ متوترة، وكأن الكلمات تخرج عنوة من فمه: -مش مناسب؟ يعني إيه مش مناسب؟

ده أنا جبتها لحد عنده.. عرفت أخطفها عشان نكون مع بعض ولما كلمني رجعتها له.. شمس مش غلطة في حياتي يا مراد ولا أنا غلطة في حياتها.. وعثمان ما كانش له حق يتدخل زي ما هو عاوز.. في كل مرة بيبعدنا عن بعض هي أول حد بيتأثر.. لازم يفهم إن محدش فينا يقدر يكمل من غير التاني.. أنا استحملت منه كتير.. في الأول خدها مني.. وبوظ لي شغلي وحياتي شبه أتدمرت.. رغم كل ده أنا لسه عندي استعداد أنسى له كل حاجة.. بس يرجع لي شمس.

يضع يده على قلبه فجأة.. يحاول استيعاب مشاعره المتضاربة.. لكن الألم واضح في عينيه كما في صوته. -أنا فاهمك يا رامز! عقّب "مراد" بهدوءٍ وتابع: -لكن عمرك ما هاتكسب عثمان لو ضغطت عليه كده.. هو بيشوف جوازك العرفي من أخته ده غلط في حقه كصاحبك.. وده لوحده بيفقدك أي فرصة عشان تقرب منه أو من شمس.. عايزك تبقى هادي شوية.. وتحاول تفكر بعقلك بلاش تهور.

يغلق "رامز" عينيه لحظة.. يشعر بثقل كلماته وكأنها تعصر قلبه.. عيناه تلمعان بشعور اليأس.. وكأن الأفق أمامه مغلق تمامًا. يردد بصوتٍ منخفض، أكثر انكسارًا: -أنا مش قادر أعيش من غير شمس.. أمها وعثمان بيلعبوا بيا يا مراد.. تعبت.. عايزها.. كل لحظة بعيدة عنها بحس إني مش عايش ولا حتى ميت.. أنا متعلق..

ينظر إلى الصورة التي تجمعه مع "شمس" على الطاولة.. تعبير وجهه يتغير إلى حالةٍ من الضعف الداخلي.. عيناه تنعكس فيهما مشاعر الفقد والحزن.. يتنهد بعمقٍ.. وتعلو وجهه ابتسامةٍ يائسة.. وكأن الكلمات التي قالها للتو هي آخر أمل له. أتاه صوت "مراد" أكثر جدية: -أنا هحاول مع عثمان تاني.. بس مش هقدر أوعدك بحاجة.. لو ضغطت أكتر من كده مش هاتلاقي نتيجة... هاتخسر شمس.. ف ابعد عن الصورة شوية كمان وسيبني أجرب معاه.

يترك "رامز" الهاتف بجانبه قليلاً.. يتنفس بعمق.. ثم يعود ليستأنف محادثته مع صديقه: -أنت عارف يا مراد إني مش هاستنى أكتر من كده.. لو عثمان مش ها يراعي مشاعري.. ولا مشاعر شمس.. يبقى أنا هاضطر أدافع عن الحب اللي بيني وبينها.. حتى لو فيها موتي. يحذّره "مراد" بجدية:

-رامز.. خلي بالك.. المرة اللي فاتت عثمان سابك تخرج من القصر على رجليك إكرامًا للعشرة والصحوبية.. لكن في النهاية شمس دي تبقى أخته وهو دايمًا هايفضل يحميها.. ممكن اللي أنت بتعمله يكون له عواقب مش هاتكون في صالحك.. اهدى.. أنا هحاول معاه تاني.. وأوعدك إني هاتدخل بكل اللي أقدر عليه عشان أخلصك من القصة دي. يغلق "رامز" عينيه بشدةٍ.. ويهمس بصوتٍ مرتعش: -أنا عايز شمس... بأي تمن.. بس لو ما فيش حل.. مش هقدر أصبر أكتر من كده.

