تحميل رواية قتلني قلبي بقلم خلود بكري pdf
بقلم خلود بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الموج يجذبني إلى شيئًا بعيد وأنا أخاف من البحار فيها الظلام ولقد قضيت العمر أنتظر النهار أترى سترجع قصة الأحزان في درب الحياة؟ فلقد سلكت الدرب ثم بلغت يومًا.. منتهاه وحملت في الأعماق قلبًا عله ما زال يسبح.. في دماه فتركت هذا الدرب من زمن وودعت الحنين ونسيت جرحي.. من سنين الموج يجذبني إلى شيء بعيد حب جديد!! تجلس شاردة أمام أمواج البحر تبكي شوقًا للقياهُ فمنذُ رحيله أبت أن تعيش الحياة، مضى على فراقهم ثلاث سنوات ومازالت تنتظر عودته. "تفضلي كده كتير يا بنتي حرام عليكي." التفتت لترى صاحبة الصوت فصاحت...
رواية قتلني قلبي الفصل الأول 1 - بقلم خلود بكري
الموج يجذبني إلى شيئًا بعيد وأنا أخاف من البحار فيها الظلام ولقد قضيت العمر أنتظر النهار أترى سترجع قصة الأحزان في درب الحياة؟
فلقد سلكت الدرب ثم بلغت يومًا.. منتهاه
وحملت في الأعماق قلبًا عله ما زال يسبح.. في دماه
فتركت هذا الدرب من زمن وودعت الحنين ونسيت جرحي.. من سنين
الموج يجذبني إلى شيء بعيد حب جديد!!
تجلس شاردة أمام أمواج البحر تبكي شوقًا للقياهُ فمنذُ رحيله أبت أن تعيش الحياة، مضى على فراقهم ثلاث سنوات ومازالت تنتظر عودته.
"تفضلي كده كتير يا بنتي حرام عليكي."
التفتت لترى صاحبة الصوت فصاحت بفرح: "مش معقول ألاء وحشتيني موت يا بنتي. وصلتي إمتي ومعرفتنيش يعني أنك جايه؟"
ردت آلاء بعتاب: "يعني انتي بتسألي يا شيخة؟ ده أنا نسيت أنك بنت عمي عايشة لوحدك بس ولا بتسألي في حد."
تلألأ الدمعُ في عينيها وابتلعت غصةٌ مريرة في حلقها قائلة: "أنا مش عارفة أعيش يا ألاء ولا قادرة أكمل حياتي. أنا بعدي يومي بالعافية. يمكن عملي في الملجأ مع الأطفال مهون عليا كتير. حاولت والله أنسى وأتخطى بس مقدرتش."
احتضنتها بقوة وربت على كتفها قائلة بحبٍ وحنان: "لازم تنسي وتعيشي حياتك يا رغد. حرام عليكي نفسك عشان خاطري ارحميها شوية."
رغد ببكاءٍ شديد: "بس أنا مقدرتش. صعب عليا إنه يسيبني كده من غير توضيح أسباب ويبعد السنين دي كلها. والأصعب من ده كله إن لسه قلبي الغبي بيحبه ومتعلق بيه. حتى مش عارفة أكرهه، ولا حتى عارفه أوصله، ولا اعرف إيه هي أسبابه. طب أنا عملت إيه أو إيه ذنبي؟ وكله كوم والعريس اللي بابا مصمم إني أقابله ده كوم تاني. مش عارفة مش هقدر أكون معاه ولا حتى مع غيره."
مسحت ألاء دموعها واحتضنتها بحنان: "خلاص يا حبيبتي. كفياكي بكى. إن شاء الله ربنا هيعوض قلبك قريب جدًا. ويلا بقى عشان عزماكي على بيتزا النهارده."
استرسلت رغد حديثها بمرح: "يابنتي انتي مبتفكريش غير في الأكل. ده انتي بقيتي عاملة زي الدادة دودو."
ردت ألاء بزعل مصطنع: "كده يا رغد. ماشي اضحكي أوي. الحق عليا إني عاوزة أخرجك من مود الاكتئاب اللي انتي عايشة فيه ده."
