تحميل رواية «كرسي لا يتسع لسلطانك» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تكوّرت “فريال” في سريرها محدقة به. دفتر مذكرات أمها. لقد حصلت عليه و لم تدري كيف. لم تعلم به من قبل، قبل أن تذهب و ينتهي لقائها بشقيقها “إركان” ظهر اليوم. أعطاها إيّاها و أخبرها بأنه وصيّة والدتهما، ألا يطّلع أحدٌ غيرها عليه. و لكن للغرابة أن أمها أمنت “إركان” على شيء خاص كهذا! و الأكثر غرابة أن يصون “إركان” أمانة والدته، و هو نفسه الذي خان دمه و عِرضه بل و أعتدى عليه! تنهدت “فريال” بحرارة و قد أعيّتها الحيلة. إلى متى تتجنّب فتح المذكّرات؟ عليها أن تفعل في الأخير. عليها أن تعلم ماضيها. هذا ما تح...
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم مريم غريب
حيّ شعبي عتيق.. الشوارع ضيّقة و البيوت متلاصقة.. يقف "عثمان البحيري" أمام بوابة البيت المهدّم.. عينيه تلمعان بالشك و القلق.. كان قد وصل إلى هذا المكان بناءً على التفاصيل التي حصل عليها من الحارس الشخصي الذي كلّفه بمراقبة والدته "فريال المهدي" ..
الآن.. المسألة بالنسبة له لم تعد مجرد شك.. لكنها البحث عن الحقيقة.. مهما كانت صعبة..
الخطوات الثقيلة تقوده ليقف أمام الباب الخشبي القديم.. عيناه تجوب المكان.. الباب كان متآكلًا.. و الجدران مشقّقة.. و المكان يملؤه سكونٌ غريب ..
يُسمع صوت صرير الباب مع كل حركة و هو يفتحه.. فيشعر بمزيدٍ من التوتر الداخلي و هو يتساءل: ما الذي قد يجلب أمه إلى هنا !؟
يدخل "عثمان" بحذرٍ.. المكان ضيّق للغاية.. يطلّ الباب على فسحةٍ معتمة يتناثر فيها الغبار.. بينما تلتقط أنفاسه رائحة قديمة.. عفن و جدران مليئة بالبقع..
يتقدّم ببطءٍ شديد و هو يحاول أن يتذرّع بمزيدٍ من الصبر من أجل الحقيقة.. الحقيقة التي لا يسعها إلا لها الآن ..
يتوقف أمام باب غرفة موارب.. يشعر بشيء غريب في الجو.. و كأنه اقترب من اكتشاف ما لا يجب أن يعرفه..
يدفع الباب برفقٍ.. فمفاصله تصدر صوتًا خفيفًا.. و عيناه تلتقطان الضوء الضعيف القادم من النافذة المتهالكة في الجهة الأخرى ..
داخل الغرفة يرى سيدة عجوز.. تجلس فوق كرسي خشبي قرب النافذة.. شعرها الأبيض ينسدل على كتفيها بطريقةٍ عشوائية.. و وجهها مغطى بتجاعيدٍ عميقة و كأنها تجسد الزمن نفسه ..كانت تراقب المكان بنظراتٍ شاردة.. و لكن فجأة يشعر "عثمان" بعيونها القاسية تتجه نحوه.. فتوقف في مكانه ..
لا يعرف من أين واتته مشاعر الغضب ما إن رآها.. لكنه حاول الحفاظ على هدوئه و هو يسألها بلهجةٍ حادة:
- انتي مين ؟
ترفع السيدة رأسها في هدوءٍ و ترد بنبرةٍ باردة:
- اهلا بالبيه الصغير.. عثمان بيه بنفسه جاي لحد عندي !
- انا كنت بشيلك على ايديا دول من و انت في اللفة.. ماسبتكش الا بعد ما تمّيت 15 سنة.. معقول مش فاكرني ؟
يظل "عثمان" واقفًا في مكانه.. عينيه تحدقان فيها بحدة.. ملامحه مشدودة.. و الشعور بالخيانة يشتعل في قلبه ..تسأله إذا كان لا يزال يذكرها !؟
قطعًا قد عرفها الآن.. هذه إذن تكون الخادمة.. تلك التي تسبّبت بإجهاض أمه فيما مضى و عيشها أسوأ فترات حياتها.. بالتأكيد هي نفسها التي زج بها أبيه إلى السجن.. و لو لا كان هو صغيرًا حينها لأنتقم منها أشدّ انتقام جزاء ما فعلته بأمه ..
في ذهنه تتصارع الأفكار.. لكنه يحاول أن يكون متمالكًا لأعصابه حتى النهاية ..
يقول "عثمان" بصوتٍ حاد و هو يتحرك خطوةً للأمام:
- حنان المعلّاوي.. دلوقتي بس عرفتك.. اسمعيني كويس.. عايزك منغير حرف زيادة او حرف اقل تقوليلي.. فريال هانم جت لك ليه ؟
تنظر له "حنان" ببرودٍ.. و كأنها لا تهتم بما يقوله:
- اللي بتدور عليه مش هاتلاقيه هنا.. سايب نفسك للأسئلة دي.. و هاتنتهي زي كل اللي قبلك.. مش هاتقدر تعمل حاجة حتى لو عرفت !
يغضب "عثمان" بشدة.. يقترب خطوةً أخرى مغمغمًا عبر أسنانه المطبقة:
- انا مش جاي احكي معاكي و نتصاحب.. مهما كان التمن. انا جاي اخد الحقيقة منك.
تبتسم الأخيرة ابتسامةٍ حزينة.. ثم تقف ببطءٍ.. أقدامها تتكسر من الضعف بينما تتّسع عيناها بشكل غريبٍ.. كأنها تتأمل في شيء غير مرئي:
- انت مش جاهز للحقيقة دي.. صدقني.. لو عرفت... هايبقى صعب عليك تعيش بعدها !!
ينقبض قلبه.. ثم يتنفس بعمقٍ و قد تأكد حدسه بوجود كارثة قامت كلًا من أمه و شقيقته بالتعتّيم عليها وراء ظهره ..
يرد "عثمان" بصوتٍ خافت و لكنه مليئ بالسلطة:
- سيبك من جو الأفلام و المسلسلات ده و تعالي معايا سكة احسن لك.. اذا كنتي تعرفي حاجة... قوليها دلوقتي.. بدل ما تندمي.. قوليلي كل حاجة دلوقتي !!
تتأمل"حنان" فيه لبرهةٍ.. ثم تنزل بصرها إلى الأرض.. و هي تتنهد و كأنها تخشى الخروج عن صمتها..
- هاتكره نفسك ! .. تمتمت كأنما تنكأ جرحًا بالكاد قد اندمل
تبتسم ابتسامةٍ مريرة.. تغلق عينيها للحظة و كأنها تتنهد:
- كل واحد ليه سر ممكن يعيش يتعذب العمر كله و يقدر يتحمله لوحده.. و انت اكيد عندك سر عايش بيه لوحدك.. مش ناقصك تعرف اسرار غيرك.. السر اللي بتضغط عليا عشان تعرفه.. يا ريت لو تقدر تعيش من غيره احسن !
يتنهد "عثمان" و يقول بحدّة عاقدًا حاجبيه في صرامةٍ:
- السر ده مش هيفضل سرّ لحد ما اعرفه.. و لو لسا خايفة على روحك.. و على ولادك و أحفادك.. هاتقوليلي فريال هانم كانت عندك ليه.. و كتبت لك شيك بعشرة مليون ليه ؟ .. مش هاكرر سؤالي تاني.. فكري في اجابتك كويس عشان حياتك كلها رهن كلمة واحدة تقوليها ..
السيدة تلتزم الصمت.. و عينيها تشعّان بندمٍ حقيقي.. بينما "عثمان" يظل واقفًا في مواجهة هذه المرأة التي تحمل في وجهها لمحاتٍ من الحقائق التي تنذر بتبديد كل شكوكه ...
أومأت له قائلة بصوتٍ أدنى للهمس:
- هقولك.. و الله يعينك ..
الهواء في الغرفة يزداد ثقلاً.. و كل كلمة كانت تخرج من فم السيدة تاليًا.. كان لها صدى مدمّر في قلب "عثمان".. الذي شعر و كأن حياته قد تحوّلت إلى جحيمٍ ..
كان يعتقد بأنه يعرف كل شيء عن عائلته.. كان يعتقد بأنه عرفهم جيدًا من دواخلهم كما خارجهم.. لكن الآن.. اكتشف بأنه كان يعيش في ظلال كذبة كبيرة.. و أنه كان جزءً من هذه الكذبة دون أن يعرف ..
تنتهي الأخيرة من سرد كافة التفاصيل عليه و تصمت أخيرًا.. لكن الصوات بداخل "عثمان" لا تصمت أبدًا ..
استغرق وقتًا طويلًا حتى استعاد شيئًا من توزانه.. بدأ يخطو نحو الباب.. ثم يتوقف للحظة و يقول بمرارةٍ قبل أن يغادر:
- ماتفكريش ان كل حاجة هاتبقى عادية من بعد اللحظة دي.. الحقيقة اللي انا عرفتها دي.. مش هاتخليكي تنامي من انهاردة !
يخرج "عثمان" من البيت وقد اهتزّت كل ملامحه.. كل خطوة يخطوها في هذا المكان تشعره و كأن الأرض تتخلّى عنه.. يتركه.. يترك الحيّ العشوائي كله وراءه.. لكن الحقيقة التي اكتشفها ستظل تلاحقه للأبد ...
***
الغرفة مغلقة تمامًا ..الستائر مسدلة بإحكامٍ.. يكتنف الفضاء ضباب من الهدوء العميق الذي يعكس حالة "ملك" النفسية المحطّمة ..
في السرير.. "ملك" ممدة أسفل الغطاء.. عيونها فارغة.. ضبابية.. وجهها شاحبٌ و شفتاها مشدودتان و كأنها تحاول كبح كل ما يعتمل بداخلها من ألمٍ.. جسدها الخائر ينبض بالوجع و لكنها لا تقوى على تحريكه.. كما لو أن شيئا ما في أعماقها قد انهار فجأة ..
منذ الحادثة في السيارة.. هي في حالة من الفراغ التام.. دموعها جفّت.. و لكن قلبها غرقٌ في أنهارًا من البؤس ..
***
خارج الغرفة.. يجلس مترأسًا طاولة الغداء.. على يمينه جلست "هالة" تهتم بصغيرهما "سليم" ..كانت منشغلة به لدرجة لم تلحظ ما يمرّ به "فادي" من أفكارٌ عاصفة.. من ملامح وجهه يظهر القلق الشديد.. لم يُعد يستطيع تجاهل أن شيئًا ما ليس على ما يرام مع شقيقته.. لم يكن يعتقد أنها ستتأثر هكذا ما إن تنتقل للعيش معه.. منذ اليوم الأول و هو يعلم في قرارة نفسه بأنها ليست سعيدة هنا.. و لكنه تأمل في إنها لو انخرطت بالأجواء الدراسية ستتخطى حاجز الرهبة منه و من التغيير ..
لكن هذا لم يحدث على ما يبدو.. كانت حالتها تزداد سوءً بالآونة الأخيرة.. و خاصةً منذ البارحة.. لم يراها مطلقًا.. لا ريب في أنها تُعاني بُعد أختهما و زوجها.. الرجل الذي ربّاها ..شاء أم أبى.. يعرف "فادي" بأن شقيقته الصغيرة تحب "عثمان البحيري" و ترى فيه الأب الذي فقدته.. المعضلة هنا هي أنه لن يستطيع تحمّل معاناتها.. هو بالأصل لم يقدم لها شيئًا طوال حياته.. بل "عثمان" هو الذي اعتنى بها و اعتبرها ابنةً له منذ خُلقت ..و العبء الأكبر الآن يكمن في حساسيتها التي تجعله يشعر بالذنب ..
يتنهد "فادي" بثقلٍ و قد أرهقه التفكير غير المجدي في إصلاح الأمور.. تلاحظه "هالة" الآن.. فتسأله بصوتٍ خفيض لا يخفي قلقها:
- فادي.. مالك يا حبيبي ؟
ينظر لها "فادي" بعينين ملؤهما الحزن و يقول:
- مش عارف يا هالة.. ملك.. فيها حاجة مش مظبوطة !
هزت "هالة" كتفيها مُبررة بكلمات "ملك" نفسها:
- يمكن عشان تعبانة شوية.. دي مقدرتش تروح المدرسة انهاردة و لسا نايمة في سريرها.
يهز "فادي" رأسه قائلًا:
- لأ.. دي بقالها فترة من ساعة ما جت تقريبًا.. مش طبيعية خالص.. و بعدين انا عندي احساس ان في حاجة حصلت.. مش مجرد تعب.
عبست "هالة" محاولة التخفيف عنه:
- مافيش حاجة يا فادي.. متأفورش المواضيع.. ممكن بس تكون حالة نفسية بتمر بيها.. انت عارف ملك عاطفية اوي و في سن مراهقة.. يعني كل حاجة بتأثر فيها بشكل كبير.
يفكر "فادي" بكلامها.. ثم يقول بتردد:
- مش عارف.. حاسس انها مش كويسة.. و خايف عليها.. انا بفكر لو فضلت على كده هارجعها لسمر.. مقدرش اتسبب لها في أي مشكلة تأثر عليها و انا اساسًا عمري ما كنت موجود جنبها و لا اعرف عنها أي حاجة.. انا طول عمري مأثر مع ملك يا هالة.. خايف اتعامل معاها غلط.. خايف تضيع بسببي !!
تشعر "هالة" بجدية القلق في صوت "فادي".. و تفكر قليلاً قبل أن تقوم لتذهب باتجاه غرفة "ملك" تاركة الصغير في عهدة أبيه و هي تقول بهدوء:
- طيب ماتقلقش.. خلّيها عليا.. انا هاروح اكلمها و اشوف فيها ايه بالظبط.
تدخل "هالة" غرفة "ملك" في هدوءٍ بعد القرع على بابها لمرتان ..تتوقف عند الباب قليلًا و عينيها تبحثان عن الفتاة.. لتجدها لا تزال في سريرها.. ترقد في الظلام.. و لا يُضيئ الغرفة كلها سوى مصباحًا صغيرًا في الزاوية بجوار النافذة المغلقة ..
تلج "هالة" مقفلة الباب ورائها.. تناديها بحذرٍ:
- ملّوكة.. انتي صاحية يا روحي ؟
و لكن "ملك" لا تلتفت إليها.. نظراتها مسلّطة على النقطة نفسها أمامها.. و كأنها تجتر الذكريات المريرة.. بعد لحظةٍ من الصمت.. تقترب "هالة" بهدوء و تجلس بجانبها على السرير ...
- ملك ! .. نادتها "هالة" مجددًا و هي تلامس كتفها بلطفٍ شديد:
- حبيبتي... انتي كويسة !؟
تبقى "ملك" صامتة.. و لا تنظر إليها.. تظل عيناها غارقة في الفراغ.. و تراقبها "هالة" بعينين مليئتين بالقلق.. فهي باتت تعرف جيدًا بأن "ملك" تمرّ بأزمة ما.. لكن التوتر يزداد مع مرور الوقت.. هذا ليس طبيعيًا كما قال "فادي" ..
تستطرد "هالة" بنفس اللهجة اللطيفة:
- مالك بس يا قلبي ؟ مش بتردي عليا ليه ؟ تعالي نكلم بعض شوية.. لو عندك مشكلة احكيها لي.. انتي مش لوحدك.. انا هنا جنبك ..
فجأة.. تتنهد "ملك" بعمقٍ.. تنزل دمعة واحدة على خدّها.. ثم تلتفت نحو "هالة" و هي تقوم لتجلس قليلًا.. تخفض رأسها.. كان هذا أول انفجار لمشاعرها المكبوتة ...
- هالة ! .. نطقت "ملك" أخيرًا بصوتٍ منكسر تغلبه الدموع:
- انا تعبانة.. انا.. انا حاسة اني بموت في الدقيقة ألف مرة.. مش قادرة خلاص ..
تجفل "هالة" من توصيف "ملك" المرعب.. و تسألها في الحال:
- مالك يا حبيبتي ؟ قوليلي حاسة بإيه ؟ قوليلي عشان ألحق أتتصرف قوليلي يا ملك فيكي ايه ؟؟؟
تغمض "ملك" عينيها بشدةٍ.. و كأنها ترفض مواجهة الحقيقة.. يداها ترتجفان بشكلٍ غير طبيعي.. و حلقها يضيق و هي تقول بصعوبةٍ:
- مش قادرة يا هالة.. مش قادرة اتكلم.. لو قولتلك هاتكرهيني !!
تقترب "هالة" أكثر و تحاوط كتفيها لتشعرها بالدعم و الأمان.. تقول بلطفٍ و لكن بتصميمٍ في نفس الوقت:
- مش هاكرهك يا ملك.. مستحيل.. ايًا كانت المشكلة صدقيني انا اقدر احلها لك.. و بعدين احنا عيلة و انتي اختي الصغيرة.. عايزاكي تقوليلي كا حاجة و اوعدك هاتكون سر بينّا.
تبتلع "مالك" دموعها قليلًا و قد نجحت "هالة" بطمأنتها بعض الشيء.. تنظر لها و تبدأ في الحديث بصوتٍ خافت مهزوز:
- هو.. مالك... هو مالك اللي عمل.. فيا كده... هو اللي اجبرني اعمل حاجات... و انا ماكنتش... ماكنتش قادرة ارفضه ..
تتجمّد "هالة" في مكانها للحظة.. قلبها يكاد يتوقف.. الكلمات التي خرجت من "ملك" كانت بمثابة صاعقة غير متوقعة.. كل ما كانت تظنّه هو أن "ملك" تعاني من شيء عابر.. لكن هذا... هذا شيء أكبر بكثير ...
- مالك ! مين مالك ده !؟؟؟ .. تساءلت "هالة" محاول السيطرة على الغضب في نبرات صوتها
تلوّت ملامح "ملك" و سالت دموعها.. في نفس اللحظة يضرب الإدراك رأس "هالة".. تعرف الآن.. و تذكر أين رأته و قابلته أول مرة ..زفاف خالها.. "مايا عزام".. العروس.. "مالك عزام".. شقيقها !!!
تتساقط دموع "ملك" بغزارةٍ.. و ملامح وجهها تعكس كرهها لنفسها أكثر من أيّ وقت مضى ..تستطرد بنبرةٍ متألمة:
- كنت خايفة... خايفة اخسره... ماكنتش عايزة... مش عايزة ابقى لوحدي. هو كان بيقولّي لو مارحتش معاه.. لو ماعملتش اللي هو عايزه... هايبقى دي اخر مرة يكلّمني.. و انا... كنت عايزة احافظ على علاقته بيا... ماكنتش عارفة اقول لأ ..
و مضت تحكي لها ما صنعه بها ..اعتدائه عليها جسديًا.. كيف أهانها و أذلّها.. كيف جعلها تشعر بالعار و الرخص ..و أتمّت "ملك" اعترافاتها باكية بحرقةٍ:
- كنت خايفة منه.. و مش عارفة اعمل أي حاجة.. و كان طول الوقت بيهمس في ودني.. بيقولّي كلام.. مش ممكن اسمعها من حد.. انا بكرهه.. انا بكرهه يا هالة بكرهه ..
و يتفاقم وضعها سوءًا.. فتغطي وجهها بيديها مجهشة ببكاءٍ حاد.. و كأنها تحاول أن تخفي العار الذي لطّخت به ..
يتسارع نبض "هالة" بشدة.. لكنها تحاول أن تظل هادئة من أجل "ملك".. تقول محاولة تهدئتها بصوتٍ أكثر صرامة:
- اهدي.. اهدي يا ملك.. اسمعيني.. دي مش غلطتك.. هو اللي غلط.. الحيوان.. هو اللي استغل ضعفك.. مافيش حد طبيعي يقدر يحط بنت زيك في الموقف ده.. انا عارفة انك مصدومة.. عارفة انك مجروحة.. بس انا معاكي.. انا مش هاسيبك و هانعالج اللي حصل سوا.. اهدي ..
تبكي "ملك" بحرقةٍ.. رأسها بين يديها.. كما لو إنها تتمنى أن تختفي من هذا العالم.. تلف "هالة" ذراعيها حولها بحنوٍ شديد.. لكن قلبها يغلي من الغضب ..
تقول بصوتٍ هادئ لا يخفي ما تشعر به من ألمٍ و حزنٍ على الفتاة الصغيرة:
- انا هاتصرف.. بس يا حبيبتي.. عايزاكي تبقي اقوى من كده.. اهم حاجة دلوقتي بطلي عياط عشان هانخرج.. لازم اخدك للدكتور.. لازم اطمن عليكي و نعالج أي حاجة حصلت.. بس.. اهدي.. انا مش هاسيب حقك يضيع.. مش هاسيبه و هاتشوفي.. هانعدي اللي حصل مع بعض.. و ان شاء الله هاتبقي كويسة.. هاتبقي كويسة يا ملك ..
و بينما كانت "هالة" تحاول أن تطمئن "ملك".. إلا إن مشاعر الغضب تتصاعد في قلبها تجاه "مالك".. هي تعرف بأن "ملك" لا تستحق هذا.. و أنها أرق من أن يتم تدميرها و سحق براءتها بهذه الطريقة الشاذّة.. و أنها أيضًا كانت فقط ضحية لمشاعرها وؤضعفها في مواجهة شخص استغل ذلك بكل قسوة و مجون ..
تأخذ "هالة" عهدًا في قلبها بأنها لن تدع "مالك" يفلت بفعلته.. لن تدع هذا يمر مرور الكرام ...
***
يصل "عثمان البحيري" إلى القصر بعد عودته من منزل "حنان".. وصيفة أمه الخائنة ..قلبه ينبض بسرعة شديدة.. عقله يشتعل بالأسئلة.. و عيناه مملوءتان بالدموع المخبأة خلف جفنٍ متأجج بالغضب.. لا يهمه ما يحدث حوله.. خطواته سريعة.. و رأسه مشدود إلى الأمام.. دون أن يفكر في أيّ شيء آخر غير الوصول إلى أمه ليواجهها بالحقيقة التي اكتشفها ..
يدخل "عثمان" على الفور إلى غرفة "فريال" دون أن يطرق الباب.. يدفع الباب بعنفٍ.. ليجدها أمامه مباشرةً.. ترتدي رداء الاستحمام.. شعرها مُبلل ومربوط إلى الوراء.. عيناها تلمعان ببريقٍ عفوي حين تراه.. لكن سرعان ما تختفي الابتسامة من وجهها ..
يقف على بعد خطواتٍ منها.. عيناه ملؤهما الغضب.. وجهه متجهّم و كأنما يشعّ حرارة.. كأنما صاعقة ضربته للتو ..
تلاحظ أمه التغيير الفجائي في ملامحه.. ليس هذا هو ابنها الذي تركها منذ ساعاتٍ.. فزع قلبها لوهلةٍ و هي تسأله:
- عثمان ! ايه حبيبي في حاجة ؟ شكلك عامل كده ليه ؟
بصوتٍ هادئ.. و ولكن يقطّر غضبًا مكبوتًا.. قال "عثمان" و هو يقترب منها ببطءٍ:
- رفعت.. عمل فيكي كده... صحيح ؟
تتجمّد "فريال" في مكانها.. عيناها تتسعان من الصدمة.. و يتدلى فكها السفلي دون أن تستطيع الرد على الفور.. قلبها يتسارع من الخوف.. و عقلها يرفض التصديق لما تسمعه:
- انت... انت بتقول ايه يا عثمان !؟؟
يقترب "عثمان" أكثر.. يحاول أن يخفف من وقع كلماته.. لكن الغضب يتصاعد بداخله:
- انتي ازاي سكتي كل السنين دي ؟ كنتي عارفة يعني ؟ و لاكنتي حاسة ؟ مش ممكن.. مش ممكن انك فضلتي ساكتة و ماتكلمتيش غير دلوقتي بس !!!!
تتراجع "فريال" خطوةً إلى الوراء.. تصدمها كلماته التي تطعن في شرفها.. في قلبها ..دموعها تكاد تسقط.. لكنها تحاول أن تتمالك نفسها.. صوتها يرتجف و هي تقول:
- عثمان.. بتكلّمني انا ؟ بتكلم امك ؟ .. انت ازاي ممكن تفكر فيا كده ؟ .. ازاي تفكر اني ممكن اقبل على نفسي كده ؟ .. ازاي يا عثمان ؟؟؟؟
يرتفع صوته تدريجيًا.. و كأن قنبلة انفجرت بداخله.. يتنفس بصعوبةٍ من شدة الغضب و يطالعها بعينين تلتهبان بالأسئلة و أيديه ترتجف:
- طيب... طيب ليه سكتي ؟ ليه طول السنين دي ما قولتيش حاجة ؟ أيـه.. عايزة تفهميني انك نمتي و صحيتي عرفتي ايه اللي كان بيحصلك ؟ و فرضا ده صح.. انتي عرفتي و خبّيتي عليا.. كنتي... كنتي فاكرة ان ده ممكن يعدي؟ كنتي فكراني مش هـاعـــرف !!؟؟؟؟؟
تحاول "فريال" أن تبرر نفسها.. لكن دموعها تنهمر في لحظاتٍ من الضعف.. تتأرجح بين الصمت و الاعتراف و يديها تتشبثان ببعضهما كما لو كانت تحاول إيقاف هذا الانهيار الكبير داخلها:
- كنت خايفة... خايفة على العيلة.. خايفة على سمعتنا... خايفة عليك.. ماكنتش عارفة اعمل ايه.. عثمان.. رفعت.. كان بيخدّرني.. كان بيعمل كده و ابوك عايش.. احلف لك اني ماكنتش بحس بأي حاجة.. و لا كنت عارفة هو بيعمل ايه.. انا متأكدتش غير من فترة.. صدقني يابني.. انا بقولك الحقيقة ..
يتنفس "عثمان" بعمقٍ.. و في عينيه تجتمع صراعاتٍ كثيرة.. يحاول أن يستوعب كل شيء.. لكنه لا يستطيع.. الصوت في حلقه يكاد ينفجر من حنقٍ.. بينما يبتعد عنها مسافة صغيرة.. كأن الأرض تبتعد عن قدميه.. يتلفت حوله بغضب و كأنه يبحث عن مخرجٍ من هذا الكابوس ...
- خايفة !؟ عمّي.. يعني عمّي كان بيعمل كده ؟ و انا.. و انا كنت موجود... كان بيعمل كده في بيتي و بيت ابويا.. كان بيعمل كده و يرجع يبص في وشنا.. يكلمنا.. يضحك معانا.. مش ممكن... مش معقول !!!!
في تلك اللحظة.. تتساقط دموع "فريال" بغزارةٍ على خديها.. تكاد تنهار من الداخل.. و كأن كل قيد كان يمسك قلبها قد تحطّم الآن ..و تدرك بأن كل الكلمات التي كانت تحاول أن تبرر بها نفسها.. لا تساوي شيئًا أمام الحفرة التي حفرتها داخل قلب ابنها ..
يتنفس "عثمان" ببطءٍ.. يغلق عينيه للحظة و كأن قلبه على وشك أن ينفجر.. صوته يتغير إلى نبرة حادة مليئة بالوجع.. و في عيناه بريقٌ غاضب من المأساة التي أصابته:
- انا مش عارف اصدق ده... مش عارف اصدق ان عمّي كان بيعمل كده... ليه ؟ .. ليه ؟ و ليه سكتي و ماقولتليش ؟؟؟؟
تسقط "فريال" على الأرض.. تضع يديها على رأسها كما لو كانت تحاول أن تنقذ عقلها من التفكك.. الصدمة تجعل جسدها يرتجف كأنها مكسورة.. عيناها مليئتان بالدموع.. و المشاعر تقتلع قلبها من مكانه و هي تردد من بين نحيبها المرير:
- ماكنتش عارفة... ماكنتش عارفة يا عثمان... انا كنت بحاول اكون قوية عشانك.. كنت عارفة لو قولتلك كل حاجة هاتنهار.. حياتنا كلنا هاتنهار مش حياتي انا بس ..
يتراجع "عثمان" بشكلٍ مفاجئ.. خطواته تبتعد عن أمه كما لو كانت الأرض تحت قدميه قد ابتعدت فجأة.. انفجاره الداخلي بدأ يتسلل منه إلى الخارج.. لا يستطيع تحمل ما يسمع أكثر.. و لا ما يفهمه الآن ..
يلتفت بغضبٍ.. و كأن هناك قوة خارقة تجذب صدره إلى الأسفل.. في لحظة فقدان تام للسيطرة.. يركل قطع الأثاث في الغرفة بعنفٍ.. و يتناثر الزجاج من حوله مع صوته الذي يصرخ في أرجاء الغرفة ..يهدر بوحشيةٍ.. صوته يخرج من جوفه متسارعًا.. كأن عاصفة هوجاء تهز نفسه:
- رفـعــــــــت.. رفـعـــــــــت.. رفـعــــــــــــــت.. رفــعـــــــــــــــــــــــــــــــت ...
تسقط "فريال" على ركبتيها.. و يدها تتمسك بالأرض و كأنها تحاول أن تمنع نفسها من السقوط كليًا.. صراخها يمزّق أعماق الغرفة.. لكنها غير قادرة على إيقافه.. صوتها يخنقها و هي تصرخ في وجه عثمان:
- انا آسفة ! انا آسفة يا عثمان ! ماكنتش عايزة كده.. ماكنتش عايزة ده يحصل.. يارتني مت.. يارتني مت قبل ما كل ده يحصل.. ياريتني مت ...
يختنق صوته بغصّاتٍ مريرة في هذه اللحظة.. يتوقف عن تدمير الجناح و هو يتنفس بعنفٍ.. عينيه تملؤهما الغضب و الخذلان.. يصر على أن يستوعب الواقع الذي كان يرفضه.. فيتحطّم قلبه أمام هذه الحقائق الصادمة ..
ينبعث صوته بحشرجةٍ ضاريّة من صدره:
- رفعت.. رفعت مات.. بس صالح.. لسا عايش !!
لا تسمعه "فريال" جيدًا.. إذ كانت في أقصى حالات انهيارها.. فيندفع "عثمان" خارجًا من الغرفة ..يترك أمه جالسة على الأرض.. تبكي وسط أنقاضها.. عالمها كله قد انهار.. و صوت عثمان الذي لا يزال يصرخ في ذهنها يجعلها تدرك أخيرًا حقيقة الأمور التي خافت من مواجهتها طوال الفترة الماضية ...
يتبع ...
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم مريم غريب
الفصل الثاني و الأربعون _ شظايا الروح _ :
تقف أمام المرآة تحاول أن تلبس ملابسها.. و لكن التعب الشديد كان ظاهرًا عليها.. وجهها شاحبٌ.. و عينيها مغلقتان قليلاً.. و كأنها لا تستطيع الوقوف على قدميها أكثر من ذلك.. كل حركة منها كانت بطيئة و ثقيلة.. و كأن جسدها يرفض أن يتحمل هذا العبء ..
شعرت "ملك" بدوّار مفاجئ اجتاحها.. و كان رأسها يدور و كأن الأرض تميل تحت قدميها.. حاولت أن تستند إلى الطاولة لتفادي السقوط.. لكنها فشلت في ذلك.. شعرت بأن قوتها تنفد بسرعة ..
في تلك اللحظة.. تلج "هالة" إلى الغرفة.. عيناها التقطتا على الفور مشهد "ملك" و هي تكاد تنهار.. فزعت بشكلٍ مفاجئ و هي تهتف مغلقة الباب ورائها باسراعٍ :
-مالك يا ملك ؟ ايه اللي حصل ؟ إنتي مش قادرة تقفي و لا ايه ؟؟
ركضت "هالة" نحوها بسرعة.. وضعت ذراعها حول كتفيّ "ملك" لدعمها.. بينما كانت ملامح وجهها تحمل قلقًا عميقًا ..
قالت "ملك" و هي تتشبث بها بضعفٍ حاد :
-مش قادرة.. هالة.. حاسة اني هاقع ...
كانت الكلمات تخرج بصعوبة من فمها.. و كأن كل نفس تأخذه كان يؤلمها.. قبضت "هالة" عليها بشدة.. تحاول أن تثبتها على قدميها قائلة :
-لازم تتحملي شوية يا ملك.. هاتبقي كويسة.. بس لازم نخرج دلوقتي.. لو فادي حس بحاجة غريبة هايسأل... و احنا مش عايزينه يعرف حاجة عن اللي حصل.
حاولت "هالة" بشتّى الطرق إخفاء القلق في صوتها.. فهي لا تريد أن تفقد السيطرة.. كانت تهمس في أذن "ملك".. تحاول أن ترفع من روحها المعنوية.. رغم إنها هي الأخرى ما زالت كانت تشعر بثقل ما حدث لها ..
-مش قادرة... كأن رجليا فيها هوا... و جسمي تقيل ..
لكن "هالة" لم تسمح لها بأن تسقط.. بل تمسكت بها أكثر و هي تشجعها بصوتٍ ثابت على الرغم من توتر أعصابها :
-طيب خدي نفس عميق.. ملك.. هاتكوني تمام.. انا معاكي.. احنا لازم نطلع دلوقتي... اخوكي.. فادي مش لازم يحس بأي حاجة !!
أومأت "ملك" برأسها بصعوبةٍ.. و شعرت بأن هناك شيئًا في قلبها يدفعها إلى الصبر.. مع إنها كانت تتمنى لو يمكنها أن تختفي من هذا الموقف.. من الحياة بأسرها ..
باشرت "هالة" محاولاتها بأن تحرك "ملك" برفقٍ.. في حين كانت أفكارها تدور حول ضرورة إخفاء أيّ شيء عن "فادي" خوفًا من أن يكتشف الحقيقة التي لا يمكن أن يعرفها.. على الأقل الآن !
كانت تلك اللحظة دقيقة جدًا بالنسبة لـ"هالة".. فهي لا تريد أن تفقد سيطرتها على الأمور ...
-يلا يا ملك.. شوية كمان... احنا خلاص قربنا ..
و كانت كلمات "هالة" في تلك اللحظات تحمل نوعًا من القوة المشبّعة بالقلق.. و كانت تضع كل قوتها في محاولة جعل "ملك" تتحمّل حتى تخرج من البيت دون أن يشعر "فادي" بأيّ شيء ..
ساعدتها على الخروج من الغرفة بصعوبةٍ.. بينما كانت "ملك" تحاول أن تبدو و كأنها قادرة على الوقوف بشكلٍ طبيعي.. على الرغم من أن جسدها كان يصرخ من الألم و الإعياء ..
و لكن عندما خرجتا من الغرفة تصادف وجود "فادي" في الرواق ..
لمحت عيناه على الفور تعب أخته الذي كانت تحاول إخفاءه.. كانت تحاول أن تسند نفسها على "هالة" و عينيه انعدمت فيهما معالم الراحة.. شعر بشيء غريب في الجو.. لم يكن يعلم ما هو.. لكن الأكيد أن شيئًا ما كان غير طبيعي ..
ينظر "فادي" إليهما بقلقٍ.. و صاح متوّجهًا نحوهما بسرعةٍ :
-ايه يا هالة في ايه ؟ مالها ملك ؟ ليه مش قادرة تمشي كده ؟
و نظر إلى شقيقته متسائلًا باهتمامٍ بالغ :
-مالك يا حبيبتي ؟ انتي تعبانة للدرجة دي !؟؟
بذلت "هالة" جهدًا لكي تبقى هادئة.. لأنها تعلم بأن "فادي" لو شعر بأيّ شيء غريب سيسأل الكثير من الأسئلة و لن يسكت حتى ينتزع الحقيقة.. و لا شيء غيرها.. فحاولت أن تدارك الموقف سريعًا ...
-مافيش حاجة يا فادي.. ملك تعبانة شوية زي ما قولتلك.. شكل معدتها خدّت برد جامد مش قابلة أي اكل و لا شرب.. انا هاخدها للدكتور عشان يشوفها و يطمنّا.
ينظر "فادي" إلى وجه أخته الصغيرة.. شعر بقلقٍ أكبر.. لكنه حاول أن يظل هادئًا و هو يقول بجدية :
-انا كنت حاسس انها تعبانة و قولتلك يا هالة.. خلاص استني هنا معاها هاروح اخرج العربية من الجراج بسرعة ..
تمالكت "هالة" نفسها جيدًا و صوتها كان حاسمًا عندما ردت عليه قبل أن يتحرّك من مكانه :
-انا هاخدها بنفسي و هاكون معاها لحظة بلحظة.. بس انت لو مشيت معانا دلوقتي مين هاياخد باله من سليم ؟ عنده كلاس سباحة بعد ساعتين في النادي و لازم حد يوصله و يهتم بيه طول الوقت.. انت عارف كويس ان مافيش حد غيرك يقدر يعمل ده لما انا بكون مشغولة.
توقف لحظة.. و كأنه يحاول أن يوازن بين قلقه على شقيقته و بين مسؤولياته الأخرى.. ظلت عيناه على "ملك" التي كانت تبدو ضعيفة لدرجة أنه لم يكن يصدق بأنها قادرة على الخروج على تلك الحالة ..
يقول "فادي" بعد تفكيرٍ قصير و هو يتنفس بصوتٍ مرتفع و قد ركّز نظره على زوجته :
-ايوه... عندك حق.. طيب خديها.. و انا هاودي سليم التمرين.. بس لو احتاجتي أي حاجة كلميني فورًا.. انا هابقى مستني أي خبر.
ابتسمت "هالة" له ابتسامة مطمئنة.. لكنها كانت تحمل في طياتها بعض القلق و قالت :
-حاضر يا حبيبي.. هاطمنك اول بأول و ان شاء الله تكون كويسة ماتقلقش.
يرمق "فادي" شقيقته بنظرة مطوّلة أخيرة.. ثم يهز رأسه قائلاً بحنانٍ جمّ :
-يارب.. يارب ماشوفش فيها سوء ابدًا !
**
كانت ردهات الفندق خالية إلا من صوت خطوات عثمان المتسارعة.. مشاعر الغضب و الألم كانت تعتصر قلبه.. لكن هذه المرة لم يكن أمامه سوى "صالح" ليواجهه ..
وقفت يده على الباب للحظة.. كأنها تعبّر عن حجم الألم الذي يحمله في قلبه.. لا يتخيّل شعوره ما إن يرى ابن عمّه.. بل ابن عدوّه و عدو أبيه.. كلّما تذكره تشتعل النار بصدره تمامًا كما يحدث الآن.. ليركّز على تلك اللحظة فقط ..
قبل أن يطرق الباب مباشرةً.. شعر بشيء داخل قلبه يتأجج.. و لا شيء يمكنه إيقافه الآن ..
طرق الباب بعنفٍ.. ثوانٍ قليلة.. ثم فتح له "صالح" الباب ببطءٍ.. كأنما كان ينتظره !
وجهه ملييء بالارتباك.. كما لو كان يدرك بأن اللحظة الحاسمة قد حانت ..
و عندما التقى نظره بعينيّ "عثمان" فُجّر غضبٌ مكبوت لساعاتٍ.. كانت اللكمة الأولى من "عثمان" بمثابة تعبير عن كل ما عاشه خلال الساعات الماضية التي مرّت عليه و كأنها دهورًا.. كانت لكمة سريعة فاجأت "صالح" و ألقت به إلى الوراء.. لكنه لم يصرخ.. فقط سقط على الأرض و هو يحاول أن يستجمع قواه ..
-رفعت.. ابوك.. الخاين !!!
هتف "عثمان" و هو ينقض على "صالح" مرةً أخرى.. يوجّه له لكمةً أخرى.. و كأن كل كلمة تخرج من فمه تحمل جزءًا من الغضب الذي كان يختزنه طوال الوقت ...
-رفعت الو**.. طعن شرف العيلة... شرف اخوك... شـرف أمـــي.. شـــرفـــــــــــــــــي ...
على الرغم من الألم الذي يتسرّب من جسده "صالح في تلك اللحظات لم يحاول الرد.. لم حتى يصدّ أي ضربة.. فقط شعر بكلمات "عثمان" تقتلع منه كل شعور بالكرامة.. و كان ينكسر أكثر مع كل ضربة ..