مراد بحزمٍ: -قلت هحاول معاه.. بس خلّي بالك.. ماتاخدش خطوات متسرعة ترجع تندم عليها.. أنا كده كده في صف عثمان وأنت عارف.. سواء في الحق أو الباطل.. عثمان ده أخويا.. وأنت صاحبي.. بس وقت الجد كفّته هي اللي هاتطّب. يغلق "رامز" الهاتف بهدوءٍ.. ينظر مجددًا إلى الإطار الذي يحمل صورة "شمس" وهي بين أحضانه.. ويغرق في أفكاره. الأصوات في الخارج تتلاشى.. ويبقى هو وحيدًا مع مشاعره وتاريخه الملطخ.. وذكرياته معها.

**عيادة الطبيب.. في إحدى الغرف الخاصة..** الأجواء هادئة.. باستثناء الصوت الخفيف للأجهزة الطبية من حولها.. "ملك" مستلقية على سرير طبي.. أنفاسها ثقيلة.. وأيديها موصولة بمحلولٍ غذائي.. الضوء الخافت ينعكس على وجهها الشاحب.. وأطرافها الممدة في السرير تكاد أن تكون خالية من الحركة.. كما لو أن جسدها في حالة استسلامٍ تام.

يدخل "عثمان" بهدوءٍ.. عينيه تلتقط "ملك" فورًا ويركز نظراته عليها فقط.. قلبه ينبض بسرعة مع كل خطوة يخطوها نحوها.. العواطف تتأجج داخله.. وبينما يقترب منها.. يشعر بألمٍ غريب يعتصر صدره.. كأن كل شيء حوله ضبابي. توقف بالقرب من السرير.. وحين نظر إليها.. أدرك تمامًا حجم الضرر الذي لحق بها.. شعر بالانقباض في قلبه.. لكن عينيه لم تغادر وجهها.. اقترب منها أكثر حتى أصبح على بعد خطوة واحدة فقط.

ببطءٍ.. مالت يده نحو رأسها.. ومسح بكفه على شعرها بلطفٍ شديد.. كأنما يحاول أن يطمئنها.. أو ربما ليعوّضها عن كل لحظة قاسية مرت بها بعيدًا عنه. تستيقظ "ملك" فجأة.. تتنفس بسرعة وتفتح عينيها بشكلٍ مفاجئ وجسدها يرتجف: -أنت... عينيها تجفل للحظة.. تظنه حلمًا.. ثم اكتشفته.. "عثمان".. كان هو.. أمامها مباشرةً.. وكأن العالم بأسره توقف لحظة. تتراكم الصدمات على قلبها.. الدموع تبدأ في التكون بسرعة في عينيها وهي تردد بعدم تصديق:

-أنت... أنت هنا؟ لا تستطيع السيطرة على نفسها.. تتحرك بشكلٍ مفاجئ.. ثم تتدفق الدموع بغزارةٍ. يرى "عثمان" كل هذا الألم.. وكل هذه الحيرة في عينيها.. الألم يطوّق قلبه بشكلٍ غير مسبوق. يقرب وجهه منها.. يتأمل وجهها الحزين بعمق.. يشعر بقلبه يعتصر. -ماتخافيش يا ملك... خلاص.. أنا هنا دلوقتي.. جنبك. دون أن يفكر.. ينحني ويطبع قبلة دافئة على جبينها.. ثم يهمس في أذنها بصوتٍ منخفض.. كأنما يعيد لها الأمان الذي فقدته:

-محدش هايئذيكي تاني... مش هاسيبك. تتشبث "ملك" به.. وكأنها تراه آخر ما يربطها بالعالم.. تتنفس بشكلٍ متقطع.. تبكي بحرقةٍ.. كأنما تخاف أن يختفي من بين يديها وهي تقول بصعوبةٍ: -عثمان... ماتسيبنيش... بليز.. ماتسيبنيش... يضمها إليه بحنانٍ شديد.. يعانقها وكأنها الحياة كلها في هذه اللحظة.. يتنفس من خلالها.. يحاول أن يعيد لها الطمأنينة.. ويشعر بمدى حاجتها له. يهدئها بصوته الرخيم:

-مش هاسيبك يا ملك.. لا هاسيبك ولا هاخليكي تواجهي ده لوحدك.. أنا هنا... جنبك طول الوقت. ثم يطوّقها بذراعيه.. يضغط على جسدها وكأنما يريد أن يمحو كل الآلام التي عاشتها.. يشعر بحرارتها تتسرّب من جديد عبر جسده.. كأنما يريد أن يبعث فيها الحياة من جديد.. هو يعرف بأنها كانت وحيدة من دونه.. يعرف كم تألمت. لكن بدءً من هذه اللحظة.. هو من سيحمل عنها كل شيء. تتوقف "ملك" عن البكاء قليلاً.. لكن قلبها لا يزال يضطرب وهي تخبره..

كما لو أنها تشكو له: -كل حاجة كانت... بتوجعني اوي.. كنت حاسة إني هاضيع... أنا ضعت خلاص.. صح؟ يهز "عثمان" رأسه متمالكًا رباطة جأشه بأقصى ما لديه من طاقة.. ثم يقول بصوتٍ خافت.. لكنه ملييء باليقين والحب: -لأ.. عمرك ما تضيعي وأنتي معايا.. أنا مستحيل اسمح بكده.. مهما كان اللي حصل.. هكون جنبك.. ودي النهاية لكل اللي حصل وأنتي بعيدة عني.. خلاص...

هانبدأ من جديد.. وأنتي مش هاتواجهي حاجة لوحدك تاني.. أنا هنا.. مش هاخليكي تروحي لأي مكان تاني لوحدك يا ملك. تظل "ملك" متشبثة به.. كما لو أن الحياة نفسها تتسرّب من بين أصابعها إذا تراجعت خطوة عنه.. يضمّها "عثمان" بشدة أكثر.. يحاول أن يطوّق روحها بأمانه.. وكأنما يريد أن يمحو كل أثر للألم الذي عاشت فيه.

لحظة بعد لحظة.. تزداد "ملك" تمسكًا به.. وكأنها تتحدى كل شيء يحيط بها.. وكأن وجوده بجانبها هو خلاصها الوحيد من العالم الذي حولها. تسمع صوته يخفف عنها شيئًا من آلامها: -محدش هايقرب منك تاني.. ولا هايئذيكي خلاص.. هاترجعي معايا.. وكل حاجة هاترجع أحسن من الأول.. أوعدك. في تلك اللحظة.. بينما عيناها تغلقان ببطءٍ.. تشعر وكأنها أخيرًا في المكان الذي يجب أن تكون فيه.. تحت ذراعيه.. تجد ملاذها.. وتبدأ تهدأ.. تدريجيًا.

ولكن لا تزال تلك الدموع في عينيها.. تحمل كل الحكايات التي لم تكتمل بعد. **شقة "فادي" و "هالة" ... الهواء في الشقة صار ثقيلًا جدًا.. بفعل شحنة التوتر الهائلة التي ملأت المكان لساعاتٍ.. الضوء الخافت بحجرة المعيشة ينعكس على وجهها الحزين.. "فادي" خرج منذ قليل بعد مشادة حادة بينه وبين زوجته.

يبدو أنه لم يعد قادرًا على تحمل الضغط.. تركها وحيدة في مواجهة الأسئلة التي لا تريد الإجابة عنها.. في داخلها.. كان شعور "هالة" يضيق حولها.. وكأن قلبها يوشك على الانفجار. وفجأة.. يدخل "نبيل الألفي" من الباب في صمتٍ.. حتى إنها لم تسمع الجرس لشدة استغراقها في التفكير. خطواته ثقيلة.. وملامحه مشدودة بعنفٍ.. هو ليس فقط مجرد خالها.. بل إنه رجل قديم الطراز.. لا يعترف بالتحضر أو نمط الحياة المتحرر أكثر من اللازم.

