الفصل 32 | من 49 فصل

رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم مريم غريب

المشاهدات
34
كلمة
4,699
وقت القراءة
24 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

لم يحدث شيء. لأول مرة لا يحدث شيء. لا تشعر بأي ألم. تلك القبضة التي اعتصرت حلقها منذ بداية الحدث الأخير الذي خرب ماضيها كله وحاضرها في آنٍ. لقد اختفت. عجبًا! ترى ماذا حدث؟ ما هو آخر شيء عهدته؟ هذا غريب. إنها لا تتذكر شيئًا. أين كانت أخر مرة؟ ماذا فعلت؟ ما هو آخر شيء رأته عيناها قبل أن تفقد الوعي؟ هل فقدت وعيها حقًا؟ لا تظن ذلك. فهي تعي. فعليًا تعي. إنها تستشعر برودة من حولها. ولكنها برودة غير مؤذية.

ثقلها كأنه مُحمّل فوق بساطٍ حريري. بل كأنها صارت في وزن ريشةٍ. خفيفةً للغاية. أين هي؟ أين؟ "فريـال! هذا الصوت. لم تكن المرة الأولى التي يناديها. منذ رحيله لم يتركها يومًا. تركها منذ فترةً قصيرة فقط. كأنما يخشى، أو يخجل بالأحرى، من مجرد طرق أذنها بهتافاته المعتادة. "فريـال.. حبيبتي! مهلًا. هذا ليس مجرد هِتاف. إنه.. بطريقةٍ ما.. يبدو حقيقيًا. رباه! لا يمكن. لا يمكن أن يكون حقيقيًا. انفتح جفناها بغتةً.

فإذا بها تقف بأخر مكان توقعت التواجد به. غرفة المكتب. بقصر "البحيري". ببيت الزوجية الذي قضت فيه عمرها كله تقريبًا. قصرها. ولكن الذي يقف أمامها.. زوجها.. "يحيى البحيري" بشحمه ولحمه. يبدو كأخر مرة رأته. بعمر الـ51. لم يصغر ولم يكبر يومًا واحدًا. "يحيى! نطقت "فريال" مشدوهةً. لا تصدق ما تراه. إنه هنا. عاد. لقد عاد! "انت.. انت.. انت رجعت؟ ربما توشك على فقدان عقلها. ربما تناست كل ما حدث طوال الفترة الماضية.

ربما تغفر له كل شيء. فقط لو أنه قد عاد حقًا. يكفي أن يعود. يكفي أن تستعيده مرةً أخرى. هذا كل ما تريده. إنها تريده. إنها تعشقه حد الجنون. هذا زوجها وحبيبها. إنه هو. هو. كان يرتدي حلّته السوداء. ذات القميص السماوي المطابق للون عينيه. كان شعره المثالي الناعم مُصفف كالعادة. كان نظيفًا ولامعًا كدأبه وكما عهدته طوال حياتها معه. والآن.. كان يبتسم لها. تلك الابتسامة الملائكية خاصته. والتي لا تلائم سواه.

لم تستطع الإحادة عنه طرفة عينٍ. إن كان حلمًا فلا تود أن تغادره. لن تستيقظ. لن تفعل وهي قادرة على ذلك. ليس بعد أن وجدته. "إزيك يا فريال؟ أقشعرّت لسماع صوته ورؤيته في نفس اللحظة. كم يبدو هذا حقيقيًا. بل واقعيًا إلى أقصى حد. تنفست بصعوبةٍ وهي تدفع بجسدها للأمام. وكأنها تنجو من براثن وحلٍ مميت. نجحت بطريقةٍ ما ووجدت ساقيها القوة للتحرك والسير تجاهه ببطءٍ. بينما تقول بلهجةٍ مرتعشة: "انت حقيقي.. انت رجعت بجد يا يحيى؟