رغد بابتسامة صافية: "حبيبة قلبي يا لوءة. أنا مقدرش أزعلك يا صاحبي. يلا بينا ناكل ونجيب آيس كريم ونتمشى على البحر شوية قبل ما نرجع القاهرة."
***
في إسطنبول حيث مقر شركة "يامن السيوفي" أكبر رجال الأعمال والأصغر سنًا بينهم.
يجلس في مكتبه عندما تراه تُيقن حقًا أنه مكتب رئيس دولة لشدة فخامته، متألقًا بحلة من اللون الكحلي تشبه زرقاوية عيناه ببراعة مع ملامحه الشرقية البحتة التي تعطيه دائمًا وسامة لا وصف لها.
دق هاتف المكتب مجيبًا بكلمات مختصرة: "خليه يتفضل."
دلف من الباب دون استئذان قائلاً: "في إيه يا يامن باشا؟ انت هتعمل مدير ما أنا شريكك في الشركة يا جدع."
تتطلع له بحدة قائلاً: "إحنا في شركة ولا في الشارع يا مالك باشا؟ هو انت مش هتتعلم النظام بقي؟"
أجابه باقتضاب: "نظام إيه يا عم؟ بقولك إيه؟ خلي قواعدك وقوانينك دي على جنب شوية. أنا جايلك في حاجة أهم؟"
تحدث يامن قائلًا بنفاذ صبر: "خير؟ وانت مش بيجي من وراك خير أبدًا!؟"
رد مالك بخفوت خوفًا من رفضه للأمر: "إحنا لازم ننزل مصر النهارده."
صمت بعض الوقت وشحب لون وجهه حزنًا ثم تحدث سكون مريب: "ليه؟"
صاح مالك بغضب: "هو إيه اللي ليه؟ أنا بقالي ٣ سنين معاك. إيه هخلل جنبك؟ وكل لما أقولك ننزل تخترع حجة من شكل. من الآخر كده هتنزل معايا تمام. مش هتنزل أنا نازل."
اشتعلت زرقاوية عيناه بحدة حتى أصبح لون عيناه كالأحمر القاتم: "انت بتتكلم معايا كده ليه؟ سؤال قولته نازل مصر ليه؟ وفيه إيه هناك يستدعي نزولنا النهارده؟"
تكلم مالك بسخرية: "فيه إني عايز أتچوز؟ وفيه إن مروان هيكتب كتب كتابه كمان يومين؟ وفيه إن رغد هتتخطب؟ سيادتك مش شايف إنها حاجة تستحق نزولك مصر؟ خليك هنا براحتك."
صدمة ألجمت لسانه وللحظة شعر بتوقف نبضه مرددًا: "رغد هتتخطب إزاي؟ ولمين؟ وانت هتتجوز مين؟"
أجابه الآخر قائلا بسخرية: "مالك يا يامن يا حبيبي. انت مش عايش في كوكبنا."
غضب من طريقته واحتد صوته قليلًا: "رد على أسألتي من غير هزار واخلص."
تعجب قليلا من غضبه الغير مفهوم بالمرة: "انت عارف إني بحب ملك أخت رغد وقايلك إني مستنيها لحد ما تخلص جامعة عشان أتـ.ـنـ.ـيـ.ـل أتـ.ـجـ.ـوزها. وانت حضرتك أسـ.ـر.ـنـ.ـي هنا معاك. غير أن سفرك لتركيا قبل إعلان خطوبتك على رغد محيرني لحد دلوقتي. وكل لما أجي أفتح الموضوع تقفله. وأنا تعبت من الغربة بقى وعايز أستقر."
صدمة احتلت معالم وجهه ليشرد.
***
#فلاش_باك
منذ ثلاث سنوات.
كان يجلس في غرفته يرتب حديثه بشوقٍ لطلب يديها من أبيها فور عودته. سمع صوت سيارته تدلف من بوابة القصر فاستعد لمقابلته منفرداً. هبط من غرفته للأسفل ليقابل عمه فور دخوله.
أحمد متعجباً: "إيه اللي مصحيك لحد الوقت ده يا ابني."
يامن بهدوء: "كنت عاوز حضرتك في موضوع يا عمي بس حابب نتكلم على انفراد."
أحمد بتعب: "والموضوع ده مينفعش يتأجل. أنا جاي تعبان وعايز أرتاح شوية."
