الفصل 6 | من 7 فصل

رواية كسرة وضمة وسكون الفصل السادس 6 - بقلم رحاب ابراهيم

المشاهدات
18
كلمة
6,070
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 86%
حجم الخط: 18

في المنزل القديم للشقيقتان. فغرت شهد فاها من الذهول عندما أخبرتها رقة بعرض الزواج الحلم هذا. ثم على حين غرة نهضت شهد وظلت تطلق الزغاريد من فمها بسعادة شديدة. وضعت رقة يدها على أذنيها وقالت بإنزعاج: _بطلي اللي انتي بتعمليه ده! توقفت شهد وهي تسحب رقة من مقعدها وتهزها بضحكة عالية وفرحة: _أبطل إيه بس ده أنا هفضل أزغرد لحد ما ألم المنطقة بحالها عليا. يابت أشهد شاهين بنفسه اتقدملك وعايز يتجوزك، أنتي واعية للي بتقوليه؟!

ومش عايزاني أزغرد؟ طب لوووولي. وظلت شهد تزغرد بطريقة متواصلة لمدة ١٥ دقيقة. وضعت رقة يدها على أذنيها مرة أخرى، ولكن تلك المرة كان يتخلل انزعاجها ابتسامة اقتحمت روحها وقلبها وشفتيها. ثم ضمتها شهد وقالت بمحبة شديدة وسعادة:

_الفرحة مش سيعاني يا حبيبتي. مش بس عشان هتتجوزي، عشان هتتجوزي واحد أنا متأكدة إنك هتكوني مبسوطة أوي معاه. ومش هنكر إن الواحد ده بالذات بقا هو أشهد شاهين. ده حلم كل البنات، وأنتي في خمس دقايق مقابلة سرقتي عقله وقلبه يا رقوقة البرقوقة. ده أنتي طلعتي أنثى خطرة يابت! أنزلت رقة يديها المرتجفتان بابتسامة مرتبكة، ثم قالت ببعض القلق والتعجب الذي كسا وجهها وعينيها فجأة:

_بس يعني.. ده لسه شايفني من كام ساعة.. لحق يحبني وكمان يقرر يتجوزني؟ مش غريبة دي! اجلستها شهد ثم ضمت يديها المرتجفتان برقة وقالت: _اللي زي أشهد شاهين ده عارف هو عايز إيه، معندوش وقت يضيعه في التفكير والتردد. وقدامه بدل البنت مليون. ليه ما اختارش واحدة فيهم واتجوز من زمان؟! وبعدين مجيئه أخوه وحوار الأنابيب اللي عمله ده يقول إنه سأل علينا وعرف عنك كل حاجة. وبعدين مجيئه ليكي المصنع مش مكفياكي؟!

ده أنا لحد دلوقتي كل ما افتكر أشهق من الخضة! تورد خدي رقة بالحمرة وابتسمت بحياء. فتابعت شهد بابتسامة حنونة مُحبة: _أنتي تستاهلي يا رقة وربنا عوضك. كفاية اللي عملتيه معايا، أنتي أم مش بس أخت وصاحبة. أخذتها رقة بين ذراعيها بضمة رقيقة، ثم ابتعدت فجأة وقالت لشهد بقلق: _طب لو وافقت.. أنتي هتعملي إيه؟ وجامعتك و… قاطعتها شهد بحدة وقالت:

_متكمليش. أنا عايزة أفرح بيكي ومش هتنازل عن الفرحة دي. وبعدين اللي فاضلي سنة واحدة وهتعدي وهعرف أمشي أموري. أختك الأولى على دفعتها أصلًا. ضحك الشقيقتان. ثم قالت شهد بخبث: _وبعدين مش يمكن يعني.. نبقى سلايف في بيت واحد؟ أنا بقول يمكن مش أكيد! نظرت لها رقة بنظرة ضيقة مبتسمة. حتى ضحكت شهد وقالت بخبث: _خطف قلبي بتاع الأنابيب. هو صحيح كان هيدشدش نفوخي بمفتاح الأنبوبة وأنا بعترت كرامته حتة بعتورة. بس وربنا ما هعتقه.

دهشت رقة وسألتها: _هتعملي إيه يا مجنونة؟! اجابت شهد وهي تنهض وتبدأ وصلة رقص مثل عادتها: _هفضل أحلم بيه لحد ما يتقدملي. هجننه وأخليه يمشي يكلم نفسه. ده أنا أحلامي دي سرها باتع. ضحكت رقة على شقيقتها وظلت تنظر لها بمحبة والسعادة تحلق بقلبها. ثم توقفت شهد وسألتها بحيرة: _بت.. انتوا لما كنتوا برا المصنع وبتتكلموا، محطش الچاكت بتاعه على كتفك ليه لما ترقرق من عينيكِ الدموع؟ أجابت رقة بسخرية: _الدنيا حر!