سيبتني ليه؟ تلّبدت نظراته بغشاوةٍ رقيقةٍ من الدموع في هذه اللحظة. ربما لم تتوقع هذا. لكنه مد يده نحوها. فمدت يدها ليأخذها. ثم وكأن المسافة بينهما قد تلاشت. شدّها إليه برفقٍ. لتغمرها رائحته المألوفة. فتوقن بأن كل هذا لا يمكن أن يكون مجرد حلمًا. إنها تشعر به. تشعر بلمساته على جسدها. تشم ريحه. كيف لكل هذا أن يكون حلمًا؟ كانت لتعرف. لقد سبق وحلمت به منذ رحيله آلاف المرات. هذا لا يشبه البتة أحلامها ورؤياها به.

هذا أكثر حسية من أن يكون. هذا واقعها. هذا هو الواقع الذي فقدته وقد عثرت عليه أخيرًا. ولربما ما فات كله كان كابوسًا. والآن استفاقت منه. أجل. هذه هي الحقيقة. زوجها لم يمت. وكل ما عاشته طوال أربعة عشر عامًا كان محض أكذوبة. كابوسٌ مزعج. أجل. "كان حقيقي يا فريال! نظرت إليه بتيهٍ. بالكاد فهمت ما قاله. فسألته على الفور دون أن تكف عن التشبّث به ملأ قبضتيها: "انت سمعتني إزاي؟ انا فكرت بصوت عالي؟

جاش الحنين بأعماقها حين مسح بكفّه على رأسها قائلًا بلطفه المعهود: "انتي مش محتاجة تتكلمي عشان اسمعك. افتكري. مش انا وعدتك؟ تلقائيًا رنّت بأذنيها تلك العبارة التي قالها عندما ضمّها إلى صدرها مودّعًا في هذا اليوم المشؤوم: "بحبك.. خليكي فاكرة إني جنبك دايمًا.. وبحبك دايمًا! يستطرد "يحيى البحيري" ممسّدًا خدّها بحنوٍ: "أنا كنت معاكي. كنت موجود يا فريال حتى لو انتي مش شايفاني. أنا كنت حواليكي." أغرورقت عيناها

بالدموع وهي تكرر سؤالها: "سيبتني ليه يا يحيى؟ إلتزم الصمت الآن. فمه مطبقًا بأسفٍ وكأن الإجابة لا يمكن معرفتها. أو بمعنى أصح لا يمكنها هي أن تعرفها. انفعلت مشاعر "فريال" وهي تستنطقه باكية بحرقةٍ: "رد عليا يا يحيى. أنا تعبت. انت كسرتني وكسرت قلبي. قلبي إللي ماحبش غيرك. أنا عملت فيك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟ أنا حبيبتك. أنا جبت لك عثمان وصفيّة. خونتني ليه؟ هنت عليك ليه يحيى. رد. رد عشان خاطري وريّحني!!!

تابعت عيناه الدمعة المنحدرة على وجنتها. رفع يده إلى وجهها على الفور ومسح دموعها متمتمًا: "أنا آسف. أنا آسف على كل حاجة. على أي حاجة. لو يرجع الزمن بيا يا فريال.. صدقيني ماكنتش أكررها تاني. ماكنتش أجرحك أبدًا. لأخر يوم في عمري. كنت مصمم ماجرحكيش. ولا تعرفي أي حاجة." كانت تقترب منه أكثر أثناء حديثه إليها. تريح رأسها على صدرها وتستمع إلى نبضات قلبه الرتيبة. رباه! كيف لكل هذا ألا يكون حقيقيًا!! تبلل قميصه الناعم بدموعها.