يامن مسرعاً: "مش هاخد من وقتك كتير."
أحمد بهدوء: "طب تعال نقعد في مكتبي."
ذهب معه وبداخلهِ لمعة إصرار وثقة بموافقة زوجُهُ مما اخترُها قلبه.
أحمد باهتمام: "ها يا ابن أخوي إيه الموضوع المستعجل اوي دي اللي عايزني فيه!؟"
يامن بهدوء: "عاوز اطلب منك انك تزوجني رغد."
شحب وجهه بفتور: "نعم؟ رغد مين؟ لا أنسى رغد دي مخطوبه ومتفق عليها لأبن واحد صاحبي من أكبر رجال الأعمال في مصر والشرق الأوسط."
يامن بصدمة: "إزاي ده يا عمي؟ حضرتك عارف إن بحب رغد من زمان وعارف إنها كمان عاوزني. إزاي تتفق من غير ما ترجعلها!؟"
أحمد بإنفعال: "بنتي وأنا حر. أجوزها مين؟ والرأي رأي في الأول والآخر. ده اللي هيعيشها مبسوطة ومرتاحة. انت لسه في أول طريقك. هيقابلك حد تاني وبكره تنساها."
شحب وجهه بغضبٍ: "وهي رغد عارفه بالكلام ده!؟"
أحمد ببرود: "لسه هقولها. لكن لو بتحبها يبقي تبعد عنها. عشان لو وقفت قصادي عشانك صدقني هضيعها. الراجل ده مبيرحمش وأنا اديته وعد خلاص."
رد منفعلاً: "إزاي أديته وعد؟ هو الجواز بقى صفقات يا عمي ولا إيه؟ هتبيع بنتك؟"
احمد بإصرار: "اللي عندي قلته. إبعد عن رغد وأنسها. اللي بتفكر فيه ده هيضيعني."
ضرب على المكتب بغضبٍ ونظرات الشر تلمع بزرقاوية عيناه ليخرج مسرعاً دون حديث آخر.
دلف إلى غرفته غاضباً علت خفقات قلبه بألم. أفقدها وبداخله عدة أسئلة. كيف يذهب ويتركها وحيدة مع هذا الأب القاسي؟ وأن قرر عدم الذهاب حتما سيجلب لها العناء أيضاً. فقرر الذهاب وبلا عودة.
خرج من الغرفة سريعاً متجنبا الالتفات كي لا يراه أحداً. ولسوء حظه كانت خارجة من غرفتها فلمحته من بعيد: "يامن؟"
وذهبت مسرعة إليه قائلة بتوتر من شكله: "انت رايح فين وايه الشنطة دي؟"
بعض كلمات مختصرة قالها بثبات: "مسافر مقر الشركة في تركيا."
"مسافر؟" نطقت بها بصدمة وذهول.
"أيوه مسافر. ممكن بقى تسيبني أمشي لو مش هيضايقك؟ وكفايا أسئلة ملهاش لازمة."
تغيرت تعبير وجهها وصدمت من طريقته: "طب وأنا هتسيبني كده؟ مش كان المفروض تطلب ايدي من بابا بكره؟"
تجنب النظر لها وحاول أن يتماسك قليلاً: "كل شيء قسمة ونصيب. أنا مش مستعد في الوقت ده."
وتركها ورحل تاركا دموعها تفيض بصدمة وزهول وكسر. ستعلم أن ما فعله ليس هذا الحبيب الصادق أنما من كان ملاذها في الدنيا أبيها وليس غيره.
***
بااااااك
"يامن انت يا عم انت. نمت ولا بتفكر في إيه؟ علامات الذهول والصدمة اللي على وشك دي؟"
تكلم بعد فترة من الصدمة التي ألجمت حروفه: "يعني رغد لسه هتتخطب دلوقتي. اومال طول السنين دي كانت إيه؟"
مالك باستغراب وحيرة: "مش فاهمك. انت تقصد إيه؟"
تكلم غاضباً بصوت مرتفع أرعب مالك: "احجز على أول طيارة نازلة مصر حالاً ومش عاوز تأخير. بسرعة."
ذهب مالك بسرعة من أمامه ينفذ ما طلبه ذلك الوحش الشرس. وعلى وجهه علامات تعجب من تغير قراره في خلال دقائق.