يديه معلقتان إلى جانبه في حالةٍ من الاستسلام العميق.. بينما يواصل "عثمان" ضربه في صمت.. ضربات لم تكن فقط جسدية.. بل كانت تعبيرًا عن مشاعر الجرح.. الانكسار.. الخيانة.. التي كان يعيشها في قلبه.. و كأن كل لكمة كانت محاولة لتفريغ تلك الشحنة الضخمة من الألم الداخلي.. الذي سبّبه هو له بتعدّيه على شقيقته في بيته.. ثم اكتشافه لجريرة أبيه في حق أمه و حق العائلة كلها.. و كأن الاب و الابن وجهان لعملةٍ واحدة.. و كأنهما لا يختلفان عن بعض شيئًا ..
و فجأة.. يشعر "عثمان" بشيءٍ غريب.. في وسط غيوم الغضب بدأ يلاحظ ملامح "صالح" التي تذكّره تمامًا بملامح عمّه.. "رفعت البحيري".. كل ضربة كانت تزداد قوة.. لكن الندم كان يراوده.. هذا الوجه.. الذي كان نسخة طبق الأصل عن "رفعت" جعل مشاعر الانتقام تتصاعد مجددًا في صدره مُبددة أيّ شعور بالندم تجاه "صالح" ..
توقف "عثمان" لثوانٍ.. يلهث.. محاولًا أن يستجمع أنفاسه.. بينما كان "صالح" لا يزال على الأرض.. ينزف من فمه.. عينيه مشدودتين إلى الجدران كما لو كان يحاول الهروب من نفسه.. دموعه تتساقط في صمت و هو يستشعر بأن قلبه قد تحطّم في تلك اللحظات ..
ينهض "عثمان" عنه بغتةً.. يراقب "صالح" بعينين غاضبتين.. لكنه كان يشعر في داخله بأشياء أخره.. كان هناك صراع داخلي.. رغبة في الانتقام ممزوجة بشعور بالذنب ..
هل يستحق "صالح" كل هذا العذاب ؟ هل هو حقًا جزء من تلك الخيانة ؟ أم أنه كان ضحيّة مثلما الجميع ؟
لكن حتى و هو يواجه نفسه في تلك اللحظة.. لم يستطع أن يهرب من فكرة أن الانتقام قد لا يجلب له الراحة.. كان يعرف في أعماقه بأن هذه التصرفات لن تعيد "رفعت البحيري" إلى الحياة.. لن تمكنه من الانتقام.. انتقامه الحقيقي الذي ضاع بموت النذل الحقير ...
-تخيّل يا صالح يبقى ابوك رفعت ! .. قالها "عثمان" هادئ يناقض العنف المحتدم في نظراته.. و تابع :
-انت ازاي مستحمل نفسك ؟ من زمان و انا نفسي اسألك السؤال ده.. ازاي مستحمل حقيقة انك ابن رفعـت !!؟؟؟
لا يزال "صالح" لا يرد.. و قد كانت كل كلمة تخرج من فم "عثمان" تجعله يشعر بثقل خيانة والده الذي لا يستطيع أن يهرب منه.. من نسله و اسمه.. كل حرف كان يُنزل شيئًا من كرامته.. و كانت عيناه مليئتان بالدموع.. لكنه لم يستطع حتى البكاء ..
يخرج "عثمان" عن طوره من جديد بشكلٍ مفاجئ.. يجثم فوق "صالح" ساحبًا إيّاه من تلابيبه.. محدقًا في وجهه المُدمى بنظراتٍ عنيفة ..
الحقيقة تستفزه.. تضغط عليه ليقترف جرمًا.. "صالح" حقًا نسخة من أبيه.. و كأنه ينظر إلى "رفعت البحيري".. كانت ملامحه تشبهه تمامًا.. و كان ذلك يُجدد في "عثمان" نار الانتقام.. تلك النار التي عرف بأنها لن تخمد أبدًا ..
لكن شيئًا غريبًا بدأ يحدث و هو ينظر إلى "صالح" بينما الأخير لا يتحرك.. كانت تلك اللحظة أقوى من أيّ انتقام قد يحاول تنفيذه.. كان "صالح" مهزومًا.. لم يبدِ أيّ مقاومة.. لكنه بدا و كأن روحه قد انكسرت.. كأن كرامته قد تم سحقها تحت وطأة الخيانة التي يحملها على عاتقه عن أبيه.. و لم يكن لديه ما يدافع به عن نفسه ..
الآن.. يشعر "عثمان" بموجة من الندم تعصف به.. يراوده شعورٌ غريب و هو يرى "صالح" أمامه مكسورًا.. ضائعًا.. دموعه تتساقط على وجهه بينما يرفع يديه في استسلامٍ.. ليس فقط لجروح جسده.. و لكن أيضًا لمشاعر الخزي التي ما برحت تتسرب إلى قلبه ..
يعقد "عثمان" حاجبيه بشدة.. اقترب منه أكثر.. ثم همس في أذنه :
-ابوك خاين.. و انت ضحيته انا فاهم.. لكن انت شايفني ازاي يا صالح ؟ .. هه ؟ شايفني ازاي !؟؟
يرد "صالح" فقط بهزة من رأسه.. بينما كانت دموعه تتساقط بغزارة على خديه ..
ينهار تمامًا.. و كأن روحه تحترق.. لم يكن قادرًا على الوقوف بعد الآن.. فردد مستجديًا و هو يقبض على يديّ ابن عمّه :
-خلاص يا عثمان.. خلاص انا ماعدش ليا قيمة و لا لازمة بعد اللي سمعته.. بعد اللي عرفته.. خلّصني من العار ده.. انا مش قادر أعيش.. مش قادر اكمل.. ارجوك.. ارجوك ..
دموعه لا تتوقف عن التساقط.. تنهار بصمتٍ بينما يتركه "عثمان".. يبتعد عنه خطوتين.. لا يعرف كيف يواجه هذا المشهد أكثر.. كان عقله يصرخ بالعنف و يحضّه عليه.. بينما قلبه يعجز عن اتخاذ القرار ..
هل حقًا يستحق الجميع كل ما يحدث لهم ؟
و مع انهيار "صالح" المتزايد يشعر "عثمان" فجأة بالفراغ في قلبه.. يغادر أخيرًا مخلّفًا إيّاه ورائه بقايا انسان ..
حتى هو نفسه لم يُعد كما كان قبل نهارٌ واحد.. كأن كل شيء تلاشى.. لم يكن هناك انتصارٌ حقيقي ...
**
في عيادة الدكتور.. كان المكان هادئًا بشكلٍ غريب.. يبعث على الراحة الظاهرية.. لكن داخل قلب "ملك" كان هناك ضجيجٌ هائل ..
كانت تجلس على سرير الكشف النسائي الذي لا يُلائم سنّها البتّة.. مُحاطة بذراعيّ "هالة" التي كانت تحاول أن تواسيها قدر استطاعتها.. بينما الدكتور بدأ يُعد الأدوات ببطءٍ.. يحاول أن يكون لطيفًا قدر الإمكان ...
جسدها مشدودًا و كأن خيوطًا غير مرئية تربطها بالسرير.. حتى أن الهواء الذي كانت تتنفسه كان يبدو ثقيلاً.. مليئًا بالذكريات المؤلمة التي تتسلل إليها في كل لحظة ..
تذكّرها بكل شيء عن تلك اللحظة المظلمة التي عاشتها.. عن يديه و لمساته الثقيلة على جسدها.. عن نظراته المتسلّطة التي اقتحمت أعماقها.. جعلها تشعر و كأن جسدها لا يخصّها.. كل لمسة كانت تُعيد لها الصور.. أصواته.. ضغطه.. و قسوته.. و كلّما اقترب منها الطبيب.. كان الألم يُعيد نفسه في قلبها.. و عينيها تتناثر فيهما دمعاتٍ تكاد تمزّقها ..
الطبيب الأربعيني الذي لاحظ ترددها مرارًا.. قرر أن يكون أكثر رفقًا.. لكنه في الوقت ذاته كان يدرك بأن هذا الموقف يتطلّب الشجاعة.. شجاعة هائلة من "ملك" أن تواجِه ما مرّت به ..
تحدّث إليها بلطفٍ :
-ملك.. لازم تسمحيلي أكشف عليكي.. و ده مش هايحصل منغير ما ايدي تلمسك.. انا عارف ده صعب عليكي.. لكن من فضلك ساعديني ..
تلقائيًا اتجهت عينيها إلى "هالة" التي لا تزال تقف بالقرب منها.. وجهها يعكس القلق و الخوف.. لكن "ملك" لم تكن قادرة على التواصل معها أو حتى أن تطلب منها أيّ مساعدة.. كانت تشعر بأنها أسيرة داخل جسدها.. و أن هذه اللحظة مهما حاولت أن تتركها خلفها.. لا تزال تطاردها.. و ستظل ..
تنهد الطبيب الذي كان يدرك صعوبة الموقف.. بدأ يتحدث ثانيةً بهدوء أكثر :
-انا حاسس بيكي.. و عارف انتي بتمري بإيه.. مش هاضغط عليكي.. لكن لو تقدري على الأقل تقوليلي.. توضحي.. اللي حصل ده كان على أي وضع ؟ هابسّطهالك جدًا.. هو كان في وشك.. و لا وراكي ؟
رباه !
كانت تحاول أن تهرب من هذا السؤال منذ طرحته عليها "هالة".. لا تصدق بأنها مضطرة لتأكيده مرةً أخرى.. لكنه بدا ضروريًا.. عساها تُغلق كل أبواب الماضي الذي يطاردها بعد ذلك.. ربما !!
قلبها كان ينبض بشدة.. لكن لسانها كان ثقيلًا.. و كأن كل كلمة كانت تخرج من فمها تجرّ خلفها آلامًا لا حدود لها ..
جاوبت "ملك" بصوتٍ ضعيف مُغلّف بالدموع :
-و.. ورايا ..
كأنها أعلنت بصوتها الضعيف تلك الحقيقة التي حاولت كثيرًا أن تدفنها داخل قلبها.. و من بين شفتيها تسرّب الأنين.. فكان كما لو أن جسدها كان يصرخ في صمتٍ.. كانت الدموع تتساقط على خديها و تغرق وجهها دون أن تستطيع التوقف عن البكاء ..
نظر الطبيب إليها بتفهمٍ.. ثم نظر إلى "هالة" التي كانت تحدق في "ملك" بحزنٍ عميق.. كان واضحًا بأن الحقيقة كانت أشدّ من أن تتحملها "ملك".. لكن الطبيب كان يعلم بأنه يجب أن يستمر ..
تنهد بلطفٍ و هو يتحاشى الضغط على "ملك" قائلًا :
-طيب يا ملك.. انا عايزك تهدي خالص.. بصي اوعدك مش هاطول عليكي.. انا لازم اكشف بنفسي.. و كل ما كان اسرع كان احسن عشان نطمن عليكي و نساعدك تبقي كويسة و بخير ..
لكن "ملك" برغم محاولاتها الهروب من واقعها.. ظلّت محاصَرة داخل نفسها.. داخل جسدها الذي أصبح عدوًا لها.. كل لمسة همّ بها الطبيب كانت ترد لها الذاكرة.. و خاصةً ذكرى الألم الذي عاشته.. لا يمكن أن يُمحى بسهولة ..
شعرت كما لو أن جسدها لا ينتمي إليها.. و كأنها لا تستطيع أن تتحمل المزيد من اللمس ..
تراقبها "هالة" بعينين مليئتين بالحزن.. قامت بتقوية قبضتها على يدها.. تتمنّى أن تمنحها قوتها.. ثم تقول بصوتٍ هادئ و هي تقترب منها أكثر :
-ملك.. انا هنا معاكي.. مش هاتكوني لوحدك.. خدي نفس.. و كل حاجة هاتعدي.
إلا إن "ملك" لم تشعر بأيّ راحة.. كلمات "هالة" تتلاشى في أذنها كأنها هبة ريح.. و كأن لا شيء يمكن أن يُخفف عنها.. في كل مرة كان الطبيب يقترب منها.. كان جسدها يُظهر مقاومته.. كلّما لمسها.. تتذكر لحظات الاعتداء.. و كل لمسة كانت تعيد لها الذاكرة في شكل موجاتٍ من الألم العاطفي و الجسدي.. شعرت بأن جسدها لا يتحمل هذا الفحص.. و كأنها تحاول الهروب من كل لحظة ..
ودّت أن تصرخ.. أن تطلب منهم أن يبتعدوا.. لكنها لم تقدر ..
و بينما بدأ الكشف و اضطر الطبيب بأن يستعين باثنتان من طاقم الممرضات خاصته ليمسكوا بها و يثبتونها جيدًا.. كانت "ملك" في صراعٍ داخلي شديد.. كل حركة كان الطبيب يقوم بها.. كانت تشعر و كأنها تعيد تذكيرها بكل شيء.. الألم.. و الإحساس بالضعف و الانتهاك.. لا تستطيع أن تشرح شعورها.. جسمها يصرخ في صمتٍ.. و الأنين يتسلل عبر شفتيها دون إرادتها ..
-انا.. مش عايزة حد يلمسني.. مش عايزة.. سيبوني.. حرام عليكوا.. سيبوني بقـى ...
يتمزّق قلب "هالة" عليها في هذه اللحظات.. تراقبها بحزنٍ عميق.. تقترب أكثر منها.. مُمسكة بيدها بقوة أكثر.. كانت تشعر بكل شيء يحدث لـ"ملك".. تتفهم آلامها.. و كل دقيقة تمر كانت تزيد من تفاقم حالتها النفسية سوءًا ...
أخذت "هالة" تمسح على شعرها الذهبي مرددة بلهجةٍ حانية لكنها حازمة :
-معلش يا حبيبتي.. استحملي شوية كمان.. انا معاكي و مش هاسيبك.. انا مستحيل اخلّي حد يئذيكي يا ملك.. خليكي قوية عشان خاطري ..
الطبيب الذي ارتسمت على وجهه علائم الأسف بينما كان يواصل فحصها.. تألم قلبه لأجلها.. فرفع يديه عنها لوهلةٍ قائلاً بهدوء :
-خلاص يا ملك.. قربنا نخلص.. استحملي شوية كمان.. محدش هايقرب لك تاني بعد كده.. اوعدك ..
لم تكن تسمعه.. فقط تنتحب بحرقةٍ و هي تشعر بالعجز مجددًا.. و كم كانت ترغب في أن تختفي في تلك اللحظة.. أن تنسحب من كل شيء حولها.. لكن ما زالت "هالة" هنا.. مُمسكة بها.. تدعمها بكل قوتها.. تحاول أن تجد الكلمات التي يمكن أن تطمئنها بها.. و لكنها لم تجد شيئًا يكفي لتهدئتها ..
بعد انتهاء الكشف.. عاد الطبيب إلى مكتبه و قد رافقته "هالة" تاركة "ملك" في عهدة الممرضات ..
جلس الأخير ليأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتحدث مع "هالة".. كان واضحًا بأن الحالة التي كانت بين يديه للتو صعبةٌ جدًا :
-ملك عندها تمزّق حاد في المستقيم.. ده تسبب في نزيف داخلي.. و ده كان ممكن يتجنب لو كانت جت بسرعة.. للأسف ماحصلش فهي دلوقتي محتاجة رعاية طبية عاجلة.. انا وقفت النزيف.. بس تحسبًا لأي مضاعفات هاتسيبيها عندي في العيادة هنا يومين تحت الملاحظة.
تشعر "هالة" بأن الأرض تكاد تبتلعها.. تراجعت في مقعدها ببطءٍ إلى الوراء.. و كأن كلمات الطبيب التي قالها منذ لحظاتٍ كانت تضغط عليها حتى كادت تختنق.. و قالت بصعوبةٍ :
-ملك ! .. نزيف.. للدرجة دي !!؟؟؟
يرد الطبيب و هو يهز رأسه بحزنٍ :
-انا مقدّر صدمتك يا مدام هالة.. و بطمنك بصفتي دكتورك و صديق للعائلة.. كل حاجة تمت هنا هاتكون سرية تمامًا.. اللي حصل ده فظيع انا معاكي و مايتسكتش عليه.. بس دلوقتي لازم نركز على علاج ملك.. نطمن على صحتها الأول.. دي اهم حاجة.
تستمع "هالة" إليه و هي تكاد تفقد توازنها.. نظرت إليه في صمتٍ.. و لم تستطع الرد على الفور.. كان سؤال واحد فقط يطاردها في تلك اللحظة همست به لنفسها و هي تمسك رأسها بين يديها :
-هارجع منغيرها ازاي ؟ ازاي هقول لفادي ؟ ازاي هقوله عن اللي حصل ؟ ازاي هقوله ان اخته الصغيرة اتعرضت لده... ؟
كان سؤالًا بلا جواب.. و كان الوقت يمر ببطءٍ و كأن الأرض تدور حولها بلا توقف.. كان الألم يتضاعف في قلبها.. و لم يكن أمامها سوى أن تواجه الواقع بكل صعوبة ...
**
في مكتب "مالك عزام" بشركة أبيه ..
الجو هادئًا من حوله.. و الضوء الخافت الذي يتسلل من النوافذ العريضة يترك أثرًا باهتًا على الأرضية اللامعة.. بينما كان هو جالسًا خلف مكتبه.. مغمورًا في أفكار لا يعرف كيف يطردها ..
كان اليوم يسير ببطء.. و مهام العمل التي أمامه لا تشغله في هذه اللحظة.. ذهنه كان مشغولًا بشيء آخر.. شيء اختطفه من كل ما حوله ..
صور "ملك" تتردد في ذهنه.. لحظات لم ينسها أبدًا.. أحيانًا كانت تأتيه فجأة.. و أحيانًا أخرى كانت تلاحقه بإصرارٍ.. حتى أصبح صدى صوتها و أنينها جزءًا من تفكيره ..
كان يسترجع ما حدث بدقةٍ.. يتذكر كيف كانت تحاول الهروب ما إن صار الأمر جديًا و أكثر عمقًا.. كيف كانت تصارع بأيديها و رجليها.. و لكن في النهاية.. كانت تقاوم بلا جدوى.. في لحظةٍ ما أصبح لديها يقين داخلي بأنها لا تملك القوة للمقاومة ..
شعر بشيءٍ غريب يعتصر قلبه الآن.. كان التأنيب في داخله يهمس.. و كأن جزءًا منه يندم.. لكن جزءًا آخر كان منتشيًا.. منتشيًا لأنه نجح في كسرها.. لأنه في النهاية كان قد حصل على ما أراده : إنها خضعت له ..
يبتسم "مالك" بخبثٍ و هو يمرر يده على ذقنه.. يسترجع لحظات ضعف "ملك".. تذكر كيف كانت عيناها ملؤها الخوف و الرفض في البداية.. كيف كانت تتوسل إليه أن يتركها.. أن يتوقف.. كانت الكلمات تخرج منها بصعوبةٍ.. تتكسر تحت وقع الألم و الذل.. لكن في النهاية.. كانت كلها تختنق في حلقها.. كأنها أدركت بأن مقاومته محكومٌ عليها بالفشل ..
تذكر كيف بدأ الشعور بالتحكم يتسلل إليه.. كيف أصبحت كل حركة لها تحت سيطرته.. ثم جاءت اللحظة التي استسلمت فيها.. لحظة عندما تراجعت كل دفاعاتها الداخلية و صار جسدها الذي كان يقاومه.. خاضعًا له تمامًا.. كل دمعة كانت تتساقط من عينيها كانت تذبح قلبه.. لكن بطريقة غريبة كانت تمنحه شعورًا بالقوة التي لا حدود لها في آنٍ ..
____________
كأنها عصفورٌ محاصر داخل قفص.. كلّما حاولت التحليق كلّما وجدته هو هناك.. يضغط على جناحيها و يمنعها من الفرار.. مشاعرها تدفقت في كل الاتجاهات.. الألم.. الخوف.. الضعف.. كلها تتداخل في صراعٍ داخلها.. و "مالك" الذي لم يكن يشعر بالذنب حينها.. كان يعيش لحظة من النشوة الغريبة ..
كان يراقبها.. يراقب جسدها المتشنّج.. نظراتها المتشتتة.. يراها تحاول أن تمسك بنفسها.. لكن كل نفس تسحبه كان تتخبّط به داخل صدرها.. في محاولة يائسة للهرب من اللحظة.. و لكنها لم تكن قادرة على الهروب بينما هي محتجزة بين المقعد و بين جسده.. كل جزء في جسدها كان ينبض بالألم.. و عندما اقترب منها أكثر.. كان الألم يزداد بعمق ..
و كأن كل حركة منه تجعلها تفقد كل ما تبقى لها من كبرياء.. كل شيء تحاول أن تحتفظ به أصبح مجرد كسر آخر في ملامحها.. في روحها.. في جسدها ..
-"بليز... خلاص..." .. كانت كلماتها تتساقط.. متكسّرة.. كأنها تود أن تفرغ بعض الألم من نفسها
كانت تكافح لتحتفظ بأيّ شيء لها.. حاولت أن تحرك يديها.. لكن يداها بالكاد تتحركان ببطءٍ.. كأنها تثقلها أصفادٍ غير مرئية.. و كانت أصوات أنينها تتناثر بين الزفير الطويل الذي كان يصدر عن صدرها ..
كان هو يراقب باهتمامٍ بالغ.. لا يفوّت شيئًا.. عيناه لا تُظهر سوى البرودة.. اللامبالاة.. كان يستمتع بتلك اللحظات.. بتلك الآلام التي تخرج من "ملك" بشكلٍ غير مرئي لكنها كانت واضحة له.. كان يراها تُذبل.. تُمحى.. و كأنها لا تملك أيّ مساحة للدفاع عن نفسها.. بل هي كذلك بالفعل و قد حرص على أن تكون ...
-"انتي ضعيفة جدًا.. مش قادرة تتحملي شوية ألم ؟".. همس و هو يضغط عليها أكثر
بينما كان يراها تندفع في رغبتها نحو الخلاص.. في سعيها للاستغاثة بشيءٍ مجهول.. كان يرى كيف أن كل محاولة كانت فاشلة.. كل كلمة كانت تتساقط من فمها و تنكسر ..
يكاد يضحك عندما كانت تسحب نفسها بعيدًا عنه بكل قوتها.. لكنها في الحقيقة لا تبتعد إنشًا واحدًا.. لأنه كان في كل جزء منها.. تبكي بيأسٍ.. جسدها يذبل أكثر.. تحاول أن تغلق عينيها لتفر من الواقع على الأقل.. و لكن الألم كان يلاحقها في كل زاوية.. في كل نفس تتنفسه.. في كل حركة منه ...
-انا آسفة... انا آسفة... خلّي ده يخلص بليز..." .. كانت هذه كلماتها.. تتساقط بمرارةٍ
و كأنها تود أن تعود إلى الوراء.. إلى أيّ لحظة كانت فيها في أمانٍ.. و لكنها كانت محاصرة.. محاصرة بين يديه ..
-"خليكي شاطرة و مطيعة عشان احبك يا ملاك..." همس "مالك" بحرارةٍ و لمس خصلات شعرها المتناثرة بحركةٍ ناعمة.. و كأن لمسته تترك ندبة في قلبها
بدأ الأمر يزداد كثافةٍ غير محتملة.. زاد الضغط عليها.. و شعرت بأن حركاتها تصبح أكثر هشاشة.. أصوات أنينها كانت تتسرّب من بين شفتيها بشكلٍ غير إرادي.. حاولت أن تمنع الصوت من الخروج.. لكنها فشلت.. فكان يخرج منها بترددٍ.. ثم يتسارع أكثر و أكثر.. كأن الألم يتغلغل فيها أكثر مع كل لحظة ..
تنفست بشكلٍ ثقيل.. و كأن كل نفس كان يخرج منها على أنقاض جسدها.. كل دمعة تسقط من عينيها كانت تسرد لها حجم الذل الذي عاشته ..
تناثرت كلماتها في الهواء مرةً أخرى..غير مفهومة.. مكسورة.. و كأن الألم سيبتلعها : "ممكن... خلاص.. انا تعبت... كفاية بليز...".. كانت كلماتها عبارة عن همساتٍ قادمة من مكانٍ مظلم.. مكان كانت تحاول فيه إخفاء ذلّها.. لكنها كانت تغرق فيه أكثر ..
لو علمت الحقيقة.. بأن هذا بالضبط ما ينشده.. و أنها تمنحه مزيدًا من القوة و هي تعبّر عن معاناتها أكثر من صمتها ..
كل حركة منها كانت بمثابة دعوة للاقتحام.. دعوة لتركيز المزيد من الألم عليها.. لأن ذلك كان يملأه بشعور غريب من التفوق.. كان يراها تنزف من الداخل.. و لم يكن بإمكانها فعل شيء سوى الاستسلام ..
على العكس تمامًا.. لم يمنحها ما تريد.. بل مضى ليحطّم ما تبقّى منها.. و حتى لا يعد يشك في قدرته على تحطيمها أكثر .. و كان هذا هو الدمار النهائي لها ..
راحت "ملك" تلتقط أنفاسها بسرعة.. و تنتفض معها عروقها.. كانت عيناها تنغلقان تدريجيًا.. و شفتيها تتحركان بشكلٍ غير منتظم.. و كأنها في حالة شبه غيبوبة من الألم ...
_____________
يخرج "مالك" من شروده.. عينيه ثابتتين على الفراغ أمامه.. الآن عقله يسبح في دوامة من الأفكار شديدة الوطأة ..
في البداية كان الشعور في قلبه كما لو أنه انتصر على كل شيء.. على كل مقاومة كانت تبديها الفتاة الصغيرة.. شعورٌ بالقوة.. بالتحكم.. بالزهو... كان الأمر كأنه تأكيد لعظمته.. كأنها لحظة كسر تلك البراءة التي ظن بأنها كانت فقط مجرد ضعفًا ..
لكنه لا يعلم لماذا يساوره بعض التوتر مع مرور الوقت.. شعور بارد يدب في قلبه... شيء يشبه الندم.. لكن ليس الندم الكامل.. كان أشبه بتأنيب خفيفٍ على شيء ما.. على تصرف كان بمقدوره أن يفعله بطريقةٍ مختلفة.. ربما بطريقة أقل قسوة.. أقل تدميرًا ..
فهي رغم كل شيء لا تزال.. صغيرة.. جدًا ..
لم يكن يصدق كيف يمكن للحظة تفكيرٌ عقلاني واحدة أن تهز كل شيء بداخله.. و كأنه عاد إلى الواقع.. إلى الوعي الذي فاته.. و رغم ذلك.. لم يكن لديه أيّ رغبة في العودة إلى الوراء ...
**
تدخل "هالة البحيري" مقر شركة "عزام للمقاولات" بتصميمٍ واضح على وجهها.. و قوة تعكس إصرارها الواضح ..
وصلت بسهولة إلى طابق مكتب "مالك عزام".. قبل أن تستطيع السكرتيرة أن تتحدث أو تعترض.. تقف "هالة" على باب مكتب الاستقبال بوجهٍ مشدود.. نظرة حازمة في عينيها.. و تخطو إلى الداخل مباشرةً ..
وسط دهشة و عدم تصديق السكرتيرة التي اندفعت باتجاهها هاتفة :
-يا مدام.. من فضلك ده مكتب مستر مالك... يا مدام مايصحش كده ...
دون أن تعير السكرتيرة أيّ اهتمام.. تتابع طريقها و كأنها لم تسمعها.. تقتحم مكتبه و كأنها عاصفة مدمّرة ..
ترتبك السكرتيرة و تشعر بمزيدًا من التوتر و هي تنظر إلى مديرها الذي يجلس هادئًا.. ينقل نظره بينها و بين الزائرة و قد بدا عليه بأنه يعرفها فعلًا ..
يدير "مالك" وجهه نحو السكرتيرة و يشير لها بيده لتغادر الغرفة قائلًا :
-سيبينا يا هاجر لو سمحتي.. لو احتجتك هاطلبك.
تتردد السكرتيرة للحظة.. ثم تخرج من المكتب بخطواتٍ سريعة.. بينما "هالة" تقترب من "مالك" بثباتٍ ..
لم يتغير وجهه.. يظل جالسًا في كرسيه خلف المكتب الكبير.. يراقبها بعيون تحمل مزيجًا من اللامبالاة و الازدراء ...
-مالك عزام !! .. نطقت "هالة" اسمه من بين أسنانها المطبقة بشدة
يرفع "ملك" حاجبًا ببطء و هو يدير نظره إلى "هالة" بعد خروج سكرتيرته التي حاولت منعها من الدخول عبثًا.. تصرّف ببرودٍ شديد و كأن دخولها المفاجئ لا يعني له شيئًا.. يضع يده على مكتبه و يستند إلى الكرسي في راحةٍ تامة ..
يتكلم ببرودٍ و هو ينظر لها باستمتاعٍ غير مبالي :
-دي اكيد حاجة مهمة اللي خلّتك تشرفيني في مكتبي يا مدام هالة.. اتفضلي.. قولي ايه الموضوع ؟
تلتهب عينيّ "هالة" بالغضب الذي لا تستطيع تحمّله أكثر.. لكنها تظل متماسكة.. و تخطو خطواتٍ ثابتة نحو طاولة مكتبه.. تعمد إلى اقتحام المسافة بينهما ..
تقول بغضبٍ مكبوت.. و عيناها تحدقان في عينيه مباشرةً :
-امور الاستعباط دي مش هاتيجي معايا من أولها يا مالك عزام.. انا مش جايّة هنا عشان اسمع منك لف و دوران.. ملك قالت لي كل حاجة !!!
لا يتسرّع "مالك" في الرد.. يكتفي بابتسامةٍ شبه خافتة و نظراته تراقبها ببرودٍ و كأنه يستمتع بهذا الصراع ..
يرفع كوب قهوته ببطءٍ ليرتشف منه القليل.. ثم يضعه على الطاولة أمامه.. و يقول بهدوءٍ محاولًا إثارة استفزازها :
-كل حاجة ؟ اكيد ملك كانت مبسوطة جدًا و هي بتحكي لك عني.. بس يا ترى أي جزء من اللي حصل بينّا حسيتي انه عجبها اكتر ؟
تتنفس "هالة" بعنفٍ.. متوترة و لكن غاضبة أكثر.. فجأة تتحول ملامح وجهها إلى تعبيراتٍ ناطقة بالشراسة و هي تدير ظهرها له ببطءٍ.. ثم تعود إليه من جديد مغمغمة بصوتٍ منخفض و لكنه ملييء بالتهديد :
-لو كنت مفكر انك هاتقدر تهددها او تخوفها.. يبقى انت اكيد غلطان.. ملك حفظي دي مش لوحدها.. لو حد عرف انت عملت ايه فيها.. لو اخوها فادي عرف.. او لو عرف عثمان البحيري اللي هو بيعتبرها بنته أصلا.. انت مش هاتعيش عشان تشوف صبح جديد.
يرفع "مالك" عينيه عن الطاولة و يحدق بها للحظاتٍ.. وجهه الآن مشوش بين الاستهانة و الاهتمام بما تقوله.. يتنهد قائلًا بصوتٍ بارد و هو يشير بيده بخفة :
-بصراحة ماكنتش اعرف اني شخص مهم للدرجة دي بالنسبة ليكي عشان تيجي لحد عندي و تهدديني بالاصرار ده.. تحبي تشربي حاجة ؟
ضحك على تكشيرتها الضارية ردًا على كلماته.. و أكمل بأريحية تامّة :
-هدّي اعصابك يا مدام هالة.. انا من اول لحظة لا فكرت اهددك و لا اهدد ملك.. انا بس عايز اقولك ان كل واحد بيختار الطريق اللي بيمشي فيه.. و اللي حصل حصل.. و في حاجات ماينفعش نرجع فيها.. ملك كانت عارفة كويس هي فين و مع مين و بتعمل ايه.. كل اللي حصل كان اختيارها.. و لو قررت انها تفتح الموضوع ده معاكي او مع غيرك هاتكون هي المسئولة عن عواقبها.. مش أي حد تاني.
تشعر "هالة" بنيران الغضب تتصاعد بداخلها.. على الرغم من البرود الظاهر على "مالك" هذا الشخص يبدو بأن لديه حقدٍ دفينٍ بعتمل بصدره ضد الآخرين.. الأمر غير محصور في "ملك" وحدها ..
تزداد كراهيتها له مع كل كلمةٍ يتفوّه بها.. تحاول أن تظل هادئة.. لكنها لا تستطيع كبح مشاعرها بشكلٍ كامل ..
تقترب من مكتبه أكثر صائحة بغضبٍ مستطير :
-انت بتقول ايه ؟ انت فاكر انك هاتعيش في سلام بعد كل اللي عملته ؟ دي بنت.. مجرّد بنت صغيرة.. و انت سافل و حيوان.. انا هاخلي حياتك جحيم انت فاهم ؟ هاتدفع تمن اللي عملته في ملك مابقاش هالة البحيري ان ما خلّيتك تندم !!
يتنهد مرةً أخرى و هو يحدق في عينيها نحوها بثباتٍ.. و ترتسم على شفتيه ابتسامة باردة.. لا يبدو أنه متأثر بأي تهديدات منها.. يبدو و كأن كل شيء بالنسبة له مجرد صفقة معقّدة يجيد التعامل معها ..
يرد "مالك" بهدوءٍ مستفز دون أن يمحو ابتسامته :
-من غير تهديدات.. انتي بتضيّعي وقتك معايا يا مدام هالة.. مافيش حاجة تثبت اني غصبت ملك على أي حاجة.. هي نفسها اكيد قالت لك انها سليمة.. انا ماقرّبتش منها ..
هتفت باستنكارٍ فجّ :
-ماقرّبتش منها ؟ لا انت كده بتستعبط بجد.. انت عارف كويس انت عملت فيها ايه.. و انا من اول ما شوفتك قلت لك انها حكت لي كل حاجة.. ماتحاولش تتلوي عليا في الكلام انا بحذرك ..
يرمقها "مالك" بتحدٍ واضح في عينيه و يقول بابتسامةٍ مائلة :
-انتي مصرّة تدخلي في موضوع مايخصكيش يا هالة.. اسمعي طيب اخر اللي عندي.. انا مأجبرتش ملك تيجي معايا في أي مكان لوحدها.. هي اللي قررت تزوغ من المدرسة و تيجي معايا ..
و تابع عاقدًا ذراعيه أمامه في وضع استرخاء تام :
-من الاخر انتي اللي عندك مشكلة.. ملك لو كانت عايزة تعمل حاجة كانت عملت من نفسها.. لكن ده بردو مش موضوعي.. ملك مش طفلة صغيرة و هي عارفة هي اختارت ايه كويس اوي.. اما انا.. لو عايزة تهاجميني و خلاص هكون مستعد.. بس مش هاتلاقيني ضعيف ابدًا !
في هذه اللحظة ..
يدخل "نبيل الألفي" إلى المكتب بلا مقدمات.. تبدو على وجهه علامات الدهشة عندما يرى "هالة" في المكتب مع "مالك".. لم يتوقع أن يجدها هنا مطلقًا و بالنظر إلى الجو المشحون هنا فهي تبدو كأنها قد جاءت لترى "مالك" تحديدًا.. لا تراه هو خالها ...
-هالة ! .. هتف "نبيل" مستغربًا.. و تابع متوجهًا نحوها على مهلٍ :
-ايه الحكاية ؟ ايه اللي جابك هنا ؟ هالة.. مالك يا حبيبتي ؟
لا ترد "هالة" عليه.. يراها تنظر نحو "مالك" فقط و انفعالاتها العنيفة تظهر بارتجافة يديها ..
ينظر "نبيل" صوب "مالك".. ليبتسم له الأخير ابتسامة عريضة و هو ينهض من مكانه بهدوءٍ.. و يشير إلى الكرسي بجانبه لـ"نبيل" كما لو كان يريد أن يريحه ...
-تعالى اقعد يا نبيل ! .. قالها "مالك" بابتسامةٍ باردة.. يعرض على "نبيل" الجلوس
و تابع :
-الظاهر هالة كانت جايالك بس اتلخبطت و دخلت لي.. مافيش مشكلة انا ممكن اسيب لكوا مكتبي عشان تقعدوا براحتكوا ..
و همّ بالذهاب فعلًا.. ليمسك "نبيل" برسغه قائلًا :
-استنى بس ..
و عاود النظر إلى "هالة" متسائلًا :
-في ايه يا هالة !؟
تبقى "هالة" واقفة.. عيونها تتألق بغضبٍ مكبوت.. و تسمع كل كلمة.. لكنها لا تستطيع أن تتحمّل النظر إلى "مالك" أكثر.. تشعر بأن هذه المواجهة لم تنتهِ بعد.. و أن هذه المعركة ستظل عالقة في ذهنها لفترةٍ طويلة.. بل أنها سوف تصعّدها لتعلق بالواقع نفسه ..
-مافيش حاجة ! .. قالتها "هالة" بلهجةٍ جافة.. و أردفت باقتضابٍ :
-هابقى اكلمك يا خالو.. باي.
و تنظر إلى "مالك" للحظة.. ثم تخرج من المكتب دون أن تقول كلمة إضافية.. فهي ليست مستعدة الآن لمواجهة أخرى.. و لن تفضح "ملك" أبدًا حتى و لو أمام خالها ..
تستقلّ سيارتها متنفسة الصعداء.. تستلّ هاتفها من حقيبتها لترى عشرات المكالمات و الرسائل الصوتية الفائتة من "فادي".. لكنها تتجاهلها كلها و تجري الاتصال بدون أدنى تردد به ..
بـ"عثمان البحيري" نفسه.. ابن عمّها ..
حاولت مرة و إثنان و عشرة.. لكنه لم يفتح الخط مطلقًا.. فزفرت بقوة ضاربة المقود بقبضتها.. فكرت لثوانٍ.. ثم قرّبت الهاتف من فمها لتبعث له برسالةٍ صوتية :
-كلّمني فورًا يا عثمان.. الموضوع يخص ملك.. مالك في مصيبة.. و انا خايفة من فادي.. بليز كلّمني ...
و أنزلت الهاتف سامحة لدمعة واحدة بأن تفرّ من عينها.. مسحتها بسرعة.. ثم شغّلت محرّك السيارة و انطلقت عائدة إلى المنزل ..
بدون "ملك".. حيث عليها أن تواجه "فادي" ! ................................................................................................................................................................................................... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
يتبع ...
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم مريم غريب
الليل كان قد هبط على المدينة.
"عثمان البحيري" لا يزال جالسًا داخل سيارته في ذلك المكان المعزول بجوار الشاطئ.
كان الجو باردًا، وهو يشدد قبضته على عجلة القيادة كأنما يريد أن يقبض على كل شيء فقده في تلك اللحظات السوداء.
يضرب المقود بيده في عنفٍ، وكأن تلك الضربة ستعيد له شيئًا من القوة أو القدرة على التحمل.
ولكنه كان يشعر بالعجز لأول مرة في حياته.
كل شيء كان يتلاشى أمامه.
عمّه مات.
"رفعت البحيري" مات.
وبالتالي أيّ أمل خيالي بالانتقام قد ذهب أدراج الرياح فورًا.
يشعر بالقهر يغلّفه من الداخل، مثل طوق خانق، يضغط على صدره ويتركه يتنفس بصعوبةٍ.
"ماكانش لازم يموت..."
همس لنفسه، وهو يحاول أن يهدئ من ثورة عقله ليفكر جيدًا.
وتابع من بين أسنانه:
"رفعت... كان لازم يعيش.. كان لازم اخد روحه بإيدي.. ليه؟ مات ليـه؟ كان لازم يموت على إيدي انـاااااا..."
وازدادت حالته سوءًا.
فك أزرار قميصه العلوية بعصبيةٍ وأخذ يتخبّط بمقعد السائق كوحشٍ مكبّل بالأصفاد.
"صالح البحيري" الذي اعتبره مصدرًا للأمل في الانتقام، أدرك عندما رآه بأن لا ذنب له في كل هذه الدوّامة.
يفكر في أبيه الراحل، ويشعر بالألم يعتصر قلبه.
يتمنّى لو كان أبيه حيًا، لو لم يحدث كل هذا.
ولكنه يعلم في قرارة نفسه بأنه لا يستطيع تغيّير ما حدث.
لماذا قد يفعل "رفعت" ذلك؟
كيف طاوعته نفسه؟
أن يستحلّ شرف شقيقه ويقترف هذا الفعل الوضيع؟
كيف؟
لماذا؟
لم يُعد أمامه أحد للانتقام.