لم تقتنع شهد بإجابتها ثم عادت للرقص. وبعد دقيقتين تذكرت شيئًا فذهبت لشقيقتها وسألتها سريعا: _حضرتي اللبس اللي هتلبسيه لما تقابليه تاني.. أنتي لازم تستعدي! انكمش حاجبي رقة وقالت بتوتر: _لأ.. هو أنا لحقت! … وبعدين مش من باب التقل يعني استنى شوية وبعدين أرد عليه؟! اغتاظت منها شهد وقالت: _يا ستي أتقلي ما قولناش حاجة.. بس على الأقل أبقي مستعدة. فكرت رقة بشيء وابتسمت بحماس وقالت لشقيقتها:

_ما تقلقيش، روحي نامي وأرتاحي وبكرا ربنا هيدبرها. اطمئنت شهد لإجابتها وظلت ترقص لدقائق ثم قالت مبتسمة ابتسامة واسعة: _أهو دلوقتي لما أقول في الجامعة أن أشهد شاهين يبقى خطيب أختي محدش هيقدر يكدبني. بحبك يا رقوقة.

وظلت تحدث نفسها وتضحك وهي تدخل غرفتها. وبعد ذلك استغرقت شهد بالنوم. بينما توضأت رقة وصلّت صلاة العشاء قبل أن يضيع الوقت، ثم ظلت تدعو ربها كثيرًا مثلما تفعل كل فرض. وبعد ذلك دخلت غرفتها الصغيرة وتوجهت نحو خزانتها وأخرجت من لفافة بيضاء عدة أقمشة راقية كانت قد ابتاعتها بالسنوات الماضية لتفصيل فساتين سهرة بيدها مثلما كانت تحلم دائمًا. فقالت مبتسمة بعدما سمّت باسم الله وتوجهت لآلة الخياطة القديمة: _جه أوانهم يتفصلوا.

تذكرت عدة تصاميم كانت قد رأتها سابقاً ووقع اختيارها على تصميم اعتقدت إنه سيلائمها. بدأت بحماس شديد، واستغرق منها الأمر ليلةً كاملة حتى انتهت من ثلاثة فساتين. كان الأمر يبدو وهميًا وهي تتثاءب بالصباح الباكر وعينيها على الفساتين الثلاث المّعدين تمامًا للإرتداء. ابتسمت بكسل وقالت تتجاهل الفوضى التي أحدثتها حول ماكينة الخياطة: _هنام شوية وأصحى أنضف وأبقى اقيسهم بعدين.

وهنا فتحت شهد باب غرفتها وهي تمط ذراعيها بكسل. وحملقت فجأة وهي ترى الفساتين الثلاث وهم على الأريكة كأن عصا سندريلا أوجدتهم في الحال. قالت بعينان متسعة من الدهشة والإعجاب: _الفساتين دي بتاعة مين؟ ابتسمت رقة بإرهاق وقالت وهي تقترب لها وتجيب بثقة: _بتوعي. دول الأقمشة اللي كنت بشتريهم وبخزنهم لأي مناسبة. عملت حسابك معايا، ولسه هعمل التلاتة الباقيين النهاردة بإذن الله. شهقت شهد بذهول وقالت وهي ترفع

أحد الفساتين أمام عينيها: _مش معقول تكوني بتفصلي بالحلاوة دي؟! روحي قيسيهم قدامي دلوقتي.. بسرعــــة قبل ما أروح الجامعة. اعترضت رقة وقالت بإرهاق: _مش وقته.. عايزة أنام شوية قبل ما أروح الشغل، لما ترجعي هبقى أقيسهم قدامك والله.

صممت شهد على رأيها، وذهبت رقة وأنصاعت للأمر رغم وجهها المتعب الشاحب من قلة النوم. وأرتدت فستان قطني من الأعلى ويتدرج للأسفل بالستان الناعم من درجات القرمزي الداكن الذي يشبه اللون الأحمر القاتم. وخرجت لشقيقتها بالصالة الضيقة. اتسعت عينان شهد وهي تدور حول شقيقتها التي اكتسى وجهها بالحياء والابتسامة وقالت: _أنتي خارجة من مسلسل حريم السلطان دلوقتي. إيه يابت القمر ده؟

التصميم لايق عليكي ويجنن واللون أصلًا رهيب. ولا أجدعها مصمم يعمله. تبدل إرهاق رقة لفرحة حقيقية وحماس. وذهبت لإرتداء الفستان الأسود المخلل بالأحمر الغجري الأسباني في تصميمه. صفرت شهد بدهشة وهتفت: _واااو.. ده بقا نينجا أوي. بس ده خليه لمقابلة بينكم بعد الخطوبة. مش من أول مقابلة كده، أصلي حاسة تصميمه مثير شوية مع أنه طويل ومحتشم. أما الفستان الثالث باللون الأرجواني جعل شهد في حالة انبهار تام بتصميمه الذي يشبه القفطان

المغربي بعض الشيء وقالت: _يا ده يا الأول. الأتنين يهبلوا بجد. أنتي عاجبك إيه فيهم؟ نظرت رقة للفستان القرمزي الأول بابتسامة وقالت: _هختار الأولاني. حبيته عليا أكتر. وأنتي هتختاري إيه؟ ابتسمت شهد وقالت بمحبة: _أنا عندي لبس كتير أوي. أنتي مكنتيش مخلياني محتاجة حاجة يا روقة. عمومًا هحضر نفسي عشان أروح الجامعة ونكمل لما أرجع، وأنتي خليكي النهاردة في البيت ما تروحيش الشغل. تعجبت رقة وسألتها: _ليه أغيب؟ ضحكت شهد وهي

تستعد لدخول المرحاض وقالت: _يابنتي نامي شوية أنتي سهرانة طول الليل. وبعدين ما تقلقيش. بعد اللي حصل امبارح كله في المصنع هيضربلك تعظيم سلام. أنسي اللي فات، ده أحنا هنبدأ صفحة جديدة مع كوكب الأرض. وتابع شهد ضحكاتها ودندنتها وهي تأخذ دشا سريعا وتستعد للذهاب للجامعة. *** وبمنزل آل شاهين.