***
في القاهرة.
في قصر عائلة السيوفي.
وفي غرفة الصالون كان يجلس أحمد وأخيه محمود ورأفت في انتظار الضيوف حتى جاء الخادم قائلا: "الضيوف وصلوا يا باشا."
تكلم أحمد: "خليهم يتفضلوا يا عم حسن."
في غرفة رغد صاحت ملك بغضب: "ما تقومي يا بنتي تلبسي. الضيوف وصلوا تحت. إيه الروقان ده؟ ولا أنزل بدالك أنا؟"
رغد محاولة ان تداري وجعها خلف تلك الابتسامة المزيفة: "حاضر يا لمضة. قايمة أهو."
ارتدت ملابسها بروح مسلوبة منها ونزلت لتقدم واجب الضيافة وتعرف نفسها للضيوف كما أمرها أبيها.
تكلم أحمد قائلا: "تعالي يا رغد اقعدي جنب فارس."
خفضت بصرها عنه وذهبت لتجلس على قرب مسافة منه.
كان الجميع يتحدثون في أمور الخطبة ولكنها كانت شاردة لا تفكر إلا بذلك الغائب البعيد.
توقف الجميع فور سماعهم تلك الكلمات.
"مش عيب عليك يا عمي تخطب لابنتك على خطبة تانية ولا إيه؟"
تطلع الجميع لصاحب الصوت بدهشة جميعهم في صوت واحد.
"يامن؟"
تكلم من وسط غضبه وعيناه لا تنذر بالخير أبدا: "أيوه يامن. ويلا فضوا الليلة دي دلوقتي. مش عاوز غريب وسطنا."
اعتذر أحمد من ضيوفه ووعدهم بتحديد يوم آخر وذهب معهم للخارج لتوتر الأجواء داخل القصر.
ذهبت رغد إلى غرفتها مسرعة والدموع تسيل من عيناها كأنها بركان فائض.
ذهب خلفها يناديها بلهفة: "رغد استني. ردي علي خلينا نتفاهم."
أبت الاستماع إليه وذهبت مسرعة إلى غرفتها لكن قبل ان تقفل الباب كان قد لحق بها وأوقفها: "لازم تسمعيني يا رغد. بلاش شغل الأطفال ده."
أشاحت بوجهها بعيداً عنه وأزالت دمعة هاربة من عيناها قائلة بثبات هي من صنعته: "راجع ليه دلوقتي وبعد السنين دي كلها؟"
حاول أن يجعلها تتطلع بعينيه لكنها أبت قائلاً بنبرة تحمل من الندم: "آمييييال وأمياااال. كل اللي عايزه منك وقت بس. هصلح كل اللي أنا كسرته."
"ومين قالك إني هسامحك أصلاً ولا همنحك الوقت ده؟ اللي انكسر مستحيل تقدر تصلحه؟"
تطلع بعينها قائلاً: "هتسامحيني. عارفة ليه؟ عشان انتي لسه بتحبيني. عينيكي اللي بتخبيها مني دي قالت اللي انتي بتحاولي تداريه."
ضحكت باستهزاء قائلة: "انسى إني أسامح. وأنا خلاص وافقت على العريس اللي متقدملي."
اسودت عيناه بشر واحتدت نبرته بطريقة أرعبتها قائلاً: "اليوم اللي هتفكري فيه تكوني لغيري هيكون آخر يوم في حياتك. أوعدك."
تكلمت بغضب وعناد له: "أوعدك إني هكسرك زي ما كسرتني و."
لم تستطيع أن تكمل كلامها حين رأته يقترب منها بنظرات لا تنذر بالخير أبدا قائلا ببرود مميت: "لتكوني ليا لأما مش هتكوني مع حد غيري أبداً. وده وعد من يامن السيوفي."
سنرى إلى متى ستظل بطلتنا الجميلة صامدة على رأيها؟
معركة من العند والتحدي ستشعل لهيب الحب بينهم. فمن سيفوز بها؟ ومن عليه التخلي لأجل الآخر؟
رواية قتلني قلبي الفصل الثاني 2 - بقلم خلود بكري
وعدتني بالبقاء ورحلت، وعدتني بالحب وكذبت.