الآن، وهو غارقٌ في أفكاره الحزينة، دق الهاتف فجأة.
دهش "عثمان" بأن الجرس يرن من جديد.
كان قد تجاهل المكالمات التي تلقّاها منذ فترة.
ولكن يبدو بأن أيًّا من كان الذي يهاتفه يُصر على أن يلاحقه بالرسائل أيضًا.
"مين ده اللي مش عايز يسيبني في حالي؟"
تمتم و هو ينظر إلى الهاتف بعيون ممتلئة بالانزعاج و الغضب.
كانت "هالة" بنت عمّه.
فكّر للحظة، ثم ألقى نظرة على المكالمات الفائتة.
كانت قد اتصلت به عدة مرات، وأخيرًا أرسلت له رسالة صوتية.
كان في قمّة التوتر.
فكّر للوهلة الأولى بأن "صالح" قد يكون خابرها و حدّثها بما جرى.
زم فمه بغضبٍ و تحفّز لوضعها على قائمة الحظر.
إلا إن شيئًا ما في قلبه دفعه إلى فتح الرسالة رغم تردده.
و ما إن بدأ صوت "هالة" يتدفق من الهاتف، حتى كانت الكلمات التي سمعها تتغلغل في أعماقه كالصاعقة.
"هالة" تخبره بلهجةٍ متوترة للغاية:
"عثمان بليز رد عليا.. ملك... ملك في مشكلة كبيرة. وقعت في مصيبة. انا خايفة عليها.. خايفة عليها من فادي.. مش عارفة ممكن يعمل فيها ايه.. بليز يا عثمان كلّمني انا مش متحملة كل ده لوحدي."
شعر "عثمان" بشيءٍ ثقيل يسقط داخل قلبه.
اهتزت كل أفكاره الماضية و ارتبكت مشاعره مرةً واحدة.
"ملك! ايه اللي حصل لها؟"
تساءل بصوتٍ مرتجف و هو يتخبّط في أفكاره.
و عيناه ظلتا ثابتتين على الهاتف في يده، وكأن تلك الرسالة الصوتية كانت ما ينقصه.
قلبه ينقبض الآن، وعقله يشتعل بالأسئلة التي كانت بلا إجابات.
ماذا حصل لها؟
"ملك".. ابنته الروحية التي تربّت بين يديه..
كيف أهملها كل هذه المدّة؟
هل طال أمد عقوبتها إلى هذا الحد؟
و إلى درجة أن تقع بالمصائب و هو لا يدري؟
الرسالة الصوتية التي تلقّاها من "هالة" كانت تزعجه بشكلٍ لا يوصف.
أخذ يُفتش برسائلها السابقة.
كانت جميعها تحمل نفس الكلمات و المعنى المُراد إيصاله و هو ضرورة تدخله العاجل.
بدون أن يكمل الاستماع إلى بقيّتها، تنازل عن قراره بعدم الرد على ابنة عمّه.
الآن لم يعد يملك رفاهية التردد.
شعر بشيءٍ من القلق في صدره بينما عيناه تشخصان في الشاشة.
ضغط على اسم "هالة"، ورن الهاتف مرتان، حتى جاء الرد سريعًا.
وانبثق صوت "هالة" على الفور.
كان واضحًا بأنها مرعوبة.
جاء صوتها في أذنه أكثر انكسارًا من أيّ وقتٍ مضى:
"عثمان... يا عثمان إلحقني.. انا مش عارفة ارجع البيت و فادي مش بيبطل يكلّمني مش عارفة ارد عليه.. مش عارفة أقوله ايه..."
"فين ملك؟"
سألها على الفور، وكان صوته قاسيًا، يتخلّله الخوف و القلق على صغيرته.
ولكن "هالة" كانت غير قادرة على إكمال الكلام بشكلٍ صحيح.
قالت بتلعثمٍ:
"ملك.. ملك سيبتها عند الدكتور.. حالتها صعبة اوي..."
صاح بها بعنفٍ:
"ايه اللي حصل لملك يا هالة؟؟؟؟"
جاوبته "هالة" بصوتٍ كالأنين:
"واحد.. حيوان... اغتصبها !!!"
تجمّد "عثمان" في مكانه، وكأن صدمة أصابته مباشرةً في قلبه.
صدمة أشدّ ممّا سلفها كله.
كانت الكلمة الأخيرة كالسوط الذي لطم وجهه بعنفٍ.
خفق قلبه بشدة، كأنما نبضاته توقفت للحظة.
دموع "هالة" الحزينة كانت تنبثق من خلال كلماتها، وهو عاجز تمامًا عن الرد.
"انا خايفة عليها.. خايفة عليها من فادي... مش عارفة اعمل ايه !!"
لم يستطع الاستماع لأكثر من ذلك.
أغلق الهاتف في وجه "هالة" قبل أن تتمكن من قول المزيد.
انطلق بسيارته و قد أغمض عينيه للحظةٍ و هو يحاول استيعاب الموقف.
ولكن هذا لم يكن وقت التفكير أو التأمل.
يجب عليه أن يتحرّك الآن.
"ملك" في خطر.
صغيرته في خطر و هو الوحيد القادر على إنقاذها.
ألقى بنظرة سريعة على الطريق أمامه، وقرر على الفور العودة إلى القصر ليجلب جواز سفره وبعض المستلزمات التي سيحتاج إليها.
في قلبه يقينٌ واحد:
يجب أن يذهب الآن.. يجب أن يصل إليها في أسرع وقتٍ...
**عادت "هالة البحيري" إلى المنزل أخيرًا.**
دخلت من الباب الأمامي و خطواتها كانت ثقيلة، وكأنها تحمل عبئًا أكبر من قدرتها على التحمّل.
حالما عبرت المدخل، رأت "فادي" يجلس الصالة المفتوحة.
عينيه ملتهبتين بالقلق و الغضب.
كان جالسًا في صمتٍ على الأريكة، و شيئًا فشيئًا بدأ يتململ و يقوم بتحريك ساقيه في توتر.
فما إن رآها، قفز من مكانه فجأة.
عيناه تتسعان و وجهه يطفح بالحيرة والحنق.
"كنتي فين!؟"
قالها و هو يسرع خطواته تجاهها.
الصوت في نبرته كان كالمطرقة، حادًا و عنيفًا.
"كنتي فين كل ده؟ ليه ما بترديش على مكالماتي؟"
كانت أسئلته تتناثر و كأنها طلقاتٍ نارية.
وكان بامكانه أن يرى على وجهها التوتر، لكنه لم يحصل على أيّ إجابة.
لم تجب "هالة".
كانت في حالة مربكة من الصمت، كأنها غارقة في بحر من الأفكار التي لا تعرف كيف تسبح فيه.
كل شيء كان يغرقها.
لكن الموقف كان أكثر من أن تتحمّله.
وفجأة، "فادي" انتبه لما لم يكن قد لاحظه منذ دخولها.
كانت "هالة" قد دخلت وحدها، وعيناها تبدوان حزينتين.
أين هي "ملك"؟
أين أخته التي كان يفترض أن تعود معها؟
ابتلعت "هالة" ريقها بصعوبةٍ، ومرّت لحظة من الصمت الثقيل بينهما.
قبل أن يوجه "فادي" سؤاله التالي بنبرةٍ أكثر حدة:
"فين ملك؟ ليه مارجعتش معاكي؟"
سكتت "هالة"، تنظر إلى الأرض و تبتلع الكلمات التي كانت تريد أن تخرج من فمها.
كلّما نظر إليها "فادي"، يسأل نفسه لماذا هي صامتة هكذا، ولماذا لا تجيب على أسئلته الواضحة.
كان قلقه يزداد، وعينيه تلمعان بالضغط.
"هالة!!"
صرخ باسمها بعصبيةٍ، بينما اقترب منها بسرعة، كأنما لا يستطيع أن يتحمّل المزيد من الأسئلة دون إجابة.
"فين ملك؟ قولي فين هي؟"
الضغط على "هالة" كان يزداد مع كل كلمة ينطقها.
قلبها يكاد ينفجر من الصمت المطبق الذي تحاول أن تفرضه على نفسها.
عيناها مليئة بالدموع التي لم تجرؤ على البوح بها.
جسدها كان يرتعش، وكأنها تنتظر لحظة الانفجار.
وفجأة قبض "فادي" على ذراعها بشدة، وكان وقع يده عليها أشبه باللكمة التي تصل إلى أعماقها.
"فين ملك؟ قوليلي!"
سألها و هو يعصر ذراعها بعنفٍ، صوته الآن يملؤه القلق و الذعر.
لا تستطيع أن تجيبه.
عجزت "هالة" عن النطق بالكلمات.
دموعها كانت تتساقط من عينيها الآن، وفي لحظة من الضعف التام، أخيرًا فتحت فمها.
كانت كلماتها تتقطع بينها و بين صوتها المرتجف:
"في... في العيادة... ملك اتعرضت للاغتصاب يا فادي... سبتها عند الدكتور..."
كل كلمة قالتها كانت ثقيلة كالحجارة، وكل حرف كان يجرحها أكثر ممّا يمكن أن يتحمّله أحد.
أما "فادي"، فقد تجمّد في مكانه، وعينيه اتسعتا في صدمة و كأنها ضربته على رأسه بقوة.
"إيه؟"
همس بصوتٍ غير مصدق، وكأن "هالة" قد قالت شيء لا يمكنه استيعابه.
"هي مين دي اللي اتعرضت للاغتصاب؟ مين يا هالة؟"
صوت "هالة" كان غارقًا في البكاء.
لم تستطع أن تجيب على أسئلته المتزايدة.
كانت تشعر بكامل ثقل الواقع يهبط عليها، وعقلها غير قادر على ترتيب الأفكار.
لكن "فادي" لم يكن يصدق ما سمعه.
صرخ بها بغتةً:
"ايه اللي حصل؟ مين عمل فيها كده؟ هي فـيــــن؟؟؟؟"
عينيه تتطاير فيهما الشرر من الغضب.
رفعت "هالة" يدها أمام وجهه، كأنها تحاول أن تردعه، ولكن كلماتها كانت ضبابية و صعبة.
"مش هقولك!"
قالتها بصوتٍ مهزوز، و الدموع تسيل على وجهها.
"خايفة عليها منك... خايفة لو قلتلك... هتئذيها أكتر..."
لم يصدق ما سمع.
إنها تؤكد الأمر إذن!
تجمّد في مكانه لوهلةٍ، ثم اقترب منها أكثر و حاول أن يُجبرها على إخباره بمكانها:
"فين هي؟ فين الدكتور ده؟ لازم أروح لها.. انطقـي يا هالـة !!!!"
ارتجفت من كل هذه الأسئلة.
قلبها يتفطّر بداخلها و هي تكرر باكية بمرارةٍ:
"لأ.. مش هقولك.. ملك... مهما حصل منها.. هي بنت صغيرة.. دي لسا مجرد طفلة.. انا عارفاك.. انت مش هاتفهم... مش هاتفهم ان ده كله ماكنش غلطها... مالهاش ذنب !"
لكن "فادي" لم يتوقف.
كان يصر على معرفة مكان شقيقته.
كان عقله يعمل بسرعة من دون أن يفكر في شيء آخر.
"فينها؟ قولي!"
أعاد السؤال بغضبٍ أشدّ، والضغط كان أكثر من أن تتحمّله.
"مش هقولك!"
ردت "هالة" باصرارٍ و بصوتٍ مرتجف بالنشيج.
عينيها مليئة بالدموع، كانت تقاوم بكل ما في داخلها.
كانت تعلم بأن "فادي" لن يتركها في حالها.
ولكنه في نفس الوقت لم يكن يعي حجم الألم الذي تعيشه.
ولكنها أيضًا لم تكن تعلم شيئًا عمّا يخالجه من الداخل.
كان في حالة غضب لم يشعر بها مسبقًا سوى مرةً واحدة في حياته قبل خمسة عشر عامًا.
وكان جسمه كله يرتعش من التوتر و هو يهدر بوحشيةٍ:
"بقولك اتكلمي يا هالة... لو حصل حاجة لأختي... انتي اول واحدة هاتدفعي تمنها.. اتكلمـــــي !!!!"
**يشعر "عثمان" بالدماء تغلي في عروقه.**
كانت الأسئلة لا تزال تشغل باله عندما كان يتحدث إلى "هالة" منذ دقائق.
ما الذي حدث لها؟
كيف يمكنه حماية "ملك" الآن؟
ألم يكن قادرًا على حمايتها طوال تلك السنوات الماضية؟
لماذا لم تفتح "هالة" فمها لتقول له كل شيء منذ البداية؟
قبل أن يقع كل هذا؟
الآن.. لم يعد يهتم بالتفاصيل.. أو لماذا لم تخبره "هالة" بكل شيء.
لا يهمه سوى أن يراها بأمانٍ.. أن يحميها ممّا حدث.. بل ممّا قد يحدث أيضًا.
ربما كان عليه أن يعرف أكثر.. لكن ما الذي يهم الآن؟
الملكة الصغيرة التي تربّت في أحضانه أصبحت في خطر.
وعليه أن يتعامل مع ذلك بسرعة و بدون ترددٍ.
لم يعد يهمه أيّ شيء سوى الوصول إليها.
أيّ شيء سوى التأكد من أنها ستكون بأمان بين يديه مرةً أخرى.
"فادي" سيكون له حسابه جزاء تقصيره في مراقبتها و الاهتمام بها.
ولكن الآن "ملك" هي الأولوية.
"حسابك معايا بعدين يا فادي.. هاتشوف مني اللي عمرك ما شوفته!"
تمتم "عثمان" في غضب و هو يضغط على دوّاسة البنزين منحرفًا تجاه الطريق المعبّد المفضي لقصر آل"البحيري".
عاد أخيرًا إلى القصر.
أوقف سيارته في الباحة و نزل منها بخطواتٍ سريعة.
يتسارع نبضه في صدره وهو يفكر في الخطوة التالية أثناء عدوه السريع نحو المنزل.
كان يتمنّى لو يستطيع تجاهل هذه الضغوط.
لكنه كان يعلم بأن هذا مستحيلًا.
لقد آمن بأنه يمرّ بأصعب فترات حياته على الإطلاق.
و قد تمّت بالخبر الذي وصله عن صغيرته التي كان ليكتبها باسمه إن جاز ذلك لشدة تعلّقه بها و إيمانه بأنها حقًا ابنته.
فهو من ربّاها.
لعله ليس أبيها البيولوجي.
لكنه كان معها في كل مراحل عمرها.
لم يتركها أبدًا و كان في أمانٍ تام معه.
الأعمى يرى الآن ماذا حدث لها عندما خرجت عن دائرته!
أخفق شقيقها في حمايتها.
"ملك" في خطر الآن.
وهو الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يفعل شيئًا حيال ذلك.
يلج "عثمان" إلى جناحه الخاص.
سحب نفسه بعزم إلى غرفة الملابس.
أنفاسه متسارعة و هو يفتح الخزانة و يختار بعناية بعض الأغراض الشخصية.
قميصين.. سروال جينز.. معطفٌ خفيف.. و حذاء مريح.
فهو لم يكن ينوي المكوث طويلًا هناك.
سيذهب ليأخذ "ملك" أولًا ثم يرى كيف سيتصرف إزاء ما حدث لها.
في جميع الأحوال لن يطول غيابه.
جمع كل شيء بسرعة، ثم أقفل الحقيبة الصغيرة باحترافيةٍ كمن يهرب من حياته المألوفة ليبدأ رحلة مجهولة.
وقف أمام خزنته الرقمية، وفتحها بسرعة.
يده تندفع بحركةٍ آلية نحو المكان الذي يضع فيه جواز سفره.
سحبه ثم أخرج معه بطاقاته الائتمانية الضرورية.
لم يريد أن يترك شيئًا للصدفة لذلك جمع كل ما قد يحتاجه.
فقط كان يعرف بأنه يجب عليه الذهاب.
لا مجال للتأخير.
أوقف عينيه للحظة على جواز السفر، ثم أغلق الخزنة بعنفٍ.
وكأن تلك اللحظة هي الفصل الأخير في حياة سابقة.
وفصل جديد قد بدأ للتو.
أمسك بالحقيبة الصغيرة بيد.. و الجواز في اليد الأخرى.
واستدار ليغادر الغرفة.
ولكن في تلك اللحظة فاجأته "سمر" زوجته عندما وجدها تخرج من إحدى الغرف الجانبية الأخرى في الجناح.. وكأنها كانت تنتظره.
عندما رأته بهذا الشكل.. حاملًا للحقيبة.. جواز السفر في يده.. و في عينيه نظرة غريبة من القلق و المشاعر التي لا يستطيع أن يخبئها.
توقفت "سمر" فجأة.. و بدون أن تفكر.. اقتربت منه و سألته بحيرة:
"عثمان! انت مسافر و لا ايه؟"
شعر "عثمان" بتوتر داخلي عميق عندما سمع صوتها.
لكنه تمالك نفسه.
لم يكن يستطيع أن يجيبها بالحقيقة.
لم يكن هذا الوقت المناسب لذلك.
فأجابها بنبرةٍ مقتضبة محاولًا تهدئة مخاوفها الظاهرة:
"في مشكلة طارئة لازم اسافر عشان احلها بنفسي.. مافيش وقت اشرح دلوقتي."
لكن "سمر" كانت واضحة في قلقها.
بادرت بسؤالٍ آخر.. محاولة أن تكتشف سر هذه الرحلة المفاجئة:
"طيب قولّي على الاقل.. مسافر فين؟ ماينفعش تسيبني قلقانة عليك!"
لم يرد "عثمان" أن يثقل قلبها أو يعقّد الأمور أكثر.
فابتسم بتوترٍ و هو يقول:
"ماتقلقيش.. مش هاتأخر.. اول ما تيجي الفرصة هاكلمك."
ثم اقترب منها بشكلٍ مفاجئ.
أمسكت عيناه بعينيها، ودنى برأسه قليلًا منها ليقول بصوتٍ خافت:
"خلّي بالك من نفسك.. و من فريال هانم.. و من ولادنا.. مش عايزك تشيلي هم حاجة.. بس خليكي هنا مكاني لحد ما ارجع.. و ماتخافيش من حاجة."
كانت "سمر" غارقة في شعور عميق من القلق.
لكنها حاولت أن تكون قوية.
كانت تعرف تمامًا بأنه لا يخبئ شيئًا جيدًا في تلك الرحلة.
لكنها في نفس الوقت لم تستطع أن تمنعه.
رغم كل شيء.. فهي تثق به.
اقتربت منه و عانقته بقوة.
همست في أذنه بلهجةٍ مختلجة:
"انا بحبك.. لازم تاخد بالك من نفسك.. مش هقدر اصمد من غيرك كتير.. عشان كده... لازم ترجع لي بسرعة !"
كان الوداع بينهما موجعًا هذه المرة.
لكن "عثمان" كان يشعر بقلق أكبر كلّما مرّ الوقت.
لا وقت للمزيد من الكلام.. فقط عليه أن يرحل.
بعد لحظاتٍ من الصمت الذي امتلأ بالمشاعر العنيفة بينهما.. خرج عثمان من الجناح بسرعة دون أن يضيف كلمة أخرى.. وعيناه تتألقان بالعزم.
هبط الدرج في دقيقة واحدة و مرّ بالبهو.
حيث قابل "مراد" صدفة.
عبس "مراد" حين رآه.
يبدو بأنه لاحظ عجلة "عثمان".
فقال و هو يقترب منه بتساؤلٍ:
"في إيه؟ رايح على فين كده!؟"
تنهد "عثمان" بينما عيناه تلتقي بعينيّ صديقه المقرّب.
وكان واضحًا بأنه يحاول أن يخفف من توتره قدر الإمكان.
كانت إجابته مختصرة.. ولكنها كافية لإيصال شعور التوتر الذي كان يعيشه:
"في مشكلة كبيرة عند فادي و هالة في دبي.. لازم اسافر عشان اتعامل معاها بنفسي."
استمع "مراد" إليه باهتمامٍ شديد.
لكنه لم يصرّ على المزيد من التفاصيل.
مجرد شعور قوي من عدم الارتياح على وجهه.
ومع ذلك لم يستطع إخفاء قلقه و قال بجدية:
"لو المشكلة كبيرة اوي.. انا ممكن اجي معاك.. و ماتروحش لوحدك!"
تردد "عثمان" للحظةٍ.
ثم قال بصوتٍ خافت:
"هي كبيرة فعلًا.. ملك... المشكلة تخص ملك.. بس مش هقدر اقولك تفاصيل اكتر."
شعر "مراد" بقلق أعمق.
وحاول أن يصر على المساعدة قائلًا:
"بس انت لو محتاجني في حاجة.. قولّي و انا معاك."
هز "عثمان" رأسه في رفض و هو يضغط على أعصابه.
يشعر بأنه منهك.. وأنه بحاجة إلى تحريك عجلة الأمور بأسرع وقتٍ ممكن.
قال بصرامةٍ:
"لو احتاجتك هاكلمك.. دلوقتي لازم اتحرك."
أومأ له "مراد" و قال:
"تمام.. مع السلامة.. ابقى طمنّي بس.."
يغادر "عثمان" الطابق مسرعًا.
يستقلّ سيارته ثانيةً و يتوّجه إلى المطار.
قلبه لا يزال ممتلئًا بالقلق.
وتدور في ذهنه أفكار كثيرة.
ولكنه كان متأكدًا من شيء واحد.
"ملك" بحاجة إليه.. ولا وقت للتوتر أو التردد!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم مريم غريب
"رامز" يتحدث بصوتٍ متعب:
- مش قادر أتنفس يا مراد.. كل يوم بيعدي وأنا بفكر... هو ممكن يرضى؟ ممكن في يوم هايفهم؟ شمس بتحبني.. ليه مش قادرين نكون مع بعض زي أي اتنين طبيعيين؟
يضع يده على جبينه في حركةٍ عفوية.. وكأن الأفكار التي تدور في رأسه تنهش عقله.
يرد "مراد" بصوتٍ هادئ وحذر:
- أنت عارف يا رامز إن عثمان عنده مبادئ.. مش أي حد يقدر يغيرها.. بالنسبة له أنت مش شخص مناسب لشمس.. وأنت بنفسك أثبت له وجهة نظره أكتر من مرة.
يقول "رامز" بنبرةٍ متوترة، وكأن الكلمات تخرج عنوة من فمه:
- مش مناسب؟ يعني إيه مش مناسب؟ ده أنا جبتها لحد عنده.. عرفت أخطفها عشان نكون مع بعض ولما كلمني رجعتها له.. شمس مش غلطة في حياتي يا مراد ولا أنا غلطة في حياتها.. وعثمان ما كانش له حق يتدخل زي ما هو عاوز.. في كل مرة بيبعدنا عن بعض هي أول حد بيتأثر.. لازم يفهم إن محدش فينا يقدر يكمل من غير التاني.. أنا استحملت منه كتير.. في الأول خدها مني.. وبوظ لي شغلي وحياتي شبه أتدمرت.. رغم كل ده أنا لسه عندي استعداد أنسى له كل حاجة.. بس يرجع لي شمس.
يضع يده على قلبه فجأة.. يحاول استيعاب مشاعره المتضاربة.. لكن الألم واضح في عينيه كما في صوته.
- أنا فاهمك يا رامز!
عقّب "مراد" بهدوءٍ وتابع:
- لكن عمرك ما هاتكسب عثمان لو ضغطت عليه كده.. هو بيشوف جوازك العرفي من أخته ده غلط في حقه كصاحبك.. وده لوحده بيفقدك أي فرصة عشان تقرب منه أو من شمس.. عايزك تبقى هادي شوية.. وتحاول تفكر بعقلك بلاش تهور.
يغلق "رامز" عينيه لحظة.. يشعر بثقل كلماته وكأنها تعصر قلبه.. عيناه تلمعان بشعور اليأس.. وكأن الأفق أمامه مغلق تمامًا.
يردد بصوتٍ منخفض، أكثر انكسارًا:
- أنا مش قادر أعيش من غير شمس.. أمها وعثمان بيلعبوا بيا يا مراد.. تعبت.. عايزها.. كل لحظة بعيدة عنها بحس إني مش عايش ولا حتى ميت.. أنا متعلق..
ينظر إلى الصورة التي تجمعه مع "شمس" على الطاولة.. تعبير وجهه يتغير إلى حالةٍ من الضعف الداخلي.. عيناه تنعكس فيهما مشاعر الفقد والحزن.. يتنهد بعمقٍ.. وتعلو وجهه ابتسامةٍ يائسة.. وكأن الكلمات التي قالها للتو هي آخر أمل له.
أتاه صوت "مراد" أكثر جدية:
- أنا هحاول مع عثمان تاني.. بس مش هقدر أوعدك بحاجة.. لو ضغطت أكتر من كده مش هاتلاقي نتيجة... هاتخسر شمس.. ف ابعد عن الصورة شوية كمان وسيبني أجرب معاه.
يترك "رامز" الهاتف بجانبه قليلاً.. يتنفس بعمق.. ثم يعود ليستأنف محادثته مع صديقه:
- أنت عارف يا مراد إني مش هاستنى أكتر من كده.. لو عثمان مش ها يراعي مشاعري.. ولا مشاعر شمس.. يبقى أنا هاضطر أدافع عن الحب اللي بيني وبينها.. حتى لو فيها موتي.
يحذّره "مراد" بجدية:
- رامز.. خلي بالك.. المرة اللي فاتت عثمان سابك تخرج من القصر على رجليك إكرامًا للعشرة والصحوبية.. لكن في النهاية شمس دي تبقى أخته وهو دايمًا هايفضل يحميها.. ممكن اللي أنت بتعمله يكون له عواقب مش هاتكون في صالحك.. اهدى.. أنا هحاول معاه تاني.. وأوعدك إني هاتدخل بكل اللي أقدر عليه عشان أخلصك من القصة دي.
يغلق "رامز" عينيه بشدةٍ.. ويهمس بصوتٍ مرتعش:
- أنا عايز شمس... بأي تمن.. بس لو ما فيش حل.. مش هقدر أصبر أكتر من كده.
مراد بحزمٍ:
- قلت هحاول معاه.. بس خلّي بالك.. ماتاخدش خطوات متسرعة ترجع تندم عليها.. أنا كده كده في صف عثمان وأنت عارف.. سواء في الحق أو الباطل.. عثمان ده أخويا.. وأنت صاحبي.. بس وقت الجد كفّته هي اللي هاتطّب.
يغلق "رامز" الهاتف بهدوءٍ.. ينظر مجددًا إلى الإطار الذي يحمل صورة "شمس" وهي بين أحضانه.. ويغرق في أفكاره.
الأصوات في الخارج تتلاشى.. ويبقى هو وحيدًا مع مشاعره وتاريخه الملطخ.. وذكرياته معها.
**عيادة الطبيب.. في إحدى الغرف الخاصة..**
الأجواء هادئة.. باستثناء الصوت الخفيف للأجهزة الطبية من حولها.. "ملك" مستلقية على سرير طبي.. أنفاسها ثقيلة.. وأيديها موصولة بمحلولٍ غذائي.. الضوء الخافت ينعكس على وجهها الشاحب.. وأطرافها الممدة في السرير تكاد أن تكون خالية من الحركة.. كما لو أن جسدها في حالة استسلامٍ تام.
يدخل "عثمان" بهدوءٍ.. عينيه تلتقط "ملك" فورًا ويركز نظراته عليها فقط.. قلبه ينبض بسرعة مع كل خطوة يخطوها نحوها.. العواطف تتأجج داخله.. وبينما يقترب منها.. يشعر بألمٍ غريب يعتصر صدره.. كأن كل شيء حوله ضبابي.
توقف بالقرب من السرير.. وحين نظر إليها.. أدرك تمامًا حجم الضرر الذي لحق بها.. شعر بالانقباض في قلبه.. لكن عينيه لم تغادر وجهها.. اقترب منها أكثر حتى أصبح على بعد خطوة واحدة فقط.
ببطءٍ.. مالت يده نحو رأسها.. ومسح بكفه على شعرها بلطفٍ شديد.. كأنما يحاول أن يطمئنها.. أو ربما ليعوّضها عن كل لحظة قاسية مرت بها بعيدًا عنه.
تستيقظ "ملك" فجأة.. تتنفس بسرعة وتفتح عينيها بشكلٍ مفاجئ وجسدها يرتجف:
- أنت... !؟
عينيها تجفل للحظة.. تظنه حلمًا.. ثم اكتشفته.. "عثمان".. كان هو.. أمامها مباشرةً.. وكأن العالم بأسره توقف لحظة.
تتراكم الصدمات على قلبها.. الدموع تبدأ في التكون بسرعة في عينيها وهي تردد بعدم تصديق:
- أنت... أنت هنا؟
لا تستطيع السيطرة على نفسها.. تتحرك بشكلٍ مفاجئ.. ثم تتدفق الدموع بغزارةٍ.
يرى "عثمان" كل هذا الألم.. وكل هذه الحيرة في عينيها.. الألم يطوّق قلبه بشكلٍ غير مسبوق.
يقرب وجهه منها.. يتأمل وجهها الحزين بعمق.. يشعر بقلبه يعتصر.
- ماتخافيش يا ملك... خلاص.. أنا هنا دلوقتي.. جنبك.
دون أن يفكر.. ينحني ويطبع قبلة دافئة على جبينها.. ثم يهمس في أذنها بصوتٍ منخفض.. كأنما يعيد لها الأمان الذي فقدته:
- محدش هايئذيكي تاني... مش هاسيبك.
تتشبث "ملك" به.. وكأنها تراه آخر ما يربطها بالعالم.. تتنفس بشكلٍ متقطع.. تبكي بحرقةٍ.. كأنما تخاف أن يختفي من بين يديها وهي تقول بصعوبةٍ:
- عثمان... ماتسيبنيش... بليز.. ماتسيبنيش...
يضمها إليه بحنانٍ شديد.. يعانقها وكأنها الحياة كلها في هذه اللحظة.. يتنفس من خلالها.. يحاول أن يعيد لها الطمأنينة.. ويشعر بمدى حاجتها له.
يهدئها بصوته الرخيم:
- مش هاسيبك يا ملك.. لا هاسيبك ولا هاخليكي تواجهي ده لوحدك.. أنا هنا... جنبك طول الوقت.
ثم يطوّقها بذراعيه.. يضغط على جسدها وكأنما يريد أن يمحو كل الآلام التي عاشتها.. يشعر بحرارتها تتسرّب من جديد عبر جسده.. كأنما يريد أن يبعث فيها الحياة من جديد.. هو يعرف بأنها كانت وحيدة من دونه.. يعرف كم تألمت.
لكن بدءً من هذه اللحظة.. هو من سيحمل عنها كل شيء.
تتوقف "ملك" عن البكاء قليلاً.. لكن قلبها لا يزال يضطرب وهي تخبره.. كما لو أنها تشكو له:
- كل حاجة كانت... بتوجعني اوي.. كنت حاسة إني هاضيع... أنا ضعت خلاص.. صح؟
يهز "عثمان" رأسه متمالكًا رباطة جأشه بأقصى ما لديه من طاقة.. ثم يقول بصوتٍ خافت.. لكنه ملييء باليقين والحب:
- لأ.. عمرك ما تضيعي وأنتي معايا.. أنا مستحيل اسمح بكده.. مهما كان اللي حصل.. هكون جنبك.. ودي النهاية لكل اللي حصل وأنتي بعيدة عني.. خلاص... هانبدأ من جديد.. وأنتي مش هاتواجهي حاجة لوحدك تاني.. أنا هنا.. مش هاخليكي تروحي لأي مكان تاني لوحدك يا ملك.
تظل "ملك" متشبثة به.. كما لو أن الحياة نفسها تتسرّب من بين أصابعها إذا تراجعت خطوة عنه.. يضمّها "عثمان" بشدة أكثر.. يحاول أن يطوّق روحها بأمانه.. وكأنما يريد أن يمحو كل أثر للألم الذي عاشت فيه.
لحظة بعد لحظة.. تزداد "ملك" تمسكًا به.. وكأنها تتحدى كل شيء يحيط بها.. وكأن وجوده بجانبها هو خلاصها الوحيد من العالم الذي حولها.
تسمع صوته يخفف عنها شيئًا من آلامها:
- محدش هايقرب منك تاني.. ولا هايئذيكي خلاص.. هاترجعي معايا.. وكل حاجة هاترجع أحسن من الأول.. أوعدك.
في تلك اللحظة.. بينما عيناها تغلقان ببطءٍ.. تشعر وكأنها أخيرًا في المكان الذي يجب أن تكون فيه.. تحت ذراعيه.. تجد ملاذها.. وتبدأ تهدأ.. تدريجيًا.
ولكن لا تزال تلك الدموع في عينيها.. تحمل كل الحكايات التي لم تكتمل بعد.
**شقة "فادي" و "هالة" ...**
الهواء في الشقة صار ثقيلًا جدًا.. بفعل شحنة التوتر الهائلة التي ملأت المكان لساعاتٍ.. الضوء الخافت بحجرة المعيشة ينعكس على وجهها الحزين.. "فادي" خرج منذ قليل بعد مشادة حادة بينه وبين زوجته.
يبدو أنه لم يعد قادرًا على تحمل الضغط.. تركها وحيدة في مواجهة الأسئلة التي لا تريد الإجابة عنها.. في داخلها.. كان شعور "هالة" يضيق حولها.. وكأن قلبها يوشك على الانفجار.
وفجأة.. يدخل "نبيل الألفي" من الباب في صمتٍ.. حتى إنها لم تسمع الجرس لشدة استغراقها في التفكير.
خطواته ثقيلة.. وملامحه مشدودة بعنفٍ.. هو ليس فقط مجرد خالها.. بل إنه رجل قديم الطراز.. لا يعترف بالتحضر أو نمط الحياة المتحرر أكثر من اللازم.
ما حدث اليوم في الشركة داخل مكتب "مالك عزام" لن يمر دون توضيح من ابنة أخته.. لن يتركها حتى تفصح له عن سبب زيارتها له.
دخوله للبيت يبدو كالديناميت الذي سينفجر في أيّ لحظة.
- فين فادي؟
انتفضت "هالة" لدى سماع صوته.. تطلّعت إليه لتصطدم بنظراته الحادة.. أخذ يجيل بصره من حوله كأنما يبحث عن زوجها.
تبتلع "هالة" ريقها.. تحاول أن تظهر رباطة جأشها.. لكن عيونها تفضحها.. تجاوبه بلهجةٍ غير واثقة:
- فادي خرج شوية... لسا نازل من نص ساعة.. كان مخنوق ونزل يغير جو!
يقترب "نبيل" خطوة.. صوته يتصاعد قليلًا وهو يهتف بها:
- مخنوق؟ أكيد.. أنتِ طبعًا هاتقوليلي إيه اللي حصل هنا؟
تخفي "هالة" قلقها وراء ابتسامة ضعيفة.. تجلس على طرف الأريكة وكأنها تحاول الهروب من الموقف قائلة:
- ما فيش حاجة يا خالو.. هو بس مضايق شوية.. كله تمام.
يتقدم "نبيل" نحوها خطوة أخرى.. عينيه تشتعلان وهو يعلّق بغضبٍ على كلماتها:
- تمام؟ تمام إزاي؟ ما فيش حاجة تمام زي ما أنا شايف قدامي.. كنتي في الشركة انهاردة ليه؟ وإيه اللي ودّاكي مكتب مالك عزام؟
تتجنّب "هالة" نظراته.. تنظر إلى الأرض قليلاً.. ثم ترفع عينيها إليه ببطء وتقول بثباتٍ واهٍ:
- كنت جاية لك.. بس.. اتلخبطت وروحت مكتبه هو!
يقترب "نبيل" منها أكثر مجتذبًا إيّاها لتقف قبالته.. ثم قال من بين أسنانه محاولًا الضغط عليها أكثر:
- أنتي بتكدبي عليا يا هالة.. زيارتك لمالك عزام كانت مقصودة.. اتكلمي وقوليلي.. إيه اللي أنا مش فاهمه هنا؟
يبدأ صوت "هالة" يرتجف.. تبعد عيناها عنه.. تحاول إخفاء الاضطراب الذي غمرها وهي تقول:
- ما فيش حاجة يا خالو.. صدقني أنا ماليش علاقة بيه أصلاً.. الموضوع مش معايا.. بليز ماتضغطش عليا.
لكنه لا يتراجع.. لقد أعطته بالفعل طرف خيط.. يواصل ضغطه عليها بصوتٍ أكثر صرامة:
- اومال الموضوع مع مين.. قولي يا هالة.. أنا مش عايز تفكيري يروح في سكة مش تمام!!
تنفصل "هالة" عن الواقع للحظة وتغلق عينيها.. وكأنها تسترجع مشاهد غير قابلة للحديث عنها.. لكن مع الضغط المتواصل من "نبيل" تعود للواقع.
- هو مالك... مالك متورط في مشكلة تخص أهل فادي جوزي.. وأنا روحت عشان أواجهه.
ينظر "نبيل" إليها بترقبٍ.. صوته يزداد حدة وهو يسألها:
- مشكلة إزاي؟ قوللي إيه هو نوع المشكلة دي بالظبط؟؟
تحاول "هالة" أن تنفس عن الألم الذي يغلي بداخلها.. لكن العواطف لا تعطيها فرصة للتهرب.. فتنفجر فجأة رغمًا عنها معترفة بكل شيء:
- مالك... مالك اغتصب ملك أخت فادي.. اغتصبها ولولا إني لحقتها كانت راحت فيها.
تتسارع أنفاسه في هذه اللحظة.. وجهه شاحبٌ من الصدمة.. وكل كلمة تقولها "هالة" تترك جرحًا عميقًا في قلبه.
يبتلع ريقه بصعوبة وهو يحاول استيعاب ما سمعه.
- إزاي؟ مالك؟ .. مالك عمل كده في ملك؟ .. أخت فادي و.. سمر.. الصغيرة دي!!؟؟
ترتجف "هالة".. ثم تنفجر دموعها أخيرًا وهي تجاوبه:
- الحيوان.. قدر يعمل فيها كده.. ده مش طبيعي.. لا يمكن يكون إنسان طبيعي.. دي لسه بنت صغيرة.. لسه صغيرة أوي.
يسحب "نبيل" نفسه بعيدًا عنها.. وجهه يبدو مشوّشًا ومغلّفًا بالغضب والحيرة.. صوته يرتجف وهو يقول:
- أنا.. أنا مش قادر أستوعب!!
تنهار "هالة" فوق الأريكة مجددًا.. همساتها تكاد تكون غير مسموعة.. تحاول أن تمسح دموعها لكن الألم أكبر من أن تخفيه:
- أنت كده ماتعرفش التفاصيل.. البنت مدمرة.. الحيوان ده دمرها وعمرها ما هاتقدر ترجع زي ما كانت.. بس عثمان.. عثمان مش ها يسيبه.. أنا متأكدة.. زمانه عرف كل حاجة من ملك.
تتسع عيناه من المفاجأة والصدمة في آنٍ.. جسده يتوتر وهو يتنفس بسرعة معقّبًا:
- عثمان؟ عثمان البحيري هنا؟ .. مش معقول.. لازم.. لازم أكلم حسين يجي يلحق ابنه...
لا يستطيع "نبيل" التحكم بمشاعره.. يلتفت نحو الباب ويركض مغادرًا دون أن ينطق بكلمة أخرى.
تتساقط دموع "هالة" وهي تبكي بحرقةٍ هاتفة.. لكن لا تملك القدرة على إيقافه:
- نبيل... لو سمحت.. ما تروحش... ماتروحش...
لكن "نبيل" لا يلتفت خلفه.. يخرج من الشقة بسرعة ويده تصل إلى جيبه ليأخذ هاتفه.. في لحظة.. يجري الاتصال بـ "حسين عزام".. لكنه لا يرد.. فيترك له رسالةً صوتية هادرًا وصوته محمّل بالغضب:
- حسيـن.. لازم تيجي بسرعة.. ابنك عمل مصيبة وأنا مش هقدر أتدخل.. مستحيل أاتجمع مع عثمان البحيري في مكان واحد تاني.. لازم ترجع فورًا.. عثمان مش ها يسيبه!!!