أعدت مائدة الإفطار بالصباح الباكر، وقد اهتمت بتحضيرها كلًا من نيرمين وشقيقتها هدير. وساعدت سميحة شقيقتها الكبرى مشيرة على النهوض من فراشها والتوجه للفطور الجماعي. وجلست مشيرة على مقعد أمام الطاولة وهي تشعر بتعب شديد في عظامها إثر الحركة وقالت بإستياء: _يا ريتني ما سمعت كلامك ونزلت يا سميحة. مش قادرة آخد نفسي. قالت سميحة بنظرة حادة لشقيقتها:

_لأ لازم تسمعي كلامي. انزلي واقعدي وسط ولادك وشوفييم بيعملوا إيه. مش تسبيلهم السايب في السايب كده! قطبت مشيرة جبينها وقالت بحدة: _مالهم ولادي يا سميحة؟! زي الفل وأي أم تتمنى ولادها يبقوا زي ولادي. ربيتهم احسن تربية واحسن تعليم. واحد مهندس ورجل أعمال والتاني ضابط قد الدنيا. سايب إيه اللي بتتكلمي عليه بقا؟! نظرت هدير لأمها بغيظ حتى عدلت سميحة حديثها وقالت:

_يا حبيبتي مش أقصد اللي فهمتيه. أقصد يعني أن ولادك ما شاء الله العين عليهم كتير، لازم تبقي واخدة بالك منهم لحسن بنت كده ولا كده توقع واحد فيهم وتاخد اللي وراه واللي قدامه. أنتي ماشوفتيش نهال عملت إيه في أشهد زمان وهما مخطوبين؟! فكرت مشيرة بقلق لثوان، ثم قالت بدفاع عن ابنها: _وكان إيه النتيجة يعني؟ أهي دلوقتي بتجري وراه تاني وهتموت وترجعله. لوت سميحة جانب شفتيها بسخرية ثم قالت:

_ما هي سابته زمان عشان مكنش غني. لكن لما بقى غني بقت هتتجنن وترجعله. أكتر البنات دلوقتي ما يفرقوش عن نهال، إلا بقى لو بنات ولاد أصول وعيلة وأنتي واثقة فيهم. ونظرت سميحة لأبنتيها وكأنها تشير بالحديث عليهن. فقالت مشيرة وقد فهمت مرماها: _والله يا سميحة كان نفسي أن آخد بناتك لولادي الاتنين. بس اتفاجئت أنهم مرتبطين ببنات تانية ومتفقين على الجواز كمان، مقدرتش أتكلم.

استعر الغيظ والحقد بقلب سميحة وأبنتيها التي فشلت كل مساعيهن للوصول لتلك العائلة. بينما نظرت هدير كانت مزيج من الحقد والسخرية مما تسمعه من خالتها مشيرة. فقالت مبتسمة بمكر: _ولا تزعلي نفسك يا خالتو. أحنا برضه بناتك وهنفضل كده على طول. و بتلك اللحظة ظهر أشهد وهو ينزل على السلم الرخامي ناظرًا في ساعة معصمه متجاهلًا مائدة الإفطار بأكملها. فهتفت أمه ليأت ويشاركهن الطعام فأجاب بعجالة وهو يتوجه للخارج:

_معلش يا أمي عندي مواعيد بدري مهمة. هفطر في الشغل، افطروا أنتوا. ودون أن ينتظر جواب خرج من المنزل دون أن يعير خالته وأبنتيها حتى نظرة. فضغطت هدير على أسنانها بغيظ ونهضت قائلة بعصبية: _نفسي اتسدت. بعد إذنكم. ولحقتها شقيقتها نيرمين، بينما قالت سميحة بعصبية: _هما ولادك مالهم يا مشيرة؟! واحد مقالش حتى صباح الخير والتاني محدش شاف وشه من امبارح وكأنه مش طايقنا!! لو أنا وبناتي تقال عليكم كده هاخدهم وأمشي دلوقتي.

وأجهشت سميحة ببكاء مزيف لتأثر على شقيقتها الكبرى. فقالت مشيرة بإعتذار شديد: _إزاي تقولي كده بس يا سميحة ده بيتك أنتي وبناتك. هما كده على طول والله. أشهد في شغله طول الوقت مش بشوفه إلا بليل… وحازم أنتي عارفة نظام شغله. والله ساعات مابشوفه بالأيام. أومال أنا كنت بزن عليهم يتجوزوا ليه؟ نفسي البيت ده يتملي بعيالهم ومحسش أني لوحدي. مسحت سميحة عينيها من الدموع وقالت وهي تربت على يد شقيقتها قائلة بنظرة ماكرة:

_أنتي مش لوحدك يا حبيبتي. أنا والبنات هنقعد معاكي لحد ما تزهقي مننا وتقولينا أمشوا. والله شيماء بنتي الكبيرة لولا إنها مسافرة مع جوزها لكنت جبتها معايا بعيالها. قالت مشيرة بابتسامة: _والله وحشتني هي والقرود ولادها. عموما تتعوض، ولا هي مش هتيجي في فرح أشهد وحازم؟ ضيقت سميحة عينيها بغيظ وقالت: _أنتوا خلاص قررتوا تعملوا فرحهم في يوم واحد؟ أكدت مشيرة قائلة:

_أيوة طبعًا. هو مكنش قرارهم هما، هو قراري أنا بصراحة. طول عمري نفسي أشوفهم في الكوشة مع بعض. ربنا ييسر الحال ومش هنطول الخطوبة، شهر أو شهرين بالكتير ويتجوزوا، أصل إيه اللي هيخليني أستنى أكتر من كده! نظرت سميحة للمنزل الكبير حولها بحقد شديد وقالت بتمتمة: _آه صحيح. هتستنوا ليه، ما انتوا محدش بقا قدكم وبتلعبوا بالملايين لعب أنتي وولادك! الله يرحم أيام زمان! ولم تنتبه لها مشيرة التي قالت بعد ذلك:

_أندهي على البنات يجوا يفطروا معانا. ابتسمت لها سميحة بموافقة ونهضت حتى توجهت لأبنتيها بالغرفة العلوية. *** وبالغرفة العلوية دخلت وعلى وجهها الغضب قائلة: _العز ده كله هيجوا بنتين ما نعرفش من أنهي داهية ويلهفوه. إلا ما في واحدة منكم عرفت تميل دماغ واحد فيهم بلا خيبة! قالت نيرمين بغيظ: _ماهما مابقوش حلوين كده في عنيكي غير لما بقوا أغنيا!! قبل كده لما كنت زمان معجبة بحازم اتريقتي عليا! ردت أمها بعصبية وقالت:

_ده أيام الفقر يا حبيبة أمك. ما أنا مكنتش هعيشك في الفقر طول عمرك. لكن دلوقتي أنتي شايفة العز اللي متمرغين فيه؟ أختي اللي طول عمرها شقيانة وبتشحت هدومي بقيت أنا بالنسبالها دلوقتي متسولة وفقيرة! قالت هدير بنظرة تحدي: _ما تزعليش نفسك. يمكن الجوازة دي ما تتمش أصلًا، محدش عارف بكرة فيه إيه! *** وبشركة أشهد شاهين.

انتهى الاجتماع الصباحي الهام لفريق أحد المشاريع الضخمة. وجلس أشهد بمفرده بعد ذلك بمكتبه الخاص مفكرًا شاردًا ببعض الضيق، ولسان حاله يكرر هذا السؤال، كيف ورط نفسه تلك الورطة مع هذه الفتاة؟ تنفس بعمق وقال بإنزعاج: _بدل ما كنت بهرب من جوازة واحدة، بقيت بفكر أهرب من اتنين!! أزاي ورط نفسي الورطة دي مع بنت لسه عارفها من ساعات!! تهور وغباء!

تنفس بحدة مرةً أخرى ولكن كان ينتابه شيئًا غامض كلما تذكر نظرة تلك الفتاة البريئة كليًا، نظرة عينيها النقية التي تشبه نظرة قطة حديثة الولادة تستوقفه للحظات، تجعله يتساءل هل هي بتلك البراءة الظاهرة، أم أن هناك وجهًا حقيقي خلف هذا القناع البريء يحمل مكرًا ومعكرًا بالأنانية والخداع؟ مثلها مثل الكثيرات! رفع كوب قهوته لشفتيه بعصبية وهو يفكر كيف ومتى الوقت المناسب الذي سينسحب فيه من تلك المسرحية الهزلية! ***

استيقظت رقة على صوت دقات متتالية على باب الشقة. ونظرت لساعة المنبه ووجدتها الثانية بعد الظهر. نهضت من فراشها وذهبت لتفتح الباب وقالت قبل أن تفتحه: _مين اللي بيخبط؟ أجابتها جارتها أم بسنت: _أنا أم بسنت يا رقة أفتحي. فتحت رقة الباب وقالت وهي تتثاءب: _ادخلي على ما أغسل وشي وأجيلك. ودخلت أم بسنت وجلست منتظرة، حتى أتت رقة وهي تجفف وجهها المبتل بالماء. فقالت السيدة بعتاب: _دي رابع مرة أخبط عليكي ومحدش يرد!

والواد حموكشة ابني ماشافكيش نازلة الشغل النهاردة خالص. ابتسمت رقة وقالت وهي تجلس بجانبها: _كنت رايحة في النوم. أنا غيبت النهاردة، فضلت سهرانة طول الليل على المكنة أخيط. انتبهت أم بسنت للمعة الواضحة بعينان رقة وقالت بمكر: _عينيكي بتلمع يا رقوق. يبقى صوت الزغاريد بتاع امبارح ده كان جاي من عندكم؟ ابتسمت رقة ببعض الحياء وأجابتها: _آه. دي شهد كانت بتزغرط.

