دلفت لمنزلها بعد انتهاء مراسم دفن شقيقتها. مشطت المنزل بعينيها لترى شقيقتها بهذا الركن تحمل أدوات الرسم وترسم وهي تبتسم ببهجة. نظرت ورأتها وهي تجلس تأكل الحلوى بابتسامة أيضاً. تذكرت كيف كانت لا تفارقها ابتسامتها واشتعل الغل والحقد بداخل قلبها أكثر فأكثر، فأصبح كالبركان الثائر. ثم نظرت لوالدتها وأبيها وهم يظهر عليهم الحزن والقهر.
وحدثت نفسها: "أقسم لك يا شقيقتي وصغيرتي وجميلتي لن أترك حقك يذهب هباءً، سأقتص من كل شخص آذاك يا حبيبتي." جاءت الخادمة وهي مطأطئة رأسها: "أستاذة نهاد، أستاذ جميل يريد حضرتك." نظرت لها نهاد: "أدخليه المكتب." نظر لها أبوها بحزن: "نهاد، أنا عمري ما قلت عليكي بنت، دايماً بقول نهاد راجل من ضهر راجل. هحتاج لخلفة الولاد ليه وأنا معايا اللي بيهم كلهم." ثم ركز بسواد عينيه داخل عينيها الخضراء:
"حق أختك أمانة في رقبتنا ليوم الدين يا نهاد. أنا خلاص بقيت راجل كبير وصحتي على قدي، لكن انتي لسه شباب وأنا واثق إني ربيت صح." نظرت له نهاد بقوة ورفعت إحدى حاجبيها بثقة: "وده اللي هعمله يا والدي، أكيد." ولكنهم فزعوا على صراخ والدتها: "لأ، أنا ضاع مني واحدة، مش هستنى لما تضيعي مني انتي كمان. أقسم بالله يا نهاد لو عملتي حاجة تأذيكي، لا انتي بنتي ولا أعرفك." نظر لها والدها بهدوء وأغمض عينيه بمعنى ارضي والدتك.
ابتسمت نهاد لوالدتها بهدوء برغم النيران المشتعلة بقلبها: "إيه اللي يرضيك يا ست الكل؟ والدتها ببكاء حاد: "مش عاوزاكي تعملي حاجة تأذيكي، سيبيه لربنا، هو هيجيب لنا حقنا." نهاد: "وأنا يهمني اللي يرضيكي يا ست الكل، انتي تؤمري وأنا انفذ." زاد بكاء والدتها: "انتي وباباكي بتاخدوني على قد عقلي." وتركتهم وصعدت للأعلى. الأب: "هدى، استني." ورحل خلفها. تنهدت نهاد بألم وذهبت لمكتبها. نهاد: "إيه الأخبار يا جميل؟ جميل:
"اتفضلي، دي نسخة من التقرير الطبي. الدكتور كان رافض إني آخد نسخة، لكن رئيس المباحث أستاذ حيدر الشناوي لما عرف إني مدير أعمالك، سلمني نسخة فوراً وطلب مني أوصلك تعازيه وأي حاجة تحتاجيها تعرفيه فوراً، وهو معاكي." نهاد وهي تفتح الظرف: "طول عمره ابن أصول وجدع."
ونظرت داخل التقرير لتتسع عيناها بصدمة وحزن وألم وهي تقرأ أنها تعرضت للاغتصاب ومن أكثر من شخص، الذي سبب بنزيف أنهى حياتها على الفور ومن ثم تم إلقاؤها من أعلى البناية. لتغمض عينيها بألم وحزن شديد وتفر منها دمعة هاربة: "لم يكتفوا بانتهاك جسدك وبرائتك حبيبتي، وأيضاً لم يكتفوا بموتك بين أيديهم. من أي نوع من البشر هؤلاء؟ وفجأة صدع برأسها قوله تعالى: "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة."