**قصر آل"البحيري" ...**
الحديقة واسعة وهادئة.. أشجارها الكثيفة تتناثر حول البقعة الكبيرة المخصصة للجلوس.. يجلس كلًا من "حسين عزام" و "مراد أبو المجد" في جو مشبّع بنسائم باردة.. وأصوات خفيفة للرياح التي تتسلل عبر أوراق الأشجار.
الصمت لا يزال قائمًا بينهما.. "حسين" شاحب الوجه.. وعيناه محمّلتان بشيءٍ من القلق المستمر.. أمامه فنجان من القهوة لم يلمسه منذ فترة.. بينما "مراد" يجلس على المقعد المقابل له.. ينظر إلى الأرض لبعض الوقت.. ثم يرفع رأسه وينظر إليه.
يقول بصوتٍ هادئ.. لكنه محمّل بالجدية:
- عارف يا حسين.. لو كنت في مكانك.. كنت هاعمل زيك بالظبط.. لمى بالنسبة لي مش مجرد بنت مراتي.. دي بنتي.. أنا مقدّر لهفتك عليها.
يتنهد "حسين" بثقلٍ.. يحرّك فنجان القهوة ببطءٍ دون أن يشرب وهو يقول:
- أنت عارف إني مش هقدر أشوفها زي ما أنت بتشوفها.. لكني لسا عايز أعرفها.. عايز أشوفها لو حتى مرة في السنة.. أقضي معاها شوية وقت.. قبل ما العمر ينقضي وما كنتش سبتلها أي ذكرى حلوة تفتكرني بيها.
يبتسم "مراد" بحذر.. يحاول أن يخفف التوتر بينهما قائلاً:
- إحنا نقدر نعمل كده.. ماتقلقش.. طالما هي اقتنعت ووافقت تدي لك مساحة في حياتها يبقى لا أنا ولا إيمان هانعترض على قرارها.. أنا أقدر أرتب لك زيارات في الإجازات.. سواء تسافر لها أو هي تيجي لك.. مش هامنعك.. أنت بردو جدها.
ينظر إليه "حسين" مبتسمًا بامتنانٍ.. يقول محاولًا إخفاء مشاعره المتضاربة:
- أنا عارف إنك بتعتبرها زي بنتك.. وصدقني.. أنا سعيد جدًا إن ربنا عوّض لمى بأب تاني زيك.. يمكن أبوها لو كان عايش ما كانش حبها واهتم بيها أوي زيك كده.. أنا مش عارف أشكرك إزاي.. بجد على كل حاجة عملتها مع لمى.
رمقه "مراد" بنظراتٍ ثابتة.. وقال بهدوءٍ:
- ما فيش داعي تشكرني يا حسين.. أنا مش بعتبر لمى بنتي.. لأ هي بنتي فعلًا.. يمكن ماجتش من صلبي.. لكن أنا اللي ربّيتها.. فهي بنتي.
تلتمع عينيّ "حسين" بطبقةٍ بسيطة من الدموع.. في نفس اللحظة يدق هاتفه فوق الطاولة لجزء من الثانية.. يشير "مراد" بيده إلى هاتفه المحمول قائلاً:
- الماسدج دي جاية من عندك... ممكن ترد ما فيش مشكلة.
يتنهد "حسين".. ثم يلتقط هاتفه.. ينقر على الرسالة الصوتية التي تصل إليه من رقم "نبيل" شريكه وزوج ابنته.
الصوت يبدأ يظهر ببطء.. ثم يتضح جليًا في لحظة: "انت فين يا حسين.. رد عليا.. كلمني فورًا لما تسمع الرسالة.. ابنك حياته في خطر.. ابنك اغتصب بنت.. ومش أي بنت.. فاكر عثمان البحيري اللي حكت لك عنه زمان؟ البنت دي تبقى أخت مراته.. عثمان هنا في دبي.. تعالى إلحق ابنك يا حسين".
استمع "حسين" إلى الرسالة بصمتٍ.. عينيه تتسعان بصدمة ما إن يسكت صوت "نبيل".. بينما "مراد" الذي صادف وتمكن من سماعها برفقته حاله لا يقل ذهولًا عن الأخير.
الموقف يصبح مشحونًا بشكلٍ مفاجئ.. "حسين" يقف فجأة من مكانه.. يده ترتجف وهو يضع الهاتف بجيب سترته.
أما "مراد" يشعر ببطنه يلتوّي من هول الخبر واستعادة جزء خاص من ماضيه مع ذات الشخص.. الذي اعتدى على "ملك".. "ملك" ابنة "عثمان البحيري".
يتطلّع "مراد" إلى "حسين" قائلاً بصوتٍ خفيض:
- المرة اللي فاتت ابنك رجع لك مسجون.. لكن المرة دي صدقني.. ابنك ميت يا حسين.
يبتعد "حسين" عن الطاولة بسرعة كمن لدغه العقرب.. وجهه ملييء بالصدمة والغضب.. "مراد" يظل جالسًا.. مشدوهًا.. يحدق في الهواء كما لو كانت الرسالة الصوتية التي سمعها لا تعني شيئًا حقيقيًا.
كان "مراد" يتخيل الموقف.. الآن فقط أدرك حقيقة سفر صديقه المفاجئ.. لكنه لم يستوعب الصدمة حتى الآن.
- لازم أرجع! .. هسّ "حسين" من بين أسنانه.. وأكمل:
- مش هاسمح لعثمان يعمل كده... ولا هاسمح لحد يمس ابني!!!
ثم يبدأ في التحرك بسرعة.. يغادر القصر ركضًا.. بينما "مراد" يظل كما هو.. عاجزًا عن الحركة للحظة.. صدمته أكبر من أن يصدق ما سمعه.. إنه بحاجة لبعض الوقت فحسب.
يقف فجأة.. كأن الجسد يرفض استيعاب الواقع.. خطواته غير ثابتة.. وعقله يطير بين التفكير في "عثمان" وبين الاعتداء المريع الذي وقع على "ملك".. الطفلة البريئة.
لقد دنّسها ذلك الوغد.. ما كان عليه أن يتركه حيًا فيما مضى.. هذه الغلطة تسببت اليوم بتدمير حياة فتاة لم تبلغ الحلم بعد.. الحقير.
يرتجف "مراد" من قمة الغضب وهو يخرج هاتفه من جيب سرواله.. قلبه ينبض بسرعة.. وعقله لا يزال في دوّامة من الأفكار.. يداه تتعرقان وهو يضغط على رقم صديقهما الثالث والذي كان ضلعًا في ذات الموقف قبل سنواتٍ خلت.
وضع الهاتف على أذنه في انتظار الرد.. بينما كل ثانية تمر تزيد من تعقيد الأمور في عقله.
- أفندم يا مراد!
رد "رامز" بلهجته اليائسة المتكاسلة.
أجابه "مراد" بصوتٍ حاد وصارم في آنٍ:
- رامز.. عندك فرصة واحدة بس عشان تثبت لعثمان إنك جدير بشمس.. لو مهتم.. قابلني بعد ساعة في مطار برج العرب!
**في شقة فاخرة قام باستئجارها سلفًا ..**
الأضواء خافتة تنير كل زاوية.. المكان نظيفٌ ولامع.. "عثمان" يدخل الشقة حاملاً "ملك" بين ذراعيه.. بينما هي متمسكة به بشدة.. وكأنها تجد فيه أمانًا بعد ما مرت به من ألمٍ.
أغلق الباب خلفه بركلة قدم.. خطواته ثقيلة على الأرض.. تحمل مشاعر مختلطة من الغضب والألم والقلق.
دخل الغرفة الرئيسية على مهلٍ.. وضع "ملك" على السرير بلطفٍ.. نظر إليها لثوانٍ.. وكان قلبه يتألم من الداخل.. لكن وجهه كان مفعمًا بالقوة والتصميم.
لقد أخرجها من عيادة الطبيب على مسؤوليته الشخصية.. لم يغامر بإبقائها حيث يمكن لـ"فادي" أن يجدها.. لن يسمح لمخلوقٍ بأن يمسّها ما دام هو حيًا ويتنفس.
"ملك".. التي كانت شاحبة الوجه.. وعيناها مليئتان بالدموع.. لا تستطيع حتى أن ترفع عينيها إليه.. كانت خجلة.. وكأنها تحمل عارًا لا يستحق أن يتعامل هو معه نيابةً عنها.
أحسّ "عثمان" باضطرابها.. فقال بصوتٍ خافت.. لكنه ملييء بالعزم:
- ماتخافيش يا ملك.. أنتِ هنا معايا في أمان.
يومين بالكتير و هانرجع مصر.. ومحدش بعدها ها يقدر يلمسك أو يقرب منك.
يمسك يدها بحذرٍ.. ثم يقبّل كفّها بأبوّة.. كأنه يريد أن يطمئنها أكثر.. "ملك" رغم أنها كانت مكسورة.. إلا أن لمسته كانت مثل طوق نجاة لها.. ومع كل قبلة على يديها.. كانت تهدأ قليلاً.. لكن دموعها لم تتوقف.
فجأة.. تنهار بالبكاء.. يخرج منها صوتٍ مكتوم وكأنها تحمل كل الألم في قلبها.
- أنا آسفة!
غمغمت "ملك" بصوتٍ ضعيف.. وتابعت:
- آسفة إني خيّبت أملك فيا... أول مرة بالطريقة اللي سبتك بيها قبل ما أسافر.. ومرة تانية دلوقتي لما حصل اللي حصل... وأنا مش عارفة أرجع كل حاجة زي ما كانت.
ينخفض "عثمان" بجسده بجانبها.. يمسح على شعرها برفقٍ.. وكأن قلبه يعتصر من الألم.. هو نفسه يتألم من داخله.. لكنه يحاول أن يكون القوة التي تحتاجها هي الآن.
يهمس لها بصوتٍ هادئ.. ملييء بالعطف:
- دي مش غلطتك يا ملك.. ده غلطتي أنا في الأول.. أنا اللي سيبتك.. وأنا اللي فكرت إنك ممكن تكوني في أمان بعيد عني... وفكرت إن أخوكي هايحميكي وياخد باله منك.. ودي كانت غلطة كبيرة مني.. دي كمان غلطته هو... غلطته بالنسبة لي أكبر لأنها هي اللي دمرتك.
مسح على شعرها مجددًا.. كان يحاول أن يخفف عنها.. كأن كلمة واحدة منه قد تكون مفتاحًا لتخفيف معاناتها.
يردد بصوتٍ حاسم:
- لكن حقك مش هايروح.. أنا مش هاسيب حقك.. مهما كان التمن.. هاجيب لك حقك.
تظل "ملك" تبكي في صمتٍ.. كانت مشاعرها مختلطة.. لا تعرف كيف توازي بين الألم والراحة التي وجدتها في وجوده.. لكنها كانت بحاجة للكلمات.. وكانت تحتاج لوقت لتستجمع نفسها.
اقترب "عثمان" منها أكثر.. وضع يده على ظهرها بهدوءٍ ليحتويها في حضنه.. كأن جسده أصبح الحاجز بينها وبين كل شيء سيء مرت به.
همس في أذنها مطمئنًا:
- ششششش.. كفاية بكى.. ماتخافيش.. أنتِ معايا هنا.. وماحدش يعرف مكانك.. وماحدش هايمسّك تاني طالما أنا موجود.. كل حاجة هاتكون تمام.. وعد مني.
في تلك اللحظة.. بدأت "ملك" تشعر بالطمأنينة التي كانت تفتقدها.. كلمات "عثمان" كانت كالملاذ الذي تحتاجه.. وحضنه كان يشعّ بالأمان.. رغم إنها كانت لا تزال تتألم جسديًا ومعنويًا.. لكنها بدأت تهدأ.. وأخذت وقتًا لتستعيد قوتها.
يستطرد "عثمان" بصوتٍ جاد.. فيه لمحاتٍ من الهدوء:
- لازم تحكيلي كل حاجة يا ملك.. أنا محتاج منك تحكيلي.. معاكي واحدة واحدة.. مش هاسيبك قبل ما أعرف كل التفاصيل.. أنتِ سمعاني؟ .. معاكي طول الليل.
برغم الألم الذي لا يزال يعتصر قلبها.. شعرت "ملك" بثقل الطلب.. لكن وجوده بجانبها بدأ يمنحها الشجاعة.
ترفع عينيها إليه.. تلامس نظرته بحذرٍ.. ثم تغمض عينيها.. وتحاول أن تسيطر على دموعها.
وتبدأ تسرد ما حدث.
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم مريم غريب
عاد "حسين عزام" إلى "دبي" بعد رحلة استغرقت أربع ساعاتٍ تقريبًا. كان الوقت قريبًا من الفجر، والمدينة ما زالت هادئة تحت أضواء الشوارع الخافتة. دخل بيته بخطواتٍ ثقيلة، وحقائبه تُحدث ضوضاء على البلاط. ألقى بنظرةٍ سريعة حول المكان، يبحث عن ابنه. البيت كان صامتًا بشكلٍ غريب، ممّا زاد من حدة توتره.
التقط هاتفه مجددًا واتصل بـ"مالك". انتظر بثقلٍ حتى جاء الرد.
"-ايوة يا بابا!" رد "مالك" بلهجةٍ باردة، كأن الأمر لا يعنيه.
باغته "حسين" محاولًا كبح غضبه: "-مالك.. انت فين؟"
بضحكة قصيرة ساخرة جاوبه "مالك": "-انا في حتة بعيدة شوية.. ليه.. وحشتك؟"
شد حسين على الهاتف كأنه يمسك برقبة ابنه. كان يسمع عبر الخط أصوات جلبة من حول ابنه، صيّحات الرجال وضحكات النساء الخليعة. غمغم بصوتٍ منخفض لكنه ينذر بعاصفة من الغضب: "-ما تستهبلش.. نبيل كلمّني.. انت فاهم المصيبة اللي انت عملتها؟"
رد "مالك" بلامبالاة قاتلة: "-لا مصيبة ولا حاجة.. اللي حصل حصل.. خلاص.. مش هاقعد أبرر نفسي لأي حد."
ارتعش "حسين" من شدة الانفعال، ثم قال بصوتٍ مرتجف لكنه ملييء بالغضب المكبوت: "-انت عارف مين عثمان البحيري؟ عارف انك بتلعب بالنار؟ ده مش مجرد راجل اعمال.. ده دولة لوحده.. تعالالي عشان نحاول نصلح المصيبة اللي عملتها."
"-انت لحد دلوقتي مش فاهم اني مابقتش أخاف؟ كلامك ده مش هايأثر فيا.. كان ممكن قبل ما اعدي بكل اللي فات!"
ينفجر "حسين" غاضبًا: "-مــالك.. ارجع البيت حـالًا!!!"
مالك بلهجةٍ متحدّية: "- هارجع لما يجيني مزاجي.. لحد ما يحصل.. خلّي بالك من نفسك يا بابا."
وأغلق الخط.
وقف "حسين عزام" وسط غرفة المعيشة، يده ترتجف وهو ينظر إلى الهاتف الذي أُغلق بوقاحة في وجهه. ألقى بالهاتف على الطاولة بعنفٍ، ثم جلس على الأريكة ممسكًا رأسه بيديه. عيناه انسابت تلقائيًا نحو إطار حمل صورة قديمة لـ"مالك" وهو طفلٌ صغير، يضحك ببراءة لم يعد لها وجود.
أخذ نفسًا عميقًا، لكنه لم يستطع تهدئة ثورته الداخلية. تمتم "حسين" بصوتٍ خافت لنفسه: "-ايه اللي حصل لك يا مالك؟ ايه اللي وصّلك للمرحلة دي؟"
***
يجلس "عثمان البحيري" بجوار "ملك" فوق السرير العريض، يعينها على التنفس بعد أن أنهت سرد قصتها المروّعة. كان قلبه يؤلمه كلّما سمعها، وكل كلمة كانت تلتهم روحه من الداخل. كان يحاول جاهدًا أن يكون صبورًا، صلبًا، وكأنه الحائط الذي لا يمكن أن يتساقط.
لكن في قلبه كان هناك شيء يعصره. غضبٌ عارم يتوق لصبّه في أسرع وقتٍ على ذلك الوغد، وحزنٌ عميق على تلك البراءة التي فقدتها "ملك". كيف يمكن لرجل أن يفعل بفتاة ذلك؟
حتى هو لم يفعلها بـ"سمر"، ولم يفكر قط بإجبارها على أيّ شيء منذ عرفها. إن روحه تحترق لأجلها بقدر ما يغلي قلبه من الغضب على من تجرأ عليها. لم يشغله الآن سوى التفكير في كيف سيكون انتقامه؟ كيف سيكون ردّه على تدنيسها هي، ابنته، صغيرته؟
لكن مع مرور الوقت، بدأ يحس بشيء غريب في تصرفات "ملك" بينما كان مستغرقًا في أفكاره. كانت رأسها لا تزال على صدره، لكن قبضتها حول يده أصبحت أقوى. حركتها بدأت تتغيّر. كان يشعر بنبضاتها التي تتسارع، وشعورٌ غير مريح يطرأ على قلبه. هناك تحوّل في الأجواء، لا يستطيع أن يفسّره، لكنه شعر به بوضوحٍ. شعورٌ غريب، كأنها تبحث عن شيء آخر، شيء لم يكن موجودًا من قبل، أو ربما كان هو مجرد شعور بالهروب من الألم بأيّ وسيلة!
"-عثمان!" همست منادية إيّاه بصوتٍ مرتعش، ويدها تمتد نحو ذراعه. كان صوتها منخفضًا، ولكنها كان يحمل الكثير من المناجاة المعذّبة. كان كأنها تطلب منه الأمان، الدعم، أو ربما حتى الخلاص.
تابعت بصوتٍ مختنق، ملأ الأجواء بالحزن والضعف: "-انت الوحيد اللي ممكن يوقف كل ده."
كانت يديها تتحركان على صدره، وأصابعها تشد على قميصه كما لو كانت تحتاج له ليمنحها شيئًا لم تعد قادرة على إيجاده في نفسها. تتوسل إليه أن يراها، أن ينقذها، أن يفعل شيئًا يوقف هذا الألم.
تجمّد "عثمان" في مكانه. شعر بيديها التي كانت تتشبث به أكثر، وكأنها تعجز عن التراجع، وكأنها تراه الحل الوحيد لما يعتصرها من ألمٍ. كفيّها على جسده بلا حراكٍ، أنفاسها تقترب من أنفاسه، وتبادل الهواء بينهما أصبح شيئًا ملموسًا. كان كما لو أن الأرض تتحرّك فجأة تحت قدميه.
عيناه على وجهها، على تلك العيون التي أصبحت تشبه عيون "سمر" في لمحاتٍ صادمة. للحظاتٍ شعر بالاختلاط بين الحقيقة والوهم. يتذكر كيف كانت "سمر" تبتسم له، وكيف كانت عيناها الخضراء تشع بالكثير من الدفء، وكيف كانت تلك العينين تُطمئنه في أوقات الشدائد. لكنه كان يعلم بأن "ملك" ليست "سمر"، وأنها لا تحمل نفس الذاكرة، ولا نفس الروح.
ومع ذلك، كانت "ملك" تقترب منه أكثر، حتى كاد جسدها يتلامس مع جسده. يديها على ذراعه كما لو كانت تبحث عن الدعم، عن المساعدة.
همست له بصوتٍ ضعيف وعينيها تغرغران بالدموع: "-عثمان.. انا مش قادرة اتحمل اكتر من كده."
كلماتها تثقل قلبه، لكن نظراته كانت تركز على يديها التي لا تزال متمسكة به، وعلى تقارب جسدها الذي بدأ يشعر به بوضوحٍ. لكنه حينما نظر في عينيها، مجددًا تذكر "سمر"، وتذكر بأنها ليست هي. في تلك اللحظة شعر بحاجز نفسي بداخله، وكأن شيئًا ما يجب أن يظل ثابتًا بينهما، رغم مشاعره المتضاربة.
لكن "ملك" لم تتوقف، بل استمرت في الاقتراب أكثر. يدها تلامس صدره برقة، تحاول أن تجد طريقًا للأمان في قلبه وهي تستطرد: "-محتاجاك يا عثمان... مش هقدر اعيش لوحدي.. من وقت ما مالك عمل فيا كده.. مافيش حاجة هاترجعني زي الاول.. انت اللي ممكن تمحي كل ده!"
كان صوتها يفيض بالرجاء، وكأنها تستعطفه أن يكون الشخص الذي يغيّر حياتها، أو على الأقل أن يكون الشخص الذي يوقف الألم في قلبها.
شعر "عثمان" بأن قلبه يعتصر من الألم. كان يراها ضعيفة، كان يراها تبحث عن شيء لأول مرة لا يستطيع أن يمنحها إيّاه. لكن كان هناك شيء بداخله، شيء لا يمكنه تجاوزه.
فجأة، انتابه توتر عميق وهو يرتد قليلًا إلى الوراء، تجنّب أن تلتصق يدها به أكثر، وأمسك يديها برفقٍ ليبعدها عنه.
"-انا هقوم اعملك حاجة دافية تشربيها!" قالها بلطفٍ راسمًا ابتسامة خافتة على ثغره.
ونهض بغتةً، بالكاد اتخذ خطوة للأمام بعيدًا عنها، إلا إنه سمع شهقتها المكتومة، فاستدار ناحيتها.
"-انتي كويسة؟" سألها، وصوته كان يحمل نبرة حانية، لكنه كان متحفظًا.
خفضت "ملك" عينيها، ثم همست بصوتٍ مكسور: "-ممكن تفضل معايا شوية؟... انا مش عايزة اكون لوحدي!"
هنا تأكد "عثمان" من شكوكه حول ما يدور بعقلها. لكنه تماسك. كان يعلم بأن ما تحاول أن تفعله قد يقوده إلى مكان لا يستطيع العودة منه.
تكلّم بهدوءٍ وهو يحاول أن يظهر لها بأن محاولاتها للتقرّب منه قد تكون خطرًا عليها أكثر من كونها علاجًا: "-انا هنا عشانك.. بس مش لازم نزيد الامور تعقيد."
ترفع "ملك" رأسها فجأة، ترمقه بنظرةٍ مليئة باليأس والألم. كانت كل نظرة منها تقول له إنها لا تستطيع أن تتحمل الابتعاد عنه أكثر.
ردت عليه بصوتٍ مهزوز: "-عثمان... انا مش قادرة.. لولاك كنت خلاص.. كنت ضعت.. لكن لما شوفتك و رجعت لي حسيت اني ممكن ابقى كويسة.. انا مش قادرة اعيش كده.. كنت عايزاك جنبي من الاول... و مش عايزة اقول انك انت اللي خليتني اضيع لما اتخلّيت عني..."
أحس "عثمان" بشدة الألم في كلماتها، وعينيه امتلأت بتأثرٍ عميق، لكن في نفس الوقت، يحرص على أن تدرك بأن هذا الوضع مستحيل.
"-انا آسف يا ملك.. بس ماينفعش!" قالها وهو يقف بعيدًا عنها، محاولًا أن يبدو حازمًا رغم تعاطفه الكبير معها. وتابع: "انتي في نظري زي بنتي.. و انا بحبك زي ما بحب ولادي بالظبط.. و عارف انك بتحبيني.. لكن حبنا مش هايكون زي اللي انتي عاوزاه."
تمتمت "ملك" بكلماتٍ غير مفهومة، ثم انفجرت في بكاءٍ مرير. عينيها ملؤها الدموع التي تدفقت بلا تحكمٍ. كانت تحاول بأن تجد أملًا في أيّ شيء، حتى لو كان هذا الشيء هو "عثمان" نفسه.
"-مستحيل!" قالتها وهي تبكي بحرقةٍ، وأكملت: "-انت مش فاهم.. انا مش هقدر انسى اللي حصل لو انت مش معايا.. مالك عمل فيا حاجات لو صممت تبعد عني.. هاتبقى باقية معايا للأبد.. انت الوحيد اللي ممكن تمحي اللي عمله فيا."
أغمض "عثمان" عينيه لحظة، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقترب منها بهدوءٍ شديد قائلًا: "-ملك... اللي انتي حاسة بيه ده مش حقيقي.. اللي انتي حاسة بيه دلوقتي ده مالوش اي اساس.. انا عارف انك مش متزنة.. عارف انك لسا موجوعة و وعدتك اني هاجبلك حقك.. لكن انك تفكري تاني في نفس الغلطة اللي فرقت بينّا.. بين اب و بنته.. دي حاجة مش ممكن اغفرها لك للمرة التانية.. غير المرة دي بس عشان انا عارف انك لسا مش في وعيك يا حبيبتي."
رفعت "ملك" عينيها إليه، وكانت دموعها تتساقط بشكلٍ غير متوقف، لكن شيئًا في حديثه بدا وكأنها بدأت تستوعب جزءًا من الحقيقة، لكنها لم تكن مستعدة للاستسلام بعد.
"-انت ليه بتعمل فيا كده؟" قالتها باكية، وكأنها تتوسل منه أن يكون الشخص الذي ينقذها. "انت مش قادر تحس بيا.. مش قادر تحس بوجعي!"
تقلّصت ملامح "عثمان" ألمًا لأنه رأى معاناتها بالفعل تتجلّى عليها كليّةً. جذبها بلطفٍ من ذراعها، ثم رفع وجهها إليه بحذرٍ. كانت غارقة في الحزن، بينما كان هو يحاول أن يكون أقوى من أي وقتٍ مضى، لأنه الآن يواجه أصعب اختبارات حياته.
"-ملك!" قالها بصوتٍ منخفض، وعينيه مليئة بالعطف والصدق. لكن لم يكن فيهما أيّ خلط بين المشاعر، فقط أبوّة خالصة. "-يا حبيبتي.. انا لو كنت اتمنيت حاجة واحدة في حياتي و لحد اللحظة دي بتمناها و عارف انها مش ممكن تحصل.. فهي انك تكوني من دمي.. من صلبي.. و على اسمي.. ليه؟ .. لأن انا اللي ربّيتك.. انا اللي اهتميت بيكي من و انتي لسا طفلة رضيعة.. مابخلتش عليكي بأي حاجة بملكها ماديًا او معنويًا.. انتي يا ملك كلك على بعضك تخصّيني انا.. انتي تربيتي و استثمرت فيكي حبي و اهتمامي و توجيهاتي.. بعد ده كله مش فاهم ايه ازاي فكرتي فيا بالشكل ده.. كنت بقول يمكن عشان انا لسنين طويلة فضلت الراجل الوحيد في حياتك.. كنت بخاف عليكي و محاوطك دايمًا.. جايز اهتمامي الزايد خلّاكي تتوّهمي حاجات مش حقيقية.. جايز.. بس لازم تفوقي دلوقتي.. انا بحبك.. لكن مش بالطريقة دي.. و بقولها لك تاني.. انتي بنتي.. و مافيش حاجة هاتخليني اغير ده."
كانت تستمع إليه كالمشلولة، لا تعرف ماذا تقول. كانت هناك فجوة واسعة بين ما تريده وما هو ممكن. كانت عاجزة عن التوقف عن التفكير في كيفية إغلاق هذا الجرح الذي أحدثه "مالك" في حياتها. تريده أن يندمل مهما كان الثمن.
لكن "عثمان" ظل ثابتًا، وأعاد كلمات أخرى رنّت في أذنيها بهدوءٍ: "-انا مش عايزك تجبريني اسيبك تاني.. انا جنبك و دايمًا هاحميكي و زي ما وعدتك مستحيل أي حاجة تانية وحشة ممكن تحصل لك طول ما انا عايش.. لكن يا ملك.. لو فضلتي مصرّة على اللي في دماغك.. هانفذ كل وعودي ليكي.. بس و انتي بعيدة عني.. فكري كويس.. و اختاري.. يا تبقي بنتي و ترجعي لحضني.. يا تفضلي عايشة في الوهم بعيد عني."
ثم تركها بهدوءٍ رافعًا يديه عنها. نهض و هو يبتعد خطوة خطوة حتى خرج من الغرفة، بينما "ملك" التي لا تزال تبكي، في مكانها، تائهة في مشاعرها التي لن تجد لها مخرجًا قريبًا. لقد تركها ممزقة بين الألم والحقيقة التي لا تستطيع أن تتقبلها. الشيء الوحيد الذي أدركته هو أن الأشياء التي كانت تأمل أن تكون أكثر من مجرد أحلام، هي في الحقيقة حدود لا يستطيع تخطّيها، حتى وإن كانت مشاعرها تدفعها لذلك.
***
تخرج "هالة البحيري" من البيت في هذه الليلة الباردة، والهواء قارس يتسلل بين ملابسها كأنما يحاول أن يلامس كل شيء في داخلها. شدّت المعطف الجلد حولها بإحكامٍ وسارعت خطاها. كلّما ابتعدت أكثر عن المنزل زاد القلق في صدرها. الوقت كان يمر ببطءٍ، لكنها كانت تعرف جيدًا أين سيذهب. "فادي" لم يكن ليغادر إلى أيّ مكانٍ آخر غير ذلك المكان الذي تعلمه جيدًا، وتعرف بأنه لا يرتاح إلا به في الأوقات الصعبة أو عندما يضيق صدره.
بعد دقائق من السير في الشوارع الهادئة التي بدت و كأنها تعكس نفس شعورها بالضياع، اقتربت "هالة" من المكان الذي طالما شهد العديد من لحظاتهما المشتركة. كان البحر أمامها، ولكن على بُعد خطواتٍ رأته. رأته عند المقاعد الخشبية المخصّصة للناس الذين يحبون الجلوس بعيدًا عن ضجيج الحياة. وبينما اقتربت منه ببطءٍ، لاحظت بأنه جالسًا هناك، شاردًا في شيءٍ بعيد عن الواقع. نظراته غارقة في أفكاره، وبين سكون الليل، كانت هناك لمحة من ألمٍ مكبوت. شيء ما داخلها كاد أن ينفجر. اقتربت أكثر، لمحت دموعه المحبوسة في مقلتيه، لكنها تماسكت، لا تريد أن تترك نفسها لتنجرف مع المشهد.
سارت إليه بخطواتٍ حذرة، ثم توقفت للحظة قبل أن تلمس كتفه برفقٍ. كان كل شيء في ذلك الحين صامتًا، كما لو كان الوقت قد توقف ليكون شاهدًا على هذا الموقف المثخن بالحزن.
ينتبه "فادي" لها ببطءٍ، ثم يرفع رأسه ليواجهها. عينيه غارقتين في صمتٍ طويل. تبتسم "هالة"، لكن ابتسامتها تخفي شعورًا عميقًا من الحزن وتقول بصوتٍ مبحوح: "-ايه يا حبيبي.. ازيك دلوقتي؟"
تجلس بجواره ببطءٍ، ثم تنظر إليه و كأنها تزن الكلمات: "-انا كنت خايفة عليك.. بس كنت عارفة انك هتكون هنا."
بعد صمتٍ قصير، يرد "فادي" بصوتٍ منخفض، لا يزال شاردًا في المسافات البعيدة: "-كنت عايز ابقى لوحدي شوية."
تزداد حركة الأمواج الثائرة في الأفق الممتد، بينما تبدو على وجهه علامات الصراع الداخلي، وكأن الكلمات تتصارع في داخله. تحاول "هالة" أن تمتص شحنة القلق في صوتها، تبدأ الحديث بهدوءٍ شديد: "-انا عارفة انك مضايق... ممكن مضايق مني اكتر.. حبيبي.. مش جاية عشان ألومك او اقولك حاجة تزعلك.. لكن ارجوك حاول تفهمني.. انا عاشرتك و فهمت طبعك.. ملك كانت في خطر اصلا.. و لو كنت قلت لك حاجة عنها كنت هاعرّضها لرد فعل منك اكيد مكانتش هاتتحمّله.. انا واثقة و متأكدة انك مش ممكن تئذي اختك.. لكن الأذية مش بس أفعال يا فادي.. ملك مش هاتستحمل تسمع كلمة.. ملك مدّمرة..."
يصمت "فادي" ثانيةً لفترةٍ طويلة. عينيه تلمعان بالدموع، ولكن ملامحه كانت جامدة وهو يتحدّث مرةً أخرى بلهجةٍ غليظة: "-انتي فاكرة ايه؟ انا للدرجة دي يعني واحد مالوش لازمة؟ ملك دي انا ماربتهاش.. ماعتش معاها اصلًا.. انا ماليش حقك في اختي.. و لا عليها يا هالة... و كمان مقدرتش احميها."
تلمس "هالة" يده برفقٍ، تهمس له كأنما تحاول أن تطمئن قلبه: "-هوّن على نفسك يا حبيبي.. دي مش غلطة حد.. لا انت و لا ملك.. كل انسان فينا معرّض يحصله كده و اكتر.. احنا مش في الجنة يا فادي."
فرّت دمعة من عينه، قال وهو يخفيها سريعًا: "-انا... انا فشلت في حمايتها.. زي ما فشلت مع سمر قبلها... مع اختي الكبيرة.. اخواتي البنات كانوا مسؤوليتي.. و مقدرتش اعمل لهم حاجة... عثمان البحيري هو اللي حماهم.. هو اللي شال مسؤوليتهم سنين على اكمل وجه.. و يوم ما طالبت بملك و صممت اخدها منه... ضاعت.. ضيّعتها بإيدي يا هالة... انهاردة بس اتأكدت ان سمر ماغلطتش زمان.. الغلطة كانت غلطتي انا... انا!!"
تأخذ "هالة" نفسًا عميقًا. تقترب منه أكثر، وتربت على كتفه بحنانٍ متمتمة: "-محدش غلطان.. انت مش لوحدك يا فادي.. و لازم تعرف اننا مش بنشيل الحمل لوحدنا.. احنا مع بعض.. و دي اهم حاجة... انا هنا عشانك.. و هفضل جنبك مهما كان... انا بحبك."
ندت عنه زفرة مطوّلة مثقلة بمشاعر عجز عن تحمّلها أكثر من ذلك. وضع يده على وجهه وأغمض عينيه، وكأن كل شيء على وشك الانهيار.
في تلك اللحظة، كان الزمن و كأنما قد توقف مرةً أخرى، واختلطت الدموع بالبرد في جوٍ مفعم بالمرارة. لكن "هالة" كانت تعلم بأنها الوحيدة القادرة على تهدئته. ابتسمت مرةً أخرى، ثم وضعت يديها حوله في حضنٍ دافئ لم يكن له سوى معنى واحد: "أنها لن تتركه أبداً".
***
كان الضوء الصباحي يتسلل عبر الستائر، يلوّن المكان بتدرجاتٍ دافئة. استفاقت "ملك حفظي" على آلام جسدية وعاطفية تختلط في داخلها، كأن كل شيء في جسدها يعترض على ما مرّت به. حاولت أن تستجمع نفسها، لكن قلبها كان يواصل خفقانه بسرعة، والعقل لا يزال عالقًا في اللحظات المظلمة من الليلة السابقة. أغمضت عينيها مجددًا وتركت نفسها لأفكارها لبعض الوقت.
كانت تتذكر كيف حكت له عن ما حدث، عن اعتداء "مالك عزام" عليها، وكيف كان هو يستمع إليها بهدوء مريب، بينما كانت هي تغلي من الداخل. كانت تحاول أن تلمس شيئًا في قلبه، شيئًا يخفف عنها، لكنها شعرت دائمًا بأن المسافة بينهما أكبر من أن تُجسر.
رغم أن "عثمان" كان ينظر إليها كابنة له، كانت "ملك" ترى فيه شيئًا آخر. في البداية، كان لها كل الحق في أن ترى فيه شخصًا صالحًا للجوء إليه في لحظات الضعف، شخصًا يملك الحكمة والرعاية التي تفتقدها. لكن مع مرور الوقت، وتكرار لحظات التقارب العاطفي بينهما، بدأت مشاعرها تنمو وتتحوّل إلى شيءٍ أعمق، وأقل براءة.
كانت "ملك" في البداية ترى في "عثمان" الرجل الذي يشبه الأب في حضوره. كان دائمًا موجودًا ليحميها، يوجّهها، ويعطيها الشعور بالأمان على كافة الأصعدة. كان يتعامل معها بحذرٍ وحب أبوي، يبدي اهتمامًا بالغًا بكل تفصيلة صغيرة في حياتها، متابعًا لنجاحاتها، يشاركها همومها، ولا يكف عن توفير الحماية التي تحتاجها.
لكن شيئًا ما في هذا الاهتمام كان يثير في قلب "ملك" شيء أكبر من مجرد شعور بالراحة. كان قلبها يرفرف كلّما اقترب منها، وكان يزداد هذا الشعور عمقًا بمرور الوقت. كان كل ما يفعله "عثمان" من اهتمام زائد، إلى ابتساماته الهادئة التي تلمع في عينيه، يزيد من احتياجها لرؤية تلك اللمسات من الحنان في كل لحظة. وكلّما حاولت أن تتجاهل هذا التوق، كان يزداد إحساسها بالعجز أمامه. كانت تراه الشخص الذي لا يمكنها التوقف عن التفكير فيه، واللحظة التي يبتسم فيها لها أو ينظر إليها باهتمامٍ كانت تشعل في قلبها شعلة من الرغبة، وتعزز لديها شعورًا بالغرق في مشاعرها.
ومع الوقت، بدأت "ملك" تدرك بأنها لا تريد أن تظل مجرد الابنة بالنسبة له. كانت تتمنى لو كانت أكثر من ذلك، لو كانت هي من تشغل قلبه، لو كانت هي من يتمنى أن يقضي معها كل لحظة. كان توقها إلى أن تصبح "امرأته" أو حتى "شريكته" في الحياة، شيء غير منطقي وغير قابل للتحقيق، لكن القلب لا يستطيع دائمًا أن يميّز بين ما هو ممكن وما هو مستحيل.
كانت تشتاق لأن تكون هي من يشعر بها "عثمان" على هذا النحو، أن تكون هي التي يقرّبها منه في لحظات الشوق، أن تكون هي التي يقبّلها بحميمية ويمسح دموعها بقبلاته، أن تشعر بقوة حضنه بشكلٍ مختلف عن كل ما اعتادت عليه. هي لا تريد فقط أن تكون مصدرًا لاهتمامه كابنة، بل كانت تتمنى لو كانت هي التي يُشبع بها غريزته العاطفية والجسدية، وليست "سمر"، شقيقتها.
كانت خيالاتها تذهب بعيدًا في هذا الاتجاه، كانت تتخيّل نفسها في مكان "سمر"، تلك المرأة التي يستطيع "عثمان" أن يحبها بشكلٍ كامل، تلك التي يجد فيها الدفء والحنان والراحة، والتي يشعر أنه يتقاسم معها كل لحظة في حياته. كانت تتخيّل نفسها في مكانها، في تلك اللحظات التي يكون فيها "عثمان" قريبًا منها، يتحدث إليها بنبرة صوت مختلفة، تلك التي لا تجدها في كلامه معها كابنة.
لم تنفك يومًا منذ بلوغها واكتشافها عوالم العاطفة أن تتمنى لو كانت هي مكان "سمر"، لو كانت هي المرأة التي يراها "عثمان"، لو كانت هي تلك التي يشتهيها قلبه، التي يحتفظ بها في كل لحظة، تلك التي تملأ حياته بوجودها. كانت تتمنى لو كان ينظر إليها بنفس الطريقة التي ينظر بها إلى "سمر"، أن يكون هو من يهمس في أذنها بكلمات حب ورغبة، أن تكون هي من يشعر بالاهتمام العميق في عينيه. تمنّت لو كانت تتلقّى منه أكثر من مجرد الاهتمام البسيط الذي يُقدّمه لها كأب.
كانت هذه الرغبات تخبو في قلبها، لكنها تظهر كلّما اقتربت منه، كلّما شعرت بحضوره. كان كل شيء في جسدها يشتعل. كان هناك شيء في طريقة حديثه، في اهتمامه، في الطريقة التي يراعي فيها مشاعرها، يثير فيها أعمق مشاعر الشوق والرغبة. لكن ما كان يعذّبها هو أنها تعرف جيدًا بأنه لا يمكنها تحقيق هذا التوق، ولا يمكنها اقتحام حدود تلك العلاقة.
"ليه ماكنتش انا.. ليه؟" تساءلت في داخلها مرارًا، بينما قلبها كان يتألم من تلك الأفكار. لطالما كانت ترى "سمر" كأيقونة، امرأة لا تستطيع أن تُنافَس، وكانت ترى في نفسها مجرد ابنة، مجرد شخص موجود في حياة "عثمان" لمجرد أنه يحب أختها.