ما حدث اليوم في الشركة داخل مكتب "مالك عزام" لن يمر دون توضيح من ابنة أخته.. لن يتركها حتى تفصح له عن سبب زيارتها له. دخوله للبيت يبدو كالديناميت الذي سينفجر في أيّ لحظة. -فين فادي؟ انتفضت "هالة" لدى سماع صوته.. تطلّعت إليه لتصطدم بنظراته الحادة.. أخذ يجيل بصره من حوله كأنما يبحث عن زوجها. تبتلع "هالة" ريقها.. تحاول أن تظهر رباطة جأشها.. لكن عيونها تفضحها.. تجاوبه بلهجةٍ غير واثقة: -فادي خرج شوية...

لسا نازل من نص ساعة.. كان مخنوق ونزل يغير جو! يقترب "نبيل" خطوة.. صوته يتصاعد قليلًا وهو يهتف بها: -مخنوق؟ أكيد.. أنتِ طبعًا هاتقوليلي إيه اللي حصل هنا؟ تخفي "هالة" قلقها وراء ابتسامة ضعيفة.. تجلس على طرف الأريكة وكأنها تحاول الهروب من الموقف قائلة: -ما فيش حاجة يا خالو.. هو بس مضايق شوية.. كله تمام. يتقدم "نبيل" نحوها خطوة أخرى.. عينيه تشتعلان وهو يعلّق بغضبٍ على كلماتها: -تمام؟ تمام إزاي؟

ما فيش حاجة تمام زي ما أنا شايف قدامي.. كنتي في الشركة انهاردة ليه؟ وإيه اللي ودّاكي مكتب مالك عزام؟ تتجنّب "هالة" نظراته.. تنظر إلى الأرض قليلاً.. ثم ترفع عينيها إليه ببطء وتقول بثباتٍ واهٍ: -كنت جاية لك.. بس.. اتلخبطت وروحت مكتبه هو! يقترب "نبيل" منها أكثر مجتذبًا إيّاها لتقف قبالته.. ثم قال من بين أسنانه محاولًا الضغط عليها أكثر:

-أنتي بتكدبي عليا يا هالة.. زيارتك لمالك عزام كانت مقصودة.. اتكلمي وقوليلي.. إيه اللي أنا مش فاهمه هنا؟ يبدأ صوت "هالة" يرتجف.. تبعد عيناها عنه.. تحاول إخفاء الاضطراب الذي غمرها وهي تقول: -ما فيش حاجة يا خالو.. صدقني أنا ماليش علاقة بيه أصلاً.. الموضوع مش معايا.. بليز ماتضغطش عليا. لكنه لا يتراجع.. لقد أعطته بالفعل طرف خيط.. يواصل ضغطه عليها بصوتٍ أكثر صرامة:

-اومال الموضوع مع مين.. قولي يا هالة.. أنا مش عايز تفكيري يروح في سكة مش تمام!! تنفصل "هالة" عن الواقع للحظة وتغلق عينيها.. وكأنها تسترجع مشاهد غير قابلة للحديث عنها.. لكن مع الضغط المتواصل من "نبيل" تعود للواقع. -هو مالك... مالك متورط في مشكلة تخص أهل فادي جوزي.. وأنا روحت عشان أواجهه. ينظر "نبيل" إليها بترقبٍ.. صوته يزداد حدة وهو يسألها: -مشكلة إزاي؟ قوللي إيه هو نوع المشكلة دي بالظبط؟؟

