كان "منتصر" ووالدته وأخواله الثلاثة يقفون في المكان المتفق عليه عند أسوار المدينة، وكلٌ في واد. لا تستطيع "مرام" تصديق ما يحدث، لقد اقترب الموعد الذي أفنت عمرها تنتظره، اليوم الذي تواجه فيه "نجم" وتسترد حياتها وأمانها وتثأر لزوجها.
ما زالت تتذكر وجهه الكريه حين دخل عليها فجأة محاولًا مسها. استطاعت الهروب منه لكنها لم تستطع أن تهرب من الكابوس الذي أصبحت عليه وكان بسببه. بسمته التي تظهر جشعه وهو يتوج كملك دون أدنى اكتراث بأخيه الذي مات. تلك الليلة حين علمت بأمر حملها وانتظرت زوجها لتخبره. وجه زوجها المتألم دون معرفة سبب لهذا. حين استيقظت لتجده جثة هامدة.
كلما نظرت لولدها تذكرت زوجها الذي قُتل وأُهدرت دماؤه، ثم لم يتحرك أحد ليأخذ بثأره أو يعاقب الفاعل، إذ أنه زيف الحقائق وأظهر براءته الزائفة. عاشت تلك الأعوام على أمل الانتقام ممن قتل زوجها ولم ينظر إلا للملك والمال. تسلل بعض الوجل إلى قلب "منتصر"، وأخذ يتساءل: هل هو أهل لحكم مملكة بأكملها كما تخبره أمه؟ هل سيستطيع فعلها والانتصار على "نجم" حقًا؟ كانت والدته تروي له عن والده كثيرًا، ففي كل موقف يمر
بحياته كانت والدته تخبره: "لو كان أبوك هنا لفعل كذا، لو رآك أبوك "شهاب" لشعر بالفخر لكونك ولده". حتى صار والده البطل الذي يسكن عقله وقلبه في طفولته، مرشده الحكيم في مراهقته، ملهمه الحنون في شبابه، دون أن يراه. تأفف أحد أخواله الثلاثة "عمار" قائلًا: "متى يأتين أولئك الفتيات؟!
وافقه الجميع فيما قاله، فقد تأخرن كثيرًا للحد الذي جعلهم يظنون أنهن كن يخدعنهم. كادوا يعودون إلى حيث أقاموا قبل أن يروا فتاة سمراء نحيفة قليلًا ذات عينين سوداوين وهي تلحق بهم لاهثة: "أنتم من تبحثون عن القرط؟ توجهت الأنظار نحوها، وأومأ لها "منتصر" يجيبها بـ "نعم". فقالت بثبات تجاهد للحفاظ عليه: "إنه معي" ***
وقفت تتابعهما وهما تجرّان بعينيها. خارجها صامتة لكن بداخلها يصرخ. جلست القرفصاء بعد أن تأكدت أنهم رحلوا لتبحث في الأرض حتى وجدته ملقى عليها. التقطته فمسحت عليه بردائها. ثم وقفت تنظر إليه بعينين حائرتين لدقائق. ذلك القرط الذي عنده البداية والنهاية. قرط أحمر على شكل فراشة، يبدو براقًا جميلًا. في كل مرة تنظر إليه تشعر أنه يناديها. وجعلت تتذكر ما حدث قبل أن يقتاد الجنود "هند" و"هاجر": قال واحد منهم، والذي بدا أنه قائدهم،
وابتسامة مرتسمة على شفتيه: "سنقدم لكن عرضًا" توقف لثانية ثم تابع: "سنأخذ من معها القرط فقط، وسنترك الباقيتين" إنه أسعد يوم في حياة الجندي، هكذا ظن، فقد وضع الملك جائزة قيمة لمن يجد القرط ويأتي بصاحبه. هو لا يعرف قيمة القرط، هو يعرف قيمة الجائزة فقط. وقد قرأت "هند" هذا في عينيه وابتسامته، فأدركت أن بعض الحيل قد تنفع مع هذا الشارد الذي لا يفكر إلا بما قد يعطيه سيده. فهمست في أذن "زينة" بـ:
"يجب على إحدانا أن تفر بالقرط، سآخذ القرط منكِ وأضعه أمام أعين الجنود كي يأخذوني وحدي ثم أقذف القرط دون أن ينتبهوا لتأخذيه أنتِ و"هاجر"، تذكرا أنني سأحتاجكما" ثم سحبت القرط وحدث ما حدث. "عليكِ أن تركزي يا "زينة"" أخبرت نفسها بصوت عالٍ بعدما زفرت. القرط بين يديها، "هند" و"هاجر" في خطر. من في أيديهم مساعدتهما وتخليصهما في انتظارها. استجمعت شجاعتها وانطلقت تهرول نحو أسوار المدينة كي لا تتأخر أكثر من ذلك. ***
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!