ورغم ذلك، لم تتمكن "ملك" من كبح مشاعرها المتضاربة. كانت تريد أن تقترب منه أكثر، أن يشعر بها كما يشعر بـ"سمر"، لكن خوفها من أن يرفضها (وهو ما حدث فعلًا)، أو من أن يظهر لها الحقيقة المرّة بأنها لن تكون أكثر من ابنة بالنسبة له، كان يشلّ حركتها.
الحقيقة المسلّم بها هي أن "عثمان البحيري" يحب سمر، ولطالما كان مخلصًا لها.
تنهدت وهي تحاول الهروب من أفكارها. تحرّكت قليلًا بمكانها، جسدها متعبًا، لكنه لم يكن وحده الذي يعاني. قلبها كان يئن من الندم والرغبة التي لا تجد لها مخرجًا. عينيها كانت مليئة بالدموع التي لا تنزل، وكأنها تحاول حبسها داخلها لكي لا يراها أحد.
نهضت من الفراش مترددة. قدماها الحافيتان لامستا الأرضية الباردة، لكنها لم تكترث. تنقّلت بخطواتٍ متثاقلة بين الغرف، تبحث عن "عثمان". لم يكن موجودًا داخل أيّ منها. وجدته هناك، بالمطبخ المفتوح.
واقفًا بظهره لها، ينهمك في تحضير شيء بسيط من الفطور. كان يرتدي نفس القميص الرماديّ الذي أغرقته بدموعها ليلة الأمس، وشعره بدا غير مرتب، كأنه لم ينم جيدًا. توقفت "ملك" عند عتبة المطبخ، تراقبه بصمتٍ. رغم هدوء المكان، كانت تشعر بأن كل شيء بداخلها يصرخ.
"-صباح الخير!" قالها "عثمان" بصوته الهادئ، دون أن يلتفت إليها على الفور. وأضاف بعد لحظة: "-تشربي قهوة معايا؟ و لا اعملك حاجة تانية مخصوص؟"
ردت بصوتٍ خافت وهي تهز رأسها نفيًا: "-شكرًا.. مش عايزة حاجة."
لم يُلقِ بالا لرفضها. أمسك بزجاجة العصير الموضوعة على الطاولة، وصب كوبًا ووضعه أمامها، ثم قال بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: "-لازم تشربي.. و اقعدي عشان هاتفطري كمان."
تقدمت ببطءٍ وجلست على الكرسي المقابل له. عيناها مثبتتان على الكوب أمامها. حاولت أن تستجمع شجاعتها، لكنها شعرت بأن الكلمات تتسرّب منها. كان هو من كسر حاجز الصمت مرةً أخرى. سألها دون أن ينظر مباشرةً إليها: "-ناوية تقعدي ساكتة؟ و لا عندك حاجة عايزة تقوليها؟"
رفعت رأسها بخجلٍ، وقالت بصوت متهدج: "-انا... آسفة يا عثمان.. ماكنتش اقصد اللي عملته امبارح... صدقني ما كنت في وعيي."
ثم نظرت إلى الأرض، وكأنها تخجل من أن تلتقي بعينيه، لكنه لم يرد على كلامها فورًا. كانت عيناه مثبتتين على كوب القهوة بين يديه، وكان يبدو بأنه يحاول السيطرة على مشاعره.
بعد لحظةٍ من الصمت، رفع نظره إليها وقال بهدوء: "-ملك.. انا عارف انك مريتي بتجربة صعبة.. اللي حصل لك ده... انا مش هاعديه.. بس كمان.. اللي حصل امبارح بينّا.. ماينفعش يتكرر."
كلمات "عثمان" كانت مثل القنبلة التي انفجرت في داخلها. كان حزينًا، لكنه في نفس الوقت كان حازمًا. شعرت "ملك" بالخجل الشديد، لكنها حاولت أن تبرر لنفسها ما حدث قائلة: "-بس يا عثمان... انا كنت لوحدي.. حسيت اني مش قادرة اواجه كل ده لوحدي.. كنت محتاجة حد يسمعني... و انت الوحيد اللي كنت موجود."
نظر إليها بعينيه الهادئتين، وابتسم ابتسامةٍ خفيفة، لكنه لم يناقش نفس الكلام بل قال: "-انا هنا عشان اساعدك.. لكن في حدود.. انا بحب سمر.. و هي مراتي.. و دي حاجة ما تتغيرش.. و انتي زي بنتي.. و انا مش هاسمح لحاجة زي كده تحصل تاني.. فاهمة؟"
شعرت "ملك" بغصّة في حلقها. هي كانت تحبه، لكن هو لم يكن يرى فيها سوى الابنة التي يحمى ويعطف عليها. كان من الصعب عليها تقبل ذلك، لكن كان عليها أن تتماسك.
"-فاهمة.. و دي اكبر نعمة في حياتي.. ارجوك ماتبعدنيش اكتر من كده.. مش قادرة اتخيّل الدنيا من غيرك.. او حتى من غير سمر."
قالت كلماتها بصوتٍ يكاد لا يُسمع، وكأن الأحرف تتناثر في الفراغ.
وقف "عثمان" ثم اقترب منها ببطءٍ، وضع يده على كتفها وقال بصوتٍ حنون: "-انا وعدتك.. دي مش النهاية.. انتي هاتبتدي من جديد.. و هاترجعيلي.. و ترجعي لأختك.. كل حاجة هاتبقى احسن من الأول."
ومسح على رأسها بعطفٍ. عاد إلى مكانه وجلس قبالتها من جديد. رفعت رأسها نحوه، شعرت ببعض الطمأنينة في صوته، وارتاحت قليلاً رغم الألم الذي لا يزال يعتصر قلبها. همست له: "-و انا بوعدك... مش هعمل أي حاجة تزعلك مني تاني.. المهم تفضل جنبي و ماتسبنيش ابدا... ده بس كل اللي بتمناه."
ارتشف "عثمان" رشفة من قهوته وبقيت تعابيره جامدة، ثم قال: "-محدش يقدر يمسّك تاني طول ما انا موجود يا ملك.. خلّصي العصير.. و بعدها جهزي نفسك.. هانرجع مصر قريب.. قريب أوي."
أطاعت بصمتٍ، تناولت الكوب وبدأت تشربه ببطء. في داخلها، كانت تحاول تصديق أن كل شيء يمكن أن يتحسن... ولو قليلاً!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم مريم غريب
خارج صالة وصول الميناء الجوي.. الجو الحار يلفح وجهيهما.. لكن بين ضوء الشمس اللاهبة.. كان هناك شيء أعمق داخل كل واحد منهما.. شيء بارد يربطهما ببعض رغم كل الخلافات التي نمت في قلوبهما مؤخرًا..
كان "مراد" يراقب المدينة من خلال نافذة السيارة التي يقودها "رامز".. غارقًا في أفكاره.. أحيانًا يشفق على "رامز" اليائس إلى حد ركضه لاهثًا وراء أي شيء قد يرضي "عثمان" عليه.. وأحيانًا يلومه على تهوره الذي أدى به إلى هذه المواصيل..
أما "رامز" فكان صامتًا.. لا يعرف كيف يواجه "عثمان" ولا كيف يواجه نفسه بعد كل ما حدث..
يبدد صوت "مراد" الهادئ شيئًا من الصمت بينهما:
- الفرصة دي مش هاتيجي تاني يا رامز.. لازم تثبت لعثمان إنك تقدر تتغير.. وإنك تقدر تكون جدير بشمس.
تتقلص ملامح "رامز" وهو يرد عليه بجفاف:
- وانت فاكر إنه هايسامحني بسهولة؟ ده عثمان... ده أكتر واحد عارفني كويس.. وعارف كل حاجة عني.. بس عنده.. أنا لو كنت مكانه ماكنتش سامحت بسهولة.
عبس "مراد" متأثرًا.. فطن أخيرًا إلى أن "رامز" قد عرف لب الخلاف بينه وبين صديقه.. وفي نفس الوقت تأكد من أن هذا الخلاف لن يدوم.. ما دام الأخير قد اعترف بذنبه في النهاية..
وصلوا أخيرًا إلى المكان الذي كان ينتظرهما فيه "عثمان البحيري".. كان يقف وحيدًا في زاوية من الممشى المجاور للساحل.. وجهه ثابت كما لو كان يصارع نفسه مع الأفكار التي تملأ عقله.. ملامحه لم تظهر أي علامة على الترحيب.. وكان الجو بين الثلاثة مشحونًا بكل أنواع المشاعر المتضاربة..
أدار "عثمان" وجهه نحوهما قائلًا بجفاء:
- جايين ليه؟
هتف "مراد" بهدوء.. محاولًا أن يضع الأمور في نصابها:
- بعد اللي سمعته لما كنت مع حسين عزام.. ماكنش ممكن أتجاهل الموضوع.. أنا أكتر واحد عارف مالك عزام.. ولولا اللي حصل لملك ماكنتش حكيت لك عمل إيه في إيمان زمان لما كان كاتب عليها قبل ما نتجوز.. أنا عارف إنك متعود تحل مشاكلك لوحدك.. لكن المرة دي مش هاسمح لك يا عثمان.. إيدي قبل إيدك الواد ده لازم ينتهي انهاردة.
يرفع "عثمان" حاجبيه في استنكار وهو يقول بنبرة قاسية:
- ده انت مش المفروض تكون هنا.. انت جاي عشان تتدخل في حاجات ما ليكش فيها يا مراد.. اللي فات بينك وبينه مات.. إنما اللي هايحصل انهاردة ده بتاعي أنا.. وأنا اللي مش هاسمح لحد يتحشر فيه بأي شكل سامعني؟
لم يؤاخذه "مراد" بقساوة ما تفوه.. يعلم جيدًا الظرف الحرج الذي يمر به.. لكنه قال بإصرار.. وهو ينظر لعينيه مباشرة:
- يا عثمان.. أنا مش قصدي أعترض طريقك في أي حاجة.. أنا عايز أقولك إني معاك في كل خطوة.. انت أكتر من أخ ليا وانت عارف.. أنا مش هارجع أبص لتاريخي الشخصي معاه.. لكن في نفس الوقت مش هاسيبك.
لم يظهر "عثمان" أي علامة على أنه سيتراجع.. كانت نظراته حادة.. وتكاد تخترق كل كلمة خرجت من فم "مراد"..
قال بحدة.. وهو يتقدم خطوة نحوه:
- وأنا مش طالب مساعدتك.. ولا حتى مساعدته..
وأشار لـ"رامز" بكلمته التي أجفلت الأخير:
- ملك يا مراد.. ملك اللي اتعمل فيها كده.. دي بنتي.. انت سامع بنتي أنا!!!
برز صوت "رامز" الآن.. بنبرة أقل حدة.. محاولًا إيجاد مساحة للحديث:
- محدش معترض على تصرفاتك يا عثمان.. مراد بس يقصد إننا مش هانسيبك لوحدك.. ممكن تسمح لنا نكون معاك خطوة بخطوة ومحدش فينا هايتدخل.. بس نكون معاك.
وقف "عثمان" للحظة مترددًا.. قلبه كان مثقلًا بالحنق.. لكنه لم يكن يستطيع إنكار صدق مشاعري صديقيه.. نظراته تشتعل بالغضب.. لكن بداخله كان يعلم بأن الأمر يتطلب حقًا وجودهما.. إنه أكثر من قادر على المضي قدمًا حتى النهاية بمفرده.. لكن في تلك اللحظة التي تلي الخطوة النهائية مباشرة.. سوف يحتاج الدعم المعنوي بشدة.. سوف يحتاج صديقيه..
قال "عثمان" بحزم.. بصوت منخفض لكنه ثابت:
- انتقام ملك محدش هاياخده غيري.. وأنا مش مستعد أخلي أي حد يقف في طريقي.. هاتيجوا.. بس مش هاقبل حد فيكم يشاركني فيه.
رد "رامز" بلطف.. محاولًا التخفيف من حدة الجو:
- انهاردة.. في اللحظة دي يا عثمان عايزك تنسى أي خلاف.. عايزك تنسى حتى موضوعي أنا وشمس.. أنا مش شايف قدامي دلوقتي غيرك انت.. مش شايف غير صاحبي.. ومش سايبك لوحدك.
أدار "عثمان" رأسه بعيدًا عنهما للحظة.. كأن قلبه يعترض على ما يسمعه.. لكنه في نفس الوقت كان يعرف بأنه الصدق..
كان دائمًا يتحمل الأعباء وحده.. لكنه لم يكن يستطيع أن ينكر بأن صديقه مستعد أن يضحي بكل شيء من أجل هذا الانتقام.. من أجله هو..
داخل جناحها المترف.. كانت "فريال" هانم تجلس على سريرها الكبير المكسو بمفارش حريرية.. رغم فخامة المكان.. بدت الغرفة وكأنها تئن تحت وطأة الحزن.. الجدران الصامتة شاهدة على سنوات طويلة من القوة.. لكن الآن.. كانت صاحبة الجناح تبدو وكأنها على حافة الانهيار..
على جانبيها.. "يحيى" و"فريدة" طفلا "عثمان".. يتشبثان بها كأن وجودهما قربها سيمنحها بعض العزاء.. بجوارهما جلست "ديالا" حفيدتها من "صفية"..
أما "سمر".. فكانت تقف أمامها إلى جانب "صفية".. تمسك بيدها وتحاول أن تخفي قلقها البادي في عينيها.. بينما "صفية" تفكر.. تبذل جهدها لتفهم ما يدور في قلب والدتها المكسور..
تستشعر "فريال" كل هذا.. فتقول بصوت ضعيف وهي تمسح دموعها ببطء:
- أنا بخير... بلاش تقلقوا عليا.
ترد "صفية" بنبرة ملؤها القلق وهي تقترب منها:
- ازاي يا مامي بخير؟ انتي من ساعة ما عثمان سافر ودخلتي في الحالة دي.. مش عايزة تاكلي ولا تتكلمي.. حتى صحتك بقت أضعف.
تبتسم "فريال" ابتسامة شاحبة.. وتقول بينما عيناها معلقتان بالسقف:
- مش عشان حاجة يا صافي... أنا كويسة.. بس وحشني عثمان... لما يرجع.. هابقى أحسن.
نسخة أبيه وجده المصغرة.. "يحيى" الذي كان يجلس بجانبها.. رفع عينيه الرماديتين نحوها وسألها بقلق:
- فريال هانم.. لو محتاجة أي حاجة قوليلي عليها وتتنفذ حالًا.. أي حاجة ممكن أعملها لك.. انتي عارفة بابا موصيني أكون جنبك دايما طول ما هو بعيد.. قوليلي.. وماتقلقيش بابا مش هيتأخر.
ابتسمت "فريال".. وضعت يدها على رأس حفيدها ورتبت عليه بحنان.. لكن عيناها كانتا تمتلئان بدموع جديدة.. وهي تحاول أن تبدو مطمئنة:
- أنا عارفة.. هاييجي قريب يا حبيبي... أبوك عمره ما بيتأخر عننا.. ولا عني بالذات.. أنا عارفة.
شعرت "صفية" بالعجز.. كانت تعلم بأن هناك شيئًا أعمق من الاشتياق يؤلم والدتها.. لكن عناد "فريال" كان أكبر من أن يُكسر بسهولة..
كانت الأفكار في عقلها تتصارع.. تملأها بقلق أكبر من قدرتها على تحمله..
ابنها.. رجل عمرها.. هل سيغفر لها؟ هل ينظر لها الآن كأم ضعيفة.. لم تحم رجولته ولم تحم نفسها؟
ابن قلبها.. "عثمان" قوي.. أقوى مما كانت تتخيل طوال عمرها.. لكن هذه القوة مجللة بالغضب.. الغضب من جرح لا يزال ينزف بداخله وهي... هي جزء من هذا الجرح..
حاولت أن تبعد هذه الأفكار عنها.. لكن صورة وجهه وهو يعلم الحقيقة ظلت تطاردها.. تذكرت اللحظة التي عرفت فيها بأن سرها انكشف.. وأن "عثمان" اكتشف ما فعله عمه بها..
كان ألمها وقتها مزدوجًا.. ألم الذكرى وألم نظرة ابنها التي شعرت بأنها تحمل خليطًا من الصدمة والاتهام..
هل يظن بأنها كانت ضعيفة؟ هل يعتقد بأنها كانت شريكة في ما حدث؟ كيف تشرح له بأنها كانت ضحية؟ ضحية جبروت العائلة.. ضحية قوتهم التي سحقوها بها.. وأكثرهم الأخوان.. "يحيى البحيري"..
كانت نظرتها الموجهة إلى طفلي "عثمان".. تحمل حنانًا.. لكن خلف هذا الحنان كان قلبها يصرخ خوفًا..
هل سيعاملها كأنها انتهيت بالنسبة له؟ كأنها لم تعد أمه؟
لم تستطع الإجابة.. كل ما فعلته هو أن أغمضت عينيها.. لتغرق مجددًا في أفكارها..
عندما يعود "عثمان".. هل يمكن أن تشرح له؟ كيف يمكنني أن تشرح له ما لا تستطيع نسيانه بنفسها لتعذبه؟ وكيف ستتحمل لو نظر لها نظرة الرجل الذي يرى أمه أقل مما كانت؟
تنهدت بحرقة غير قادرة على احتمال هذا الكم من الألم.. فاقتربت "سمر" وجلست بجانبها ممسكة بيدها.. ثم قالت بلطفٍ جَمّ:
- خليكي قوية.. إحنا كلنا بنستمد منك قوتنا يا فريال هانم.
لكن "فريال" لم تقل شيئًا.. كل الكلمات كانت تُقال داخل عقلها فقط.. حيث تبقى محبوسة بين الخوف والندم..
"عثمان... عد إليَّ.. لا تجعلني أعيش لأراك تتراجع عن كوني أمك!"
***
في إحدى شرفات المنزل الواسعة.. وقف "فادي حفظي" يتأمل السماء المظلمة المليئة بالنجوم.. الهواء كان عليلًا.. لكنه حمل معه ثقل الأفكار والندم الذي طالما حاول دفنه..
صوت خطوات خفيفة خلفه قطع الصمت.. كانت "هالة البحيري" زوجته.. تقترب منه بهدوء.. ترتدي عباءة منزلية خفيفة ومفتوحة.. وتضع كوبين من الشاي على الطاولة الصغيرة بجواره..
- مش عادتك تفضل برا السرير بعد العشا! .. قالتها بصوتها الرقيق:
- دايمًا أفكارك بتسبق نومك.
ابتسم "فادي" ابتسامة خافتة.. لكنه لم يلتفت إليها.. بقيت عيناه مثبتتين على السماء.. وكأنها تحمل إجابة الأسئلة التي تدور داخله..
نظر لها قائلًا بهدوء:
- مش النوم اللي شاغلني يا هالة.. اللي شاغلني إننا بعدنا كتير... كتير أوي.
جلست "هالة" بجواره.. عيناها تتفحصان ملامح وجهه التي بدت مثقلة بالحزن.. وضعت يدها على يده.. وقالت بصوتٍ مليء بالتفهم:
- بتفكر في ملك.. صح؟
أغمض "فادي" عينيه للحظة.. وكأن كلماتها أصابت جرحًا داخليًا لم يلتئم بعد.. أخذ نفسًا عميقًا.. ثم قال:
- ملك... أختي الصغيرة اللي كنت المفروض ابقى جنبها.. لما أمي وأبويا راحوا.. كنت أنا الكبير.. الراجل اللي المفروض يحميها هي وأختي سمر من قبلها.. بس إيه اللي حصل؟ سيبت عثمان يشيل الحمل كله لوحده... وأنا؟ كنت بعيد.. شايف إن الهروب هو الحل.. عشان ابعد عن كل المشاكل اللي كانت وقتها.
صمت للحظة.. ثم أدار رأسه لينظر إلى "هالة" مباشرةً.. وعيناه مليئتان بالندم استطرد:
- عارفة يا هالة؟ طول الوقت كنت بقول لنفسي إن عثمان ادها.. وإنه يقدر يشيل المسؤولية عني.. لكن اللي حصل لملك اثبت لي إن مافيش حد يقدر ياخد مكان الأخ.. كان لازم أكون أنا جنبها... مش هو.
نظرت "هالة" إليه بعطفٍ.. لكنها لم تقاطعه.. كانت تعرف بأن "فادي" بحاجة للبوح بكل شيء قبل أن يقرر خطوته التالية..
يكمل "فادي" ونبرة صوته ترتجف قليلًا:
- لما عرفت اللي حصل لملك... حسيت بضعفي للمرة التانية.. حسيت إني تخليت عنها.. زي ما اتخليت عن سمر.. وصدقيني.. مش ناوي أكمل حياتي بالشكل ده.. لازم أرجع مصر.. لازم أبقى جنب أخواتي البنات.. عايز أكون قريب منهم.. أشوفهم كل يوم.. أحميهم... زي ما كنت لازم أعمل من الأول.
ابتسمت "هالة" بلطفٍ.. وقامت لتقف أمامه.. وضعت يديها على كتفيه.. تنظر في عينيه مباشرةً قائلة بحزمٍ ممزوج بالحنان:
- لو ده القرار اللي شايفه صح.. أنا معاك.. طول عمري واقفة في صفك.. ومش هاتغير دلوقتي.. نرجع مصر.. نسيب كل حاجة هنا.. المهم إنك تكون مرتاح.. وإننا نبقى جنب عيلتنا.
نظر "فادي" إليها بامتنانٍ.. ثم أمسك بيديها بشدة.. كأنها آخر قطعة أمان في حياته وقال:
- مش هقدر أعمل ده من غيرك.. كنت خايف أقولك.. خايف أظلمك معايا.. لكن وجودك دايمًا بيقويني.
- أنا موجودة عشانك.. عشان ابننا.. وعيلتنا.. نتحمل المسؤولية سوا.
لحظة صمت مرت بينهما.. لكنها كانت مليئة بالمشاعر العميقة.. أعاد "فادي" نظره إلى السماء من جديد.. ثم قال بحسمٍ:
- إحنا راجعين مصر.. والمرة دي.. مش هاتخلى عنهم أبدًا.
لم تقل "هالة" شيئًا.. فقط ابتسمت وأمسكت بيده.. وكأنها تقول إن القرار صار مشتركًا.. وأنها ستكون داعمته في كل خطوة دائمًا..
***
كانت الأرضية من الخرسانة المكشوفة.. عليها آثار تقشّر بسبب الرطوبة والوقت.. الحوائط العالية محاطة بسلاسل صدئة..
والمكان كله مضاء بمصابيح صفراء باهتة معلّقة من السقف.. تُلقي ظلالًا طويلة متراقصة.. أصوات الرياح تتسلل عبر شقوق الأبواب المعدنية الثقيلة.. تضيف نغمة باردة للجو المشحون بالتوتر..
وسط المستودع.. كان "مالك عزام" يجلس على كرسي معدني.. مقيّد اليدين والقدمين بسلاسل ثقيلة.. شعره مبعثر.. وجهه يحمل آثار كدماتٍ خفيفة.. لكن نظرته الجريئة لم تخفت.. بجواره وقف اثنان من رجال "عثمان البحيري" وجوههم جامدة.. ينفذون تعليماته بدقة..
الباب الحديدي الثقيل في زاوية المستودع انفتح بصوت صريرٍ حاد.. تبعه صدى خطوات ثلاثة رجال.. دخل "عثمان" أولًا.. ملامحه كالصخر.. عيناه تضيقان وهو يتفحص المشهد أمامه.. خلفه كلٌّ من "مراد" و"رامز".. كلٌّ منهما يحمل ثقلًا مختلفًا في تعابيره..
يرفع "مالك" رأسه ببطءٍ.. قائلًا بابتسامة ساخرة:
- آه.. العريس بنفسه جه.. عثمان باشا.. ما توقعتش أول مقابلة لينا تكون في مكان زي ده بصراحة.
لم يرد "عثمان".. عيناه اخترقتا "مالك" بنظرةٍ باردة.. ثم أشار للرجال بإيماءة خفيفة.. وقفوا في صمتٍ بجوار الجدار.. وتركوه أمام ضيوفه..
يتقدّم "مراد" خطوة.. نظراته تشتعل بالغضب وهو يقول بصوتٍ كحد السكين:
- مالك عزام... الوش ده.. كنت فاكر إن آخر مرة شفته فيها لما كنت سايبك على الأرض زي الكلب.. فاكر ياض قلت لك يومها؟ فاكر قلك لك لو شفتك تاني هاعمل فيك إيه؟
يلاحظ "مالك" صاحب الصوت.. يعرفه في الحال.. نظر إلى "مراد" مليئًا.. للحظة اتسعت عيناه بدهشة.. لكنه سرعان ما استعاد هدوءه..
لم يكن "مالك" بحاجة لأي مساعدة لإنعاش ذاكرته.. كلمات "مراد" حينها لا تزال ترن بأذنيه: " لحظة ما هاخرج من هنا.. لو شفتك صدفة قصادي في أي مكان.. هادمر لك مستقبلك.. هاقضي على حياتك كلها وهاكون حريص شخصيًا إن مايبقاش ليك لقمة عيش في البلد دي أو في أي مكان برّاها.. قيس على كده إيمان.. ورقة طلقها توصلها قبل ما ينقضي الأسبوع ده.. ولو نطقت بس اسمها بينك وبين نفسك.. ماتلومش حد غيرك.. فهمت كويس؟"
رد "مالك" بابتسامةٍ باردة:
- مراد؟ إيه المفاجأة دي؟ إنت كمان جيت تحتفل ولا إيه؟
هتف "مراد" غاضبًا:
- احتفل؟ آه.. هاحتفل لما أشوفك بتصرخ زي النسوان اللي إنت طول عمرك منهم يالا.
يضحك "مالك" بسخرية.. يهز رأسه قائلًا:
- طبعًا طبعًا.. أنا عارف غلاوتي عندك يا مراد.. لكن بصراحة... ما توقعتش إن عثمان هايعزمك.. ومعاكوا رامز كمان.. دي شكلها هاتبقى حفلة بجد.
"رامز".. الذي وقف صامتًا طوال الوقت.. زفر بحدة الآن.. لكن نظراته ظلت متوترة.. وكأنه يتوقع انفجارًا في أي لحظة..
يتقدّم "عثمان" من "مالك" الآن بضع خطوات.. وقف على مقربةٍ منه.. نظراته تخترقه بثباتٍ بارد..
أشار بيده بهدوء إلى أحد رجاله القريبين.. الرجل انحنى وسلّمه سلسلة حديدية غليظة.. يبدو عليها الثقل والبلى.. أمسك "عثمان" السلسلة.. يلفّها ببطءٍ حول كفّه وهو يتحرك نحو "مالك" بخطواتٍ مدروسة.. المستودع هادئٌ..
لا يُسمع فيه إلا صوت السلسلة وهي تُشد وتُحرر بين يديه.
تبادل كل من "مراد" و"رامز" نظرات متوترة، لكنهما لم يتحركا. كانا يعلمان بأن اللحظة تخص "عثمان" وحده، وأن أي تدخل سيفسد الهدف.
للوهلة الأولى كان "مالك" ينتهج التهكم، لكن مع كل خطوة كان يقتربها "عثمان"، كان القلق يتسلل إلى عينيه، خفيًا لكنه واضح.
ردد "عثمان" أخيرًا بابتسامة هادئة، صوته منخفض:
- مالك، مالك عزام... قول لي بقى، أنت مفكر نفسك إيه لما جربت تلعب بملك؟ لما اتجرأت ولمستها؟ دلوقتي حالًا هاتعرف أن كل لمسة وكل قرب منها له تمن، وتمن غالي قوي.
حاول "مالك" أن يرد، لكن صوته لم يخرج في البداية. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بتهكم مصطنع:
- عثمان، أنت فاكر أن التهديد بالسلاسل ممكن يخوفني؟ أنا مريت بحاجات أكبر من كده. صاحبك دخلني السجن وعرفت أنه وصى عليا كويس، اسأله التوصية كانت عاملة إزاي.
لم يعبأ "عثمان" بما يقوله، أشار بهدوء إلى رجاله، الذين اقتربوا من "مالك" يفكّون القيود التي كانت تربطه بالكرسي. رغم أن يديه ورجليه أصبحت حرة، إلا أن قبضتهم المحكمة على ذراعيه منعته من الحركة.
أردف "عثمان" بصوت أكثر حدة:
- كنت فاكر إنك شجاع، لكنك مجرد فار، وأي فار مصيره الدهس، الدهس.
بدأ "مالك" يفقد هدوءه الوهمي، عيناه تتحركان بين "عثمان" ورجاله.
لم يزد "عثمان" كلمة، اقترب أكثر، وعيناه تركزان على "مالك" كأنهما مسامير تخترق روحه. أشار لرجاله بحركة بسيطة، فأمسكوا بـ"مالك" وأوقفوه عن الكرسي بعنف، رغم مقاومته.
ردد بصوت يرتجف لأول مرة:
- أنت بتعمل إيه؟ مش فاهم!
وقف "عثمان" أمامه مباشرة، وبصوت هادئ يشوبه الغضب الدفين، ثم قال:
- ملك حكت لي كل حاجة بالتفصيل، كل حاجة. فاكر لما ملك صرخت؟ فاكر لما كتمت صوتها ودموعها نزلت من الوجع اللي سببته ليها؟ ما لقتش غير صدى صوتها بيرجع لها. النهارده بقى، هاترجع تسمع الصدى، بس بصوتك.
حاول "مالك" أن يبقي على رباطة جأشه، لكن لمعة السلسلة بيد "عثمان" وصوته البارد أطلقا شرارة القلق الحقيقي في عينيه.
قال "مالك" بصوت يعلوه التوتر:
- أنا سمعت إنك راجل، ومش متوقع منك فعل غير كده. لو هاتعمل فيا حاجة...
لكن عثمان لم يتوقف. بيده الخالية، أمسك بحزام سروال "مالك"، وجذبه بعنف بينما الرجال يثبتونه. فجأة، كان "مالك" مكشوفًا تمامًا، خاليًا من أي وقاية أو حماية.
انبعث صوت "مراد" من الخلف مترددًا:
- عثمان! أنت متأكد؟ عايز تعملها بإيدك؟ ماتوسخش إيدك بكلب زي ده...!
رفع "عثمان" يده ليوقف "مراد" عن الكلام، ثم التفت إلى "مالك" بابتسامة صغيرة، كأنما يستمتع برؤية الخوف يلتهمه ببطء.
- ده حق ملك، وحق كل واحدة كسرتها. وأنا هنا، عشان أضمن إنك ماتقربش من أي بنت أبدًا.
ثم أشار لرجاله:
- ثبّتوه كويس!
ثبتوه بعنف أكثر، بينما يحاول المقاومة، لكنه كان عاجزًا أمام قوتهم. وقف "عثمان" أمامه، عيناه مليئتان بتصميم بارد.
تمتم وهو يدنو منه ببطء:
- عارف إيه اللي بيميز الانتقام الحقيقي؟ إنه مش محتاج أصرخ في وشك، أو أضربك لحد ما أكسر عضمك. كفاية أشوفك بتنهار وأسمع صوت روحك وهي بتتفتفت.
لا يزال "مالك" يحاول الحفاظ على صلابته، لكنه كان يعلم بأن "عثمان" ليس كأي شخص آخر. بدأ عرقه يتصبب ببطء، وابتسامته الباهتة بدأت تتلاشى تمامًا.
ابتعد "عثمان" خطوة واحدة، رفع يده المليئة بالسلاسل، لكن بدلًا من توجيه ضربة، وقف تمامًا أمام وجهه وقال بخفوت:
- من اللحظة دي، حياتك اللي كنت تعرفها انتهت. انتقام ملك، انتقام كل واحدة آذيتها. العضو الزيادة اللي في جسمك و تاعبك أوي، أنا هاريحك منه.
وقبل أن يستوعب "مالك" أي شيء بعد ذلك، يوجه "عثمان" ضربة ساحقة ومباشرة نحو جسد "مالك"، نحو رجولته تحديدًا.
صرخة "مالك" شقت سكون المكان، ملأت المستودع كله بصدى مؤلم. كان الصوت خليطًا من الألم واليأس، كأنه اعتراف أخير بأنه لم يعد هناك مفر.
الرجال أمسكوه بإحكام بينما ينهال "عثمان" عليه ضربًا في نفس المنطقة، ولم يسمحوا له بالسقوط. وجهه كان ملتويًا بألم لم يستطع احتماله، وعيناه تملؤهما الدموع. لأول مرة يفقد تلك الابتسامة الساخرة التي كانت تزين وجهه طوال حياته.
في الجهة الأخرى يميل "رامز" صوب "مراد" مغمغمًا دون أن تحيد نظراته عن المشهد:
- مراد، الواد ده مش نافع تاني!
وافقه "مراد" بإيماءة واحدة ولم يستطع كبح ابتسامة متشفية من الانبلاج على ثغره. بينما "رامز" يشكر الله في سرّه بأن الظروف لم تسنح له بأن يقرب "شمس" وإلا كان مصيره على يدي صديقه مثل ذلك الوغد. وقد كان محقًا، فالموت أهون من هذا العقاب، حتمًا.
خمس دقائق متواصلة، بلا كلل أو ملل، ظل "عثمان" يسدد ضرباته نحو "مالك". ثم توقف أخيرًا عندما آلمته قبضته. أخذ صدره يلهج من مشقة المجهود الذي بذله، لكنه لم يتحرك. بقي واقفًا، يراقب "مالك" وهو ينهار، وكأن هذا المشهد كان نهاية الرحلة التي طال انتظارها.
قال "عثمان" بصوت عميق بينما صدره يعلو ويهبط بعنف:
- دلوقتي، ملك أخذت حقها، وإيمان أخذت حقها، وكل واحدة كسرتها. خلاص، روحك اتحطمت زي ما حطمتهم.
ترك "عثمان" السلسلة تسقط من يده على الأرض، صوتها الحديدي يعلن نهاية الانتقام. ثم أشار للرجال بإلقاء "مالك" جانبًا، مثل قطعة قماش بالية فقدت قيمتها.
التفت "عثمان" من جديد إلى "مراد" و"رامز"، وقال ببرود:
- يلا بينا!
وغادر المستودع بخطوات واثقة، تاركًا خلفه صدى أنين "مالك" يتلاشى ببطء، بينما صديقيه يتبعانه فورًا.
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم مريم غريب
أُضيئت أضواء سيارة الإسعاف المتسارعة وهي تجتاز الشوارع في الليل، تقطع الطريق بسرعة. ملامح السائق مشدودة وهو يحاول تجاوز ازدحام المرور، بينما على متن السيارة كان مالك عزام ملقى على سرير الإسعاف، جسده موصول بأنابيب وأجهزة طبية وقناع أكسجين على أنفه. عينيه نصف مغلقتين، وجسده مشوّه من آثار الضربة القاضية التي تلقاها.
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت مايا عزام وزوجها نبيل الألفي في طريقهما إلى المشفى. يقود نبيل بأقصى سرعة، بينما مايا تشعر بقلبها ينبض بقوة وتدور في رأسها أفكار مختلطة من الخوف والقلق على شقيقها. مشاعر متعاظمة لم تخب منذ وردها اتصال من زوجها مفاده أن مالك وُجد على زاوية الطريق السريع فاقدًا وعيه، وأنه تم إرسال عربة إسعاف لتنقله إلى المشفى العام على وجه السرعة. لم يذكر أي تفاصيل أخرى، ولا أي شيء يطمئن قلبها. أغلق معها وذهب ليحضرها من البيت ويلحقا إلى المشفى.
"أنا مش فاهمة حصل له إيه!" غمغمت مايا من بين دموعها.
"أخويا.. أخويا مالك.. هايضيع مني زي ما ضاع سيف.. آااااااه.. مالك.. يا أخويا..."
هتف نبيل بحزم وهو يحاول تهدئتها: "اهدي يا مايا.. إحنا لسا ما نعرفش جراله إيه.. هانتأكد من كل حاجة لما نوصل.. خلينا نصبر وندعيله يكون بخير."
لكن مايا لم تجد في كلمات زوجها أي عزاء، ولم تستطع أن تهدئ نفسها من التوتر الذي يلتهمها. في لحظة ما، تذكرت لحظة قبل الحادث، كيف كانت تتحدث مع مالك عبر الهاتف، وكيف كانت نبرته تحاكي التهكم واللامبالاة، تمامًا كما كان سيف قبيل موته.
وصلا إلى المشفى، خرجا بسرعة من السيارة، دخلا إلى الاستقبال حيث وجدا الأطباء والممرضين في حالة هرج ومرج، وكأن مالك قد وصل لتوّه. وفي قلبيهما كان فزع ينتظر أخبارًا عن الحالة.
وبينما كانا في الانتظار، وصل حسين عزام. ملامحه القاسية وجسده الضخم جعلاه يبدو كجبل من الحزن والغضب. كان يخطو ببطء نحو قسم الطوارئ، وكأنه توقّع هذا السيناريو بحذافيره من قبل. لم يبدُ متفاجئًا، أو مصدومًا حتى.
اقترب من ابنته وزوجها هاتفًا بصوتٍ هادئ: "مالك فين؟ هو كويس؟ حد طمنكوا!؟"
تلتفت مايا إليه. لأول مرة بحياتها تطمئن لظهوره بأي موقف بحياتها. ركضت نحوه وأمسكت بذراعه قائلة بصوتٍ متقطع: "بابا.. مالك.. مالك لو جرا له حاجة مش هقدر.. مش هقدر استحمل.. سيف راح.. ومالك..."
قاطعها حسين في هذه اللحظة بصرامة مغطيًا بكفه يدها الممسكة بذراعه: "هايبقى كويس.. أخوكي هايبقى كويس."
ولكنه من داخله لم يكن واثقًا كثيرًا.
بعد مرور ثلث ساعة تقريبًا، يخرج الطبيب من باب غرفة الفحص. عيناه تحملان قدرًا من القلق الممزوج بالتعب. توقف للحظة أمامهم، ثم تنحنح قائلًا: "إنتو أهل مالك عزام؟"
تقترب مايا خطوة للأمام وهي تسأله بلهفة: "أيوه.. هو إزاي حالته؟ قولّي يا دكتور أخويا جرا له إيه!؟"
الطبيب مجيبًا بهدوء، لكنه يشير إلى القلق في صوته: "أنا واجبي بيحتّم عليا أكون صريح معاكوا لأقصى درجة. للأسف حالته خطيرة جدًا. هو اتعرض لإصابات شديدة في مناطق حيوية في جسمه.. مش قادرين نحدد حجم الضرر تمامًا لحد ما يستقر. تم تكسير جزء من ضلوعه، كمان عنده نزيف داخلي بسبب ضربة أو عدة ضربات في منطقة حساسة جدًا. في حالات زي دي لازم نراقب حالته لحظة بلحظة."
مرر الطبيب نظره على وجوههم المصدومة، ثم أضاف بلهجة تعكس أسفه وتضامنه: "لسا في خطر كبير.. وفي احتمال نحتاج لعملية طارئة لو تطور النزيف الداخلي."
أصيبت مايا بالذعر، وتقدمت خطوة نحو غرفة الفحص معميّة بخوفها على شقيقها، لكن نبيل أمسك بذراعها ليمنعها من الاندفاع.
توجه حسين عزام بنبرة صوته الجافة قائلًا، رغم قسوة الموقف إلا أن هناك لمحة من القوة في وجهه: "إنتو دلوقتي هاتعملوا إيه؟ هاتقدروا تنقذوه؟ يعني في احتمال ابني يرجع كويس زي ما كان؟"
جاوبه الطبيب بحذر: "يرجع زي ما كان مستحيل.. في جزء حساس منه تضرر بشدة.. غير كده عمومًا لازم نصبر ونراقب حالته.. الموضوع معقّد.. وللأسف مافيش ضمانات."
لحظات من الصمت مرت، قبل أن يطلب حسين عزام بصوتٍ منخفض: "أنا عايز أشوفه."
زمّ الطبيب شفتيه وهو يقول مراعيًا الأوضاع: "مش هايكون في إمكانية للزيارة إلا لو استقرت حالته أكتر.. لكن ممكن نسمح لك تدخله خمس دقايق بس بعد شوية."
أومأ حسين برأسه موافقًا، بينما تابع الطبيب طريقه عائدًا داخل الغرفة من جديد.