لم تستطع السيطرة على بكائها البتّة. بينما يكمل: "انتي اتعذّبتي كتير. أنا عرفت وشفت كل حاجة. وده كان عقابي يا فريال. صدقيني ده كان عقابي. ماتفكريش إني مرتاح! رفعت رأسها ونظرت إليه. عيناها حمراوين ودامعتين. ترى في نظرته الإدراك. إنه يعرف إذن! يعرف ماذا صار لها في بيته. من شقيقه. من الجميع. "أنا آسف! قالها وقد دمعت عيناه بدوره. نظرت له بارتباكٍ. بينما يقول:

"أنا آسف لأني كنت السبب. أنا آسف يا فريال ومش هقدر أقولك سامحيني. مش عايزك تسماحيني." ردت بصعوبةٍ من تحت وطأة غصّتها: "هسامحك لو رجعت لي. أنا مش قادرة أعيش منغيرك. أرجع لي يا يحيى! تقلّصت تعابير وجهه بألمٍ شديد. ألم فعلي وقال: "ياريت.. ياريت أقدر! أمسك بمعصميّها الآن. يحاول إبعادها عنه. لكنها تتشبّث بقميصه أكثر. تزداد ارتباكًا وهلعًا من فكرة فقدانه. فيقول بهدوءٍ: "لازم تسيبيني يا فريال." هزّت رأسها بقوةٍ مغمغمة:

"لأ. أنا ماليش حاجة من بعدك. ماتسبنيش تاني. لو بتحبني يا يحيى ماتسبنيش. لو بتحبني خدني معاك. خدني معاك أنا مش قادرة أكمل منغيرك! أحاط وجهها بكفّيه. نظر بعينيها قائلًا: "انتي ليكي حاجات كتير أوي لازم ترجعي عشانها. لسا يا فريال. لسا وقتك مجاش. لازم ترجعي." أنّت من شدة البكاء وهي ترد عليه: "مش عايزة أرجع. أنا هنا مرتاحة. لو رجعت هاتعب أكتر وأنا خلاص مابقتش قادرة يا يحيى. مش عايزة أرجع! همس وهو يمرر يده برفقٍ على خدّها:

"ماتستعجليش. أنا مستنيكي. بس مش دلوقتي. مش دلوقتي يا فريال. عثمان.. صفيّة.. وشمس. لازم ترجعي عشانهم. لازم ترجعيلهم. لسا وقتك مجاش! وأغمض عينيه مقرّبًا رأسها إليه. ثم لثم جبينها بقوةٍ في لحظاتٍ مطوّلة. تركها مبعدًا يديها عنه بحزمٍ. فكان كأنما يسلخ الشوك عن الحرير. وقال بصوته القوي وهو يبتعد نحو الضوء المُبهر: "ارجعي يا فريال. ارجعي وماتخافيش. أنا جنبك. دايمًا جنبك! كانت تحدق فيه بقوةٍ حتى كاد الضوء يعميها.

لم تشأ مراقبته يرحل ثانيةً. لكنه قدر رحل بالفعل. رحل وكان هذا أخر شيء رأته. **بالكاد انتهت منها خبيرة التجميل. بالكاد رآها بعد أن غيّرت من مظهرها. كانت تتأهب لسماع ردّه بعد أن رأت الاعجاب الشديد بعينيه. أتاه ذاك الاتصال الذي قلب حاله رأسًا على عقب. وأحال تعبيره المرح إلى التجهّم التام. لقد شحب لونه كليًا في لحظاتٍ. وما لبث أن أغلق الخط وأمرها باتباعه في الحال. فعلت بدون أن تتسنّى لها أيّ فرصة للاستفسار.