تحاول "هالة" أن تنفس عن الألم الذي يغلي بداخلها.. لكن العواطف لا تعطيها فرصة للتهرب.. فتنفجر فجأة رغمًا عنها معترفة بكل شيء: -مالك... مالك اغتصب ملك أخت فادي.. اغتصبها ولولا إني لحقتها كانت راحت فيها. تتسارع أنفاسه في هذه اللحظة.. وجهه شاحبٌ من الصدمة.. وكل كلمة تقولها "هالة" تترك جرحًا عميقًا في قلبه. يبتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول استيعاب ما سمعه. -إزاي؟ مالك؟ .. مالك عمل كده في ملك؟

.. أخت فادي و.. سمر.. الصغيرة دي!!؟؟ ترتجف "هالة".. ثم تنفجر دموعها أخيرًا وهي تجاوبه: -الحيوان.. قدر يعمل فيها كده.. ده مش طبيعي.. لا يمكن يكون إنسان طبيعي.. دي لسه بنت صغيرة.. لسه صغيرة أوي. يسحب "نبيل" نفسه بعيدًا عنها.. وجهه يبدو مشوّشًا ومغلّفًا بالغضب والحيرة.. صوته يرتجف وهو يقول: -أنا.. أنا مش قادر أستوعب!! تنهار "هالة" فوق الأريكة مجددًا.. همساتها تكاد تكون غير مسموعة.. تحاول أن تمسح دموعها لكن

الألم أكبر من أن تخفيه: -أنت كده ماتعرفش التفاصيل.. البنت مدمرة.. الحيوان ده دمرها وعمرها ما هاتقدر ترجع زي ما كانت.. بس عثمان.. عثمان مش ها يسيبه.. أنا متأكدة.. زمانه عرف كل حاجة من ملك. تتسع عيناه من المفاجأة والصدمة في آنٍ.. جسده يتوتر وهو يتنفس بسرعة معقّبًا: -عثمان؟ عثمان البحيري هنا؟ .. مش معقول.. لازم.. لازم أكلم حسين يجي يلحق ابنه...

لا يستطيع "نبيل" التحكم بمشاعره.. يلتفت نحو الباب ويركض مغادرًا دون أن ينطق بكلمة أخرى. تتساقط دموع "هالة" وهي تبكي بحرقةٍ هاتفة.. لكن لا تملك القدرة على إيقافه: -نبيل... لو سمحت.. ما تروحش... ماتروحش... لكن "نبيل" لا يلتفت خلفه.. يخرج من الشقة بسرعة ويده تصل إلى جيبه ليأخذ هاتفه.. في لحظة.. يجري الاتصال بـ "حسين عزام".. لكنه لا يرد.. فيترك له رسالةً صوتية هادرًا وصوته محمّل بالغضب:

-حسيـن.. لازم تيجي بسرعة.. ابنك عمل مصيبة وأنا مش هقدر أتدخل.. مستحيل أاتجمع مع عثمان البحيري في مكان واحد تاني.. لازم ترجع فورًا.. عثمان مش ها يسيبه!!! **قصر آل"البحيري" ... الحديقة واسعة وهادئة.. أشجارها الكثيفة تتناثر حول البقعة الكبيرة المخصصة للجلوس.. يجلس كلًا من "حسين عزام" و "مراد أبو المجد" في جو مشبّع بنسائم باردة.. وأصوات خفيفة للرياح التي تتسلل عبر أوراق الأشجار.

الصمت لا يزال قائمًا بينهما.. "حسين" شاحب الوجه.. وعيناه محمّلتان بشيءٍ من القلق المستمر.. أمامه فنجان من القهوة لم يلمسه منذ فترة.. بينما "مراد" يجلس على المقعد المقابل له.. ينظر إلى الأرض لبعض الوقت.. ثم يرفع رأسه وينظر إليه. يقول بصوتٍ هادئ.. لكنه محمّل بالجدية: -عارف يا حسين.. لو كنت في مكانك.. كنت هاعمل زيك بالظبط.. لمى بالنسبة لي مش مجرد بنت مراتي.. دي بنتي.. أنا مقدّر لهفتك عليها.

