"منتصر" يقف في المقدمة وخلفه أخواله، وخلفهم بقية الشعب. وبعيدًا عنهم قليلًا وقفت "زينة" و"مرام"، متخذةً منأى آمن. ترتدي القرط لتمنح ولدها القوة. مشى ذلك الجمع المهيب نحو بوابة القصر حتى اقتربوا منها، مما أثار شكوك "نجم". فأمر أحد الحراس ليستطلع عن الأمر. خرج الرجل وسألهم عن سبب وقوفهم بتلك الأعداد. رد عليه "منتصر" بثبات كان يجمعه كل عمره: -ائتنا بملكك الآن، فقد آن أوان حسابه. غضب الرجل لإهانة ملكه فصرخ فيه:
-من أنت لتحاسب الملك؟! لا تأخذك الجلالة وتنسى من أنت وعمّن تتحدث. ما زاده كلمات الحارس إلا حماسًا. فقال وكأنه يحدث نفسه لكنه قصد جعل الحارس يسمعه: -يبدو أنه سيطيل الحديث. لم يلحق الحارس استيعاب إهانة "منتصر" وردها، فقد فاجأه بأن صرخ ليسمعه الجميع: -فلنقتحم القصر، هدفنا الآن هو الإتيان برأس "نجم".
وبدأوا بالسير للدخول وأصوات دبدبتهم تشق العنان غير مكترثين لأحد. حاوطهم سور من الجند ليمنعوهم من الدخول. فأمرهم "منتصر" الذي أصبح قائدهم، لا يعلم أحد متى، بمحاولة تعديهم دون إصابتهم، فهم لا يريدون إضاعة المجهود. بعد محاولات تصدٍ كثيرة استطاعوا تخطيهم بعدما اضطروا لطرح بعض منهم أرضًا. صاروا يمشون في القصر يبحثون عن "نجم" الذي كان مختبئًا بأقصى غرف القصر. فهو يعلم أنه لو عثر أحدٌ عليه لن يبقى حيًا لثانية واحدة.
كان النزاع أشبه بمشهد هزليّ منه نزاع، فقد كان المقاتلون في صف "منتصر" غير مجهزين للقتال ولا يملكون أي مهارات. لكن لحسن حظهم كانت الكفة متساوية، إذ لم يكن حراس الملك مستدعين للقتال أيضًا، بالإضافة إلى أنهم أقل منهم عددًا.
بينما كان الشعب الغاضب يقاتل بكل ما أوتوا، كان "منتصر" يشق الصفوف وهو يرفع كل من أمامه ثم يقذف به على الأرض بإشارة من إصبعه، مستمدًا القدرة على ذلك من والدته التي تقف خارج القصر مع "زينة" مرتدية القرط وتركز ذهنها على شيء واحد، هو التوفيق لولدها.
بعد جهدٍ كثير ووقتٍ طويل، استطاع "منتصر" بعدما بحث في غرف القصر جميعها بسرعة استمدها من القرط أن يجد "نجم"، منزويًا في أبعد غرفة عن القتال، مرتجفًا، مرتعبًا، كان يقف خلف الباب، كأنه لم يكن يأمر وينهى منذ ساعات. حين هجم عليه "منتصر" كأسد يهجم على غزالة، وضع يده على رقبة "نجم" ثم قال بين أنفاسه: -مرحبًا. ثم أضاف متشفيًا: -هل ظننت أنك ستعيش تتمتع بدنياك دون أن تحاسب على أفعالك؟ بل ستدفع كل شيء أضعاف.
أردف "منتصر" بابتسامة ارتسمت على وجهه أضافت له جمالًا وزادت من بريق عينيه رغم العرق المتصبب من جبينه: -نسيت أن أعرفك بنفسي، أنا "منتصر". سرعان ما أظلمت عيناه وهو يقول: -ابن الملك "شهاب"، أخوك الذي قتلته.
صُعِق "نجم" وجحظت عيناه لا يدري أمن الصدمة أم من الاختناق. مشاهد من الماضي تتجسد أمامه، وجه أبيه، كان دومًا بطريقة أو بأخرى يفضل أخاه عنه. "شهاب" أذكى، "شهاب" أقوى، "شهاب" أفضل منه في كل شيء. في كل مكان كانت العيون تقع على "شهاب". هو لديه أصدقاء أكثر، هو أجمل، أما "نجم" فمجرد زيادة لدى والده. ظلت الأحداث تتوالى في عقله حتى فارقت روحه جسده بسبب شدة ضغط "منتصر" عليها.
في أحد زنازين القصر البعيدة الضيقة، حيث المكان معتم والأرض متسخة، زفرت "هاجر" بقوة وقد ضجرت من الجلوس دون فعل شيء. ثم وجهت حديثها لـ"هند": -لمَ لا نلعب لعبة؟ -لعبة؟! هل تظنين أننا في زيارة لحديقة الحيوان؟ نحن في السجن! في السجن! ثم أردفت كمن يستغيث: -أملي فيكِ يا "زينة". قالت "فيروز" شريكتهم في الزنزانة، التي كانت خياطة الملك وقد صممت له رداءً به شق فحبسها: -ما هذا الضجيج؟ سألت "هند": -أي ضجيج؟
-ألا تسمعين أصوات الصراخ والقتال تلك؟ ردت "هاجر" هذه المرة وهي ترهف السمع: -سمعتها الآن. حاولت "هند" التدقيق حتى استطاعت سماعه أيضًا. تساءلن فيما بينهن عن سبب أصوات الصراخ تلك، حتى أتاهم شخص وقد حطم الزنزانة التي هن محبوسات فيها. فسألته "هاجر" فزعة: -ما الذي يحدث؟ أخبرها الرجل بإيجاز أن الشعب قد نوى الانقلاب على الملك، مما جعل كلًا من "هند" و"هاجر" تبتسمان عندما علمتا ما خططا له قد حدث.
استطعن الخروج من القصر بصعوبة بسبب ما يدور بداخله، و"هند" و"فيروز" تجران "هاجر" التي تود القتال مع الرجال. خرجن ليجدن "زينة" تقف بجوار "مرام". ركضت "هاجر" و"هند" نحو "زينة" لتحتضناها، و"هاجر" تقول: -كنت أعلم أنكِ لن تتركينا.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!