وضعت مفتاح قلبي بين يديك فغدرت.
ألف سؤال يدور في مخيلتي الآن، كلاهما: ماذا فعلت؟ وبماذا أذنبت؟ ولماذا أتيت؟ أتريد الغفران؟
أجل، سأخبرك الآن ما عليك فعله لكي أغفر.
أعطيني ما ذهب من عمري هباءً لأجل انتظارك، وما شعرت به من آلام؟ وتلك الليالي التي بكيت فيها من أجل ذنب لم أقترفه؟
أعد لي روحي وما كسرته بقلبي، ذلك الشيء الذي إذا كُسر لن يعود أبدًا.
هل عليك أن تفعل هذا؟ وإذا فعلت، أعدك وقتها سأفكر أن أغفر، رغم يقيني الشديد بعدم غفراني لك.
أحكمت باب غرفتها بخوفٍ من تعري حزنها الظاهر على معالم وجهها ببراعة، فكرامة المرأة شيء لابد أن يصان ويصان.
اجتاحها الآن مشاعر مختلطة بين الشعور بالكره والنفور، ولكن أيضًا هناك شعور بالشوق، الحب، دقة قلب الأنثى صادقة لبُعد المديح.
حبها له كان فريدًا من نوعه، صادقًا لا محالة لتزييفه، وكان هذا مما يصعب عليها نسيانه.
***
كان القصر عبارة عن شعلة من النار، حرقت جميع جوانبه. لقد خرج الوحش عن صمته تلك السنوات ليظهر مدى قوته المختبئة خلف ذلك البرود المميت.
"انت إزاي تدخل الداخلة دي ومتعملش احترام للأكبر منك؟"
نطق بها أحمد، والد رغد.
سكون مريب سكن معالم وجهه بحرفية شديدة، متحدثًا بغضب أفتك بمن يقف أمامه:
"وانت إزاي عاوز تبيع بنتك عشان شوية صفقات مشبوهة وشوية فلوس ملهاش أي تلاتين لازمة؟"
رأفت بغضب: "يا من احترم عمك، إزاي بتتكلم معاه بالطريقة دي ومش عامل حساب ليا ولا لحد."
"بعتذر منك يا بابا، بس لو سمحت سيبني أتكلم للآخر."
"ها يا عمي، رد على كلامي؟"
حاول ابتلاع ريقه بفزع من كشف سره اللعين، متمتمًا ببعض الكلمات المزيفة:
"انت إزاي تتهمني بالكلام ده؟ وايه صحة كلامك؟ وبعدين دي بنتي وأنا حر أجوزها لمين."
يامن بغضب شديد زلزل القصر بأكمله: "متحاولش تتهرب من أسئلتي، أنا لسه عامل حساب لدلوقتي إنك بتكون عمي، متخلنيش أنسى ده."
رأفت بغضب من طريقة يامن وأسلوبه الغير مرضي بالمرة والغير مفهوم، فا يامن يمتلك أخلاق عالية، كيف له بالحديث هكذا:
"وطي صوتك يا يامن، عيب ترفع صوتك على عمك، متخلنيش أستعمل أسلوب معاك، عارف إنه مش هيعجبك."
رد يامن بنفاذ صبر: "بما إن كلكم معترضين طريقتي وكلامي، اتفضل يا أحمد باشا قولهم الحقيقة."
حاول التماسك لكي يبدو طبيعيًا، ثم أردف بثقة مصطنعة خلف خوفه الشديد:
"انت فاهم غلط، كل الموضوع إنه فارس النمر عنده مشاكل مع الجمارك وأنا بمشي الشغل من خلال شركتنا، وعلى ما أظن أنا حر الشركة زي ما ليكم فيها أنا ليا برده، ولا إيه؟"
رأفت بغضب من عدم إبلاغه بالأمر أولًا: "وانت إزاي متعرفنيش حاجة زي دي؟"
أجابه ببعض من البرود وشيء من التكبر: "أنا حر أعمل اللي أنا عاوزه، شركتي وأنا حر فيها."