بقي حسين عزام واقفًا في مكانه، نظراته لا تغادر الباب.
في الوقت الذي كان فيه يقف في حالة صمت قاتل، تتنازعه مشاعر القلق والضغط، كانت مايا تنهار بين يديّ نبيل. انفجرت دموعها فجأة، وكأن السد الذي كان يحجز مشاعرها قد انهار دفعة واحدة. كان قلبها يخفق بعنف، وعينيها مليئتان بالقلق على مالك، على شقيقها الذي لم تكن تعرف إذا كان سينجو أم لا.
"آااااااااه.. مش قادرة... مش قادرة أتحمل كل ده... ليه؟ مالك.. ليه؟ مالك.."
كانت كلماتها تتناثر بين أنفاسها المتقطعة، وعينيها غارقتين في الحزن، تسيل دموعها على خديها، حتى بدت كأنها تغرق فيها.
يقف نبيل عاجزًا أمام الموقف. شعر بشيء من الحيرة في البداية، بينه وبين مايا كانت هناك جدران متينة من التوتر والمشاكل التي تراكمت بينهما منذ التقيا. لكن هذه اللحظة كانت مختلفة. لم يعد هنالك مجال للغضب أو التراشق بالكلمات. كانت لحظة ضعف، لحظة عاطفية خالصة.
أمسك بيديها وهو يراها تهز رأسها بيأس، فشعر بشيء من الرغبة الملحة في أن يكون لها سند، ولو لدقائق قليلة.
همس لها نبيل بصوتٍ هادئ وهو يربت على كتفها: "مايا.. اجمدي شوية.. ماينفعش اللي انتي فيه ده.. أبوكي تعبان ومش هايتحمل الضغط ده كله."
عينيه لم تترك عينيها، وكان يلاحظ كيف أن صوتها الممزق يرتجف، وتعبيرات وجهها تفضح كل الخوف والقلق اللذين يعصفان بها.
رددت مايا وهي تسحب نفسها من بين يديه للحظة، ثم تعود إليه: "أنا خايفة عليه.. خايفة من اللي ممكن يحصل... مالك ضاع خلاص.. أنا بقيت لوحدي.. أنا بقيت لوحدي في الدنيا..."
قست نظرات نبيل وهو يقول بصلابة: "يعني إيه لوحدك؟ إنتي مراتي.. وأنا لسا عايش على وش الدنيا يا مايا.. إنتي حاسة إنك لوحدك؟ في اللحظة دي حاسة إنك لوحدك!؟"
كان من الواضح أن مايا، رغم محاولتها الاستقلالية والتعامل مع المواقف بشكلٍ بارد، بدأت ترى نبيل كأحد الأذرع التي يمكن أن تمسك بها في هذا الوقت الصعب. كان هناك نوع من الراحة في حضنه، حتى لو كانت تلك اللحظة مجرد لحظة عابرة في علاقة مليئة بالصعوبات.
لطالما كان يتعامل معها بطريقة جافة. هو أيضًا شعر بنوع من الارتياح. كان دائمًا يحاول أن يكون بعيدًا عن الانفعالات العاطفية، لكن رؤيته لها بهذه الطريقة، منكسرة وضعيفة، جعلته يتصرف بشكلٍ مختلف.
أردف نبيل وهو ينظر إليها مباشرةً: "مالك هايتحسن.. هانكون معاه كلنا.. وأنا مش هاسيبك لوحدك.. عمري ما هاسيبك."
رفعت مايا رأسها ونظرت إليه بعينين متورمتين من الدموع. كانت تحاول أن تجد الكلمات، لكن لا شيء خرج منها سوى صوت ضعيف، مليء بالارتباك: "يعني كنت هاتسيبني.. لو ماحصلش كل ده!؟"
كانت نظرتها مليئة بالتساؤل، الألم، وكأنها تسأل عن جدية نبيل في تقديم الدعم، مشاركة مشاعره تجاهها، في وقت كانت هي نفسها غير قادرة على الإجابة على تساؤلات قلبها.
كان يتوقع أن ترد عليه بطريقةٍ قاسية، لكنها لم تبتعد كثيرًا. وجد نفسه يبتسم بشكلٍ ضعيف، ثم قال وهو يربت على يديها: "ماكنتش هاسيبك في كل الأحوال.. إنتي نسيتي و لا إيه؟ .. أنا قدرك."
شعرت بشيء من الراحة، حتى ولو كانت تلك الراحة مؤقتة. لكن في وسط الألم الذي كانت تعيشه، لا تستطيع أن ترفض هذا الدعم. احتاجت له.
ولأول مرة، شعرت أن بينهما نوعًا من التفاهم العميق، رغم الخلافات التي كانت تفصل بينهما من قبل.
فجأة لاحت أمام نبيل حجرة مخصصة للأطباء كانت فارغة، فحركها باتجاهها بسرعة.
كانت مايا بحاجة للهدوء، ولحظة فقط بعيدًا عن الجميع، بعيدًا عن القلق الذي يعتصر قلبها.
داخل الغرفة، جلسا على سريرٍ صغير، لتضع مايا رأسها على كتف نبيل، سامحة له أن يخفف عنها في لحظات ضعفها.
همست بصوتٍ خافت، وكأنها تداري خجلها من مشاعر تظهرها وتعلم يقينًا بأنها سوف تندم لاحقًا: "ماتسبنيش... أنا محتاجاك.. خليك معايا وجنبي طول الوقت... ماتسبنيش لوحدي."
لم يرد نبيل، فقط ضمّها إليه في صمت، بينما كانت هي تستسلم لهذا الدعم العاطفي، والحنان الذي تستشعره لأول مرة بحياتها.
كانت الأنوار الخافتة في غرفة العناية المركزة تضيء المكان بشكلٍ باهت، وحركة الأجهزة الطبية هي التي تعبر عن الحياة المتبقية في جسد مالك الذي كان تحت تأثير البنج. كان جسمه موصولًا بأنابيب، لكن وجهه لا يزال يعكس ألمًا عميقًا وكأن ما مر به لا يزال حاضرًا في ذاكرته المبطنة. بينما كانت الغرفة خالية من الأصوات، دخل حسين عزام بهدوء، وكأن قدمه تخشى أن تحدث أي صوت قد يقطع الهدوء الذي يغلف اللحظة.
لكن بالرغم من هدوئه الظاهر، قدمه تثقل بشدة، وعينيه مملوءتان بالحزن الذي لا يمكن إنكاره. كان يشعر بتهدم ساقيه وكأنهما لا يحتملان وزر الحياة التي حملها طويلًا. فكل خطوة يمشيها وكأنها خطوة نحو الهاوية. لكنه كان يقترب من سرير ابنه وكأن شيئًا ما يدفعه إلى المواجهة، مواجهة حتمية مع ذاته.
وصل إلى جانب السرير، وجلس على الكرسي بجواره، جعل نظره ينحدر نحو ولده النائم. فمه مغلق، وجهه عابس، لكن حسين كان يراه كأنه يرى نفسه في شبابه. أجل، مالك، أكثر أولاده شبهًا به. يليه سيف. أما مايا، فقد ورثت الكثير من ملامح أمها. لولا دماؤه التي تسري بعروقها لكانت نسخة منها.
كان الألم في قلبه يزداد كلما نظر إلى ابنه. حاول أن يخفف من ارتجافه، ولكن القلب لا يتوقف عن الخفقان بسرعة، حتى بدت تلك اللحظة وكأنها النهاية نفسها.
مد حسين يده المرتعشة صوب ابنه، يمسح على شعره وهو يهمس بصوتٍ متقطع:
"مالك.. يابني.. أنا آسف... أنا آسف يابني.. أنا عارف إن كل شيء في حياتك ضاع بسببنا... بسببنا إحنا.. بسببي أنا في الأول.. وبسبب أمك بعدين..."
أخذ نفسًا عميقًا، كان لا يستطيع أن يتوقف عن الحديث، كأن هناك شيئًا غير مرئي كان يضغط عليه.
تابع وهو ينظر إلى وجه ابنه، وكأن الكلمات تتساقط من بين شفتيه قسرًا:
"أنا كمان كنت السبب في موت سيف.. زي ما كنت السبب في ضياعك... وفي ضياع مايا كمان.. كان لازم أكون موجود.. لكن أنا كنت ضعيف.. كنت أناني.. مافكرتش غير في نفسي.. مافكرتش في حاجة غير إني أهرب من أمك.. لما فوقت فجأة وحسيت إني مش طايقها.. مش طايق أعيش معاها في مكان واحد.. كرهتها.. وكرهتكم عشان جيتوا منها.. سيبتكم.. ودلوقتي.. دلوقتي أنا مابكرهش حد غير نفسي يا مالك.. مابكرهش حد غير نفسي.."
كان يجهش في البكاء الآن، وعيناه تغرقان بالدموع التي حاول جاهدًا أن يمنعها، ولكنه فشل. صوته يرتجف من شدة الألم، ومن الندم الذي بدأ يدفعه للهاوية أكثر.
يستطرد حسين وهو يقترب أكثر من مالك، يحتضنه برفق وكأنما يبحث عن الراحة في حضنه، حتى لو كان ابنه غارقًا في غيبوبة:
"سامحني يا مالك... سامحني... أنا فشلت في إني أكون الأب اللي تستحقه.. وفشلت في إني أحميك.. إنت مكانك ماكنش هايبقى هنا.. لو كنت جنبك من الأول.. إنت ماكنتش هاتوصل لكل ده.. يا خسارة يا مالك.. لأ.. إرجوك... اوعى تسامحني.. أنا مش مسامح نفسي.. أنا اللي ضيّعتك.. أنا السبب في كل ده.. أنا السبب..."
لم يشعر حسين بنفسه إلا وقد احتضن ابنه بكل قوته. رأسه في صدره المضمّد، وصوت بكائه يزداد شيئًا فشيئًا. شعر وكأن جسده كله ينهار تحت وطأة الندم والآلام التي حملها طويلًا، حتى أصبحت ثقيلة عليه أكثر من أن يتحمّلها.
وفي تلك اللحظة، بينما كان يحاول أن يخفف من صراخه الداخلي، داهمته قبضة اعتصرت قلبه بشدة. أصابته بنوبة ألم حادة في صدره. شعر بدمائه تجري في عروقه بسرعة شديدة، وكانت عيناه تذرفان الدموع بشكل غير إرادي. ظل يحاول أن يتنفس لكن صدره كان ضيقًا، ثم تراجع ببطء إلى الوراء، وسقط على الأرض، دون أن يدرك ماذا يحدث.
تعلقّت عيناه بابنه، ومن بين رؤيته المشوشة، قال بصوتٍ هامس، أخذ يخفت رويدًا رويدًا:
"أنا... آسف..."
ثم سكنت الأنفاس، وامتلأت الغرفة بالصمت، إلا من صوت الأجهزة الطبية الرتيبة.
اجتازت سيارة عثمان البحيري بوابة القصر الكبير. ملامحه جامدة تحمل صرامة امتزجت بظلٍ من الراحة بعد الرحلة الطويلة. صطف السيارة بمنتصف الباحة وترجل متجهًا نحو باب المنزل. خلفه تبعته ملك بخطواتٍ ثقيلة. وجهها شاحب، لكن عينيها تحملان بقايا تحدٍ دفين، كأنها تحاول السيطرة على ما لا يمكنها امتلاكه.
داخل القصر، أطلت سمر من المدخل الرئيسي إذ كانت على علم مسبق بموعد وصولهما منذ ساعات قليلة. كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، لكن حضورها كان كافيًا ليمحو أي توتر في الأجواء.
ابتسامتها انفرجت تلقائيًا فور أن وقعت عيناها على عثمان، وعيناه بالمقابل لم تتركها، كأنما كان يفتقد رؤيتها لحد الألم.
تحركت سمر نحو ملك بخطى سريعة، نيتها واضحة أن تضم أختها بعد هذا الغياب الطويل. لكن قبل أن تقترب، ارتفعت يد عثمان تعترض طريقها بلطف حازم. قال بصوته العميق محافظًا على نبرة من الدفء:
"استني... أنا الأول."
وقبل أن تنبس بحرف، اجتذبها إليه بقوة جعلتها ترتطم بصدره، واحتجزها بين ذراعيه، كأنما يخشى أن تفلت منه مرة أخرى.
أطلقت سمر شهقة خفيفة، ورفعت عينيها تنظر إليه بذهول، لكنها لم تجد فرصة للكلام.
قال عثمان بلهجةٍ عالية ومقصودة، موجهة لملك التي تقف متجمدة ورائهما:
"وحشتيني أوي يا سمر... مش قادر أقولك أنا كنت عامل إزاي من غيرك."
ولم يكتفِ بالكلمات. مال برأسه، كفاه تحيطان بوجهها برقة لكنها تحمل نوعًا من التملك. قبّلها قبلة طويلة، جريئة، مليئة بالشوق المكتوم، قبلة لا يترك فيها مجالًا للتأويل، كأنما أراد أن يخبر الجميع، هو وزوجته، خاصةً ملك، بأن هذه المرأة ملكه وحده، وهو أيضًا لن يكون لأخرى سواها.
ساد الارتباك، وسمر التي تملكها مزيج غريب من الحرج والسعادة. حاولت أن تفلت شفتيها بصعوبة، لكن عثمان كان عنيدًا في إطالة اللحظة. ملك، من مكانها، وقفت مشدوهة، وجهها شاحب كالـثلج، لكن عينيها كانتا بركانًا مشتعلًا من الغيرة والقهر. الشكوى حبستها في حلقها، وكأن قلبها قد تلقى طعنة مباشرة لم تتوقعها.
وأخيرًا، استجمعت سمر شجاعتها بعد لحظات من التيه في مشاعر متضاربة، وسحبت شفتيها من بين شفتي عثمان بصعوبة. تمكنت من التحرر بخجل واضح، تلّمست وجهها بإحدى يديها، وكأنها تحاول استعادة توازنها.
رددت بهمس مرتبك وبنبرة خافتة:
"عثمان.. إيه اللي بتعمله ده؟ ماينفعش هنا... ملك!"
أدار عثمان رأسه إلى ملك للحظات. نظراته كانت أشبه بسهم موجه. عينيه تحمل رسالة واحدة: "أفيقي من أوهامك.. ما تحلمين به ليس لك ولن يكون."
رد عثمان بهدوء وابتسامة مطمئنة لزوجته:
"معاكي حق.. بس كان لازم أوريكي وحشتيني قد إيه... تعالي.. تعالي نطلع فوق."
ببساطة، أمسك بيدها وأخذها يصعد بها السلم بخطوات هادئة لكنها تحمل الكثير من السيطرة. سمر التي شعرت بغصة خفيفة لوجود أختها التي أرادت أن تضمها على الأقل، تبعته بلا مقاومة، بينما تركا ملك خلفهما كتمثال مشروخ.
وقفت ملك في مكانها، تُخبئ ارتجاف يديها خلف ظهرها، تحاول أن تمنع دموعها من الانهمار. قلبها كان يعج بالأسئلة والألم، لكن الإجابة كانت واضحة أمامها: "عثمان لا يرى سواها.. ولن يكون لسواها."
كانت كلماته الأخيرة تتردد في عقلها كصفعة، بينما غاب هو وسمر عن أنظارها، تاركًا خلفه غصة مريرة تكتم أنفاسها.
كانت خطوات عثمان وسمر تتردد في ممر القصر الهادئ. يده القوية تمسك بيدها الصغيرة كأنه يحميها من أي شعور بالارتباك الذي كان واضحًا في عينيها. عندما وصلوا إلى جناحهما، فتح الباب وأدخلها بهدوء، ثم أغلقه خلفه بحركة بطيئة وكأنه يريد عزل العالم بأسره عن هذه اللحظة.
وقفت سمر في منتصف الغرفة، تحاول أن تتفادى نظراته التي كانت تحاصرها بشدة. قلبها كان ينبض كأنه يريد أن يخرج من صدرها، لكنها لم تستطع أن تمنع الابتسامة التي انسلّت من بين شفتيها.
قال عثمان بنبرةٍ دافئة، وهو يقترب منها ببطء:
"إيه؟ لسا مضايقة من اللي حصل تحت؟"
رفعت عينيها نحوه بتردد. تلك العيون التي كانت دائمًا نافذته إلى قلبها. همست بصوتٍ خافت:
"مش مضايقة... بس ملك كانت واقفة.. وحسيت إن الوضع كان غريب شوية."
اقترب منها أكثر، يده امتدت لتلامس خصلات شعرها الناعمة من تحت طرف الوشاح بلطف، ثم رفع ذقنها برفق ليجبرها على النظر في عينيه. ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم أمسك بيدها بيده الأخرى، رفعها إلى شفتيه دون أن يقطع اتصالهما البصري، وقبّلها قبلة طويلة كأنما يريد أن يطمئنها بأن لا شيء خارج هذه الغرفة يستحق اهتمامها.
وهمس لها: "ملك.. انسيها دلوقتي.. إحنا هنا لوحدنا... أنا وإنتي."
وازداد اقترابًا منها، يده تتحرك بلطف على وجنتها، ثم مرّرها برفق إلى أسفل ذقنها. عيناها ترتجفان تحت نظراته الحادة المليئة بالشوق الواضح.
شعرت سمر بارتجافٍ طفيف وهي تنظر إليه. كلماته دخلت أعماقها، لكن حدة نظراته كانت أكثر وقعًا. حاولت أن تتكلم، لكن صوتها خانها.
دون أن يمنحها فرصة للكلام، انحنى عليها وقبّلها قبلة بطيئة وعميقة. لم تكن قبلة سريعة أو عابرة، بل قبلة تحمل كل ما لم يُقال، كل ما يشعر به نحوها. يده الأخرى استقرت على خصرها، تجذبها إليه أكثر، بينما وجدت نفسها غارقة أكثر بين ذراعيه. لم تستطع أن تقاوم دفء حضنه. بادلته القبلة بخجلٍ لكنها لم تستطع أن تخفي رغبتها في أن تظل في أمانه.
حتى شعرت كأنها تفقد السيطرة على قدميها. قالت متأوهة بهمسٍ مرتبك بين قبلاتهما:
"آه.. عثمان.. اديني فرصة.. إنت لسا واصل!"
لكنه لم يبتعد، بل همس بصوته الخافت قرب أذنها:
"بس لسا ما وصلتش لنص اللي كنت حاسه طول ما أنا بعيد عنك."
ورفعها بين ذراعيه بسهولة وكأنها لا تزن شيئًا. صوت شهقتها الخافتة جعله يبتسم، بينما سار بها نحو سريرهما العريض. وضعها برفق في مكانه هو، ظل للحظات يتأمل ملامحها من أعلى. أصابعه تتحرك على وجهها بخفة، تلامس شفتيها كأنه يطبع بصمته عليها.
ليقول بصوتٍ خافت، لكنه مليء بالعاطفة:
"عارفة؟ عمري ما تخيّلت إني ممكن أحب بالشكل ده.. كل حاجة فيكي بتخليني مش عايز أبعد... ولو حتى ثانية.. كنت هاتجنن وإنتي بعيدة عني... بقالنا سنين ماافترقناش المدة دي."
كان يحلّ أزرار قميصه و يخلع ثيابه قطعة قطعة بينما يحدّثها. لم تستطع سمر أن تجيب. كل ما استطاعت فعله هو أن تضع يدها على وجهه، تلمس ملامحه كأنها تريد أن تحفظها للأبد.
اقترب أكثر، حتى باتت أنفاسهما تتداخل. قبّلها مرة أخرى، قبلة أطول، أعمق، كأنها وعد جديد يُضاف إلى وعوده السابقة. يده تتحرك برفق على خصرها، ثم صعدت لتلامس كتفها بخفة، حتى بدأت أصابعه تزيل عنها وشاحها.
قطعت القبلة بصعوبة للمرة الثانية وهمست بصوتٍ خافت، ممتزج بالخجل:
"عثمان... استنى شوية... من فضلك!"
توقف للحظة، يده ثابتة على كتفها، ثم همس بابتسامةٍ صغيرة مسرورًا بنزعة الحياء التي لم تتركها طوال سنين زواجهما:
"مستنيكي إنتي اللي تطلبي... أنا مش هعمل حاجة غير اللي يريحك."
تورّد وجهها بشدة، لكنها لم تمنعه. بل على العكس، رفعت يديها وساعدته على أن يحررها من وشاحها وثوبها، كأنها تقول له بصمت إنها تثق به.
تحت ظلال الضوء الخافت للأباجورة المجاورة التي أضفت على الغرفة سكينة خاصة، لم يكن بين سمر وعثمان سوى همسات تختلط بأنفاسٍ متسارعة. كانت سمر بين ذراعيه، أقرب ما تكون إلى صدره، كأنها أخيرًا وجدت ملاذها الذي تاقت إليه طوال الأيام الماضية.
أما عثمان الذي اعتاد أن يحمل ملامح صلابة لا تنكسر، بدا مختلفًا الآن. عيناه التي كانت تحمل دائمًا نظرات القوة، امتلأتا بشوق مكبوت طالما حاول إخفاءه. رفع يده بلطف، يمررها على وجهها، يلامس وجنتها برقة. كانت بشرتها ترتجف تحت أصابعه. حاول السيطرة على نفسه لبرهة حتى لا يجفلها وهو يهمس بصوتٍ عميق مليء بالحنان:
"كنت مستني اللحظة دي... مستنيكي تترمي بين إيديا من تاني."
أغمضت سمر عينيها، تسللت دمعة دافئة على وجنتها، دمعة حب، واشتياق ظل مختزنًا لأيام. همست بصوتٍ مهتز بالكلمات التي تعكس مشاعرها:
"وإنت.. إنت وحشتني... وحشتني أوي يا عثمان.. كنت بموت وأنا بعيدة عنك.. كل ثانية كانت بتفكرني أكتر بيك.. وقلبي كان بيوجعني."
كان صوتها مليئًا بالشوق لدرجة أنه هز كيانه. دون أن ينتظر ردًا، مال عليها مجددًا وقبّلها، بكل المشاعر التي لم تسعفه الكلمات للتعبير عنها. يده كانت تتنقل بلطف على ظهرها، تلامسها وكأنها تخشى أن تفلتها مرة أخرى.
رددت من بين أنفاسها المتقطعة، وكأن الكلمات تنفلت منها:
"ماكنتش عارفة إن البعد ممكن يكون كده... كنت محتاجة حضنك.. في كل لحظة كنت بفتكر فيها أكتر... كنت محتاجة ليك جنبي."
زاد اشتياقه لسماع صوتها أكثر، لكل شهقة وكل همسة تخرج منها. أجابها بصوتٍ خافت ملؤه الإصرار:
"وأنا كمان كنت مشتاق لك.. ولا حاجة ليها طعم من غيرك... عايزك تفهمي حاجة يا سمر.. مافيش حاجة في الدنيا تقدر تفرقنا عن بعض.. لا زمان.. ولا حتى أي مخلوق."
دفن وجهه في عنقها، يقبّل بشرتها الناعمة ببطء. أصابعه تلاحقت وهي تتحسس حدود كتفيها بحذر، كأنها خريطة لا يريد أن يترك منها أي تفصيل. أما هي، فقد استسلمت تمامًا، تتنفس بعمق وكأنها تريد أن تختزن أنفاسه في صدرها إلى الأبد.
همست من بين شهقاتها:
"كنت بخاف.. خفت لما سافرت فجأة وأنا ما اعرفش إنك مسافر تحل مشكلة بين فادي وهالة.. خفت إنك تكون نسيتني... أو إن في حاجات تانية شغلاك عني.. حاجة ممكن تاخدك مني بسبب الحادثة اللي حصلت معايا وبعدتنا عن بعض فترة!"
رفع وجهه بسرعة. نظراته صارمة لكنها مغمورة بالحنان، وكأنه لا يصدق ما سمع.
قال بصوتٍ غاضب لكنه مشحون بالعاطفة:
"إزاي تفكري كده؟ إنتي الحاجة الوحيدة اللي كانت بتخليني أكمل... كل خطوة كنت باخدها كنت بفكر في اللحظة دي.. فيكي إنتي.. لما أرجع لك.. لما نكون مع بعض من تاني... إنتي جزء من كياني يا سمر.. مقدرش أستغنى عنك يوم واحد في حياتي."
كلماته كانت كافية لإشعال مشاعرها أكثر. سحبت وجهه نحوها دون خجل، تقبّله بشوقٍ عارم، كأنها تريد أن تملأ الفجوة التي خلّفها البعد بينهما.
يده تنتقل بخفة إلى كتفها، تُزيح ببطء رباط قميصها الرقيق. ارتد بوجهه قليلًا ليراقب ملامحها عن كثب، يبحث عن أي إشارة لتوقفه، لكنها، رغم توترها، لم تتحرك. بل أغمضت عينيها، كأنها تستسلم لشعورٍ غمرها بالكامل.
قال بصوتٍ دافئ قرب أذنها:
"إنتي عارفة إنك أجمل حاجة حصلت لي؟ عارفة قد إيه أنا بحبك؟"
لم تستطع منع نفسها من الرد بصوتٍ خافت مختلط بالارتجاف:
"آه يا عثمان... بحبك... بحبك ومش عارفة سمر اللي بين إيديك دي كانت هاتعيش إزاي لو ماكانتش قابلتك وعرفتك.. بحبك... بس..."
وضع إصبعه على شفتيها ليوقف كلماتها، ثم قال بابتسامةٍ صغيرة:
"مابسش.. أنا معاك دلوقتي.. وكل حاجة هاتحصل هنا هي لإنك عايزاها.. مش لأي سبب تاني."
استمرت يده في حركتها البطيئة، تُزيل ما تبقّى من ثيابها رويدًا رويدًا، بينما وجهه يقترب أكثر، يطبع قبلة رقيقة على عنقها، ثم يرتفع ليُقبّل وجنتها بحنان. شعرها المبعثر على الوسادة أضفى على اللحظة سحرًا خاصًا، بينما ارتفعت حرارة أنفاسها التي أصبحت متقطعة بشكل واضح.
قالت بصوتٍ مرتعش، يحمل شوقًا مكبوتًا:
"أنا بس.. لسا.. تايهة شوية.. مش عارفة أعمل.. إيه!"
رفع رأسه لينظر إليها مباشرةً. عينيه مليئتان بالصبر والحب الذي لا يعرف حدودًا. ثم همس لها بصوتٍ هادئ لكنه عميق:
"مش مطلوب منك تعملي حاجة.. بس خليكي معايا... وكل حاجة بينّا هتبقى زي ما إنتي عايزاها."
مع كل كلمة منه، كانت ترتخي أكثر تحت يده. شعرت بالأمان الذي يمنحها إياه، وكأن خوفها بدأ يتلاشى رويدًا رويدًا. عندما انتهى من إزالة فستانها، اقترب مرةً أخرى، يطبع قبلة أطول على شفتيها. لم تستطع أن تمنع نفسها من الاستسلام له. ارتفعت يداه لتمسكا بخصرها، يقرّبها منه أكثر، وكأنه يريد أن يمحو أي مسافة تبقّت بينهما.
بدأت قبلاته تصبح أعمق، أكثر حرارة، لكنه حافظ على رقة لم تتركها تشعر بأي ضغط. أما هي، فكانت تستجيب له بخجلٍ، إلا إنها لم تستطع إخفاء شوقها الذي بدأ يظهر في أنفاسها وكلماتها المتقطعة:
"أنا عايشة بيك.. وبـ ليك.. أنا عمري ما هابعد عنك تاني... عمري."
كانت كلماتها كافية لإشعال المزيد من الشوق بداخله. بين أنفاسهما المتلاحقة وأجواء الغرفة المشحونة بالشوق، كانت قبلاتهما تتحول من رقيقة إلى أكثر حرارة وعمقًا، كأنهما يحاولان تعويض كل لحظة افتقدا فيها قرب بعضهما.
و بينما يده تتحسس وجهها ببطء، كأنه يتأكد من أنها أمامه، أنها حقيقية. شفتيه تلتقط شفتيها كأنها أغلى ما يملك. وسرعان ما أصبحت قبلاته أكثر جوعًا، وأكثر احتياجًا.
كانت سمر تتنفس بصعوبة. استجابت له في كل خطوة بشوقٍ مكبوت. حاولت أن تتراجع للحظة تحت وطأة خجلها، لكنها لم تستطع. بين كل قبلة وأخرى، تحت هذا الجو الحميمي، حيث امتزج الحب بالشوق، والحنان بالرغبة، بدأت اللحظة تتحول إلى حكاية عاطفية فريدة. لغة من العشق الصادق الذي لم يكن يعرف الحواجز.
بعد ساعة وبضع دقائق.
كانت سمر ما تزال مستلقية تحت نظرات عثمان، غارقة بين شعورها بالخجل ودفء الحب الذي يُحيط بها. لم تستطع أن تمنع وجنتيها من الاحمرار تحت وطأة قربه.
بعد أن هدأت أنفاسهما قليلاً، وعاد الهدوء إلى الغرفة، رفع عثمان كفّه برفق ووضعها على بطن سمر العارية، وكأنه يحاول التواصل مع الجنين الذي حملته. كانت حركته بطيئة، مليئة بالشغف، وكأن لمسته تحمل وعدًا بالحماية الأبدية.
تغمض عينيها للحظة، تحاول استيعاب تلك اللمسة التي كانت تحمل مزيجًا من الحماية والحنان، قبل أن تفتح عينيها لتقابل نظره المثقل بالعاطفة.
تحركت أنامله بخفة فوق جلدها، يشعر بحرارة جسدها ويتخيل الحياة التي تنبض بداخلها. رفع نظراته إليها، وعيناه ممتلئتان بالعاطفة والدهشة، كأنه يرى سمر بشكلٍ جديد تمامًا.
قال هامسًا وابتسامة هادئة تعلو ثغره المثالي:
"حاسس بيه... ده ولد.. أنا متأكد."
ابتسمت سمر بخجل وهي تنظر إليه، تشعر بمزيجٍ من الحب والطمأنينة التي يبعثها لمسه. اقتربت أكثر منه حتى أصبح جسدها ملتصقًا به بالكامل، وقالت بصوتٍ هادئ مع لمسة من الدعابة:
"و أنا اللي كنت فاكراك هاتتمنى بنت عشان فريدة ما تحسش إنها لوحدها."
ضحك عثمان ضحكة خفيفة، لكن عينيه لم تفارقا بطنها المستديرة، وكأنهما يبحثان عن إجابة في عمقها. ثم رفع كفّه مرة أخرى، وبدأ يداعب بطنها بلطف وكأنما يريد طمأنة الجنين بلمساته.
أردف بصوتٍ عميق مليء بالحنان:
"فريدة بنتي ما يتخافش عليها.. طول ما عندها أم زيك عمرها ما هاتحس بالوحدة.. إنتي عندك حنان يكفي أجيال يا سمر نسيتي و لا أفكرك!؟"
وتابع بعد ثوانٍ:
"حاسس إن ده هايطلع ولد.. لو احساسي طلع صح أكيد هاحبه.. كل ولادي غاليين عليا.. لكن يحيى حاجة تانية.. يحيى له مكانة خاصة جدًا في قلبي."
تحركت سمر لتحتضن يده فوق بطنها، وكأنها تريد أن تشاركه هذه اللحظة بالكامل. نظراتها مليئة بالحب، ولكن أيضًا بالحياء الذي يميزها دائمًا أمام هذا النوع من الحوارات.
قالت بصوتٍ خافت يشوبه الحنان:
"إنت عارف إني كنت خايفة من الحمل التالت؟ وحاسة إنها أول مرة من قبل ما أبدأ أفتكر شوية.. بس لما بشوفك كده.. لما بحس إنك موجود معايا... بحس إن كل حاجة بتبقى سهلة."
لم يجبها عثمان بالكلمات، لكنه مال برأسه نحوها ليطبع قبلة طويلة على جبينها. كانت قبلته تحمل وعدًا جديدًا، طمأنة عميقة لها بأنها ليست وحدها، وأنه شريكها في كل لحظة من حياتها. ثم حرّك شفتيه ببطء إلى وجنتها، ثم إلى زاوية شفتيها، وكأن كل قبلة تعبر عن حبه بعمقٍ أكثر.
قال بهمسٍ قريب، من بين أنفاسه الثقيلة:
"سمر... إنتي مش بس أم لولادي.. إنتي حياتي كلها.. مش مهم ولد ولا بنت... المهم إنك معايا."
أحست سمر بقشعريرة تجتاحها مع كلماته، ودفنت وجهها في صدره، تسمع دقات قلبه التي كانت تعزف نغمة من الراحة والسكينة.
ثم رفعت رأسها ونظرت إليه، يدها تمسك بيده المستقرة على بطنها، ردت بابتسامة خجولة وبصوتٍ خافت:
"يمكن يكون ولد.. ويمكن بنت... بس اللي متأكدة منه إن هي أو هو محظوظ... لأنه عنده أب زيك."
ابتسم بخفة. شعر بشيء يغمر قلبه. لم يكن الحب الذي يشعر به نحوها شيئًا عاديًا، بل كان شيئًا أكبر، أعمق، وأكثر حقيقية.
مال نحوها مرة أخرى، يقبّلها قبلة طويلة وعميقة، أنفاسهما تتداخل، ويداهما لا تزالان متشابكتين فوق بطنها، وكأنهما يعيشان معًا تلك اللحظة التي تربط بين الحاضر والمستقبل.
بعد لحظات من الصمت العاطفي بينهما، حيث كان الجو لا يزال مشحونًا بالحب والدفء، تنهدت سمر بخفة وكأنها تتذكر شيئًا مهمًا.
وضعت يدها على يد عثمان التي كانت لا تزال مستقرة على بطنها، ونظرت إليه بعينيها الممتلئتين بالعاطفة، لكن هذه المرة بشيء من الجدية.
أخبرته بصوتٍ خافت لكنه مليء بالقلق:
"عثمان... نسيت أقولك أول ما وصلت.. فريال هانم مابطلتش سؤال عنك من يوم ما سافرت.. حالتها مش زي كل مرة... يمكن محتاجة تشوفك دلوقتي."
تغيرت ملامح عثمان في لحظة. نظر إليها بتركيز، وكأن ذكر والدته أعاد له شعورًا بالمسؤولية الثقيلة. أزاح يده عن بطنها برفق، وقام من السرير بسرعة، كأن قلبه قد التقط إشارة غير مرئية.
سألها وهو يلتقط ملابسه من فوق الأرض:
"حصل إيه في غيابي؟ أمي كويسة يا سمر؟ جرالها إيه؟"
جلست سمر على السرير، وضعت يدها على ذراع عثمان الذي بدأ يبحث عن قميصه بين طيّات الشراشف وقالت تطمئنه:
"ماتقلقش هي كويسة.. بس تحس إنها مرضانة.. رغم إنها مش بتشتكي من حاجة.. كل اللي على لسانها اسمك.. عايزة تشوفك حتى ماكانتش عايزة حد يكلمك.. لأ.. هي عايزة تشوفك قصادها.. أنا فضلت جنبها طول الوقت.. وكنت بأكلها بإيدي لأنها كانت رافضة الأكل تمامًا.. بس أنا ماسبتهاش."
بدت عليه ملامح القلق العميق. ارتدى قميصه بسرعة ونظر إليها بنظرة شكر وامتنان، لكن مع شيء من الانشغال. قال وهو يحاول تهدئة نفسه:
"أنا كنت عارف إنك هاتاخدي بالك منها.. ماكنتش غلطان لما وصيتك عليها.. لازم أروح لها حالًا."
واقترب منها مرة أخرى، انحنى ليطبع قبلة على جبينها. نظرة عينيه تقول الكثير دون أن ينطق.
همس ماسحًا على رأسها بمودة:
"سامحيني لو سيبتك الليلة دي... بس أمي فوق كل حاجة."
قالت بابتسامة هادئة ومتفهمة:
"مافيش حاجة تعتذر عليها.. عثمان.. أنا كمان لو كنت مكانك.. كنت هعمل نفس الشيء.. إنت نسيت و لا إيه!؟"
وتابعت تحثه:
"روح لها بسرعة وخلّيك جنبها."
أخذ عثمان نفسًا عميقًا وكأنه يحاول تجهيز نفسه لأي شيء قد يواجهه. توجه نحو الباب بخطوات سريعة، لكن قبل أن يغادر، التفت نحوها مرة أخيرة.
قال بابتسامةٍ دافئة:
"لو نعستي نامي.. أنا هارجع بمجرد ما أطمّن عليها."
هزت سمر رأسها بإيجاب، وراقبته وهو يغادر الغرفة. شعرت ببعض القلق على عثمان وأمه، على العائلة كلها. لكنها في الوقت نفسه كانت مطمئنة لأن الرجل الذي أحبته لديه قدرة عظيمة بأن يضع الجميع في مكانهم الصحيح دائمًا، ويعرف كيف يوازن بين حبه لها ومسؤوليته تجاه عائلته.
لحظات وهدأت الغرفة مجددًا. غطّت بالنوم بينما قلبها ينبض برتابة، يفكر بما يمكن أن يحدث، وما قد يعنيه هذا الحمل الجديد لعائلتهم في ظل المسؤوليات التي يواجهها عثمان يوميًا.
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم مريم غريب
أمام جناح "فريال" هانم ...
طرق "عثمان البحيري" الباب مرتين بخفة، وانتظر للحظة قبل أن يدخل. داخل الغرفة، أضاءت أباجورة صغيرة بجانب السرير تكفي لتكشف ملامح والدته النائمة. تمددت "فريال" تحت الغطاء بلونها الشاحب، وجهها الذي استوطنته تجاعيد خفيفة لم تمسّ جمالها. كانت كما هي دائمًا، أمه، الملاك الذي تحمل رغم كل شيء.
أغلق الباب بهدوء، وسار بخطواتٍ مترددة نحوها. توقف عند طرف السرير، جلس ببطءٍ، وكأن حركة واحدة خاطئة قد تفسد لحظة السلام الهشّة. عينيه لم تتركا وجهها، شعرها الأصهب الذي مزج الزمن بياضه فيه، بشرتها التي رغم بهتانها ظلّت تحتفظ بنقاءٍ دافئ. مدّ يده ببطءٍ، أصابعه ترتعش قليلاً وهو يلمس شعرها الناعم. أنفاسها كانت هادئة، لكنها حرّكت بداخله إعصارًا من المشاعر المتناقضة.
الدم في عروقه بدأ يغلي. عاد به عقله إلى الماضي، إلى ما حدث هنا في هذا السرير تحديدًا، الذكرى التي لوّثت كل شيء باكتشافها مؤخرًا. لماذا لم يكتشفها في وقتٍ باكر؟ لم يحميها؟ كيف لذلك الوغد، عمه الراحل، أن ينتهك حرمتها في غيابهم؟ وكيف مات دون عقاب؟
ضغط على أسنانه بشدة، يحاول كبح غضب خامد استيقظ فجأة. لكنه تذكر، تذكر كيف انتقم من "مالك عزام" شر انتقام، كيف حقق عدالة مؤلمة وكأنه يقتصّ من الماضي ويمحو آثاره في الحاضر.
كانت تلك الأفكار تختفي تدريجيًا عندما بدأت "فريال" تتحرك. همست باسمه: "عثمان..."، وهي ما تزال تحت تأثير النوم. قلبه انقبض، عينيه أغمضتا، وكأنه يحاول أن يحبس مشاعره قبل أن تظهر أمامها.
"أنا هنا، يا ماما. اقترب أكثر." صوته دافئ ومنكسر في الوقت ذاته.
فتحت عينيها ببطءٍ، وكأنها ما تزال غير مصدقة. عندما أدركت وجوده فعلاً، مدت ذراعيها نحوه دون تفكير، وانهارت في بكاءٍ مكتوم. حاصرها بحضنه، ضمّها بقوة، وتركها تبكي كما لو أن كل آلام العالم تجد منفذها الآن. ظلت متعلّقة برقبته، وجهها مخبأ في صدره وهي تغمغم بحرارةٍ: "عثمان... سامحني..."
هزّ رأسه، صوته كان بالكاد مسموعًا: "ولا كلمة... أنا هنا... أنا معاكي."
استمر في احتضانها حتى هدأت تمامًا، لكنه لم يتركها. بقى بجانبها كأنه الحارس الذي عاد أخيرًا إلى مكانه الصحيح.