ارتدت حجابها على عجالةٍ وتبعته مهرولة إلى الخارج. استقلّت السيارة بجواره. فانطلق فورًا بشكلٍ أرعبها. لتجرؤ الآن على سؤاله وقد خشيت أن مكروهًا قد أصاب صغيريها:** "في إيه يا عثمان؟ قولّي إيه إللي حصل وإلا هايجرالي حاجة! لم يكن بحاجة ليستدير نحوها حتى ترى انقباضات وجهه. يكفي الغصة التي اعترضت حلقه وهو يجاوبها باقتضابٍ: "فريال هانم. وقعت ونقلوها المستشفى. أمي.. أمي بتروح مني يا سمر! **"هاتفضلي ساكتة يا شمس؟ "**

لم تلتفت "شمس البحيري" إلى سؤال أمها. بقيت تلتزم الصمت مكتفية بالنظر والتأمل في حديقة القصر الغنّاء من حيث تجلس بشرفة جناحها الأنيقة. تنهدت "رحمة" بيأسٍ واضعة فنجان القهوة من يدها فوق الطاولة التي تفصل بينها وبين ابنتها. ساءها للغاية أن تراها حزينة إلى هذا الحد. لم يسبق أن وصلت بها المواصيل إلى ما تراها عليه الآن. ألم تود طوال حياتها المجيء إلى هنا والتعرف إلى عائلتها؟ لقد فعلت. لقد علم بها أخوها وصارت في كنفه.

لماذا هي حزينة إذن؟ لا تصدق أن هذا الرجل الذي تمكن من الإيقاع بقلبها استطاع أن يفعل بها كل ذلك. حتى وهو بعيدًا عنها. يفرض سيطرته عليها. ولا يمكنها أن تكون هي. هذه التي تجلس أمامها ليست "شمس" ذاتها التي تعرفها. إنها حاضرة بجسدها فقط. ولكن وجدانها وقلبها معه هو. هو لا غيره. "يا شمس ماتوجعيش قلبي! رددت "رحمة" بأسى. تحدثت إليها رغم عدم ردها:

"يا بنتي. أنا ماليش في الدنيا غيرك. وانتي عارفة. مش عايزة من حياتي كلها حاجة غير إني أشوفك مبسوطة وسعيدة في حياتك. أنا عايشة على الأمل ده. انتي فكراني مبسوطة بحالتك دي؟

يا شمس فوقي. فوقي وعيشي حياتك. الدنيا مش واقفة على حد. بكرة تلاقي 1000 راجل يتمناكي. وده مش كلام. انتي عارفة وشوفتي بنفسك لما كنا في لندن أي حد كان يشوفك سواء راجل ألاقيه تاني يوم على باب مكتبي بيطلبك مني أو حتى ست بتجيلي تطلبك لابنها أو أخوها. مش فاكرة مدام ناهد صفوان؟

إللي جت لي عشان تطلبك لأخوها السفير. وغيرهم ناس محترمة ومراكز كبيرة. يا حبيبة قلبي انتي حلم أي راجل وكل راجل. بس مش أي حد يا شمس يستاهلك. انتي مش عايزة تفهمي كده!! لم تحصل منها على أي رد ولا زالت تؤثر الصمت. فأضافت "رحمة" متمسكة بموقفها:

"عمومًا أنا ضميري مرتاح. وقلبي كمان مطمن لأنك تحت رعاية أخوكي. أنا مش هاسيبك يا شمس. مقدرش أسيبك. بس مش هقدر أطالب بيكي حاليًا ولا هقدر أعيش معاكي هنا. كل إللي أقدر أعمله إني أجي أزورك. انتي عارفة وضعي حسّاس أكتر منك وخصوصًا لما فريال هانم ترجع." تدير "شمس" رأسها في هذه اللحظة. تنظر إلى أمها نظرة جوفاء مطوّلة. ثم تقول بجفافٍ: "تيجي تزوريني؟ عشان ده بقى سجن صح؟ أنا بقيت مسجونة في القصر ده!

"مش كده. احنا بنحميكي. وأخوكي أدرى بمصلحتك. أنا مش خايفة عليكي وأنتي معاه يا شمس. لأول مرة في حياتي مطمنة عليكي وحاسة بالأمان." طفرت الدموع من عينيّ "شمس" وأطبقت شفتاها ببعضٍ غير قادرة على النطق بكلمةٍ أخرى. أشاحت بوجهها عن والدتها ثانيةً. سحبت "رحمة" نفسًا عميقًا لتُسكّن جزع غريزة الأمومة بداخلها التي تقوم ابنتها بابتزازها. لن تغيّر موقفها مهما حدث.