غضب يامن بقوة قائلًا: "وانت عارف بقى إن فارس النمر بيهرب ممنوعات وبيعمل صفقات مشبوهة؟"
جف حلقه بتوتر من كشف أمره، قائلًا ببعض من التماسك:
"لا معرفش، أكيد كل ده كذب، وياريت متدخلش في شغلي يا يامن، أحسن لك، وبنتي لو آخر واحد في الدنيا، انت مش هتجوزها."
تكلم يامن ببرود مميت: "ماشي يا عمي العزيز."
ضحك بسخرية وذهب إلى غرفته بعد اكتشافه الحل للغز الخفي.
***
في غرفة رغد، اجتمعت الفتيات حولها محاولة أن يخففن عنها من تلك الأوجاع التي تسيطر عليها.
نجد فتاة تشبه الحوريات حقًا لشدة سواد شعرها وزرقاوية عينها اللامعة وتفصيلها المحببة من جمال وخفة دم بارعة، تجلس بجانب رغد تحتضنها، بحبروان:
"بت يا رغد، أوعي تسامحيه، مش هو أخويا آه، لكن أوعي والله هزعلك وهشردك على الفيس بوك وفي استوري الواتس."
ابتسمت رغمًا عنها على تلك المشاكسة ذات اللسان السليط، قائلة برجاء:
"ممكن محدش يتكلم في الموضوع ده دلوقتي، فضلًا يعني."
قالت سلمي بحب: "ماشي يا حبيبتي، خلاص يا بنات كفايا كلام."
قامت ملك وآلاء فجأة: "إحنا هنروح نعمل كيكة الشوكولاتة اللي رغد بتحبها."
وذهبوا سريعًا إلى المطبخ.
***
"ملك!"
نادى بها مالك عندما رآها تهبط السلم.
التفت إليه قائلة بخجل شديد: "أزيك يا مالك؟ حمد الله على سلامتك."
مالك: "الله يسلمك يا ملوكة. معلش بقى بسبب التوتر اللي حصل معرفتش أجي أسلم عليكي، بس كنت لسه طالع ليكي."
ملك بهمسٍ وحياء: "ولا يهمك يا مالك، حصل خير. بعد إذنك عشان نازلين المطبخ."
تطلع مالك بها بشوق ملء عينيه، قائلًا: "أنا اتفقت مع عمي على كتب الكتاب مع أخوكي مروان."
تغيرت معالم وجهها بحزن، قائلة:
"معلش يا مالك، أنا مش هاخد الخطوة دي قبل رغد، وخصوصًا في الظروف دي. سامحني، ممكن تأجل الموضوع شوية."
صدم من طريقة كلامها ومن ذلك الحديث، قائلًا بتماسك:
"طب وأنا ذنبي إيه؟ انتي عارفة أنا مستني اليوم ده من امتى؟"
أجابته ب اللامبالاة: "اللي عندي قلته يا مالك، بعد إذنك."
وتركته ورحلت.
غضب مالك بشدة وتغيرت معالم وجهه بحزن قاتل، لكنه لم يتخلى أبدًا عن روحه المرحة:
"طب أنا ذنبي إيه منك لله يا يامن أنت ورغد، أشوف فيكم يوم أسود، أسود من اللي انتوا فيه."
***
أسدل الليل ستائره، وظهر قرص القمر ببراعة خلابة.
كانت تشبه القمر اللامع بإسدال صلاتها المحببة لها في كل ضيق ومحنة، مع وجهها الحنطي وعيونها العسلية الجذابة، فكانت ذات طباع مصرية خاطفة للجمال.
أمسكت بكتاب الله وذهبت لشرفة غرفتها علها تستريح قليلًا، وأخذت تردد بعض آيات الله التي تريح قلبها.
على الجانب الآخر، شعر ببعض الضيق الذي احتل صدره خوفًا من فقدها، فهو يعشقها حد الجنون، ومثلما عانت هو عان وأكثر.
خرج للشرفة لعله ينعم ببعض الهدوء والهواء النقي، وجدها تجلس في شرفتها.
أخذ يتطلع لها بحب وشوق جارف. سنين مرت ولم تغب لحظة عن خياله، كانت دائمًا معه في صلاته وفي دعائه وفي كل شيء، ويحارب من أجلها ولأجلها.
ختمت ما تقرأه ووقفت تنعم برائحة الزهور النابعة من حديقة قصرها.