***
خارج المقابر، في مشهد ثقيل بالرثاء والندم، كانت "لمى عزام" تقف بين والديها. جسدها الصغير منكمش في سترتهما الحامية من الرياح الباردة. عيناها متسعتان، تحدقان في الأرض دون أن ترى شيئًا. الذهول خيّم على ملامحها، وكأنها لم تستوعب بعد أن جدها "حسين عزام" قد رحل. كانت الأمور تبدو و كأنها تتحسن بينهما. كان جدها قد وعدها ببدء صفحة جديدة، لكن القدر خطف اللحظة قبل أن تكتمل.
وقف "مراد" إلى جانبها، ذراعه ملفوفة حول كتفيها، يحاول أن يمنحها شعورًا بالأمان الذي يبدو أنه تلاشى في تلك اللحظة. بقى صامتًا، لكن عينيه كانتا مليئتين بالقلق والخوف عليها. أما "إيمان"، فقد وقفت في صمتٍ، عيناها حمراء، تمسح أنفها بين الحين والآخر بمنديلٍ صغير. رغم أنها لم تكن تحمل مشاعر طيبة تجاه "حسين" طوال حياتها، إلا إن موته المفاجئ هزّها بطرق لم تتوقعها.
بعد لحظاتٍ من الصمت الثقيل، خرجت "مايا عزام" من المقابر، وإلى جانبها زوجها "نبيل الألفي". "مايا" كانت صورة للحزن الأنيق، فستانها الأسود الطويل يتماوج مع خطواتها، وشاحها يغطي رأسها بعناية. وجهها كان محتقنًا من البكاء، لكن عيناها الآن ثابتتان، تملؤهما صلابة مشوبة بالحزن العميق.
اقتربت "مايا" متمسكة بذراع "نبيل"، بخطواتٍ بطيئة. ورغم التوتر الذي ملأ الجو، توجهت مباشرةً نحو "إيمان".
"شكرًا إنك جيتي يا إيمان." كان صوتها منخفضًا لكنه واضح، نبرة تحمل قدرًا من الامتنان المخلوط بالحزن.
ظلت "إيمان" للحظة تنظر إلى "مايا" بترددٍ، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها طويلًا. "مايا" لم تكن مجرد ابنة عمتها، بل كانت أشبه بأخت في يومٍ من الأيام. تربّت معها في بيتٍ واحد وتشاطرت أشياء كثيرة.
بابتسامة صغيرة مترددة، ردت "إيمان" بلطفٍ: "مايا... انتي اختي، وأنا اللي ربّيتك... ما تشكرينيش أبدًا." كلماتها كانت صادقة، وبدت و كأنها تفتح نافذة صغيرة للمستقبل بينهما.
لم تتردد "إيمان" أكثر، اقتربت من "مايا" واحتضنتها بقوة. بينما "مايا" التي حافظت على تماسكها طوال الجنازة، شعرت بشيء داخلي ينهار. دموعها انزلقت بلا إرادة منها، وذراعاها ضمّتا "إيمان" كما لو كانت تتمسك بآخر شظايا ذكرياتها الجميلة، قبل أن تنقلب حياتها رأسًا على عقب بدءًا من وفاة شقيقها "سيف" قبل ما يزيد عن خمسة عشر عامًا.
كانا كلًا من "مراد" و"نبيل" يقفان جانبًا، ملتزمين بالصمت. كلاهما يعرف الآخر، لكن علاقتهما لم تكن أبدًا ودية. "مراد" نظر إلى "نبيل" نظرة عابرة، ثم أعاد تركيزه على ابنته "لمى" التي كانت تشاهد المشهد كله بعيون ملؤها نظراتٍ فارغة.
بعد لحظاتٍ، تراجعت "مايا" عن حضن "إيمان" ببطءٍ، تمسح وجهها بمنديلٍ صغير. نظرت نحو "لمى"، تلك الفتاة الصغيرة التي تحمل لمحات من ملامح أخيها الراحل، وكأنها تنظر إلى جزء منه لا يزال حيًا. اقتربت منها بخطواتٍ هادئة. رفعت "لمى" عينيها لتواجه عمتها "مايا"، تحدق فيها بقوة لم تناسب عمرها الصغير.
"إزيك يا لمى... فاكراني؟" سألتها "مايا" بصوتٍ دافئ رغم حزنه.
هزّت "لمى" رأسها ببطءٍ، عيناها تحملان خليطًا من الحزن والتحفّظ. انحنت "مايا" قليلاً لتكون على مستوى نظرها، ثم مدت ذراعيها بحذر واحتضنتها. لم تبادلها "لمى" الحضن في البداية، لكن مع مرور الثواني، شعرت بدفء "مايا"، ورفعت ذراعيها لتحيط بها.
همست "مايا" بكلماتٍ، وكأنها تحاول أن تمنح ابنة أخيها شيئًا من الطمأنينة: "أنا عايزة وعد منك يا لمى... إحنا لازم نفضل على تواصل... هاجي أزورك وتبقي تيجي عندي... مش عايز اكي تغيبي عني أبدًا... مفهوم؟"
أومأت "لمى" بخفة، ودمعة وحيدة انزلقت على خدها.
كان "مراد" يراقب من مكانه، عينيه مليئتين بمشاعر مختلطة. بينما "نبيل" وقف جامدًا، يطوي ذراعيه أمام صدره، منخرطًا في حزنه الخاص على شريكه وصديقه الوحيد، الرجل الذي آواه واحتضنه وأنقذه من الضياع، "حسين عزام".
الصمت الذي ساد بينهم جميعًا حمل وعدًا ضمنيًا بمرحلة جديدة، مليئة بالتحديات والآلام التي تحتاج إلى التصالح معها مستقبليًا.
***
كان الصمت يلف الأجواء داخل السيارة، رغم صوت المحرك الذي كسر هدوء المساء. جلس "مراد" خلف عجلة القيادة، بجواره جلست "إيمان" في كرسي الراكب. عيناه مركزتان على الطريق أمامه، لكنه كان يشعر بوزن اللحظة يخيّم على الجميع. في الكرسي الخلفي، جلست "لمى"، ذراعيها متشابكتان أمام صدرها، ونظرتها مثبتة على النافذة. عيناها كانتا تتبعا المشاهد العابرة، لكنها لم تكن ترى شيئًا.
"إيمان" أيضًا كانت غارقة في أفكارها، تعبث بمنديلها بين أصابعها، لكنها قررت قطع الصمت.
"لمى، حبيبتي... انتي كويسة؟"
التفت مراد إلى ابنته عبر المرآة الأمامية، صوته كان منخفضًا لكنه حنون: "إيه يا حبيبتي... تحبي نقف في أي مكان؟ قوليلي آخدك في حتة تغيري مود؟ انتي ما أكلتيش من الصبح!"
تنهدت "لمى" بهدوء، ثم قالت بصوتٍ خافت: "أنا كويسة يا بابي... بجد... بس... حسين، جدو... ظهر فجأة وكان بيحاول يعوضني غيابه زي ما قال. كان لسا... لسا بيقول إنه هايحاول..."
أحنى "مراد" رأسه قليلاً، يحاول أن يجد الكلمات المناسبة: "عارف يا لمى، وكان واضح إنه فعلاً بيحاول، بس ساعات... القدر بيتدخل بطريقة إحنا مانقدرش نتحكم فيها."
نظرت "إيمان" إلى زوجها، وكأنها تريد أن تضيف شيئًا، لكنها ترددت للحظة قبل أن تسأل: "مراد... إحنا هانروح على فين دلوقتي؟"
تحدث "مراد" بنبرةٍ هادئة ولكن حازمة: "إحنا رايحين المطار، هانقابل رامز الأمير هناك، ونرجع كلنا على مصر الليلة."
زفرت "إيمان" براحة قائلة: "أيوه من فضلك... لازم نرجع بسرعة، قلبي مشغول على عمر قوي من ساعة ما سيبته في بيت صاحبك."
هزّ مراد رأسه وقال بصوتٍ أجش يطمئنها: "ما تقلقيش خالص، أنا مطمن على ابننا في بيت صاحبي ومش شاغلني نهائي. قصر البحيري آمن جدًا، وعثمان بنفسه هناك، وبعدين أنا تقريبًا متربي هناك، ما انتي عارفة، عثمان البحيري صديق عمري، أخويا."
أتت طمأنته ثمارها وشعرت "إيمان" بشيء من الراحة، لكنها اكتفت بهزة رأس خفيفة. نظرت إلى "لمى" التي كانت ما تزال تحدق في النافذة، ثم وضعت يدها على كتفها، تحاول أن تمنحها شعورًا بالطمأنينة قائلة: "إن شاء الله أول ما نوصل نبدأ نخطط لإجازة طويلة في مصر، عشان لولو وعمر يتفسحوا ويتبسطوا. أنا مش شايفة إن بقى في سبب يمنعنا نستقر هناك شوية، صح يا مراد؟"
أومأ "مراد" بصمتٍ، ثم قال بهدوء: "صح... أنا هاظبط شغلي كله من هناك عشان نقعد لآخر الصيف، وبالنسبة للدراسة نبقى نرجع على الامتحانات وننزل مصر تاني. المهم عندي لمى تكون مبسوطة وأي حاجة تطلبها تتنفذ فورًا."
ابتسمت "لمى" لعينيه عبر المرآة الأمامية وإلتزمت الصمت. الجو داخل السيارة استمر مشحونًا، لكنه أصبح أكثر هدوءًا، وكأن الكلمات التي قيلت كانت كافية لإعادة بعض التوازن المؤقت. في الأفق، أضواء المطار بدأت تظهر، ومعها بدأ فصل جديد يلوح في الأفق لعائلة "مراد".
***
داخل غرفة المكتب في قصر "البحيري"، كانت الغرفة مضاءة بإضاءة خافتة تعكس دفء المكان وهيبته بالإضافة لضوء الشمس المتسلّل عبر زجاج النوافذ العريضة. الأثاث الفخم يشهد على عراقة تاريخ العائلة، بينما "عثمان البحيري" يلج أولاً، متبوعًا بزوجته "سمر حفظي" التي كانت تراقبه بعينين مليئتين بالقلق.
"في إيه يا عثمان؟" سألته بنبرةٍ حذرة وهي تتابع خطواته الثقيلة نحو الأريكة.
جلس "عثمان" على الأريكة وأشار لها أن تجلس بجانبه، ثم مد يده نحو الطاولة أمامه حيث استقر ملف سميك من الأوراق.
"عايز أكلمك في حاجة مهمة!" قالها بهدوءٍ، بينما دفع الملف قليلاً باتجاهها.
غاصت "سمر" بجانبه فوق الأريكة الوثيرة، عيونها معلّقة على الملف قبل أن ترفعها إليه.
"إيه ده؟"
أخذ "عثمان" نفسًا عميقًا، ثم قال بثباتٍ: "القصر ده... كله بقى ملكي لوحدي."
رمشت "سمر" بعينيها بدهشةٍ، ولم تقل شيئًا، تنتظر أن يكمل.
"أنا اشتريت نصيب كل الورثة... محدش بقى له حاجة هنا غيري."
"ليه؟" سألته بذهول وهي تشير للملف: "عملت كده ليه؟"
ابتسم "عثمان" بهدوء، ونبرة صوته بدت وكأنها تحمل إجابة معدّة مسبقًا: "عشان كتبت القصر باسم يحيى... ابننا."
تجمّدت "سمر" في مكانها للحظة، تحاول استيعاب كلماته. رددت مشدوهة: "بإسم يحيى؟ ليه؟ ليه ما كتبتش باسمك انت؟"
"لأن ده حقه... القصر ده لازم يبقى باسم الوريث الأكبر في العيلة، وهو الوريث الكبير من بعدي. لما يكون باسمه مافيش حاجة من المِلك هاتطلع بره، وأنا عارف إن يحيى زي ما هو ابني، هايبقى عادل زي أبوه، هاياخد باله من اخواته، وهايدير كل حاجة بحكمة."
نظرت إليه "سمر" بعيون مليئة بالحيرة، لكن شيئًا في كلماته جعلها تشعر بالرهبة والحنان في الوقت ذاته.
"طيب وباقي ولادك؟ انت مش شايف إن ده ظلم ليهم؟"
"مافيش ظلم يا سمر!" قالها بثقة، وابتسامته لم تفارقه: "أنا ضامن لكل واحد فيهم حقه، كلهم ليهم حقهم في ميراثي، ومحدش فيهم هايتظلم أبدًا، لكن ده... ده تراث العيلة، لازم يبقى في أمان وملك شخص واحد بس."
صمتت "سمر" للحظاتٍ، وكأنها تستوعب كلماته، ثم رفعت نظرها إليه وقالت بصوتٍ شبه منكسر: "عثمان... ليه كل ده دلوقتي؟ إيه اللي خلاك تفكر بالطريقة دي؟"
ابتسم لها بهدوءٍ، وعيناه مليئتان بتعب سنوات لم يعترف به من قبل وقال: "محدش فينا هايعيش للأبد يا سمر، أنا بس عايز أطمن على مستقبل ولادي قبل ما أسيبهم في أي وقـ..."
قاطعته فجأة، ورمت نفسها في حضنه، دموعها بدأت تسيل دون أن تشعر وهي تقول من بين أنفاسها المتقطعة: "اسكت! ما تقولش كده، انت بتوجع قلبي بالكلام ده يا عثمان."
ضمّها "عثمان" بحنانٍ، ومسح على شعرها، لكنه أكمل بصوتٍ منخفض، وكأنما يخاطب قلبها قبلها: "أبويا مات فجأة يا سمر، وكان لسا ماكبرش أوي، كان صغير، وأنا دلوقتي بقرب من السن اللي مات فيه!"
رفعت "سمر" رأسها بسرعة، وضعت يدها على فمه لتوقفه، عيناها امتلأتا بالدموع وهي تهز رأسها: "بعد الشر عليك يا حبيبي، أبويا وأمي كمان ماتوا وهما لسا صغيرين، بس ده قضاء وقدر، محدش عارف معاده إلا ربنا."
ابتسم "عثمان" برقة، وأمسك يدها ليبعدها عن فمه بلطفٍ قائلاً: "ونِعم بالله يا حبيبتي، أنا عارف كل ده، بس أنا اتعلمت من اللي فات، اللي سبقونا سابوا الدنيا من غير ما يضمنوا حاجة، وأنا مش عايز أعمل كده، عايز أسيبكوا كويسين، مش ناقصكوا حاجة."
كلماته كانت ثقيلة على قلبها، لكنها لم تستطع الرد، فقط أغمضت عينيها ودفنت وجهها في صدره. ابتسم "عثمان" من جديد، ومسح دموعها بأنامله بحنانٍ، ثم همس لها بصوتٍ طمأنها رغم كل شيء: "ما تقلقيش يا سمر، أنا مش هاسيبكوا دلوقتي... مش هاسيبكوا دلوقتي خالص."
***
الإسكندرية – مطار برج العرب
ضجيج صالة الوصول كان طبيعيًا، المسافرين يتنقلون بين الحقائب، أصوات عربات النقل وصدى الإعلانات عن الرحلات. لكن وسط الزحام، وقعت تلك الصدفة التي بدت وكأنها مكتوبة في سيناريو مُحكم.
كان "مراد" يسير بجانب زوجته "إيمان"، وخلفهما "لمى" تمسك بيد "رامز الأمير" الذي كان يدفع عربة حقائبهم. الكل بدا مرهقًا بعد الرحلة، لكن "مراد" كان أول من لاحظ الثنائي الذي ظهر أمامهم فجأة: "هالة البحيري" وزوجها "فادي حفظي".
بشعرها البني المصفف بعناية وفستانها الكاجوال الأنيق، وقفت "هالة البحيري" بجانب زوجها الذي بدا أطول منها بشكلٍ مُلفت، وجذابًا بملامحه الجادة ونظرته الحذرة. كانت المفاجأة بادية على وجه "مراد"، لم يكن يتوقع أن يلتقي بها هنا، بعد كل هذه السنوات.
اصطحب زوجته في يده بينما يتوجه نحو طليقته وزوجها مباشرةً، ورغم السنوات التي مرّت، لم يخفِ "مراد" ابتسامته الخفيفة وهو يقترب منها هاتفًا: "هـالة!"
التفتت "هالة" إلى النداء، وفي عينيها شيء من الارتباك ما إن رأته، كأنها تراجعت إلى ذكرياتٍ قديمة. على الرغم من ذلك، بقيت يدها متشابكة مع يد زوجها "فادي"، كما لو كانت تحاول الحفاظ على تلك المسافة بين الماضي والحاضر.
"مراد... إزيك؟" قالت بصوتٍ منخفض وعيناها تشي بما يختبئ من توتر خلف تلك الكلمات البسيطة. هذه هي المرة الثالثة التي يلتقي زوجها وطليقها وجهًا لوجه.
مدت يدها له، لكنها كانت تتحاشى أن تترك يد "فادي" الذي أحسّت بتصلّبه بجوارها. شدّ "مراد" على يدها بحميميةٍ مألوفة، ثم أضاف بصوتٍ ناعم كأنما يعتذر عن أيّ إساءة لحقت بها بسببه أو اقترفها هو بحقها: "أنا كويس... وإنتي أخبارك إيه؟ ما شاء الله... ابنك!"
ونظر إلى الطفل الجميل الذي تعلّق بأيدي والديه، ثم نظر إلى "فادي" مبتسمًا وقال: "ربنا يحفظه، ويبارك لكوا فيه يارب."
ازداد "فادي" جمودًا وهو يقف بجانب "هالة"، وبغض النظر عن كم التوتر الذي شعر به، كانت عينيه تتنقل بين "مراد" و"هالة" بعنايةٍ. لم يكن يخفى عليه تاريخ "مراد" و"هالة"، تاريخ كانت فيه العلاقة بينهما ذات يوم أكثر من مجرد صداقة. لقد كان زوجها!!!!
على الطرف الآخر، "إيمان" التي كانت تراقب المشهد عن كثب، نظرت إلى "مراد" ثم إلى "هالة"، ثم إلى يد "فادي" المترابطة مع يد "هالة". كانت تعرف القصة جيدًا. "هالة البحيري"... كانت في يوم من الأيام جزءًا من حياة "مراد" وكانت العلاقة بينهما تحمل الكثير من الذكريات المختلطة. "إيمان".. رغم صمتها، كانت تراقب بهدوء، لكن لم يكن في عينيها مكان للمقارنة أو الشك، فهي تعرف كل شيء، وتخطّت حاجز الثقة بزوجها منذ مدة طويلة. هو ليس زوجها فحسب، إنه حبيبها، حب عمرها.
"إزي حالك يا مراد؟" سأل "فادي" بصوتٍ رزين، لكنه كان يحمل توترًا خفيًا في طياته، ناتجًا عن معرفة تاريخ العلاقة بين "مراد" وزوجته "هالة".
أجابه "مراد" بثباتٍ وهو يدرك تمامًا عبء الصدفة التي جمعت بهم وتأثيرها عليه: "بخير يا فادي، حمدلله على السلامة. إنتوا جايين في زيارة؟ رايحين على قصر البحيري!؟"
أومأ له "فادي" قائلًا: "آه فعلًا، رايحين... هاننزل ضيوف كام يوم، لكن قررنا نستقر هنا."
"حلو... إحنا كمان رايحين على هناك... نتحرك سوا ولا معاكوا عربية؟"
لم يجاوبه "فادي" بسرعة، بينما "هالة" نظرت إليه بتوتر، لكنها لم تعلق. بدا كأن اللقاء ترك طعمًا معقدًا على الجميع.
ليقترب "رامز" من "مراد" ويربت على كتفه قائلًا: "أنا معايا عربية برا تكفينا كلنا، الطريق طويل يا جماعة، لو هانكمل دردشة، نخليها في مكان أريح."
الجميع التقطوا الإشارة بصمت، واتجهوا للخروج من صالة الوصول. الجو كان مشحونًا، لكن اللقاء في قصر "البحيري" بدا وكأنه يحمل وعودًا لمزيد من التوترات والمفاجآت.
***
قاعة الطعام الرئيسية بقصر "البحيري"، كان العشاء فرصة نادرة لاجتماع العائلة بأكملها بعد الأوقات العصيبة التي مرّوا بها. المائدة ممتدة، اجتمع الجميع حولها. الأجواء هادئة على السطح، لكنها تخبئ تحتها مشاعر متضاربة. أطباق شهيّة متنوّعة وموّزعة بإتقانٍ، أضواء الثريات تنعكس على الكريستال الفاخر، لكن العيون كانت هي الحكاية الحقيقية.
تجلس "سمر" على يمين زوجها، "عثمان البحيري"، تحاول أن تكون أقرب إليه في غياب "فريال" هانم التي ما زالت تتعافى في جناحها. كانت تتحدث بهدوءٍ إلى الحضور، تحاول التخفيف من توتر اللحظة.
على الجانب الآخر، "شمس البحيري" جلست في صمتٍ يشبه العزلة. وجهها شاحب، وعيناها مثقلتان بالكآبة، لا تكاد ترفع رأسها عن طبقها. قلبها مثقل بذكريات حبيبها الذي حُرمت منه قسرًا، وحياتها التي أصبحت كأنها قيد. لم تكن قادرة على التركيز مع أي حديث أو صوت حولها.
كان "عثمان" يراقبها خلسة لعدة دقائق، ثم فجأة، مد يده وأمسك بيدها بهدوءٍ، مما جعلها تنتفض قليلاً وتلتفت إليه بتوهان.
"إيه يا شمس؟" سألها بنبرةٍ دافئة وعيناه مليئتان بالحنان الذي نادرًا ما أظهره لها.
لم ترد "شمس"، لكنها شعرت بطمأنينة غريبة من لمسته. في تلك اللحظة، رفع "عثمان" صوته ليتحدث إلى الجميع: "يا جماعة، مبدئيًا منورين، أنا عايز أشكركوا كلكوا إنكوا هنا معايا انهاردة، وجودكوا معايا بيسعدني أكتر من أي حاجة تانية. لما بنشوف بعض بعد مدة طويلة من الغياب، بتكون لحظات غالية، ما تتقدرش بتمن. لحظاتي معاكوا دلوقتي ما تتقدرش بتمن، كلكوا عيلتي، كلكوا مني."
كانت كلماته تملأ الجو بشيء من الألفة والمحبة، تبادل النظرات مع كل فرد على الطاولة مبتسمًا ومعبرًا عن امتنانه. ثم توقف للحظة وبصوته العميق أضاف: "الليلة دي كمان ليلة مميزة بالنسبة لي، ليلة فيها أمل جديد، بعد كل اللي عدينا بيه، عايز أشارككم حاجة مهمة."
توقف قليلاً، ثم وجه نظره نحو "رحمة جابر"، والدة أخته نصف الشقيقة التي كانت تجلس في مكانها بعيون مليئة بالشك والحيطة.
"رحمة، أنا أخدت قرار، القرار ده يخص شمس، وواثق إنك مش هاتراجعيني فيه، لأن في الأول والآخر كل اللي يهمنا هو سعادتها."
نظرات "رحمة" كانت خليطًا من الشك والارتباك، الهمسات بدأت تدب بين الحاضرين، ونظرت "شمس" إلى أخيها غير قادرة على تخمين ما سيقوله. بينما "رحمة" التي كانت توقعاتها تميل للأسوأ، حدقت فيه بعينين متسائلتين، لكن "عثمان" تابع بثقة: "رامز الأمير... جالي من فترة وطلب إيد شمس مني، أنا كنت رافض لأسباب مافيش داعي أقولها دلوقتي، لأنه ببساطة قدر يرتقي بنفسه للمعايير اللي حطتها في الراجل اللي ممكن أقبل بيه زوج لأختي."
ارتفعت بعض الأنفاس المفاجئة من الحضور، بينما "شمس" كانت كأنها فقدت القدرة على التنفس، عيناها امتلأتا بالدموع، ويدها اهتزت في مكانها.
ليكمل "عثمان" بنبرةٍ أقوى: "هو جه وطلبها مني تاني، وأنا وافقت."
شهقت "رحمة" بصوتٍ مكتوم، عيناها ملأتهما الريبة، كانت لتعترض، لكن نظرة واحدة من "عثمان" أوقفت في حلقها أيّ كلمة قبل أن تخرج. عيناه كانتا قاسيتين بما يكفي لفرض سلطته، لكنهما أيضًا حملتا وعدًا صامتًا بحماية "شمس" تحت أيّ ظروف.
بإشارة من "عثمان"، ظهر "رامز الأمير" فجأة من خارج القاعة، كان أنيقًا بشكلٍ لافت، يرتدي بذلة سوداء وربطة عنق أنيقة، ممسكًا بباقة من الورود الحمراء الكبيرة. كل العيون تحوّلت نحوه، لكنه كان ينظر فقط إلى "شمس".
فتحت "شمس" فمها، لكن الكلمات أبت أن تخرج، صدمتها كانت عميقة، عيناها تتحركان بين "عثمان" و"رامز"، كأنها تحاول أن تستوعب ما يحدث.
اقترب "رامز" بخطواتٍ واثقة، لكن وجهه كان يعكس توترًا دفينًا، وقف أمام "شمس" وركع على ركبته ممسكًا بالباقة التي تخفي علبة صغيرة من القطيفة. صوته كان مليئًا بالمشاعر حين قال: "بحبك يا شمس... تتجوزيني؟"
كانت "شمس" تنظر إليه وكأنها ترى حلمًا مستحيلًا يتحقق أمام عينيها، الدموع انهمرت من عينيها بغزارةٍ دون أن تستأذن، ويدها ارتجفت وهي تلتقط باقة الورد. لم تستطع الرد بالكلام، لكن عيناها قالتا كل شيء.
و"رحمة" التي لا تزال تجلس في مكانها مشدوهة، غير قادرة على تصديق ما يحدث أمامها، شعورها بالاعتراض كان واضحًا، لكنها ابتلعت كل شيء حين نظرت إلى "عثمان" الذي أدار الموقف بذكاء وقوة.
يفتح "رامز" العلبة أمام عينيّ "شمس" كاشفًا عن خاتم زواج أنيق ولامع، همس لها بصوتٍ سمعه الجميع بسبب الهدوء الشديد والمترقب للحظة: "أوعدك إن عمري كله ليكي... وإنك هاتكوني أسعد إنسانة في الدنيا... لو قولتي آه... أنا هكون أسعد راجل في الدنيا."
لم تتمالك "شمس" نفسها، وانفجرت بالبكاء، تقلّص وجه "رامز" بجزعٍ، حاول أن يقترب ليحتضنها، لكن "عثمان" كان أسرع، مد يده ليوقفه هاتفًا بنبرةٍ صارمة: "ممنوع أي لمس قبل كتب الكتاب!"
تطلّع إليه "رامز" بدهشةٍ ممزوجة بالرجاء، وقال: "بس هي بتعيط... لازم آخدها في حضني."
رد "عثمان" بابتسامة صغيرة مستفزة، لكن نبرته بقيت حازمة: "أنا اللي آخدها في حضني."
وا`قترب "عثمان" من أخته، احتضنها بحنانٍ أخوي عميق، نهضت "شمس" وتعلقّت به كأنها تبحث عن الأمان في حضنه، وهي تجهش بالبكاء وتردد بصوتٍ مرتعش: "شكرًا يا عثمان... شكرًا... شكرًا."
الحاضرون صفقوا بحماس، بعضهم ابتسم بسعادة خالصة، والبعض الآخر كانت مشاعره مختلطة. "رامز" وقف في مكانه، عينيه تمتلئان بالدموع، لكنه اكتفى بابتسامة امتنان عميقة لـ"عثمان"، لصديقه.
كانت "رحمة" الوحيدة التي ظلّت ساكنة في مكانها، نظراتها ملؤها القلق، لم تستطع تقبّل "رامز" بسهولة، لكنها عرفت بأنها لن تملك الكلمة الأخيرة أمام "عثمان"!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم مريم غريب
في قلب قصر آل البحيري الكبير، حيث اتحدت الفخامة بالعراقة، بدا المشهد وكأنه لوحة رسمتها أنامل مبدعة. القاعة المفتوحة مضاءة بثريات كريستالية تتدلى من السقف الاصطناعي العالي كنجوم متلألئة. الأعمدة مغطاة بنقوش ذهبية تعكس سطوع الأضواء. على طول القاعة، امتدت طاولات مزينة بزهور بيضاء وزهرية، تنسجم مع الشموع الذهبية التي أضفت دفئًا وسحرًا خاصًا على الأجواء.
من حولهما، اكتظ المكان بالضيوف الذين توشحوا بأجمل أثوابهم. موسيقى هادئة تُعزف مباشرة على آلة الكمان قرب الكوشة الفخمة المصممة من زهور الأوركيد والورود الحمراء.
العروس، شمس البحيري، وقفت أمام الكوشة كأنها نجمة على عرشها. فستانها الأبيض الطويل، المطرز يدويًا بخيوط فضية، بدا وكأنه يتلألأ مع كل حركة. ذيل الفستان امتد برقة، والطرحة المطرزة بدانتيل دقيق انسدلت لتكمل جمالها. شعرها البني الداكن كان مرفوعًا بأسلوب كلاسيكي، تزينه قطعة مجوهرات بسيطة على شكل تاج صغير.
بجانبها، رامز الأمير بدا في قمة أناقته. بدلته السوداء الإيطالية المصممة خصيصًا له زادت من وسامته، بينما ربطة العنق الحريرية باللون الكريمي انسجمت مع الألوان الهادئة للحفل. كان يقف منتصبًا بثقة، عيناه مثبتتان على شمس وكأنها محور الكون بالنسبة له.
مع إعلان الموسيقى عن بدء الرقصة الأولى، صمت الحضور وتركزت الأنظار على العروسين. تقدم رامز نحو شمس بخطوات واثقة، ومد يده.
مدت يدها بتردد بسيط يعكس شعورها بالخجل، لكن ابتسامته طمأنتها. أمسك يدها برفق وقادها إلى منتصف القاعة حيث بدآ بالرقص. الحركات كانت بطيئة، لكنها ممتلئة بالمعاني. يد رامز على خصرها، ويده الأخرى تمسك يدها بإحكام، وكأنما يخشى أن تنفلت من بين أصابعه.
شمس، رغم ارتباكها الظاهر، انسجمت سريعًا معه. همس لها رامز بصوت منخفض، لا يكاد يُسمع:
"شمس.. أنا مش عارف ألم على بعضي. انهاردة دخلتنا، هاندخل يا شمس!!"
ضحكت بخجل وردت بصوت منخفض:
"بس بقى.. اسكت وما حد يسمعك وأنت بتقول الكلام ده."
رامز بجرأة:
"اللي يسمع ما يسمع.. خلاص.. بقيتي مراتي قدام ربنا والناس.. واللّيلة دي هاتبقى ملكي."
اقشعرّت شمس متأثرة بكلماته، ورددت بهمس خافت:
"أنا طول عمري ملكك.. وليك.. مش لأي حد غيرك."
وصمتا عند هذا الحد. تبادل النظرات بينهما كان كافيًا ليكشف عمق المشاعر، الحب الممزوج بالراحة واليقين بأن كل شيء أخيرًا أصبح في مكانه الصحيح.
في زاوية من القاعة، بعيدًا عن الأنظار، وقفت رحمة جابر تراقب ابنتها وهي ترقص في حضن زوجها رامز الأمير. رغم أجواء الفرح التي غمرت القاعة، إلا أن وجه رحمة كان يحمل ملامح ضيق واضح. عيناها السوداوان كانتا تتابعان حركات شمس ورامز بدقة، كأنهما تبحثان عن شيء خفي، شيء يعيد إليها شعور الاطمئنان الذي تلاشى.
كانت ترتدي فستانًا أنيقًا من الشيفون الأسود المطرز بخيوط ذهبية دقيقة، يعكس أناقتها المعهودة، مع شال حريري يغطي جزءًا من كتفيها. شعرها الأسود مصفف بعناية مرميًا على طول ظهرها. لكنها رغم كل هذه الأناقة والجاذبية بدت وكأنها في معركة داخلية، بين أن تكون أمًا تحترم اختيار ابنتها وبين أن تظل على موقفها الرافض لرامز.
في هذه اللحظة، اقترب منها إبراهيم النشار، زوجها. الرجل الضخم ذو الحضور الطاغي، كان يرتدي بذلة زرقاء داكنة بخياطة متقنة، وربطة عنق أنيقة تضيف لمسة من الرقي. هيئته كانت تعكس قوته، لكن عينيه اللطيفتين كانتا مليئتين بالحب والاهتمام لزوجته التي بدا عليها القلق.
وضع يده الكبيرة برفق على كتفها وقال بصوت منخفض:
"مالك يا رحمة؟ مش مبسوطة زي الناس كلها ليه؟"
نظرت إليه بطرف عينها، ثم أعادت بصرها نحو العروسين وقالت بنبرة متوترة:
"أفرح إزاي بس يا إبراهيم؟ أنت مش شايف شمس.. معمية بحب الراجل ده وباين استسلامها له. كان نفسي تبقى قوية.. كان نفسي تبقى أحسن مني."
ابتسم إبراهيم ابتسامة صغيرة، وكأنه يتوقع ردها، ثم قال بهدوء وهو يقرب وجهه منها:
"يا رحمة.. البنت خلاص بقت في عصمته.. وباين عليها مرتاحة وسعيدة مش قصة مستسلمة زي ما أنتِ مفكرة. وبعدين ما هي خلاص بقت في حماية أخوها برضه.. عثمان البحيري بقى في الصورة من يوم ما عرف بيها.. خوفك عليها دلوقتي ملوش مبرر."
تنهدت رحمة ورفعت يدها تحرك بها طرف شالها، محاولة كبح مشاعرها:
"أنت مش فاهم قصدي.. محدش فاهمني!"
نظر إبراهيم إليها بحنان، ومال قليلاً ليكون حديثه أكثر خصوصية وقال:
"فاهماك يا حبيبتي.. محدش في الدنيا ممكن يفهمك ويحس بيكي قدي. عارف إنك خايفة عليها.. عارف إن شمس ضي عنيكي.. بس رامز دلوقتي بقى جوزها.. اديهم فرصة.. يمكن يقدر يثبت لك إنه يستاهلها."
هزت رأسها ببطء، وكأنها تحاول أن تستوعب كلماته، لكن القلق لم يختفِ من وجهها تمامًا. قالت بصوت أقرب للهمس:
"أنت عارف إني دايمًا بفكر في اللي حصل زمان.. مابقيتش أقدر أثق بسهولة.. وده اللي مخوفني أكتر من أي حاجة."
اقترب إبراهيم أكثر، وأمسك بيدها برفق وهو يقول بحزم ممزوج بالحب:
"اللي حصل زمان انتهى يا رحمة.. أنتِ محتاجة تنسي.. عشان شمس تقدر تعيش.. ما تخليش الماضي يطاردك للأبد.. عيشي معايا.. وسيبي بنتك تعيش مع اللي قلبها اختاره."
نظرت إليه رحمة وكأنها تحاول أن تجد رادع لترددها في عينيه. ثم عادت بنظرها نحو شمس التي بدت سعيدة جدًا بين ذراعي رامز. للحظة شعرت بشيء من الراحة، لكنه كان شعورًا هشًا، كأنه يمكن أن يتبدد في أي لحظة.
أضاف إبراهيم بنبرة أكثر دفئًا:
"فرح بنتك النهاردة يا رحمة.. لازم الفرحة تبان عليكي الفرحة وبس.. كل اللي هنا عينهم عليكي وعلى شمس.. لو مشيتي ورا مخاوفك البنت هاتحس والجو هايتكهرب.. خليكي قوية.. عشانها."
أومأت رحمة برأسها دون أن تتكلم، ثم تنهدت بعمق، كأنها تحاول إخراج القلق من صدرها. في أعماقها لم تكن متأكدة إن كانت قادرة على تقبل رامز تمامًا، لكنها أدركت بأن عليها المحاولة، إن لم يكن من أجله، فمن أجل شمس التي كانت تبدو سعيدة للغاية في تلك اللحظة.
ابتسم إبراهيم وهو يرى علامات الاستسلام تلوح على ملامحها. ربت على كتفها وقال ممازحًا:
"أيوه بقى سيبك من التكشيرة دي.. لو شمس شافتك كده هتقول إن أنا السبب وإني منكد عليكي."
ابتسمت رحمة ابتسامة خفيفة، لكنها لم تخفِ تمامًا مخاوفها. حاوط إبراهيم خصرها وسار بجانبها باتجاه الحضور، لكن عينيها بقيتا مثبتتين على ابنتها وهي تحاول أن تقنع نفسها بأن هذه البداية الجديدة قد تكون أفضل مما تتوقع.
في جهة أخرى، ملك حفظي واقفة بعيدًا، بفستانها الحريري الأخضر الداكن، الذي عانق جسدها النحيل بخفة. بدت كلوحة حية متناغمة مع لون عينيها الخضراء التي امتلأت بالتوتر. شعرها البني الطويل كان مرفوعًا في تسريحة بسيطة تتدلى منها خصلات ناعمة على جانبي وجهها. أناملها لم تهدأ وهي تعبث بأطراف الفستان كأنها تبحث عن ملاذ من الخوف الذي يسكنها.
كانت تراقب الحفل. أخذت نظراتها تنجذب تلقائيًا نحو عثمان البحيري وشقيقتها سمر. كانا يقفان معًا وسط الحضور، وكأنهما جزيرة من الهدوء وسط بحر الاحتفال الصاخب. تألقت سمر بحضور طاغٍ وأناقة متفردة تعكس رقيها واحتشامها. ارتدت فستانًا من التفتا الحريري باللون الزمردي العميق، ينساب برقة على جسدها كأنه ماء يتدفق على صخرة ناعمة. الفستان مزين بتطريز يدوي دقيق من خيوط الذهب عند الأكمام والصدر، يضفي عليه لمسة ملكية. غطت رأسها بطرحة طويلة من الشيفون الخفيف، بلون عاجي ينسجم برقة مع بشرتها الشمعية. تزيّنت أطرافها بتطريزات ناعمة كالريش، واختارت إكسسوارات بسيطة: قرطين متدليين من اللؤلؤ الأبيض وسوار رقيق من الذهب، مما أكمل إطلالتها بجاذبية آسرة.
أما عثمان، فبدا كأنه الأمير الذي خرج من حكاية خيالية. ارتدى بذلة رسمية سوداء ذات تفصيل دقيق، يظهر فيها القماش المخملي على ياقة الجاكيت كلمسة فاخرة. نسقها مع قميص أبيض ناصع وربطة عنق من الساتان بلون أخضر داكن يتناغم مع إطلالة زوجته، وكأنه يعلن بصمتهما المشتركة. الحذاء اللامع والخياطة المثالية أعطيا إطلالته بريقًا إضافيًا، بينما أضافت ساعة كلاسيكية فضية اللمسة الأخيرة التي زادت من جاذبيته.
بين الحضور، كانا كلوحة متناغمة، يعكسان جمال البساطة وأناقة التفاصيل. كانت نظرات ملك تجاههما تحمل في طياتها مشاعر متناقضة بين الحب الصامت والحسرة. لكن نظرتها لم تخفَ عن عثمان الذي لاحظها حتى دون أن يلتفت إليها. بل ازداد قربًا من زوجته، وبدون أن ينطق بكلمة جذبها أقرب إليه. لف ذراعه حول خصرها بحنان، كأنما يعلن للعالم بأسره بأن هذه المرأة هي قلبه وملاذه.
سمر، التي شعرت بحركة زوجها، ابتسمت بخجل وأخذت تضع يدها على بطنها البارزة، كأنها تحتمي بذلك الحب المتبادل بينهما. سمعت صوته يردد بصوت خافت مليء بالحب:
"يا ترى عندك فكرة قد إيه أنتِ بتكوني حلوة أوي لما بتبقي حامل؟"
ابتسمت سمر له، عيناها تشع حبًا وامتنانًا، ثم مالت برأسها قليلاً على كتفه وهي تقول بابتسامة مرحة:
"كلامك ده فوق فوق راسي والله.. ومش هانسى إعجابك بيا حتى وأنا شبه طائر البطريق."
ضحك عثمان برقة وهو يضع يده فوق يدها على بطنها، وقال بصوت منخفض:
"على فكرة.. أنا اخترت اسم البيبي."