واستفهمت السيدة منها وأخبرتها رقة بكل شيء مثل عادتها. فنهضت أم بسنت وظلت تطلق الزراغيد من فمها بحماس وسعادة. وحاولت رقة منعها، لكن هتفت بها أم بسنت بضحكة وقالت: _يا ألف نهار أبيض. بقا تقوليلي الخبر ده ومش عايزاني أزغرط. والله لفرق شربات على الشارع خلينا نفرح بقا ونبل الشربات. شهقت رقة وحاولت أن تمنعها قائلة: _طب اصبري شوية ده أنا لسه مردتش عليه حتى! قالت أم بسنت بابتسامة واسعة:

_هو أنا هستناكي تردي. ياختي هرد أنا بدالك لو مكسوفة، المهم أفرح بيكي في بيت العدل. ده مش هيبقى بيت عدل دي هتبقى فيلا العدل يا مسعدة. والله ودعوتي اتحققت يا برقوقة. ابتسمت رقة وهى ترى فرحة جارتها الصادقة. وبالفعل نشرت أم بسنت الخبر وهي توزع أكواب الشربات وتزغرد بسعادة. وهنا فعليًا أصبحت رقة رسميًا أمام جميع سكان المنطقة الشعبية خطيبة المقاول الشهير ورجل الأعمال المهندس أشهد شاهين! *** أجاب أشهد على اتصال

شقيقه حازم المتكرر وقال: _معاك يا حازم. في إيه؟ رد حازم بصوت ضاحك: _أبسط يا عم. المنطقة اللي عايشة فيها خطيبتك المزيفة كلها مقلوبة شربات وزراغيد بسببك. محدش مابقاش عارف أنك اتقدمتلها وخطبتها. سيرتك بقت على كل لسان يا كبير. اغتاظ أشهد وقال بعد ذلك بسخرية: _ما لحقتش حتى تفكر!! ما صدقت! رد عليه حازم بتعجب: _وأنت كنت متخيل إنها هترفضك؟! رد أشهد بجدية:

_عمومًا ده شيء ما يزعلنيش، كده كده كان الكل هيعرف. المهم أني عايز أنهي الموضوع وأخليها تقابل أمي والعقارب اللي معاها عشان نخلص بقا. أنا مليت من الحوار ده! فكر حازم بشيء وقال: _عمومًا أنا عندهم في المنطقة، هوصلهم خبر إنك جايلهم، بس هقولهم أمتى؟ رد أشهد بدون تفكير: _النهاردة، قولهم إني هكون عندهم النهاردة بعد الشغل. وافق حازم وقال بمكر: _أجي معاك؟ قال أشهد بجدية: _لو عايز تعالى. خلينا نخلص. ***

قفلت رقة باب الشقة بقلب يرتجف وابتسامة مرتبكة على شفتيها بعدما أخبرها الصبي الصغير "حموكشة" بما أخبره به الضابط حازم. ونظرت للمنزل ببعض التيهة وهمت بتنظيفه رغم نظافته. حتى نقرت جارتها أم بسنت على الباب مرةً أخرى، وفتحت لها رقة بعجالة وقالت: _تعالي ادخلي بسرعة. اطلقت أم بسنت زغرودة عالية وقالت بسعادة: _يا ألف نهار مبروك. الواد حموكشة ابني قالي على الخبر. بس أنتي بتعملي إيه؟ قالت رقة وهي تنظف الآرائك وتنفضها:

_بنضف البيت. قالت أم بسنت بإعتراض: _البيت زي الفل أهو مافيهوش غلطة. روحي أنتي جهزي نفسك وأنا هنضف بدالك طالما ده هيريحك. قالت رقة بقلق: _أجهز نفسي أعمل إيه يعني؟ اغتاظت منها أم بسنت وكادت أن تجيب، حتى دخلت شهد وبيدها كتبها الدراسية وهي تركض هاتفة: _الكلام اللي بيقوله حموكشة صح يا رقوق واشهد جاي النهاردة؟ أومأت رقة رأسها بالإيجاب. فهتفت شهد ضاحكة: _ده ينور خطيب أختي. ضحكت أم بسنت وقالت لشهد: _أختك مش عارفة تجهز نفسها؟

ينفع هتقابله كده؟ ابتسمت شهد وقالت بخبث: _سيبيهالي. ده انتوا جايين في منطقتي بقا، تعاليلي. وهربت منها رقة وهي تضحك داخل غرفتها، بينما دخلت شهد وأغلقت الباب حتى لا تهرب رقة من وضع اللمسات التجميلية التي لا تحبها يومًا. وهمت أم بسنت أن ترتب وتنظف المنزل وهي تضحك على كلمات شهد المازحة. *** وبالمساء. وصلت سيارة أشهد عند تلك المنطقة العشوائية. وأجرى اتصالًا أخيرًا على شقيقه حازم، وأجاب الآخر بأسف:

_معلش يا أشهد مش هقدر أحضر بسبب الشغل. تقبل أشهد اعتذاره ودخل سيارته مرةً أخرى وأمر السائق أن يذهب للمكان الذي أخبره به حازم. *** وبمنزل الشقيقتان. وقفت رقة مبتسمة بإشراق أمام المرآة بالفستان القرمزي بعدما انتهت شهد من تجهيزها منذ نصف ساعة تقريبًا. ثم دخلت عليها أم بسنت قائلة بتعجب: _هي شهد راحت تجيب شوية حلويات واتأخرت ليه كده؟ نظرت لها رقة وبدا القلق على وجهها وقالت:

_أيوة أنا بدأت أقلق. دي بقالها أكتر من نص ساعة برا رغم أن المحل على قمة الشارع! نظرت لها أم بسنت وقالت بابتسامة: _بس انتي طالعة قمر يا برقوقة. ربنا يسعد قلبك يابنتي. ابتسمت رقة وهي تضمها بمحبة، ثم انتظرت شقيقتها عدة دقائق وبدا يتصاعد بقلبها القلق فقالت: _هروح أشوفها بسرعة وأجي. قالت أم بسنت بإعتراض: _أفرضي خطيبك وصل أقوله إيه؟ طمئنتها رقة وقالت:

_هروح أشوفها على أول الشارع وجاية بسرعة، يمكن تكون واقفة مع بنت من الجيران زي عادتها. ولم تنتظر رقة إجابة جارتها، بل أسرعت للخارج، ونزلت أولى خطوات السلم المظلم بسبب عدم توفر الإضاءة فيه، ولكنها اعتادت عليه وحفظته. وانتبهت لخطوات تصعد فظنت إنها شقيقتها فقالت بعتاب: _كده اتأخرتي يا شهد!

