حين تلج من الباب المفضي إلى المطبخ، تزداد عجلة العمل الدائرة بالداخل إلى بدأب مجنون بظهور المالكة التي كثيرًا ما تشارك بإعداد الأطباق والطبخات بنفسها. تباشر "رحمة" بتفحص جميع الأطباق الجاهزة، بينما يتناولها كبير الطهاة ويضعها على صواني التقديم قبل أن يحملها النُدُل ويختفون بها عبر الباب المزدوج المفضي لقاعة الطعام.
تشير بيدها، فتأتي إحدى المساعدات لتساعدها في ارتداء معطف الطهاة الأبيض، وفورًا تتخذ "رحمة" مكانتها وراء الموقد وتشرع بتحضير بعض الأطباق الخاصة بيديها. بالكاد قضت بعض الدقائق تعمل وتصيح ببعض التوجيهات والنصائح. بدا العاملين لديها في حالة من الحبور والاحتفاء لوجودها بينهم، وكأنها لم تشاركهم منذ مدة طويلة. كانت تنهي اللمسات الأخيرة لأول طبق لديها، حين جاءت مساعدتها ونبهتها بحلول زائر لها هنا بالمطبخ.
استدارت "رحمة"، لتراه من وراء أكتاف العاملين، يقف هناك بجوار الباب ليفسح مجالًا لحركة المرور السريعة، وفي نفس الوقت يستمتع بمراقبتها عاقدًا ساعديه وراسمًا تلك البسمة غير المكتملة على شفتيه. "إبراهيم!
رددت اسمه بهمس، فاكتملت ابتسامته وكأنه سمعها جيدًا. شملها بنظرة فاحصة من أعلى لأسفل والعكس، ثم استقرت عيناه على وجهها من جديد، حيث تمكنت من رؤية نظرة الغزل الصريح بعينه، قبل أن يغمز لها ويتسبب بارتباك كبير جعلها تكف يديها تمامًا عن المزيد من العمل. "إيه اللي جابك يا إبراهيم؟ ألقت "رحمة" سؤالها ما إن دخلت غرفة مكتبها بالطابق الثاني للمطعم. تبعها الأخير مغلقًا الباب ورائهما وهو يقول بأسلوبه العابث: "مش دي أهلًا؟
وحشتني ولا قولتي أي كلمة من اللي كنت مستني أسمعها؟ تطلق "رحمة" تنهيدة وتلتفت ناحيته. الآن يقفا قبالة بعضهما، ولكن كالعادة في حضوره تشعر "رحمة" بأن الكون بأسره لا يمكن أن يتسع لها، فما بال غرفة مكتبها الفسيحة ذات الديكور الكلاسيكي والطلاء الفاتح المعزز لمساحته الواسعة، كل هذا لا يفلح ما دام هو هنا أمامها. "إبراهيم! " نادت اسمه ثانية. فابتسم لها بدفء: "روحه!
تدير "رحمة" عينيها تغيظًا منه، فهو كالعادة يستخدم مهاراته للإيقاع بها وسحره الخاص. يرتد بصرها إليه مجددًا، ومرة أخرى ينعقد لسانها. لا يمكنها تجاهل شوقها الصارخ بأعماقها إليه. منذ متى لم تراه؟ اثنان وثلاثون يومًا. أجل، لقد قامت بإحصائهم فعلًا.
منذ قامت بطرده من مقر عملها الجديد وليلة الافتتاح، اندهشت لسرعة ذهابه. لم يظل رغمًا عنها كعادته، ما سبب لها الأرق والكآبة لأيام. لكنها حاولت بشتى الطرق أن تتأقلم. فلماذا ظهر الآن بحق الله؟ "تعرفي إني بحسدك على القسوة اللي بقيتي فيها دي؟
نظرت إليه واجمة، لم ترد، فقط تحدق فيه مليًا. إنه قطعًا لم يعد نفس الشاب الذي عرفته منذ ثلاثة عشر عامًا. لم يعد ذاك الحارس الشخصي أو "الجاسوس" الذي عينه زوجها الراحل ليراقبها دون أن تشعر به ويزوده بأخبارها أولًا بأول.
لقد كانت صدمة شديدة الوقع عليها حين عادت إلى "لندن" برفقة صغيرتها. زارها "إبراهيم" لأول مرة بالفرع القديم لمطعمها وعرّف عن نفسه. أخبرها القصة كاملة، بل والأدهى صارحها بحقيقة مشاعره تجاهها، ما قلب حياتها كلها رأسًا على عقب. في البداية قامت بطرده وزجره بأشد العبارات قسوة، لكنه لم يتوقف يومًا عن ملاحقتها، وتدريجيًا لم تستطع "رحمة" مقاومة اهتمامه بها، حمايته لها، وجاذبيته الخاصة التي لم تر مثلها أبدًا. "رحمة!