يتنهد "حسين" بثقلٍ.. يحرّك فنجان القهوة ببطءٍ دون أن يشرب وهو يقول: -أنت عارف إني مش هقدر أشوفها زي ما أنت بتشوفها.. لكني لسا عايز أعرفها.. عايز أشوفها لو حتى مرة في السنة.. أقضي معاها شوية وقت.. قبل ما العمر ينقضي وما كنتش سبتلها أي ذكرى حلوة تفتكرني بيها. يبتسم "مراد" بحذر.. يحاول أن يخفف التوتر بينهما قائلاً:

-إحنا نقدر نعمل كده.. ماتقلقش.. طالما هي اقتنعت ووافقت تدي لك مساحة في حياتها يبقى لا أنا ولا إيمان هانعترض على قرارها.. أنا أقدر أرتب لك زيارات في الإجازات.. سواء تسافر لها أو هي تيجي لك.. مش هامنعك.. أنت بردو جدها. ينظر إليه "حسين" مبتسمًا بامتنانٍ.. يقول محاولًا إخفاء مشاعره المتضاربة:

-أنا عارف إنك بتعتبرها زي بنتك.. وصدقني.. أنا سعيد جدًا إن ربنا عوّض لمى بأب تاني زيك.. يمكن أبوها لو كان عايش ما كانش حبها واهتم بيها أوي زيك كده.. أنا مش عارف أشكرك إزاي.. بجد على كل حاجة عملتها مع لمى. رمقه "مراد" بنظراتٍ ثابتة.. وقال بهدوءٍ: -ما فيش داعي تشكرني يا حسين.. أنا مش بعتبر لمى بنتي.. لأ هي بنتي فعلًا.. يمكن ماجتش من صلبي.. لكن أنا اللي ربّيتها.. فهي بنتي.

تلتمع عينيّ "حسين" بطبقةٍ بسيطة من الدموع.. في نفس اللحظة يدق هاتفه فوق الطاولة لجزء من الثانية.. يشير "مراد" بيده إلى هاتفه المحمول قائلاً: -الماسدج دي جاية من عندك... ممكن ترد ما فيش مشكلة. يتنهد "حسين".. ثم يلتقط هاتفه.. ينقر على الرسالة الصوتية التي تصل إليه من رقم "نبيل" شريكه وزوج ابنته. الصوت يبدأ يظهر ببطء.. ثم يتضح جليًا

في لحظة: "انت فين يا حسين.. رد عليا.. كلمني فورًا لما تسمع الرسالة.. ابنك حياته في خطر.. ابنك اغتصب بنت.. ومش أي بنت.. فاكر عثمان البحيري اللي حكت لك عنه زمان؟ البنت دي تبقى أخت مراته.. عثمان هنا في دبي.. تعالى إلحق ابنك يا حسين". استمع "حسين" إلى الرسالة بصمتٍ.. عينيه تتسعان بصدمة ما إن يسكت صوت "نبيل".. بينما "مراد" الذي صادف وتمكن من سماعها برفقته حاله لا يقل ذهولًا عن الأخير.

الموقف يصبح مشحونًا بشكلٍ مفاجئ.. "حسين" يقف فجأة من مكانه.. يده ترتجف وهو يضع الهاتف بجيب سترته. أما "مراد" يشعر ببطنه يلتوّي من هول الخبر واستعادة جزء خاص من ماضيه مع ذات الشخص.. الذي اعتدى على "ملك".. "ملك" ابنة "عثمان البحيري". يتطلّع "مراد" إلى "حسين" قائلاً بصوتٍ خفيض: -المرة اللي فاتت ابنك رجع لك مسجون.. لكن المرة دي صدقني.. ابنك ميت يا حسين.