لن تدع فرصة لهذا الرجل بأن يفسد حياة ابنتها ويستنزفها كما سبق وحدث لها هي مع في حياتها مع زوجها الراحل. لن تعيش "شمس" ما عاشته "رحمة". لن تفعل أبدًا. أخذت تجمع متعلّقاتها من فوق الطاولة بحقيبة يدها وهي تقول:

"أنا لازم أمشي دلوقتي. بس بكرة هاجيلك وهاجيب معايا فستان الحفلة بتاعتك. الأوردر هايوصل على الأوتيل بكرة الصبح. ومانستش أوصي لك على البيرفيوم المخصوص بتاعك. أنا عارفة إنه Special Order وبيتعمل بالطلب. قوليلي لو ناقصك حاجة تانية؟ تطلّعت إليها. لتجدها تشرأب بعنقها. وتنظربقوة واهتمام شديدين نحو نقطةٍ ما. تبعت نظراتها. فرأت بالأسفل. "صفيّة البحير" تحمل صغيرتها مهرولة نحو إحدى السيارات بالجراج المكشوف.

يتبعها كلًا من الصبي "يحيى" وشقيقته الصغرى "فريدة". استقلّوا أربعتهم السيارة. ولحق بهم السائق الخاص في الحال. كانت الطريقة التي غادروا بها مثيرة للريبة كثيرًا. ما دفع "شمس" للقول لا شعوريًا: "يا ترى إيه إللي بيحصل!؟ **خبر زواجه كان حدثًا نادر الحدوث. ولم يكتفي أصدقائه ومعارفه بالمباركة خلال حفل زفافه. حتى الآن لا زالت التهنئات تصله في مكالماتٍ هاتفية وهدايا وباقات أزهار تطرق بابه كل ساعةٍ تقريبًا.

اليوم يوم رابع أيام زواجهما. بعد زيارة أبيها لم يتصادفا وجهًا لوجه. إذ كانت تجتنبه كما هو واضحٌ. كان يسمع تحركاتها بالشقة فور أن يلج إلى غرفته الخاصّة ويغلق عليه الباب. لم يضغط عليها بأيّ شكلٍ وترك لها مساحتها قدر استطاعته. لكنه لم يشعر بها منذ يومان! لقد مكث بغرفة المعيشة هادئًا من بكرة الصباح. يتحيّن أيّ ظهور لها. لكنها لم تظهر. وقد ساوره القلق حقًا. واتته الفكرة بأن يحضّر قدحيّ قهوة ويذهب إليها.

وإن كانت بادرة يعلم عاقبتها. لكنه سيفعلها لأنه حقًا يشعر بالقلق عليها. خرج "نبيل الألفي" من غرفته بعد أن أخذ حمامًا سريعًا وارتدى ثيابه شبابية الطراز المؤلفة من سروالًا قصير عاجي اللون. وكنزة سوداء ضيّقة أبرزت عضلات ذراعيه المفتوليتين. قام بتحضير القهوة الزكية التي اكتسب خبرة بعملها على مدى سنواتٍ. ثم حمل فنجانين فوق صينية صغيرة وتوجّه نحو الغرفة الرئيسية. غرفتها. توقف أمام الباب وقرع عليه مرتان. لم يأتي رد.

فقرع مرتان أخريتان. وعندما لم ترد من جديد. مد يده وأدار المقبض ليلج بلا ترددٍ. لم تكن بالفراش حيث توقع. إنما رآها بالأريكة المقابلة للحائط الذي تحتلّه شاشة التلفاز الضخمة. كانت ممددة هناك. ربما غافية. ولعلها كانت تشاهد فيلمًا لم ترى آخره لأنه تقريبًا انتهى والشاشة تعرض شارة النهاية. سار "نبيل" للداخل مغلقًا الباب من خلفه. واقترب منها بتوأدة وهو يشملها بنظراتٍ متفحصة. إنها تغفو بالفعل.