أجفلت عندما صار قريبًا منها فجأة. لم يحاول لمسها بعد، لكنه قريب جدًا، حتى إنها تشعر بحرارة جسده. إنه يذكرها مجددًا باختلاف الحجم بينهما، وبأنه ضخم بشكل لا يصدق، وأيضًا يذكرها بوسامته الشرقية التي تذيب النساء فيه أينما راح وغدى. نظرت "رحمة" إلى عينيه البنيتين مثل حبّات القهوة، وشعره الداكن القصير، ولاحظت لحيته التي ازدادت كثافة وكذا شاربه. "لحد إمتى هتفضلي بعيدة عني؟
أقشعرّت لسؤاله الذي نطقه بهذه الطريقة المهلهلة والتي تناقض مظهره البربري كليّةً. حافظت على ثبات صوتها وصرامته وهي ترد عليه: "إحنا عمرنا ما كنا قريبين يا إبراهيم. إحنا اتفقنا من البداية نكون مجرد أصدقاء." "إبراهيم باستنكار: لا والله! انتي بتضحكي على مين يا رحمة؟ عليا ولا على نفسك؟
انتي عارفة ومتأكد إننا ولا لحظة كنا مجرد أصدقاء. ومع ذلك فضلت طول الوقت بحترم رغبتك وكلامك عن بنتك وأنها أهم حد في حياتك ولازم تطمنّي عليها الأول وبعدين تفوقي لنفسك. مش بس كده يا رحمة، ده أنا اتغابيت مرة وسمعت كلامك وروحت اتجوزت وخلّفت." "بس حصل إيه بعد كده؟ "طلّقتها. طلّقتها عشان مش شايف ولا قلبي قادر يحب غيرك." تتنحنح "رحمة" لتجلي صوتها وتقول محاولة ألا تبدو متوترة:
"ده كلام فارغ. انت ماحبتنيش. اللي انت حاسه ده يمكن إعجاب، لكن مش حب. مش حب." وحاولت أن تمر من حوله، لكنه منعها ممسكًا برسغها بقوة. "أنا مش هاسيبك المرة دي يا رحمة!
ازدردت ريقها بصعوبة وهي ترنو إليه بعينين متسعتين. أحيانًا يظهر جانب عنيف يذكرها بلمحات من الماضي تتمنى نسيانها. يشعر "إبراهيم" باضطرابها ويرى الخوف بنظرتها، فيخفف قبضته عليها. لا يتركها تمامًا، يسحب نفسًا عميقًا ويمسح على وجهه، كأنما يزيل أثر الحنق عن ملامح، ليعاود التحديق فيها مرة أخرى وهو يقول بصوت أهدأ:
"أنا وانتي عارفين كويس حقيقة مشاعرنا. إحنا لبعض يا رحمة وماينفعش نكون لحد تاني. انتي اتجوزتي مرة وماكنتيش سعيدة طول الوقت، كنتي على الهامش ومش حاسة بالدنيا. وأنا كنت ماشي كده ماعنديش هدف. كنت عايش لحظة بلحظة ومش بفكر في بكرة. لكن من يوم ما شوفتك وأنا حاسس إن بقى عندي هدف. ولما جوزك مات وبقتي لوحدك اتأكدت إن القدر جمعنا سوا. دي مش صدفة يا رحمة. صدقيني. مش هاتعرفي تكملي من غيري، ولا أنا كمان. لازم نكون مع بعض. رحمة، أرجوكي!
يتعقد جبينها وهي تغمض عينيها الآن، وتهمس بقلة حيلة: "أنا اللي أرجوك يا إبراهيم، ماتصعبهاش عليا. أنا عندي بنتي هي كل دنيتي. من يوم ما جت للدنيا وأنا عايشة ومستحملة كل حاجة عشانها." رد منفعلًا: "طيب وهي فين دلوقتي يا رحمة؟ أنا عرفت إنها رجعت مصر وسابتك. بنتك بدأت تعيش حياتها وبكرة ترتبط وتتجوز وتنساكي خالص. تقدري تقوليلي هاتفضلي فانية حياتك عشانها لحد إمتى؟ ردي عليا. كل حاجة مهمة بالنسبة لك: المطعم وشمس وأهل شمس...