لمحت طيفه من بعيد ينظر لها بتمعن واضح، فكرت للحظة الدخول وقفل الشرفة، لكن شيء ما أوقفها.
تطلعت بهِ مثلما يتطلع بها، كانت النظرات بينهم تحمل الكثير من العتاب والألم الظاهر على كلاهُما، ولكن كان هناك شوقًا يتغلغل في أعماق قلوبهم.
فهل ستكمل قصة حبهم أم هناك عائقًا ينتظرها؟
***
أتى موعد تناول العشاء، كانت الفتيات في المطبخ يساعدن أمهاتهن في تحضير الطعام، بعد قرار الأمهات بتحضير طعام العشاء بأيديهن فرحة برجوع يامن ومالك بعد هذا الغياب الطويل.
تكلمت صفية، والدة يامن، بحب:
"اعملوا كل الأكلات اللي يامن ومالك بيحبوها ده يا حبة عيوني، تلقيهم كان أكلهم كله مايع ومن المطاعم."
فيروز بضحك: "ومين يشهد للعروسة."
صفية بزعل مصطنع: "وانتي شايلة هم إيه؟ ما انتي مدوقتيش نار الغربة ولا إن ابنك يبعد عنك سنين من غير ما تشوفيه."
فيروز بمحبة صادقة: "والله غلاوتهم كلها واحدة، أنا بهزر معاكي يا صفية، انتي عارفة يامن بالنسبالي إيه، ده ابني البكر."
صفية بحب قائلة: "عارفة والله يا حبيبتي، ربنا يديم المحبة بينا جميعًا."
تطلعت لهم بكبرياء ملحوظ وهي جالسة أمامهم تضع طلاء أظافرها، غير مبالية بما يفعلونه.
قائلة بنفور: "كان لازمته إيه تمشوا الخدم وتطبخوا أنتم؟ لا وكمان مقعدني وسط الروائح الغريبة دي، أشي محاشي وباشاميل وحاجات متتاكلش أساسًا."
تحدثت صفية قائلة: "وايه اللي مش عاجبك يا نرمين في أكلنا؟ مهما كان دي عاداتنا وده أصلنا وأكلنا اللي اتربينا عليه."
نرمين بدلع وتكبر، فهي تتعامل معهم دائمًا بهذا الأسلوب، قائلة بعدم اقتناع بحديثها:
"أنا عمري ما آكل الأكلات دي عشان رشاقتي وشكلي، براحتكم أنتم بقى."
تكلمت فيروز بعصبية ملحوظة:
"مالك يا نرمين؟ بالله عليكي ما تشوفي نفسك علينا، وبعدين هو مش الأكل ده عشان خاطر ابنك برضه اللي جاي من السفر بعد غياب سنين؟ ولا انتي مش ملاحظة ده."
نظرت لها بامتغاص، قائلة: "أنا قايمة من هنا أحسن، خليكم أنتم بقى في اللي بتعملوه."
وذهبت إلى غرفتها تتمايل بدلع وغنج مقصود.
فيروز بغضب قائلة: "مستفزة ومكبرة دماغها من كل حاجة، حتى عيالها."
صفية بعتاب وحزن: "عيب يا فيروز، ادعيلها ربنا يهديها قبل فوات الأوان، أصل أنا حزينة عليها أوي.
ويلا خلينا نخلص الأكل، زمان الكل على وصول."
لم يرتبط هنا أصل المرأة والأم المصرية الأصيلة بالمال ولا الغنى ولا القصور، بكونها أم تحمل هم أولادها، فا طبيعة الأم وغريزتها هكذا مهما تغيرت المقامات.
***
في مكان آخر يشبه المقبرة من شدة ظلامه، كان يجلس والشرر يتطاير من عينيه، وبغل وبحقد دفين تكلم بصوت يشبه فحيح الأفاعي:
"أنا فارس النمر، يتعمل في كده ومن مين؟ من حتة عيل زي يامن السيوفي، أنا هعرفه من فارس وهقضي عليه وعلى شركته."
تكلم رجل من رجاله قائلًا بخوف: "بس انت متعرفش يامن يا باشا، وإن كشف ورقنا هنروح ورى الشمس."
فارس بغضب: "هنشوف من اللي هيروح ورى الشمس."