تغفو بشكلٍ مثالي وهي لا ترتدي سوى منامةٍ بيضاء شفّافة. بالكاد تغطي فخذيها. وشعرها المجعّد عادةً مفرودًا على حافة كتفها حتى لامس الأرض. ازدرد "نبيل" ريقه بتوترٍ وهو يتوقف فوق رأسها مباشرةً. لا يقدر إلا أن يحدق فيها والرغبة بها تستعر مجددًا بصدره. يمنعه صوتًا بداخله. توقف. توقف عن التفكير بهذه الطريقة يا "نبيل"! تنفس بعمقٍ واستدار ليضع الصينية فوق الطاولة المجانبة للأريكة. ثم عاد إليها.

أمال جزعه نحوها قليلًا ومد يده يلامس كتفها العاري هاتفًا بلطفٍ: "مايـا... مايـا... "** فتحت عيناها من المرة الثانية. فما إن رأته حتى انتفضت وتخبّطت بمكانها ممسكة بظهر الأريكة. ابتعد عنها "نبيل" بهدوء. لتسحب ساقيها في الحال متهافتة لتنزلهما على الأرض وهي تشد طرف المنامة لتخفي مفاتنها عن عينيه عبثًا. "عايز إيه؟ قالتها بحدةٍ. وأخذت تسوّي مظهرها وشعرها بيدين نزقتين. نظر إليها بتكاسلٍ وقال بفتور:

"جه على بالي اشرب فنجان قهوة. عملت حسابك. غلطان؟ لوّحت بيدها قائلة بجمودٍ: "أنا مأكلتش حاجة عشان أشرب قهوة." عبس "نبيل" متسائلًا: "ومأكلتيش ليه؟ التلاجة برا مليانة أكل وشرب. والمطاعم كلها حوالينا لو مش عايزة تاكلي من البيت ماعملتيش أوردر من برا ليه؟ أشاحت بوجهها بعيدًا عنه. وقالت: "ماليش نِفس! ازداد عبوسه وهو يتأكد من صوتها بوجود خطبًا ما. انحنى صوبها في طرفة عينٍ وجسّ جبينها بكفّه. ارتعدت محاولة الابتعاد عنه.

لكنه أمسك بها صائحًا: "يا خبر. انتي سخنة مولّعة!!! بذلت قصارى جهدها حتى أفلتت منه وهي تهتف بشقّ الأنفس: "أنا كويسة. بس تبعد عني. سيبني في حالي أنا ماشتكتش." احتد صوت "نبيل" الآن: "يعني قصدك بتنتحري؟ اسمعي يا بنت عزام. أنا خُلقي ضيّق. مش هاصبر عليكي كتير! "طيب انت عايز مني إيه دلوقتي؟ أنا مش قادرة لك بجد." رمقها بقساوةٍ وطرد زفيرًا حادًا. لم يرد عليها وأستلّ من جيب سرواله هاتفه الخاص. قام وخطى خطوتين بعيدًا عنها.

أجرى اتصالًا بصديقًا له يعمل بمجال الطب. قدّم له وصفًا عن حالتها. وتلقّى منه بعض التعليمات والأدوية التي دوّن اسمها بورقةٍ. أغلق معه واتصل بإحدى الصيدليات المجاورة ليطلب العلاج من أجلها. أغلق الخط أخيرًا ونظر لها. كانت تراقبه كل هذا الوقت والانزعاج يبدو عليها. رأته يمسك بجهاز التحكم الصغير ليغلق المكيّف وهو يقول: "طبعًا سيادتك نايمالي عريانة ومعليّة التكييف لازم تبردي. ماشوفتش استهتار زي كده بصراحة!