إلا أنا. أنا مش في دماغك أصلًا يا رحمة!!! وتركها بغتةً موليًا لها ظهره، يمسك رأسه بكلتا يديه، وكأنه على وشك الانفجار. يبقيا صامتين لبرهة، ثم تبادر "رحمة" بعد تردد وتخطو تجاهه. تمد يدها إلى كتفه، بالكاد تلمسه فتشعر بتشنجاته أسفل كفها. أفرجت عن نهدة عميقة وسمحت لضعفها بالخروج إلى العراء الآن، لثقتها التامة به: "إبراهيم، أنا بحبك! يلتفت إليها بعد لحظات ويقول بصلابة:
"أنا عارف. عارف يا رحمة، وأنا كمان بحبك. بس الحب لوحده مش كفاية. أنا عايزك. عايز أتجوزك!! اللمعت عيناها بطبقة رقيقة من الدموع وهي تقول: "أنا متقيّدة بشمس يا إبراهيم، مش هقدر أعيش حياتي قبل ما أطمن عليها! -شمس رجعت لأهلها يا رحمة. انتي ماتعرفيش أخوها يبقى مين؟ عثمان البحيري ده اسمه لوحده كفاية. إزاي تقلقي عليها وهي معاه!؟
-أنا ماعرفوش. عمري ما عرفت عنه حاجة غير إنه ابن جوزي الكبير ووريثه. شمس رجعت مصر وراحت له من ورايا، وأنا مش ههدا قبل ما أطمن عليها." وأكملت بحزم: "أنا هسافر لها. خلاص رتبت أموري على كده وحجزت تذكرة. بكرة الصبح هاكون في الإسكندرية." اقترب "إبراهيم" خطوةً منها وقال بتصميم لا يخضع للنقاش: "يبقى رجلي على رجلك!
لا يمكنها القول إنها تشتاق لطقس مدينة الضباب، حيث البرودة تسود الأجواء على مدار العام، ولا يمكنها أن تنعم بيوم مثالي أسفل أشعة الشمس الدافئة دون أن تحول الغيوم دون ذلك. انبهرت كثيرًا بقصر عائلتها، ولا زالت لم تقضي به سوى ليلة واحدة. ما إن بزغ الصباح حتى قامت بنشاط وارتدت لباس السباحة خاصتها، والمكون من قطعتين "البيكيني". أخذت منشفة وروب مجفف ونزلت إلى الحديقة الرئيسية على الفور، حيث أكبر حوض سباحة رأته على الإطلاق.
أقبلت عليه بحماسة حافية القدمين، تدور من حول حافته الرخامية بلون الزبد، معجبة بتصميمه الفريد، حيث يُدار إلكترونيًا للتحكم بدرجة حرارته ودرجة صفاء الماء. خلعت "شمس" روبها وألقته على كرسي قابل للطي، لتظهر لثوانٍ بلباس السباحة قرمزي اللون، قبل أن تقفز برشاقة في الماء. لم تطفو رأسها إلا بعد نصف دقيقة تقريبًا، وأخذت تسبح بظهرها بعرض الحوض مستمتعة بمنظر السماء الصافية فوقها، ونسيم المدينة العليل، مسقط رأسها، بل وبيت أبيها.
تكاد لا تصدق ما تعيشه. إنها أخيرًا هنا، حيث تنتمي. تعيش بمنزل عائلتها، وتعُلن أسمها بكل اريحية وفخر: "شمس البحيري". إنها "شمس"، ابنة "يحيى البحيري". إنها فرد من العائلة الآن. "شـمـــــــــــــس! انتبهت من فورها إلى صوت أخيها الهادر. شرئبت بعنقها لتراه يقف في شرفة جناحه، متحفزًا، بل ويبدو غاضبًا! كأنما ينقل بصره بينها وبين شخص آخر. تلفتت "شمس" حولها،
وقعت عيناها على شخصان: رجل وامرأة. بالتحديق إليهما تعرفت "شمس" على ذات القوام "الكاريكاتيري". أشرق وجهها بابتسامة واسعة وهي ترفع ذراعها لتلوح للأخيرة هاتفة: "هـالـــة.. هـااااي! صعدت "شمس" من حوض السباحة في الحال ما إن رأت ابنة عمها. مشيت صوبها وهي تعتصر شعرها الطويل بيديها، بينما تتميز "هالة" غضبًا من تلك التي استقطبت أنظار زوجها، لكن كبريائها يمنعها من مجرد وكزه وتنبيه لإسرافه بالنظر إلى شابة شبه عارية. "هالة صح؟
تلقت "هالة" سؤال الغريبة عابسة، حتى جاءت "شمس" ووقفت أمام الزوجين مباشرةً مستطردة بذات الابتسامة الواسعة: "انتي هالة بنت أنكل رفعت؟ أومأت "هالة" مرة واحدة وقالت بجمود: "أيوة أنا. انتي بقى مين؟ -أنا شمس." واستكملت ناظرة لرفيقها: -بس ده أكيد مش صالح. أيوة أنا عارف شكل صالح! تململت "هالة" بتأفف قائلة بسلوك عصبي: -لأ ده مش صالح. ده فادي جوزي!! "شـمـــس!!!