ولم تكن تتخيل أن تلك الخطوات أصبحت قريبة منها إلا عندما وقعت على صدره بتعثر. ورفع أشهد كشاف هاتفه الذي كان يحاول إضاءته فور ظهورها. وشهقت رقة وتجمدت عندما اكتشفت إنه هو! وتعلقت عيناه بعينيها الدافئة وخطفه وجهها المزين برقة وحرفية لتصبح تلك الساحرة الصغيرة. ابتسم دون أن يشعر عندما نطقت اسمه بطريقة يعترف أنها تروقه وتثيره وهمس بابتسامة لعينيها: _ما اتأخرتش!

ابتسمت رقة وتوردت خديها وهي تبتعد عنه بحياء شديد، بينما تنقلت نظرة أشهد بإعجاب شديد على ردائها الخلاب ذو اللون القرمزي الذي أشعل تورد خديها. جعله يشعر أنه الأمير التي هربت حبيبته ليلتقيا من أحد العصور الوسطى! وما بات يعرف ما بتلك الفتاة يجعله يرق بقربها، ويتردد عندما يبتعد عنها! وهي أبسط مخلوقة قد وقعت عيناه عليها!

ودخلت شهد بتلك اللحظة وهي تدندن وتحمل علب حلوى لذيذة. وعندما وقعت عينيها على الواقفان متسمران وينظران لبعضهما في شرود بهذا المشهد الشاعري قالت بدهشة: _آلّاه؟! على السلم!! استفاقت رقة من تيهتها وركضت على السلم واكتسى وجهها بحمرة الحياء. وراقبها أشهد بابتسامة ظلت على وجهه وتعمقت أكثر عندما شاهدها مليًا عندما جلس بصالة شقتهم المتواضعة. وبدأ الحديث موضحًا بعض الأمور عن حياته. وانتظر موافقتها. فأطلقت أم

بسنت زغرودة عالية وقالت: _موافقة طبعًا يا أشهد بيه ألف مبروك. واغتاظت شهد من جارتهما، بينما نظرت رقة له بابتسامة وتهربت من عينيه بحياء شديد. ثم قال أشهد بجدية: _وبكرا جهزوا نفسكم عشان هاخدكم وتقابلوا أمي عندنا في البيت. هي تعبانة شوية مش بتقدر تتحرك كتير، بس حابة تشوفك أنتي وأختك. ارتبكت رقة ونظرت لشقيقتها في حيرة، فقالت شهد بثقة: _تمام. حتى نتعرف عليكم أكتر. ونظر أشهد لرقة سريعًا ثم قال:

_العربية بالسواق هتكون هنا بعد الظهر، هياخدكم على البيت، وأنا هخلص اجتماع مهم في الشركة وأحصلكم، عشان هنتغدا كلنا مع بعض بإذن الله. وكان قد أدخل السائق علب هدايا وحلوى عديدة. وانتظرت رقة أن يطلب مجالستها لبعض الوقت بمفردهما ليتحدثا بحرية أكثر، ولكنه لم يفعل ونهض مغادرًا دون نظرة منه لها حتى! وذلك التحول أربكها وأقلقها. رغم السعادة التي كادت أن تخرج لها جناحين منذ دقائق! وقالت لها شهد بعدما غادر أشهد:

_مالك وشك اتقلب ليه كده؟ ولم تعرف كيف تفسر لشقيقتها فقالت: _أنا شايفة إننا اتسرعنا في الرد عليه! وكمان بالنسبة للمقابلة. قاطعتها شهد بابتسامة: _حبيبتي هو اللي مستعجل وجه هنا مخصوص عشان يعرف يتقدملك رسمي ويسمع ردك. وبخصوص المقابلة فمتقلقيش، هناخد أم بسنت وحموكشة معانا. دي الأصول، وبعدين نتعرف عليهم أكتر، أومال هتتجوزيه عمياني كده من غير ما نتعرف على أهله؟ اطمئنت رقة لحديث شقيقتها وانتظرت مقابلة الغد.