"نعم، لقد أصبحنا في زمن مرعب." تحدث جميل بحزن على هذه الراحلة الجميلة: "وبعدين يا نهاد، هتبدأي منين؟ نهاد بغضب وذكاء: "هبدأ من نقطة النهاية يا جميل." نظر لها جميل باستغراب: "إيه هي نقطة النهاية دي؟ نهاد بدهاء: "من آخر مكان ناهد كلمتني منه. آخر مكالمة كانت بيني وبين ناهد، قالتلي إنها هتروح تقابل سيلين صاحبتنا في النادي." جميل: "طيب، هنبدأ من النادي ولا من سيلين؟ نهاد:
"من الإتنين. انت بكرة بإذن الله هتروح تجيبلي نسخة من كاميرات المراقبة اللي ظاهر فيها ناهد أختي، وأنا هروح لسيلين أتكلم معاها." جميل: "طب تمام كده، أنا هروح بقى دلوقتي وأسيبك ترتاحي." نهاد: "تمام." ذهب جميل وظلت نهاد تفكر من الذي فعل هذا بشقيقتها. "وبعدين في المصيبة اللي وقعتنا فيها دي. قعدت تقولنا أنا عدي وأنا اللي هجيب مناخيرها الأرض، وفي الآخر شكلها هي اللي هتجيبنا كلنا الأرض." عدي بسخرية يخفي بها رعبه:
"نهاد دلوقتي عاملة زي الطير الجريح، حزنها على أختها هينسيها نفسها ويحطمها." مجهول 1: "لأ، وانت الصادق، نهاد دلوقتي عاملة زي الأسد الجريح، هيشوط في الكل." مجهول 2: "أنا اللي هموت وأعرفه بنت الكل'ب دي، لما كنا بناديها باسم أختها، معرفتناش ليه إنها مش هي؟ كنا وقتها حتى عرفنا نتصرف." مجهول 3: "وكنا هنتصرف إزاي بقى يا فالح؟ ماهي كده كده كانت شافت وشوشنا، مكنش هينفع نسيبها، كانت هتكشفنا." مجهول 2:
"لأ، بالعكس، كنا ساومنا نهاد، وكلنا عارفين ناهد إيه بالنسبة لنهاد." عدي نظر للشخص الخامس: "إيه يا بُص، ساكت كده ليه؟ لاتكون خايف من نهاد انت كمان زي الهبل دول؟ نظر له هذا الشخص بخبث: "متقدرش تنكر إن انت كمان واحد من اللي مرعوبين دول يا عدي، وبتداري على رعبك بسخريتك واستهزائك. وبعدين انت أكتر واحد لازم يخاف ويترعب، عشان انت اللي في وش المدفع يا حبيبي." ابتلع عدي ريقه برعب وخوف لأنه حقاً هو من في وجه المدفع. قال:
"وانت بقى مش خايف على نفسك؟ مجهول 4: "انت اتجننت ولا إيه؟ انت شكلك نسيت أنا مين وابن مين. نهاد مهما طلعت أو نزلت، متقدرش تعملي حاجة، ولا الهوا. نهاد دي بالنسبالي أدوسها زي الصرصار. الدور والباقي عليك انت يا عدي." عدي: "لأ يا باشا، أنا لو وقعت مش هقع لوحدي، وكله هيجي في الرجلين. خافوا على نفسكوا بقى يا بشوات." ثم تركهم ورحل بغضب ورعب. مجهول 1: "عدي شكله هيودع، ولا بيتهيألي؟ مجهول 4:
"لأ، هو فعلاً هيودع، بس في اللحظة المناسبة. سيبوه بس ينام في العسل شوية، وبعدين نفوقه على لدغة النحلة إحنا." كانت تتسلل على أطراف أصابعها وهي تتلفت حولها من أن يكون يراها أحد. صعدت للسطوح بهدوء وتوتر. ثم نظرت لهذا الشاب الذي ينتظرها. أقتربت منه بهدوء: "واد يا محمد، أنا جيت أهو." التفت محمد لها بسرعة ونظر لها بلمعة عين: "يااااه يا ضحى، وحشتيني جوي. يابت اتأخرتي اكده ليه؟ ضحى وهي تتلفت حولها:
"على أما عرفت أهرب من أمي." فجأة يأتي صوت من خلفهم يجعلهم يفزعون وتتسع أعينهم بصدمة وخوف: "وه يامري، بتهببي إيه عندكِ يا مخبلة؟ محمد بارتباك: "وه يا مرت عمي، فزعتينا. ده أنا بس كنت بجول لبت عمي عالبت الي لجوها مقتولة." الأم وهي تضرب صدرها بشهقة: "يالاهوي، بت مين دي يا ولدي اللي لجيوها مقت'ولة؟ ضحى: "دي بت ياما، بيجولوا حد اغتصبها وبعدين جتلتها." الأم:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ده إحنا بجينا في زمن مايعلم بيه إلا ربنا. حسبنا الله ونعم الوكيل في اللي عمل فيها أكده." جذب محمد هاتفه مسرعاً ليُطلع زوجة عمه على صورة هذه الفتاة المقتولة. لتقول الأم بحزن: "ياكبدي يابتي، كيف الجمر والله ماتستاهل اكده." محمد: "يا عمه، دي بت ضهرها مسنود وحجها هيجي من عين الطخين." الأم بحزن: "وهي بعد المو'تة دي يا ولدي بجى فيها ضهر مسنود؟
ده زمان أهلها ضهرهم اتحش من الجهر يا ولدي. المهم يلا هموا انزلوا جعدتكوا اهنه متصوحش." نظر محمد بجانب عينه لضحى: "أيوه صح ياعمتي، يلا ننزل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!