يبتعد "حسين" عن الطاولة بسرعة كمن لدغه العقرب.. وجهه ملييء بالصدمة والغضب.. "مراد" يظل جالسًا.. مشدوهًا.. يحدق في الهواء كما لو كانت الرسالة الصوتية التي سمعها لا تعني شيئًا حقيقيًا. كان "مراد" يتخيل الموقف.. الآن فقط أدرك حقيقة سفر صديقه المفاجئ.. لكنه لم يستوعب الصدمة حتى الآن. -لازم أرجع! .. هسّ "حسين" من بين أسنانه.. وأكمل: -مش هاسمح لعثمان يعمل كده... ولا هاسمح لحد يمس ابني!!!

ثم يبدأ في التحرك بسرعة.. يغادر القصر ركضًا.. بينما "مراد" يظل كما هو.. عاجزًا عن الحركة للحظة.. صدمته أكبر من أن يصدق ما سمعه.. إنه بحاجة لبعض الوقت فحسب. يقف فجأة.. كأن الجسد يرفض استيعاب الواقع.. خطواته غير ثابتة.. وعقله يطير بين التفكير في "عثمان" وبين الاعتداء المريع الذي وقع على "ملك".. الطفلة البريئة.

لقد دنّسها ذلك الوغد.. ما كان عليه أن يتركه حيًا فيما مضى.. هذه الغلطة تسببت اليوم بتدمير حياة فتاة لم تبلغ الحلم بعد.. الحقير. يرتجف "مراد" من قمة الغضب وهو يخرج هاتفه من جيب سرواله.. قلبه ينبض بسرعة.. وعقله لا يزال في دوّامة من الأفكار.. يداه تتعرقان وهو يضغط على رقم صديقهما الثالث والذي كان ضلعًا في ذات الموقف قبل سنواتٍ خلت. وضع الهاتف على أذنه في انتظار الرد.. بينما كل ثانية تمر تزيد من تعقيد الأمور في عقله.

-أفندم يا مراد! رد "رامز" بلهجته اليائسة المتكاسلة. أجابه "مراد" بصوتٍ حاد وصارم في آنٍ: -رامز.. عندك فرصة واحدة بس عشان تثبت لعثمان إنك جدير بشمس.. لو مهتم.. قابلني بعد ساعة في مطار برج العرب! **في شقة فاخرة قام باستئجارها سلفًا ..** الأضواء خافتة تنير كل زاوية.. المكان نظيفٌ ولامع.. "عثمان" يدخل الشقة حاملاً "ملك" بين ذراعيه.. بينما هي متمسكة به بشدة.. وكأنها تجد فيه أمانًا بعد ما مرت به من ألمٍ.

أغلق الباب خلفه بركلة قدم.. خطواته ثقيلة على الأرض.. تحمل مشاعر مختلطة من الغضب والألم والقلق. دخل الغرفة الرئيسية على مهلٍ.. وضع "ملك" على السرير بلطفٍ.. نظر إليها لثوانٍ.. وكان قلبه يتألم من الداخل.. لكن وجهه كان مفعمًا بالقوة والتصميم. لقد أخرجها من عيادة الطبيب على مسؤوليته الشخصية.. لم يغامر بإبقائها حيث يمكن لـ"فادي" أن يجدها.. لن يسمح لمخلوقٍ بأن يمسّها ما دام هو حيًا ويتنفس.

"ملك".. التي كانت شاحبة الوجه.. وعيناها مليئتان بالدموع.. لا تستطيع حتى أن ترفع عينيها إليه.. كانت خجلة.. وكأنها تحمل عارًا لا يستحق أن يتعامل هو معه نيابةً عنها. أحسّ "عثمان" باضطرابها.. فقال بصوتٍ خافت.. لكنه ملييء بالعزم: -ماتخافيش يا ملك.. أنتِ هنا معايا في أمان. يومين بالكتير و هانرجع مصر.. ومحدش بعدها ها يقدر يلمسك أو يقرب منك.