لم تعلّق على كلماته. بينما سار نحو خزانتها. أخرج لها ملابس قطنية فضفاضة وسميكة. ألقاهم فوق السرير وعاد إليها. "قومي يلا! قالها وهو يقبض على رسغها ويشدّها لتقف. رنّحت في الحال مغمغمة بانفعالٍ: "أقوم على فين؟ سيب إيدي." لم يكن يمسك بيدها فقط الآن. كانت لتسقط لو لم يحاوط خصرها بذراعه. رد عليها ساخرًا: "أسيب إيدك! انت لازم تشكريني عشان هاشيلك وأدخّلك الحمام بنفسي." وقبل أن تستوعب ما قاله.

صرخت ما إن حملها على ذراعيه بخفةٍ. رغم إن وزنها كان ثقيلًا بعض الشيء ولم يستطع إلا أن يعلّق: "ما شاء الله. تصدقي أول مرة أخد بالي إنك مليانة كده. مع إني مش أول مرة أشيلك! صرخت فيه بضعفٍ جمّ: "نزّلني.. انت عايز مني إيه؟ سيبني في حالي بقى انت مابتفهمش؟ انت عايز تموّتني.. موّتني وريّحني!!! "بالعكس يا قلبي. أنا عايز أساعدك. بكرة تشكريني." وتجاهل صرخاتها التالية التي لم تدم طويلًا.

وانقطعت بمجرد ولوجه بها داخل قاعة الحمام الكبيرة. أنزلها هناك وأجلسها على حافة الحوض البيضوي وقال آمرًا: "يلا اقلعي! نظرت له بذعرٍ. ليرد بضجرٍ: "ماتبصليش كده. مش على أساس ميت عشان أشوف جسمك يعني. الدكتور قال لازم تنزلي تحت دُش بارد. أكيد مش هاتنزلي بهدومك. ها.. هاتقلعي ولا أساعدك بطريقتي؟ ورفع يداه نحوها مهددًا. استوقفته صارخة: "إيـاك تلمسني!! لكنه لم يتقهقر عن موقفه.

فسالت دموعها وهي تردد باكيةً بحرقةٍ بينما تخفي وجهها بالعارضة الرخامية بالجوار: "مش هقدر.. مش هقدر أعمل حاجة من دي. أنا مش قادرة أقف على رجلي! لقد تعلّم مرة بحياته ألا ينخدع بدموع النساء. فما بال دموعها تنفذ كسهمٍ موخزٍ إلى قلبه؟ ربما لأنه يعلم بأنها ليست بموقف يخوّلها خداعه. هي لا تكذب الآن ولا تدّعي أيّ شيء. إنها في أقصى مراحل ضعفها مطلقًا. لكنه لا ينوي تركها دون أن يعالجها كما تريده.

أمسك "نبيل" بكتفيها واجتذبها بقوةٍ غير مؤلمة. استسلمت لكنها لم تتوقف عن البكاء. فقال بخفوتٍ: "لازم أعالجك يا مايا. أنا آسف. عارف إنك مش طايقاني ولا حابة إني ألمسك بأي طريقة. بس ده كله مش هايمنعني أعالجك. أنا آسف! وبالفعل. لم تؤثر فيه دموعها باللحظات التالية. بكائها وأنينها المكلوم بينما ينتزع ملابسها القليلة بيد صارمة. لتكون عارية تمامًا بين يديه في غضون ثوانٍ. حملها داخل المغطس وفتح الدش البارد فوق رأسها.

لتشهق بقوةٍ وتصرخ في الحال مطالبة بالخروج حالًا. لكنه أبقى عليها محتضنًا إيّاها من الخلف بشدة. تبلل معها عن طيب خاطرٍ وأخذ يهدهدها بلطفٍ جمّ: "ششششش.. بس.. إهدي. ماحصلش حاجة. هاتبقي كويسة. هاتبقي كويسة! لم تعد تصرخ. تلهج بأنفاسها فقط. بتشنّج جسمها وينتفض من لحظة لأخرى بين ذراعيه. الحمى تغادرها شيئًا فشيء. فيتراخى جسدها وتلقي برأسها لا إراديًا فوق كتفه. وما أن أحصى "نبيل" الدقيقة الثالثة كما أوصاه صديقه الطبيب.