نظرت إليه سمر بدهشة ممزوجة بالحب، وقالت بفضول:
"أخيرًا! طيب قول لي عشان أنا مش عارفة ألاقي اسم حلو خالص."
اقترب منها أكثر، وكأن الاسم نفسه كان سرًا يريد أن يهمس به في أذنها، وقال بابتسامة عميقة:
"عزيز."
تأملته للحظات، وكأنها تتذوق الاسم في قلبها قبل أن ترد. كانت عيناها تلمعان بحب، وابتسامتها تتسع وهي تقول بصوت ناعم:
"عزيز... الله.. الاسم جميل يا عثمان.. تحسه قوي.. وهادي في نفس الوقت.. زيك كده."
ضحك عثمان بخفة وهو يقترب ليطبع قبلة صغيرة على جبينها قائلاً:
"أنا عمري ما بعرف أبقى هادي طول ما أنا جنبك."
ضحكت سمر بحياء وهي تضع يدها على بطنها مجددًا، وكأنها تريد أن تشعر بحياة الطفل الذي يحمل ذلك الاسم للمرة الأولى. ثم همست:
"عارف.. حاسة إني بحبه أوي.. متعلقة بيه من قبل ما أشوفه.. وخايفة لما يجي أحبه أكتر من إخواته."
طمأنها بلطف:
"الشعور ده طبيعي.. الفترة دي كلها أنتِ حساسة أوي ومشاعرك كلها بتكون أقوى من أي وقت.. افتكري كلام الدكتورة.. وما تقلقيش.. ولادنا كلهم غلاوة واحدة عندنا.. ومافيش مشكلة لو حسيتي إن واحد فيهم له مكانة خاصة عندك.. زي ما قلت أنا بحس بكده ناحية يحيى..." وقبض على يدها مستطردًا بدعم: "ما تقلقيش يا سمر.. مش هاتقصري أنا واثق من كلامي.. أنتِ أحن أم شوفتها في حياتي.. ولادي محظوظين عشان أنتِ أمهم."
في تلك اللحظة، تلاشت كل الأصوات من حولهما، وأصبح العالم كله مركزًا على تلك اللحظة الخاصة بينهما. كانت الأضواء الساطعة، أصوات الموسيقى، وحتى همسات الحاضرين تبدو كأنها مجرد خلفية لصورة رومانسية رسمها الحب بين عثمان وسمر، وهي تقف بجواره تحمل ابنهما في أحشائها، وعيونهما مليئة بالحب والأمل في المستقبل.
من الجهة المقابلة، فادي حفظي يقترب من شقيقته الصغرى بهدوء محسوب. خطواته الواثقة وصوته الذي يناديها منخفض لكنه واضح:
"مـلك!"
كان يرتدي حلّة رمادية أنيقة، وربطة عنق خضراء داكنة تناسقت مع عينيه الحادتين التي تشبه عيني أختيه ملك وسمر، لكنهما بداتا مليئتين بحزم أكثر منه رقة. ملامحه القوية لم تحمل أي تعبير سوى الثبات، وكأن الزمن لم يترك أثرًا عليه.
حين وقف أمامها، شعرت به كأنه يسد الهواء من حولها. رفعت عينيها نحوه ببطء، لكن نظرتها لم تستطع الثبات عليه طويلاً. حاولت أن تبعد خطواتها، لكنه قال بنبرة حاسمة:
"مش كفاية ولا إيه يا ملك! لحد امتى هاتفضلي تهربي مني كل ما تشوفيني؟"
أجفلت للحظة، ثم ردت بصوت خافت:
"مش بهرب... أنا بس..."
قاطعها بحدة لم يتخللها أي عدوان:
"أنتِ خايفة مني.. من زمان.. من قبل اللي حصل لك وأنا بشوف الخوف في عينيكي كل مرة لما بقابلك.. أنا مش فاهم الخوف ده ليه؟ أنتِ أختي الصغيرة.. عمرك حسيتي إني مش بحبك.. إني ممكن أقسى عليكي أو آذيكي.. قولي لي يا ملك بتخافي مني ليه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وضغطت على يدها بتوتر قائلة:
"مش خوف... أنا عمري ما خوفت منك.. بس.. أنا مش واخدة عليك.. ودلوقتي إحساسي.. يمكن إحراج.. عثمان قالي إنك عرفت اللي حصل معايا.. أنا مش عارفة أتعامل معاك بعد اللي حصل."
حدق فيها للحظة طويلة، ثم قال بنبرة أهدأ لكنها مليئة بالحزم:
"اللي حصل انتهى.. وعدّى عليه وقت.. أنا هنا مش عشان أفتح جراح قديمة أو أحاسبك.. أنا هنا عشانك."
رفعت عينيها إليه بسرعة، خجلها بدأ يتحول إلى اضطراب أكبر، فسألته:
"عشاني؟ يعني إيه!؟"
ابتسم نصف ابتسامة، وقال:
"عشان نرجع عيلة زي ما لازم نكون.. وده مش هايحصل إلا لما تكوني تحت عيني زي ما المفروض كنتي تبقي من زمان.. ملك أنتِ هاتتنقلي تعيشي معايا.. أنا قررت أستقر في مصر.. هاناخد بيت كبير وهانعيش سوا.. هانعوض كل السنين اللي عدّت وإحنا بعيد عن بعض.. هانبدأ صفحة جديدة."
شعرت ملك بضربة في قلبها. تراجعت خطوة للخلف، عيناها اتسعتا من المفاجأة، وشفتيها تحركتا كأنها تحاول أن تقول شيئًا لكنها فشلت.
رفعت رأسها ونظرت عبر القاعة نحو عثمان الذي كان لا يزال يقف مع شقيقتها. عيناها امتلأتا بالدموع، لكنها ابتسمت بخفة كأنها تحاول أن تعتذر له بصمت حتى دون أن يراها.
رغم حبها لعثمان، ورغم تمسكها بالبقاء في القصر حيث وجدت لأول مرة إحساسًا بالأمان، إلا إنها تعلم جيدًا بأن وجودها هنا بات خطرًا، عليها وعليه. كانت تعلم بأن قلبها لن يستطيع تجاهل مشاعرها تجاهه، ورغبتها في البقاء معه قد تتحول إلى خطأ لا يغتفر.
تنفست بعمق، وأجابت فادي بصوت متحشرج لكنه ثابت:
"أوكي يا فادي.. أنا موافقة.. هاجي أعيش معاك!"
نظر إليها فادي نظرة طويلة، كأنه يحاول التأكد من قرارها. ثم اقترب، وضع يده برفق على كتفها، وقال:
"معايا.. ده المكان الصح ليكي.. وهاتشوفي بنفسك.. أنا هاكرّس وقتي كله ليكي وهابذل وسعي كله عشان أخليكي مبسوطة ومرتاحة."
رفع يده عنها ببطء، ثم استدار عائدًا إلى زوجته بخطوات واثقة. بينما ملك بقيت في مكانها، تنظر نحو عثمان الذي بدا كأنه شعر بشيء، لكنه لم يتحرك. أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا. تعلم بأن هذا القرار هو التضحية الأكبر التي يمكنها تقديمها لحماية من تحب، ولحماية نفسها من الانجراف وراء مشاعر قد تؤدي إلى تدمير كل شيء.
بعد قليل، في وسط أجواء من البهجة، وقف الجميع حول التورتة الضخمة التي زُينت بتفاصيل أنيقة، مكوّنة من خمس طبقات بيضاء مزينة بأزهار ذهبية وحمراء متقنة الصنع. تصاعدت أصوات التصفيق والضحكات عندما أمسك رامز بيد شمس بلطف موجهًا السكين المزين بشريط حريري ذهبي نحو الطبقة الأولى من التورتة.
ابتسمت شمس بينما عيناها العسليتان تلمعان بعشق واضح وهي تتبع حركة رامز الذي كان يتحرك بثقة. ضحكته الخفيفة وتصرفاته الرقيقة أظهرت مدى سعادته بهذه اللحظة.
بعد أن قطعا قطعة التورتة معًا، أمسك رامز بالشوكة ووضع قطعة صغيرة أمام فم شمس قائلاً بنبرة مرحة:
"سيب لي طرف، أوعي تاكليها لوحدك!"
ضحكت شمس وهي تفتح فمها لتتناول القطعة بأسنانها المثالية، ولكن قبل أن تستقر داخل فمها، مال رامز فجأة ملتهمًا شفتيها في قبلة عميقة وسط دهشة الحضور. تصاعدت الأصوات بين التصفيق والضحك، بينما شمس تحمر خجلًا وتدفعه بخفة لتوقفه.
قطع رامز القبلة وهو يضحك بحيوية قائلاً:
"معلش يا جماعة.. لازم نحافظ على التقاليد.. دي فقرة أساسية."
الحضور انقسموا بين مستمتعين وضاحكين، ومن بينهم بعض الوجوه التي لم تخف غيرتها أو حسدها، لكن أجواء الفرح غلبت على الجميع.
من بين الجموع، اقترب عثمان البحيري بخطوات ثابتة. وقف أمامهما، حاجباه معقودان وقال كأنه يوبخ رامز:
"شكلك عايز تمشي من غير العروسة!"
تراجع رامز بخفة، ورفع يديه معتذرًا:
"حقك عليا يا كبير.. بس والله الفرحة واخداني."
ضحك عثمان بخفة، لكن نبرته بقيت جادة:
"مقدر فرحتك.. بس حاول تهدى شوية.. مش كل حاجة تنفع تتعمل قدام الناس."
تدخلت شمس سريعًا لتخفيف الجو، وابتسمت وهي تمسك بيد أخيها:
"أيوه يا عثمان عندك حق.. بس رامز مش قصده حاجة.. إحنا الاتنين فرحانين أوي.. وأنا... أنا ممتنة ليك إنك وافقت على جوازنا."
نظرت إلى عثمان بعينين ممتلئتين بالامتنان والدموع، ثم احتضنته بحب قائلة:
"أنت دايمًا سندي يا عثمان.. وعمري ما أنسى اللي عملته عشاني."
ابتسم عثمان ورّبت على ظهرها بلطف:
"فرحتك فرحتي يا شمس.. وأهم حاجة أشوفك سعيدة.. أنتِ وصية أبويا.. وطول ما أنا عايش هأفضل صاين الوصية."
دمعت عينيها عندما أتى على ذكر والدهم. لم تترك حضنه فضمّها بقوة بدوره، ليتدخل رامز بعد لحظة وقد اقترب من عثمان وهو يقول بنبرة جادة وصادقة:
"وأنا كمان عايز أشكرك يا عثمان.. على الفرصة اللي اديتهالي.. وعلى إنك وثقت فيا.. أنا غلطت زمان.. ويمكن كنت متهور أحيانًا.. بس ده وعد مني... شمس هاتعيش جوة عيني.. وهكون إنسان أفضل عشانها وعشان ولادنا اللي جايين في المستقبل."
نظر إليه عثمان طويلاً، كأنه يقيّم صدقه، ثم ابتسم ورّبت على كتفه بقوة قائلاً:
"طالما شمس اختارتك ومصممة إنها بتحبك وعايزاك.. يبقى عندي ثقة إنك قدها.. حافظ عليها يا رامز.. هي مش بس أختي... هي جزء مني."
ابتسم رامز وقطع المسافة بينهما ليعانقه عناق الصداقة والأخوّة:
"مش هاتندم يا عثمان.. وعد شرف.. عمر رامز الأمير ما خذلك من يوم ما عرفتك.. الغلطة حصلت وأنا ما عرفتش إنك طرف في الموضوع.. من الليلة دي مافيش غلط تاني.. أوعدك."
وتباعدا. تبادل الثلاثة نظرات مليئة بالمحبة والتقدير، بينما عاد الجو العام في القاعة إلى أجواء الفرح والاحتفال.
تحت سماء الليل الهادئة، توقفت السيارة أمام شاليه فاخر يطل على شاطئ خاص. الأمواج تصطدم بالرمال في انسجام وكأنها تعزف معزوفة خاصة للعروسين. الشاليه كان هدية من عثمان البحيري لأخته وزوجها بمناسبة ليلة الزفاف، مجهزًا بعناية فائقة ليكون ملاذًا رومانسيًا يليق بشمس في ليلة عمرها.
فتح رامز باب الشاليه بمفتاح فضي، ثم انحنى قليلاً ليحمل شمس بين ذراعيه بينما هي تتشبث بكتفيه بخجل واضح. كان قد خلع سترته الآن، ليبرز قميصه الأبيض مفتوح الياقة، ربطة عنقه قد فُكت منذ وقت طويل، بينما عينيه تتأملان شمس بحب عميق. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه وهو يغلق الباب بركلة خفيفة من قدمه متجاهلاً الضحكة الخافتة التي أفلتت من شمس.
الشاليه من الداخل كان أشبه بتحفة فنية، مصممًا ليجمع بين الفخامة والحميمية. جدرانه بلون الرمل، تزينها لوحات طبيعية مستوحاة من البحر. الأرضية من خشب السنديان الدافئ، مع أضواء خافتة تُبرز تفاصيل الأثاث الحديث، وكل زاوية منه تنطق بالرومانسية.
في الصالة، أريكة كبيرة باللون الكريمي، أمامها طاولة زجاجية صغيرة تحمل مزهرية مليئة بورود حمراء وبيضاء. شموع معطرة كانت موزعة بعناية لتضفي أجواء من الدفء والسكينة.
قاد رامز زوجته إلى غرفة النوم مباشرة. كانت قلب الشاليه. السرير الملكي مغطى بأغطية من الساتان الأبيض، مزينة ببتلات ورد حمراء متناثرة بشكل فني. الستائر الشفافة الممتدة حتى الأرضية كانت تتحرك برفق مع نسمات البحر القادمة من النافذة الكبيرة التي تطل مباشرة على الشاطئ.
وضعها رامز برفق على السرير، ثم تراجع قليلاً ليتأملها. وقف للحظة يضع يديه في جيوبه وعيناه تغمرانها بحب واندهاش، وكأنه لا يصدق بأن هذه اللحظة حقيقية.
قال بصوت مبحوح من التأثر:
"مش مصدق إنك بقيتي مراتي.. على اسمي رسمي... بجد يا شمس.. أنا مش قادر أوصف إحساسي دلوقتي."
رفعت عينيها إليه بخجل وهي تجلس على حافة السرير. عضت شفتها السفلى بلطف وقالت بصوت خافت:
"وأنا كمان يا رامز... كأني بحلم."
اقترب رامز منها جاثيًا على ركبتيه أمامها. أمسك بيدها بين يديه، نظر إلى عينيها الواسعتين وقال:
"الحلم ده أخيرًا بقى حقيقة.. بعد كل السنين اللي كنتي بعيدة عني.. كل لحظة كنت بحلم بيها بقت بين إيديا دلوقتي.. أخيرًا إحنا مع بعض."
عيني شمس لمعت بالدموع، لكنها ابتسمت وهي تقول:
"أنا كنت خايفة.. خايفة إننا ما نوصلش للحظة دي."
أمسك رامز وجهها بين كفيه برفق، ونظر إليها كأنها العالم كله، ثم همس:
"مافيش حاجة هاتبعدني عنك تاني.. وعد يا شمس."
قبل أن تضيف شيئًا، مال برأسه نحوها، عينيه مغلقتان كأنها لحظة مقدسة، حتى التقت شفتيه بشفتيها في قبلة بطيئة عميقة، مليئة بالشوق والاحتواء. كانت قبلة رامز الأولى بعد الزواج ناعمة، كان كأنما يمتص فيها توتر شمس وارتباكها، لكنها تحولت تدريجيًا إلى قبلة أكثر حرارة، مشبعة بشغف رجل طال انتظاره ليحصل على المرأة التي أحبها من أعماقه. شفتيه التقطتا شفتيها في حركة متناغمة، وكأنهما يرقصان معًا على نغمة غير مسموعة.
حين انسحب قليلاً ليلتقط أنفاسه، لم يمنحها وقتًا لتفكر. شفتيه بدأتا تتجولان على وجهها. قبّلا جبهتها برفق أولاً، ثم تنزلا إلى عينيها المغلقتين، قبلة طويلة على كل عين وكأنه يريد أن يطبع عليها أمانه. انتقل بعدها إلى أرنبة أنفها، ثم وجنتها، حيث كانت قبلاته خفيفة، كأنها لمسة ريشة. لكن حين وصل إلى زاوية فمها، تغيرت وتيرته. فمه أصبح أكثر جرأة، يقبل زاوية فمها ببطء شديد، ثم نزل نحو فكها بخطوات مدروسة. لم يمنحها فرصة للتنفس بشكل كامل، حيث كانت أنفاسه تختلط بأنفاسها، ورائحة عطره المألوفة تعبق في الهواء، تغرقها في عالم جديد من الحواس الدقيقة.
حين وصل إلى عنقها، توقفت شمس عن التنفس للحظة، وكأنها تشعر بتيار من المشاعر يجتاحها. لامست شفتيه بشرتها هناك، بداية بخفة، وكأنها اختبار لردة فعلها، ثم ازدادت عمقًا، قبلة طويلة عند جانب عنقها، تبعتها قبلة أخرى أسفل أذنها، حيث ترك أنفاسه الدافئة تلامس بشرتها الحساسة.
لم تستطع شمس منع نفسها من إطلاق آهة خافتة، كانت مزيجًا من الخجل والرغبة. ابتسم رامز وهو يسمعها، وكأن صوتها كان كل ما يحتاجه ليشعر بأنها أخيرًا استسلمت بين يديه. همس بصوت منخفض جدًا، أشبه بوعد:
"شمس... عايزك تطمنّي خالص.. وتسيبي نفسك تمامًا.. لو سمعتي كلامي بضمن لك إن الليلة هاتعدي زي الفل.. ومش هاتتنسي."
تجول بقبلاته نحو الترقوة، حيث منحها وقتًا لتعتاد على حرارته. كان يبطئ أحيانًا، ثم يعود ليشعلها من جديد بقبلة أكثر عمقًا. بينما يديه بدأت تتحرك بخفة ليزيل فستانها ويسحبه عبر ساقيها. بدأ بنزع ثيابه هو الآخر بينما يلامس ظهرها بأنامله، يشعرها بحماية لا مثيل لها.
مع كل قبلة، كانت شمس تحس وكأنها تذوب أكثر وأكثر بين ذراعيه. صوت البحر في الخارج كان بالكاد يُسمع، طغت عليه أصوات أنفاسهما المتقطعة وآهاتها التي حاولت كتمها دون جدوى. رامز، الذي كان يراقب كل ردة فعل منها، شعر بأنه أخيرًا في المكان الذي ينتمي إليه. كانت اللحظة مزيجًا من الحب، الشغف، والرغبة. حيث لم يترك رامز جزءًا من وجهها وعنقها إلا وطبع عليه قبلاته، وكأن كل قبلة كانت شهادة على سنوات اشتياقه لها، وعلى الوعد الذي قطعه لنفسه بأن يجعلها أسعد امرأة في العالم.
في اللحظة التي وصلت فيها الأمور إلى أوجها، أطلقت شمس شهقة حادة لا إرادية، شهقة مزجت بين الألم اللحظي والخجل. جسدها ارتعش برفق بين يديه، بينما تركت شفتيها تطلق آهتين خافتتين متتاليتين، وكأنها تحاول التكيف مع الوضع الجديد الذي يغمرها. يدها ترتعش قليلاً وهي تمسك بذراع رامز، وكأنها تبحث عن دعم أو طمأنة.
تجمد رامز في مكانه للحظات، عيناه تبحثان عن عينيها وسط الضوء الخافت. لم يتحرك، لم يضغط، فقط بقي ثابتًا تمامًا، وكأنه يريد أن يمنحها الوقت لتستوعب اللحظة، ولتشعر بالأمان الكامل بين يديه.
همس لها بصوت منخفض، مليء بالحنان والدفء:
"هدّي يا شمس... ماتخافيش... أنا مش مستعجل."
كانت أنفاس شمس متقطعة، وصوت آهات خافتة يخرج منها رغماً عنها. بين التردد والخجل، أغمضت عينيها للحظة، محاولة أن تهدئ ضربات قلبها المتسارعة، ويدها ترتخي على ذراعه قليلاً وكأنها بدأت تثق به.
لم يتحرك رامز حتى شعر بأنها بدأت تسترخي ببطء بين ذراعيه. حينها، رفع يده ليضعها على شعرها بخفة، أصابعه تمر بين خصلاتها، وكأنه يقول لها إن كل شيء بخير. كان وجهه قريبًا جدًا من وجهها، حتى أن أنفاسه كانت تختلط بأنفاسها. ثم قبل جبينها قبلة طويلة، مفعمة بالاحتواء.
قال بصوت أهدأ، وكأن كلماته كانت بلسمًا لتوترها:
"مبروك يا حبيبتي.. أخيرًا يا شمس.. أخيرًا.. أنا مش عايزك تخافي أبدًا.. مش هأعمل حاجة إلا لما تكوني مرتاحة.. أنا مش مستعجل.. الليلة كلها لينا."
رفعت شمس يدها ببطء تضعها على صدره، حيث شعرت بنبضات قلبه المتسارعة. عيناها اللتان فُتحتا قليلاً بحثتا عن عينيه. وجدت فيهما الأمان والاطمئنان الذي تحتاجه. ابتعلت ريقها بصعوبة، ثم همست بصوت مبحوح:
"رامز... أنا... مش خايفة... أنا بحبك."
ابتسم لها برقة وقد طرب قلبه لاعترافها الآن بالذات. يديه انتقلتا إلى وجهها، يمسح بسبابته آثار دمعة كانت على وشك السقوط. ثم اقترب منها مرة أخرى، ولكن هذه المرة ببطء أكبر. قبّلها على جبينها أولاً، ثم تدرّجت شفتيه إلى زاوية فمها، وعنقها، في محاولة لطمأنتها واستبدال أي ألم بشعور من الراحة.
مع كل لحظة، كانت تشعر بأن جسدها يبدأ في التكيف، والخجل يتلاشى تدريجيًا تحت تأثير لمسات رامز الحانية. كل قبلة منه كانت تشبه وعدًا جديدًا، وكل لمسة تحمل رسالة حب لا تنتهي.
ابتسمت شمس ابتسامة خفيفة جدًا، لكنها كانت مليئة بالامتنان. فتحت عينيها من جديد لتنظر إليه، وكأنها تخبره بأنها مستعدة الآن.
حينها بدأ رامز يتحرك بحذر شديد، ببطء متناهي، وكأنه يخشى أن يكسر شيئًا ثمينًا. مع كل لحظة كانا يقتربان أكثر من التناغم الكامل. شعرت شمس بحرارة جسده تغمرها، وبلمساته الرقيقة التي جعلتها تتخطى ألم اللحظة الأولى. كانت همساته وقبلاته المتناثرة على وجهها وعنقها كسحر يذيب كل مخاوفها، حتى بدأت آهاتها تتحول تدريجيًا إلى صوت مختلف، مزيج من الارتياح والشغف.
بينما يشعر رامز بنشوة غامرة، ولكنها لم تكن مجرد انتصار جسدي. كان يحس وكأن روحه أخيرًا وجدت ملاذها. كل حركة منه كانت مدروسة، كل لمسة مليئة بالحب والاحترام. كان يراقبها بعينيه لحظة بلحظة، وكأنه يريد التأكد من أن كل شيء على ما يرام.
بمرور الثواني أصبحت شمس أكثر استسلامًا. يدها تنتقل إلى كتفيه، تحتضنه بإحكام وكأنها تريد أن تؤكد له بأنها الآن معه بالكامل، بجسدها وروحها. لم تكن هذه مجرد لحظة حب عادية، بل كانت لحظة اندماج كامل، شعور بأن كل شيء أصبح كما يجب أن يكون.
مع تصاعد المشاعر بينهما، أصبحت حركاتهما أكثر تناغمًا، وآهات شمس كانت ترتفع تدريجيًا، ولكنها كانت تحمل في طياتها إحساسًا جديدًا بالثقة والشوق. رامز، الذي كان لا يزال يراقب كل تفاصيلها، ابتسم وسط تلك اللحظة الحميمية وهمس من بين أنفاسه:
"أنا عمري ما حلمت بلحظة أجمل من دي.. ياما تخيلتها.. لكن الواقع غير... بحبك يا شمس... بحبك.. بحبــك..."
واستمرت طقوس الحب بينهما في تطور. كل لمسة وكل همسة تضيف طبقة جديدة من المشاعر التي جعلت تلك الليلة لا تُنسى. ليلة توّجت حبًا انتظر طويلًا ليصبح حقيقة.
بعد مرور أشهر قليلة، كان القصر الكبير يضج بالحياة. الحديقة الواسعة تملأها الزينات الملونة، والأضواء اللامعة التي تنعكس على الجدران المهيبة، مزينة بالأقمشة البيضاء والزرقاء. الطاولات المصطفة بحرفية كانت تعج بالحلويات التقليدية والمشروبات. مظاهر احتفال باذخة، رغم أن الحضور يقتصر على العائلة والمقربين فقط.
في منتصف حفل "السبوع"، وقف عثمان البحيري يحمل بين يديه صغيره عزيز. وجهه يلمع بالفرحة والفخر، وكأنه يحمل العالم بأسره بين ذراعيه. كان يداعب الرضيع بصوت منخفض، يمسح على رأسه برفق بينما يهمس لـ سمر بابتسامة مليئة بالمودة:
"قلت لك من الأول إنه ولد! حسيت بيه قبل حتى ما أشوفه."
كانت سمر تجلس بجواره بفستان بسيط بلون السماء، ترتدي وشاحًا أبيض ناعمًا يغطي رأسها وكتفيها. ابتسمت له بدفء وهي تضع يدها على ذراعه:
"وأنا قلت لك إن متعلقة بيه وبحبه من قبل ما أشوفه.. دلوقتي لما وصل اتأكدت.. عزيز بقى أعز على قلبي يا عثمان.. بحبه.. بحبه أوي."
كانت السعادة تفيض من عينيها. وفي لحظة دافئة نظرت إلى طفلها الجميل النائم بأمان بين يديّ والده، وكأنها تتمنى أن تتوقف الحياة عند هذه اللحظة.
في الزاوية الأخرى، كانت شمس البحيري جالسة بجوار زوجها رامز الأمير. وجهها يضيء بإشراقة الأمومة التي بدأت تظهر عليها. بطنها البارز قليلاً كان دليلاً واضحًا على حملها الأول، بينما كان رامز ملاصقًا لها، يضع ذراعه حول خصرها كأنه يحميها من العالم.
همس لها بابتسامة عذبة وهو يضع يده على بطنها غامزًا:
"التوأم بتوعنا مش مريحين جوة.. تفتكري طالعين أشقيا لمين؟"
ضحكت شمس بمرح كبير. كانت تعلم في داخلها كم كان رامز متحمسًا لهذه المرحلة الجديدة في حياتهما. كم كان يحلم بها لسنوات. كان ينظر إليها بحب وإعجاب وكأنها أعظم إنجاز في حياته.
في زاوية قريبة، الصديق المقرب للعائلة، مراد أبو المجد يقف بجوار زوجته التي أخذت تشرف بنفسها على تجمع الأطفال الصبايا حول مائدة الحلوى. يساعدها في السيطرة على الأمور يحيى البحيري الابن، بينما مراد يشاركهم في الأحاديث الفكاهية والضحكات. الجميع كان يشعر بالألفة والدفء، وكأن هذا الاحتفال لم يكن مجرد سبوع، بل تجمع عائلي يزخر بالحب والمصالحة والتجدد.
على الجانب الآخر من ساحة الاحتفال، وقفت صفيّة البحيري بين ابنة عمها هالة وزوجها فادي حفظي. الاثنان لم ينفكا يتسائلا عن علة غياب صالح، لكنها كانت تتهرب من السؤال باستمرار متذرعة بعمله. جمالها كان مختلفًا اليوم، ناعمًا وهادئًا، لكنه آسر. ارتدت فستانًا أزرق داكن من الحرير، بقصة تُبرز جمال قوامها دون مبالغة. أكتاف الفستان المكشوفة كانت تزينها زخارف بسيطة من الترتر، أضفت لمسة من البريق. شعرها البندقي القصير كان مصففًا بنعومة على شكل أمواج انسيابية، تتناثر فوق حول وجهها كأنها تحاكي البحر في ثورانه. مكياجها بسيطًا، مع لمسة من أحمر الشفاه الوردي الذي أبرز شفتيها المكتنزتين، وعينيها الواسعتين ذات النظرات التي كانت تتحدث حتى في صمتها.
رغم ضحكاتها مع كلًا من هالة وملك، كان الحزن يسكن في أعماقها، يظهر في اللحظات التي تسكت فيها للحظة. كانت تمسك بكأس من العصير، تحركه دون أن تشرب، وكأنما تفكر في شيء بعيد.
قطع عثمان هذا المشهد بتقدّمه نحوها. كان يبدو واثقًا في حلّته الصيفية الخفيفة بيضاء اللون. ناداها بصوت هادئ:
"صافي!"
استدارت نحوه بابتسامة خفيفة تخفي الكثير، واعتذرت لابنة عمها قائلة:
"هارجع لكم بعد شوية."
ابتعدا قليلاً عن الصخب، ووقفا بجوار إحدى الزوايا المليئة بالزهور البيضاء. نظر إليها عثمان بنظرة أخوية مليئة بالحنان قائلاً:
"إيه يا صافي.. عاملة إيه يا حبيبتي؟"
ردت صفيّة برقتها المعهودة:
"كويسة يا عثمان.. الحمد لله."
رمقها بنظرة شك وقال:
"متأكدة إنك كويسة؟ باين عليكي غير كده!"
جاوبته وهي تحاول التهرب من السؤال المباشر:
"لا صدقني أنا كويسة.. كلها حاجات بتعدي."
ينظر لها بجدية قائلاً:
"وديالى؟ أنا شايفها مش تمام.. بقالها فترة أحوالها مش زي أي بنت في سنها."
هنا تنهدت صفيّة، وبدت وكأنها تحمل هم العالم على كتفيها، لتصارحه في الأخير:
"واحشها أبوها.. لسه صغيرة مش فاهمة حاجة.. بس حاسة إن في حاجة غلط.. وأنا مش عارفة أعمل إيه.. كل يوم بتسألني عنه."
صمت قصير، ثم قال عثمان بهدوء محتضنًا جانب وجهها براحته:
"عايزة رأي أخوكي؟ حاولي عشانها يا صافي.. مهما كان.. ديالى تستاهل إنك تدي الموضوع فرصة تانية."
قبل أن ترد عليه، ظهر صالح البحيري فجأة. كان يرتدي بذلة سوداء، ويبدو مرتبكًا. التقت أعينهما للحظة مطوّلة، وبدا الارتباك واضحًا على كليهما. نظر عثمان صوب صالح وابتسم، كأنما يريد أن يخفف من ثقل الموقف. رّبت على كتفه شقيقته وقال:
"صالح هو صالح.. ماينفعش اسمه يتشطب من العيلة.. هو أخ وأب وزوج.. وبس.. وعلى فكرة يا صافي.. ده كمان رأي فريال هانم."
ثم تركهما وعاد إلى الحفل. بينما ظل صالح واقفًا مترددًا. تقدم نحوها بخطوات بطيئة. نظر إليها بعينين تحملان مزيجًا من الندم والشوق والخجل. أما صفيّة، لم تقل شيئًا، لكنها كانت تنظر إليه بعيون مدمعة كأنما تحاول أن تقول الكثير دون كلمات. ظل الاثنان واقفين في صمت، وسط ضجيج الحفل الذي بدا وكأنه توقف في تلك اللحظة.
وفجأة، هدأت الأحاديث وتوجهت الأنظار نحو مدخل المنزل، حيث خرجت فريال هانم. بثوب بسيط من الحرير الليلكي، وشال من الدانتيل الأسود يغطي رأسها وشعرها بالكامل. لقد ارتدت الحجاب، وقد أظهرها بمظهر جديد كليًا، إذ بدا عليها الوقار والجمال في آن واحد. كانت الصدمة واضحة على وجوه الجميع، لكن سرعان ما تحولت إلى ابتسامات وإعجاب.
اقترب عثمان منها بسرعة، وجهه يشع فرحًا لا يمكن وصفه. أمسك يدها بحنان مقبلًا إيّاها كدأبه، وقال بصوت منخفض لكنه مليء بالفخر:
"فريال هانم.. ماما... أنتِ دلوقتي أجمل.. وأقوى من أي وقت فات."
ابتسمت فريال وهي تنظر إليه بعينين مليئتين بالدموع ونظرات الحب والرضا، ثم قالت:
"وأنت السبب يا عثمان... أنت السبب اللي خلاني أبدأ من جديد.. وأحس إن لسه لحياتي قيمة ومعنى... طول ما أنت جنبي يا حبيبي."
توافد بقية أفراد العائلة مهنئين فريال. وجاءت سمر لتضع حفيدها الرضيع بين ذراعي جدته. رامز الأمير، الذي كان يراقب الموقف من بعيد، همس لـ شمس بابتسامة خفيفة:
"شايفة إزاي العيلة دي بتلم بعضها مهما حصل؟ ده أكبر دليل إننا نقدر نبدأ حياة جديدة."
تنهدت شمس التي شعرت بارتياح كبير وهي ترى والدتها رحمة تتحدث مع فريال هانم لأول مرة دون أي توتر. أومأت برأسها وهي تضع يدها على يد رامز قائلة:
"أيوه عندك حق.. وأنا دايمًا جاهزة لأي حاجة.. عشان أنت معايا."
استمر الحفل وسط ضحكات وأصوات الأهل والأصدقاء تمتزج معًا في لحظة من السعادة الحقيقية. كان المشهد عبارة عن لوحة متكاملة من الحب والتسامح. وكأن القصر نفسه احتضن الجميع في أمان. كانت تلك الليلة دليلًا حيًا على أن العائلة، رغم تعقيداتها وخلافاتها، هي الملجأ الأخير، والمكان الذي يبدأ فيه كل شيء من جديد. عزيز، الذي حمل اسمًا ذا معنى كبير، كان رمزًا للمستقبل الذي يوحد القلوب وينهي الحكايات بنهاية سعيدة تستحقها.
في نهاية الليلة، الإضاءة خافتة بجناح عثمان البحيري. ضوء القمر يتسلل من بين الستائر نصف المفتوحة. عثمان وزوجته ممددان فوق السرير الكبير، وبينهما الرضيع عزيز الذي يغط في نوم هادئ. السرير يبدو أكبر وأكثر اتساعًا، لكن دفء اللحظة يملأ الأجواء.
بعد لحظات طويلة من الصمت الدافئ الذي اجتمع فيه قلباهما مع قلب صغيرهما، ابتعدت سمر قليلاً عن عثمان. لا يزال يحاوط كتفيها بذراعه. نظرت إلى عينيه بتركيز، كما لو أنها كانت تفكر في شيء عميق وقالت:
"عثمان... أنا تقريبًا افتكرت كل حاجة.. كل حاجة بينا وكل الأحداث المهمة افتكرتها... إلا ذكرى واحدة بس!"
رفع عثمان حاجبيه باهتمام، ثم اقترب منها أكثر. ضحك برقة، لكن عينيه كانتا مليئتين بالفضول، كما لو كان يحاول فهم شعورها.
"إيه هي طيب أو عن إيه؟" سألها بصوت حاني وهو يمرر يده على شعرها.
ابتسمت سمر بابتسامة خفيفة محاولة أن تخفي توترها، وأجابت:
"أول مرة... أول مرة اتقابلنا.. إيه اللي حصل.. إزاي!؟"
توقفت يد عثمان عن الحركة للحظة، ثم ابتسم ابتسامة غامضة، وعيناه تلمعان بحنان. كان يعرف بأن هذه الذكرى هي نقطة البداية لكل شيء، وقرر أن لا يترك هذا السؤال بدون إجابة.
"ياااه... أول مرة اتقابلنا!" قالها وهو يقترب منها أكثر، مبتسمًا كما لو كان يراها للمرة الأولى، وتابع: "أنتِ كنتي زي حلم بعيد.. حاجة ما صدفتهاش طول عمري.. أول مرة شفتك كنتي مش شبه أي حد.. كانت عينيكي مليانة أسئلة.. وخوف وقلق.. ومش عارفة تجاوبي عليها ولا على أي حاجة."
ابتسمت سمر بتوتر، لكنها لم تستطع منع نفسها من الاستماع له بحب عميق، بينما كان يكمل حديثه بصوت منخفض وحالم:
"كان يوم عادي في حياتي... لحد ما دخلتي أنتِ فيه.. وخلّيتيه مميز.. حياتي كلها اتغيرت لما ظهرتي يا سمر.. كأني قطعة بازل.. ولا واحدة قبلك قدرت تكمّلني.. لكن أول ما جيتي عرفت إن أنتِ اللي هاتكمّليني."
رغم إنه لم يذكر فعليًا كيف التقيا، لكنها أحبت ما يرويه عليها من مشاعر لحظة لقائهما. نظرت سمر إليه بعيون مغمورة بالدموع، وعلى شفتيها ابتسامة لا تستطيع إخفاءها. الكلمات التي يقولها الآن تعني لها كل شيء، كل شيء حرفيًا.
يضيف عثمان تائهًا في النظر بأعماق عينيها الخضراوين:
"أنا لسه فاكر أول لحظة شفتك فيها... كنت شايفك غضبانة ومتعصبة.. بس كمان شوفت جواكي طفلة ضايعة.. محتاجة الأمان.. ساعتها حسيت إني لازم أكون أمانك.. لازم أقرب لك أكتر وأخد بالي منك.. كنت عارف... كنت عارف إني لازم أكون جنبك.. حتى لو كنت أنا مش مستعد وقتها.. حتى لو كنت مش مصدق إني هاكمل حياتي معاكي... من يوم ما شوفتك ما بطلتش أفكر فيكي ولا ثانية.. وبدأت أحبك من لحظتها لحد دلوقتي.. وهفضل طول عمري أحبك يا سمر."
كان هناك صمت طويل أعقب كلماته، صمت يملؤه فقط همسات الرياح في الأفق، لكن كان بينهما نوع آخر من الكلام... كلام قلبي عميق. كانت سمر قد استعادت ذكرى أول لقاء لهما بالفعل أثناء حديثه، لكن الآن، أصبحت كل اللحظات بين يديها، كأن الماضي والحاضر أصبحا واحدًا في تلك اللحظة.
همست له وعيناها تبرقان بعشق لا نهاية له:
"وأنا عايزة أعترف لك بحاجة.. أنا عمري ما كرهتك.. حتى في بداية علاقتنا... غصب عني كنت بتشد لك... كل لحظة لما كنا قريبين من بعض على قد ما كنت بكره وضعنا.. على قد ما كنت بحس بيك وبيزيد إعجابي بيك بسبب كل حاجة.. بسببك وبسبب الطريقة اللي بتعاملني بيها.. لحد ما وقعت في حبك.. أوعدني إنك مش هاتسيبني أبدًا يا عثمان!"
صمت يتبع كلماتها، كأنها أسقطت حجرًا في بحيرة ساكنة. ملامح عثمان جامدة للحظة، وكأن عقله يحاول استيعاب ما سمعه. فجأة تهتز زاوية فمه، ابتسامة صغيرة تشق طريقها على ملامحه الجادة، لكنها تكبر تدريجيًا، وتتحول إلى ابتسامة دافئة لا يمكن إخفاؤها.
رد عليها عثمان وهو يقترب منها بحذر كي لا يوقظ الرضيع الذي بينهما:
"مقدرش... عمري ما أقدر أسيبك أبدًا يا سمر.. مهما حصل.. هاتفضلي حبيبتي لحد آخر يوم في عمري."
ثم لثم شفتيها في قبلة هادئة مليئة بالوعود التي لا تحتاج إلى كلمات أكثر.
أغمضت سمر عينيها، وكأنها تغرق في تلك اللحظة الأبدية، تحتوي رضيعها بذراع، وتتشبث بزوجها بالآخر. تنمو الهمسات بين النظرات والقبل، بينما عيناهما مفتوحة على المستقبل والذي يخبئه لهما. أدركا بأن الحب بينهما أكثر من كافٍ لتمضي الأيام الصعبة بسلام، ولكن في ظنها كان الصعب كله قد ولّى، والآتي كله ليس سوى حب ودفء وغرام. مع حلول عزيزهما الصغير، كان ميلاده إيذانًا ببداية عهد جديد من العشق. فقط العشق.