يعني إيه يا بابا حضروا هدومكوا انتوا اتجوزتوا؟ هتفت بها فتاة في منتصف العشرينات وهي تقف أمام والدها، الرجل الأشيب ذو الانحناءة في ظهره والتجاعيد في وجهه، ولكنه برغم ذاك تتبين القسوة في ملامحه. ممدوح بقسوة: يعني زي ما سمعتي يا أختي، انتوا التلاتة كل واحدة تحضر شنطة هدومها وتطلع عشان تروح مع جوزها. اقتربت منه "تاليا"، تلك الفتاة قصيرة القامة، وهي تهتف بعصبية
وقد احمر وجهها من الغضب: أنا مش موافقة على الجوازة دي، أنا لسه عندي 19 سنة. ممدوح وهو يجذبها من ذراعيها بعنف: مش بمزاجك يا روح أمك، انتي خلاص اتجوزتي وهتمشي مع جوزك. تاليا وهي تئن بألم: مش همشي مع حد. اقتربت منها "جوري"، شقيقتها الوسطى، وهي تهتف بهدوء: تاليا حبيبتي، انتي مش كنتي عايزة تمشي من البيت ده ومتتضربيش تاني؟ تاليا وهي تهز
رأسها وتهتف من بين دموعها: أيوه، بس مش بالطريقة دي، مش إني أتجاوز واحد أنا لا شوفته ولا شافني، خبط لزق كده. مرام، شقيقتهم الكبرى: أي حد هيكون أهون من العيشة اللي إحنا فيها دي، يلا نحضر هدومنا ونمشي. ممدوح وهو يبتسم باستفزاز ويربت على وجنتيها: طول عمرك عاقلة يا حبيبة أبوكي. نفضت يديه بكره وهي ترفع سبابتها في وجهه وتهتف بكره: أنت من دلوقتي ولا أبونا ولا نعرفك، ولا عايزين نشوف وشك تاني، أنت فاهم؟ ممدوح وهو يلتف ليهتف
ببرود وهو يخرج من الغرفة: يكون أحسن، كتكم الهم عيال فقرية. خرج من الغرفة لتغلق "مرام" الباب خلفه بعنف، وكادت أن تسقط دموعها رغماً عنها، ولكنها تحلت بالشجاعة وهي تقترب من أشقائها وتهتف بهدوء: يلا نحضر هدومنا. تاليا بخوف وارتعاشة في جسدها: أنا خايفة. جوري بقلق: وأنا كمان، أكيد اتجوزنا ناس كبيرة عشان الفلوس صح؟
تاليا: أه، لا أنا الموت أهون عندي من اللي هتجوزه، أنا مش عايزة أمشي، يا ماما تعالي خديني عندك، أنتي ليه سبتيني؟ أهئ أهئ. مرام وهي تقترب منها وتضمها إلى صدرها لتهتف من بين دموعها: أهدي يا روحي، أهدي عشان خاطري، متخافيش، إحنا معاكي، ما يمكن ميكونش كبير. تاليا وهي تتشبث بها: ولو كبير هعمل إيه؟ أنا خايفة. انتفضت الفتيات بعنف إثر طرق الباب، ومن ثم صوت
والدهم وهو يهتف بخشونة: يالا يا بت منك ليها، العرسان مستعجلين، عندهم شغل. مرام بحشرجة: طيب خارجين. ابتعدت عنها وهي تحاوط وجهها وتهتف بخفوت: أنا معاكي وربنا معانا، واثقة في ربنا. تاليا وهي تهز رأسها: أه. مرام: يبقي متخافيش طالما وثقتي فيه. تاليا بضعف: حاضر. مرام وهي تقبل جبينها: يالا حضري هدومك. التفت "تاليا" تبحث عن ملابسها هنا وهناك بدموع، بينما اقتربت "مرام" من "جوري" والتي تقف وتحدق في الفراغ.
مرام: جوري، انتي كويسة؟ جوري بشرود: أه. مرام: طب يالا حضري هدومك.
انتهت الفتيات من تحضير حقائبهن، ودموع "تاليا" و"جوري" لا تتوقف خوفاً من القادم، خوفاً من زيجة فُرضت بالإجبار، وكأنهم ليس ببشر لهم حق الاختيار بالموافقة أو بالرفض، وكأنهم سلعة تُباع وتُشترى كيفما يشاء والدهن، ذاك الأب والذي لم يكن في يوم بأب حقيقي يحب أولاده، يعاملهم بحنان كجميع الآباء، يعوضهم حنان الأم والتي ماتت منذ سنوات في حادث سيارة، مثلما يقول هو، أو مثلما يخدعهم بتلك الأكذوبة، فهو في الحقيقة من قتلها ليتخلص منها!
مرام بحشرجة: أنا خلصت، هطلع أستناكوا برا. جوري: وأنا كمان، استني جايه معاكي. مرام: وأنتي يا تاليا؟ تاليا بتوتر: ها، أنا لسه، اطلعوا أنتوا وأنا هاجي وراكوا. خرجت الفتاتان وهما يرتجفان رعباً، وقد كانت جوري تتشبث في كتف مرام وجسدها يرتعش برعب حقيقي، حتى كادت أن تفقد وعيها من الذعر. ممدوح وهو يراهم يقتربون منه لينهض وهو يهتف بتلعثم: أهم يا باشا جم، تعالي يا بت منك ليها، سلمي على حماكي. اقتربت
منه مرام وهي تهتف بتوتر: السلام عليكوا. طارق بترحاب: وعليكوا من السلام، مرام مش كده؟ هزت رأسها وهي تبتسم ابتسامة رقيقة: أيوه. ممدوح بخفوت لجوري: فين مقصوفة الرقبة أختك؟ جوري بكره: جايه دلوقتي. طارق وهو يقترب من جوري: وأنتي جوري؟ جوري بحده: أيوه. ممدوح: اتكلمي كويس يا بت، أنتي. طارق وهو يشير بيديه ويهتف بحده: متدخلش، أنت دلوقتي ملكش حكم عليهم! يالا يا بنات، ولادي مستنين تحت.
ممدوح: طب استني، لسه واحدة جوه، ادخلي يا بت هاتي أختك. دلفت جوري، وبعد دقائق استمع الجميع إلى صوت صراخها. في الأسفل كان يقف ثلاث شباب، جميعهم طوال القامة، ذو جسد رياضي وملامح حادة، يبدو على قسماتهم الغضب حتماً. هتف أصغرهم ويدعى "سالم" وهو يشير إلى ساعة معصمه: هما اتأخروا ليه كده؟ الأميرات بيتقلوا علينا ولا إيه؟ هتف الآخر ويدعى "حازم" بتهكم: هما كانوا يحلموا أصلاً يتجوزوا ولاد السلطان أصلاً؟ مروان بغرور
وهو يعقد ذراعيه أمام صدره: مش فاهم لحد دلوقتي ليه أبوك قالنا نتجوزهم. حازم: والله لهطلعوا على عين اللي جابها بت الشحات. مروان بغضب: حازم، قسماً بالله لو مديت إيدك عليها هكسرهالك. حازم بضيق: أنا مقولتش هضربها، بس أنا أصلاً موافق على الجوازة دي عشان أبوك هددنا، هيكتب الورث كله باسم مراته لو موافقناش! سالم وهو يهتف بصدمة: إيه ده؟ مين اللي بابا شايلها دي؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!