يمسك يدها بحذرٍ.. ثم يقبّل كفّها بأبوّة.. كأنه يريد أن يطمئنها أكثر.. "ملك" رغم أنها كانت مكسورة.. إلا أن لمسته كانت مثل طوق نجاة لها.. ومع كل قبلة على يديها.. كانت تهدأ قليلاً.. لكن دموعها لم تتوقف. فجأة.. تنهار بالبكاء.. يخرج منها صوتٍ مكتوم وكأنها تحمل كل الألم في قلبها. -أنا آسفة! غمغمت "ملك" بصوتٍ ضعيف.. وتابعت: -آسفة إني خيّبت أملك فيا...

أول مرة بالطريقة اللي سبتك بيها قبل ما أسافر.. ومرة تانية دلوقتي لما حصل اللي حصل... وأنا مش عارفة أرجع كل حاجة زي ما كانت. ينخفض "عثمان" بجسده بجانبها.. يمسح على شعرها برفقٍ.. وكأن قلبه يعتصر من الألم.. هو نفسه يتألم من داخله.. لكنه يحاول أن يكون القوة التي تحتاجها هي الآن. يهمس لها بصوتٍ هادئ.. ملييء بالعطف:

-دي مش غلطتك يا ملك.. ده غلطتي أنا في الأول.. أنا اللي سيبتك.. وأنا اللي فكرت إنك ممكن تكوني في أمان بعيد عني... وفكرت إن أخوكي هايحميكي وياخد باله منك.. ودي كانت غلطة كبيرة مني.. دي كمان غلطته هو... غلطته بالنسبة لي أكبر لأنها هي اللي دمرتك. مسح على شعرها مجددًا.. كان يحاول أن يخفف عنها.. كأن كلمة واحدة منه قد تكون مفتاحًا لتخفيف معاناتها. يردد بصوتٍ حاسم:

-لكن حقك مش هايروح.. أنا مش هاسيب حقك.. مهما كان التمن.. هاجيب لك حقك. تظل "ملك" تبكي في صمتٍ.. كانت مشاعرها مختلطة.. لا تعرف كيف توازي بين الألم والراحة التي وجدتها في وجوده.. لكنها كانت بحاجة للكلمات.. وكانت تحتاج لوقت لتستجمع نفسها. اقترب "عثمان" منها أكثر.. وضع يده على ظهرها بهدوءٍ ليحتويها في حضنه.. كأن جسده أصبح الحاجز بينها وبين كل شيء سيء مرت به. همس في أذنها مطمئنًا:

-ششششش.. كفاية بكى.. ماتخافيش.. أنتِ معايا هنا.. وماحدش يعرف مكانك.. وماحدش هايمسّك تاني طالما أنا موجود.. كل حاجة هاتكون تمام.. وعد مني. في تلك اللحظة.. بدأت "ملك" تشعر بالطمأنينة التي كانت تفتقدها.. كلمات "عثمان" كانت كالملاذ الذي تحتاجه.. وحضنه كان يشعّ بالأمان.. رغم إنها كانت لا تزال تتألم جسديًا ومعنويًا.. لكنها بدأت تهدأ.. وأخذت وقتًا لتستعيد قوتها. يستطرد "عثمان" بصوتٍ جاد.. فيه لمحاتٍ من الهدوء:

-لازم تحكيلي كل حاجة يا ملك.. أنا محتاج منك تحكيلي.. معاكي واحدة واحدة.. مش هاسيبك قبل ما أعرف كل التفاصيل.. أنتِ سمعاني؟ .. معاكي طول الليل. برغم الألم الذي لا يزال يعتصر قلبها.. شعرت "ملك" بثقل الطلب.. لكن وجوده بجانبها بدأ يمنحها الشجاعة. ترفع عينيها إليه.. تلامس نظرته بحذرٍ.. ثم تغمض عينيها.. وتحاول أن تسيطر على دموعها. وتبدأ تسرد ما حدث.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...