وقبل الفجر كانت قد أعدت فستانًا آخر. أخذ هذا الرداء ليلة كاملة لتجهيزه. ولكن عندما ارتدته صباحًا أمام شقيقتها قفزت شهد وقالت: _ده بقا يهوس. هتلبسيه النهاردة يا روقة، أحلى حاجة فيه أنه مش سواريه ومناسب لأي مناسبة. بس لون الموف ده بطل عليكي. نظرت رقة للفستان المخملي الناعم بهذا اللون الرقيق وقالت برضا: _زي ما تخيلته بالضبط. كده فاضل قماشتين، هتسلى فيهم الأيام الجاية. قالت شهد بحماس:

_والله لو بإيدي لأفتحلك مشروع وتبقي مصممة أزياء قد الدنيا، ده أنتي بتصممي وبتفصلي بنفسك! ونظرت رقة للهدايا وقالت بتعجب: _هو اشترالي فساتين ليه؟ قالت شهد وهي تخفي انزعاجها من تلك اللافتة: _مش خطيبته يابنتي! أومال عايزاه يجيبلك إيه؟ بطاطس وطماطم! وبعد وقت الظهيرة أتى السائق منتظرًا الفتيات. بينما انتهت رقة من زينتها وحجابها الأبيض الحريري على ذلك الرداء وقالت لها شهد بمحبة: _قمر. وأحلى والله.

وقبل أن تغرق رقة بالحياء مثل عادتها أخذت شقيقتها وجارتها والصبي وهبطوا درجات السلم حتى السيارة المنتظرة بالشارع الضيق ومحط أنظار جميع سكان المنطقة. *** وبمنزل آل شاهين. أتت إحدى الخدم وأخبرت سيدتها التي انتظرتهم بغرفة الصالون قائلة: _وصلوا يا ستي وصلوا. قالت مشيرة للخادمة: _روحي قولي لسميحة والبنات حالًا خليهم يجوا يسلموا عليهم.

وذهبت الخادمة سريعا للطابق العلوي، بينما أدخلت خادمة أخرى رقة ومن معها لغرفة الصالون. حيث تجلس مشيرة على أريكة وثيرة ناعمة. وعندما دخلت رقة ومن معها تسمروا للحظات من فخامة المنزل. بينما رقة تسحبت عينيها للسيدة الجالسة وتنظر لهم في صمت وتمعن! ابتسمت لها رقة وشعرت بحدسها أنها والدته، فتوجهت لها بعفوية ولحقتها شهد. وصافحتها رقة بمودة وقبلتها من خدها، وفعلت مثلها شهد والجارة أم بسنت. فقالت مشيرة عندما جلسوا أمامها:

_معلش مقدرتش أقوم وأسلم عليكم. بس مين بقا رقة فيكم؟ أجابت رقة بابتسامة: _أنا رقة. فحصتها مشيرة من رأسها لأخمص قدميها ببطء، ثم قالت دون أدنى تعبير بوجهها: _آه. أزيك يا بنتي. توترت رقة ونظرت لشقيقتها بقلق، حتى ابتسمت شهد وقالت لمشيرة: _أهلًا بحضرتك يا طنط. وابتلعت رقة غصة بحلقها تكورت من الاستقبال الجاف لتلك السيدة التي يبدو أنها لم تعجبها. حتى ظهرت سميحة وأبنتيها بمظهر مبالغ فيه وكأنهن ذاهبات لحفلة عرس!

صافحت هدير رقة وشقيقتها شهد بعدائية غير مفهومة لكلايهما. وجلس سميحة وأبنتيها بعد ذلك بجانب مشيرة. حتى قالت سميحة بنظرة ساخرة لرقة: _أنتي بقا العروسة! اغتاظت شهد من السخرية الواضحة بصوت المرأة وعينيها وقالت بحدة: _آه هي العروسة. ابتسمت سميحة ابتسامة ساخرة لبناتها وقالت بعد ذلك: _آه. كنت بسأل بس، عايزة أشوف اختيار أشهد ابن أختي عامل أزاي. عيني عليه!

ابتلعت رقة ريقها بتوتر بينما أحمر وجه شهد من الغيظ، فتدخلت أم بسنت وقالت لسميحة بثقة ونظرة قوية فهمتها سميحة في الحال: _ما تقلقيش يا حبيبتي. مكنش هيلاقي أحلى وأجمل من بنتنا. رمتها سميحة بنظرة غاضبة وفهمت رميتها ولم تجب. فقالت هدير لرقة بكراهية واضحة: _وأنتي بقا في كلية إيه يا رقة؟ ولا أنتي شكلك محو أمية؟ ضحكت ضحكة سمجة مثل شقيقتها نيرمين التي شاركتها بالمزاح. فجف ريق رقة وضغطت شهد على أسنانها من فرط الغيظ حتى قالت

أم بسنت من جديد لهدير: _وهو الجواز بقا بالكليات يا حبيبتي. ما ياما بنات في كليات ومالهمش لازمة! همست شهد لجارتها قائلة: _لاحظي إن كلامك جارح يا ولية! كتمت أم بسنت ضحكتها. فسأل الصبي حموكشة هدير قائلًا: _أنتي في كلية إيه يا طنط؟ اخفت شهد ابتسامتها عندما لاحظت غيظ هدير التي ردت بعصبية: _طنط!! إيه طنط دي يا ولد؟ تأسف الصبي قائلًا: _أصل شكلك كبير فحسبك طنط. هقولك يا خالتي. ضحكت شهد هذه المرة وهي تنظر لأم بسنت التي

تحكمت بضحكتها وقالت لهدير: _معلش يا حبيبتي ده عيل صغير و اللي في قلبه على لسانه. أحمر وجه هدير من الغيظ ونهضت مغادرة. فقالت سميحة بعصبية لشقيقتها مشيرة: _أنا هقوم يا مشيرة لأحسن اتهزأ أنا كمان! وغادرت سميحة وأبنتيها بينما نظرت مشيرة للفتاتان بتمعن ثم قالت: _أنتي معاكي شهادات إيه يابنتي؟ توترت رقة مرة أخرى حتى تدخلت شهد وقالت بصدق:

_أختي مكملتش تعليمها يا طنط مشيرة. سابت المدرسة وهي في أولى ثانوي، رغم أنها كانت متفوقة وطالعة الأولى كمان. لكن سابتها لظروف حصلت لينا. ظرف وفاة أبويا وأمي لو حابة تعرفي. نظرت مشيرة لرقة بدقة وقالت لها بتعجب: _أنتي مش بتردي ليه يا رقة. أختك ماينفعش ترد عنك طول الوقت! انتقدتها السيدة بقوة. فقالت رقة بتوتر: _مكنتش هضيف أكتر من اللي قالته. وهي دي الحقيقة. قالت أم بسنت لتلطيف الأجواء:

_أنتي عارفة يا أم أشهد أن البنات في الوقت ده بيكونوا متوترين ومكسوفين. بس بعدين مش هتبطلوا كلام مع بعض، ده أنتي هتحبيها أوي، دي رقة دي زي القطة المغمضة والله. لم تقتنع مشيرة بما سمعته وقالت بجفاء: _المهم ابني يكون مبسوط. وأتت إحدى الخدم مع بعض المشروبات والحلوى، فقالت لها مشيرة: _قولي لنيرمين تجيلي دلوقتي. انصرفت الخادمة وذهبت لتخبر نيرمين. فأتت إليها بعد قليل بنظرات محتقرة لرقة وشقيقتها وقالت لخالتها:

_نعم يا طنط محتاجة حاجة؟ قالت لها مشيرة: _خدي رقة وفرجيها على البيت، بما أنها هتعيش معانا هنا لازم تشوف كل ركن وتقول رأيها. وبالمرة نضيع الوقت على ما أشهد وحازم يوصلوا. لم ترتاح رقة لتلك الفتاة نيرمين، فقالت بغيظ وهي تحدث رقة: _تعالي. ارتبكت رقة منها ونهضت وهي تضع كوب مشروبها. فقالت مشيرة: _خدي كوباية العصير اشربيها وأنتي بتتفرجي. أنتي ضيفتنا.

واطاعتها رقة بتوتر ونهضت مبتعدة عن نيرمين. بينما ظلت نظرة شهد تتبع خطوات شقيقتها بقلق. وأخذتها نيرمين للطابق الثاني وهي تزفر بغضب قائلة بعصبية: _مش عارفة يعني هوريكي الأوض ليه؟! لمحتها كبيرة الخدم واقتربت لهما قائلة بنظرة قوية لنيرمين: _تعالي يا بنتي معايا هوريكي أنا المكان كله. نظرت نيرمين باستفزاز وصاحت بها: _هو أنا يعني مش مالية عينك يا ست أنتي؟! قالت السيدة بهدوء: _بخفف عنك. عشان ما تزهقيش!

أشارت نيرمين للسيدة بعجرفة وصوتٍ عال وهي تلوح بيديها في عصبية مفرطة، فاصطدمت يديها بكوب المشروب بيد رقة ووقع ما بداخله على فستانها المخملي. ففغرت رقة فاها بذهول عندما نظرت لردائها الذي فسد من قبل حتى أن يراها أشهد. ابتسمت نيرمين برضا واخفت ذلك سريعا وهي تقول بأسف مزيف: _معلش مكنش قصدي! نظرت لها المرأة بحدة، ثم فتحت إحدى الغرف وقالت لرقة بلطف واعتذار:

_معلش يابنتي. تعالي ادخلي الأوضة دي على ما أنضف فستانك وأجففه بسرعة. غادرت نيرمين برضا تام عن ما حدث، ودخلت رقة الغرفة وانتظرت حتى أتت كبيرة الخدم وبيدها فستان حريري أبيض بدون أكمام: _البسي ده وماتخرجيش من الأوضة دي على ما أجيلك. ده كنت شرياه لبنتي تلبسه في البيت، بس شكله كده هيبقى من نصيبك بقا. قالت لها رقة بقلق: _طب قولي لشهد أختي تجيلي ارجوكي.

وافقت السيدة وذهبت لتنظف الرداء، فأغلقت رقة الباب وارتدت الفستان الأبيض الذي لا يعد مناسبًا للظهور خارج غرف النوم! وظلت لدقائق كثيرة منتظرة شقيقتها وتلك المرأة أن تحضر أحداهما. وبدأ يتصاعد بقلبها القلق، ففتحت الباب قليلًا وطلت برأسها خارجه لتراقب الممر، ولكن شهقت عندما وجدت أشهد يسير بالممر متوجها لأحدى الغرف. وأضيقت عينيه بدهشة عندما رأى رأس سوداء وهي تتسحب للداخل سريعا وتغلق الباب!

وهذه الغرفة خصيصا كانت غرفته القديمة قبل أن ينتقل لغرفة أخرى أكبر حجمًا. ولا يسمح لأحد بإستخدامها بسبب بعض أغراضه المتروكة بها، إذن من تجرأ وفتحها؟! نظرت رقة حولها بخوف وقلق وهي ترتدي ذلك الرداء المكشوف. وشهقت عندما انتبهت لدق على باب الغرفة، ثم تحرك مقبض الباب قبل أن يفتح الباب على مصراعيه! يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...