حتى أغلق الدش أخيرًا! **لم تترك يده. منذ دخولهما المشفى التخصصي الكبرى التي نُقلت إليها السيدة "فريال". وفقًا لأوامره عندما هاتفه الحارس الذي عيّنه ليتقفى آثار أمه. سمعت الحارس وهو يخبره فور وصوله: "أنا كنت واقف بعربيتي عند البيت إللي دخلت فيه الهانم. قعدت جوا 10 دقايق بالظبط. ولما خرجت كان باين عليها التعب جدًا. وقبل ما تركب عربيتها شوفتها بتقع من طولها ف جريت عليها فورًا وكلمتك يا باشا!

مكثت "فريال" بداخل "غرفة العناية الفائقة" لما يزيد عن ثلث ساعةٍ. وها هي "صفيّة البحيري" قد جاءت قبل أن يعلم "عثمان البحيري" خبرًا عن أمه. "عثمــان!! "** إلتفت "عثمان" نحو هتاف شقيقته. أقبلت عليه منهارة في البكاء. الصغيرتان "فريدة" و "ديالا" وضعهما لا يقل سوءًا عن وضع "صفيّة". ما عدا "يحيى" الصغير. كان وضعه مطابقًا لوضع أبيه تقريبًا. يتخذ الوجوم التام قناعًا يخفي ورائه كل انفعالاته ومشاعره.

ترتمي "صفيّة" بين ذراعيّ أخيها. يترك "عثمان" يد زوجته ويضم أخته بشدة مرددًا بجلد: "ماتخافيش يا صافي. ماتخافيش. فريال هانم هاترجع. هاترجعلنا! غمغمت "صفيّة" من بين دموعها الغزيرة: "ماكنش لازم أسيبها. أنا السبب. مامشيتش معاها. كان لازم أفضل جنبها. أنا السبب يا عثمان كان لازم أفضل جنبها!! رد "عثمان" بصرامةٍ: "مش انتي السبب يا صفيّة. سامعة؟ مش انتي السبب. ماتخافيش قلت لك. فريال هانم هاترجع. لازم ترجع."

وصل "مراد أبو المجد" في هذه اللحظة. معه زوجته "إيمان عمران". ترك "عثمان" شقيقته لزوجته وزوجة صديقه لتواسياها. بينما يؤازر "مراد" صديق عمره وأخيه ممسكًا بكتفه: "ماتقلقش يا عثمان. خير ان شاء الله." نظر "عثمان" إليه بذات التعبير الواجم. لا يستطيع إنكار ذلك الشعور المقبض بداخله. والذي استشفه "مراد" من نظراته ليؤكد له مرةً أخرى: "ربنا مش هايسبنا. هايسمع دعواتنا يا عثمان وفريال هانم هاتبقى كويسة. ماتقلقش."

لأول مرة لا يستطيع "عثمان" موافقته. رغم إنه لا يكف عن ترديد هذا التأكيد على نفسه وعلى شقيقته. لكنه من نقطةٍ ما بداخله. يشعر بأنه فقدها بالفعل. ولا يمكنه تخيّل ما الذي قد يحدث لو إنه فقدها حقًا. "عثمان بيه! استدار "عثمان البحيري" في الحال نحو صوت الطبيب ورئيس المشفى الأشهر. اتجه إليه من فوره وهو يقول مباشرةً: "قولّي إنها كويسة يا دكتور. من فضلك قولّي إنها كويسة! مطّ الطبيب فمه بأسفٍ قائلًا:

"أنا آسف يا عثمان بيه. البقاء لله!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...