تنتبه "شمس" للمرة الثانية إلى صوت أخيها ذي النبرات الغاضبة، لكنه أقرب الآن. استدارت، لتجده يجر الخطى ناحيتها وقد التقط مئزرها في طريقه إليها. رباه! إنه يبدو غاضبًا بالفعل. لِمَ كل هذا الغضب لا تعرف! "اتفضلي إلبسي حالًا!! قالها "عثمان" ما إن وصل إليها. أحاطها بالمئزر، لترفع حاجبيها متمتمة: "في إيه يا عثمان مـ آ ا... "أنا قلت حــالًا! قاطعها بعنف أجفلها بخوف: "سـامعة؟ إلبســـي!!!!
أطاعته من فورها وأدخلت ذراعيها بالمئزر، بينما يواريها "عثمان" بجسده عن أعين "فادي" بالخصوص، حتى اطمئن إلى أنها قد سترت جسدها. أطلق زفرة حادة والتفت ليلتقي بصهره، وكما توقع، نفس التعبير التهكمي يجلل محياه. "أهلًا يا فادي! ألقى "عثمان" بصوت أجش. ابتسم له "فادي" بتكلف وقال: "أهلًا بيك يابو النسب. بس ماعرفتناش يعني على الهانم مين دي يا باشا؟ انت اتجوزت على أختي تاني ولا إيه! حدجه "عثمان" بنظرة فاترة مطولة،
ثم قال بابتسامة باردة: "معلش يا فادي هاخيّب ظنك فيا المرة دي كمان. أقدم لك شمس." وأشار إلى الواقفة وراء ظهره بالكاد تُلاحظ من فوق كتفه: "شمس يحيى البحيري.. أختي! "أختك! نطقها الزوجان، "فادي" و"هالة"، بصدمة في صوت واحد. بينما تتشبث "شمس" بكتفيّ أخيها، تستمد منه الحماية والحب اللذان يبثهما لها دائمًا، وبدون شروط. اليوم، اليوم فرصتها الأخيرة، ونهاية المهلة التي منحها إياها زوجها لتُهيئ نفسها لأجله!
إنه يتوقع منها أن تكون مطيعة الليلة، ولم يكن يمزح، بل وقد بر بوعده ولم يعترضها لمدة يومان. إذن فعليها هي أن تبر بوعدها الليلة. ولكنها حقيقةً لم تعده بشيء. هو الذي قرر من تلقائه، وما زالت غير جاهزة لتلك الخطوة، فأين المفر منه!؟
أطلقت "سمر" من صدرها زفيرًا ساخنًا وألقت نظرة أخيرة على نفسها بالمرآة. لقد أعادت ضبط حجابها الأبيض وأغلقت سترة ثوبها الأصفر بزهو يُبهج النظر. انتعلت حذاء مكشوف، ثم خرجت من الجناح. كانت خطتها أن تطوف على غرف الصغار لتتفقدهم، إلا إن منظر شقيقتها وهي تجر حقيبة سفر كبيرة عبر الرواق المؤدي للمصعد قد استوقفها. "مـلك! توقفت "ملك" عن السير حين سمعت نداء أختها. وصلت إليها سائلة على الفور: "رايحة على فين وإيه اللي في إيدك ده!
تطلعت الفتاة إلى شقيقتها بنظرات خاوية، وقالت بآلية: "ماشية. مسافرة مع فادي! أُخذت "سمر" بالخبر وعقبت: "مسافرة مع فادي؟ طيب إزاي من غير ما أعرف؟ انتي اللي عايزة تسافري ولا هو صمم ياخدك!؟ هزت "ملك" رأسها: "أنا اللي عايزة أسافر. فادي وحشني وأنا من زمان نفسي أسافر وأغير جو. أشوف بلد وناس جديدة!
رفرفت "سمر" بأجفانها مرارًا، في محاولة للاستيعاب. إنها بالكاد تعرفت إلى شقيقتها بسبب فقدان الذاكرة اللعين. لا يمكنها استشفاف الحقيقة، ولا يوجد أمامها إلا أن تقر بعجزها. تلك الواقفة أمامها حقيقةً تكون أختها، لكنها لا تتذكرها هكذا، ولا تعلم عنها أي شيء. فهل تلومها لو أرادت الرحيل؟ إنها لا تحس ناحيتها بأي عاطفة، وهذا شعور محبط، يبعث على كآبة مميتة. "لو ده اللي هيريحك، مش هاقف في طريقك! منحتها "ملك"
ابتسامة باهتة وهي تقول: "شكرًا يا سمر. شكرًا على كل حاجة عملتيها عشاني زمان، ودلوقتي!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!