وضحك بخبث ومكر.
دخل رجل من رجاله قائلاً: "في واحد عاوزك بره يا باشا، بيقول اسمه أحمد السيوفي."
ضحك فارس بمكر، ثم استرسل حديثه: "كنت عارف إنه جاي، خليه يدخل."
دخل أحمد بتوتر من حالته التي من المحتمل أن تقضي عليه، قائلًا:
"أنا جايلك وعارف مقدار غضبك من اللي حصل، وعايزك تتأكد إن رغد مش هتكون غير ليك."
فارس بعصبية شديدة ووعيد: "أنا أخرج من بيتك بالشكل ده؟ بس هعديهالك المرة دي، بس لو منفذتش اللي هطلبه منك ومضيت على أوراق الصفقة والخطوبة تمت في خلال أيام، فانت الجاني على نفسك."
انكمشت ملامحه برعبٍ شديد واعتلى الخوف قسمات وجهه: "اللي انت قلته هيتنفذ، بس اديني مهلة لحد ما الأمور تهدى."
فارس بخبث ومكر: "قدامك لآخر الأسبوع، وبعد كده هعمل اللي قلتلك عليه، وصدقني وقتها اسمك هيتمحى من الوجود، وده آخر كلامي. تقدر دلوقتي تمشي."
خرج من ذلك المكان المظلم وبداخلهِ خوف من القادم، فهو من جنى على نفسه وواجب عليه تحمل عواقب ما فعل.
***
في القصر، كانوا قد انتهوا من تحضير الطعام، وصنعت الفتيات قالب من الحلوى احتفالًا للجميع، وارتسمت السفرة بأشهى المأكولات الطيبة التي صنعت بحب.
اجتمع الجميع على سفرة الطعام ورحبوا ب يامن ومالك، حتى تكلمت صفية، مواجهة حديثها ل ألاء، فهي تعلم أنها ورغد قربين لبعض جدًا:
"قومي يا ألاء، نادى على رغد ومتنزليش من غيرها."
ألاء بحب: "حاضر يا ماما صفية."
وذهبت إلى غرفة رغد.
دقت باب الغرفة عدة مرات حتى أذنت لها بالدخول.
ألاء: "يلا يا رغد عشان تتعشي، بتقولك ماما."
رغد بخفوت: "مش عايزة أنزل، ابقى هاتيلي أي حاجة هنا، أنا مش قاعدة معاه في مكان واحد."
ألاء بحزن على رفيقة دربها: "ماما قالت منزلش غير بيكي، وبعدين اعتبريه مش موجود."
نظرت لها بأعين يملؤها دموع الكسرة والحزن، قائلة بعدما فكرت بشيء سيقلب الموازين عليها حتمًا، ومسحت دموعها بوعيد له:
"يلا أنا نازلة معاكي."
ألاء بستغراب وشك: "إيه اللي غير رأيك بسرعة كده؟"
رغد بملامح لا تنظر بالخير أبدًا: "مفيش عادي يعني، هنزل آكل، مش عاوزاني يلا."
وذهبت معها، وفي قلبها خوف من شيء تنوي رغد على فعله، فتحصد من ورائه وجع فوق وجعها.
***
جلست مقابلة له، وفي عيونها إصرار على كسره مثلما فعل بها.
كانت النظرات بينهم يملؤها الكره، الحقد، الأنتقام، والوعيد بالكثير والكثير.
كانت تنظر له وبداخلها شعلة من الانتقام المخبأ خلف حبها له الذي تحاول أن تداريه، بعدما فكرت بخطة استرجاع كرامتها التي هدرت من سنين.
لكنها لا تعلم أن عقوبة ما ستفعل ستجني لها من الوجع أضعاف.
تناول الجميع طعامهم تحت جو ملىء بالحب الأسري بينهم، لكن كان هناك أجواء من التوتر، وجلسوا في الصالون يتبادلون أطراف الحديث تحت مزاح الشباب وهمس الفتيات.
حاولت رغد أن تبدو طبيعية ولا تعطيه أية اهتمام.
كان ينظر لها بشوق جارف وندم على سنين مرت في بعدها وعلى هروبه دون أن يحارب لأجلها، الذي أوصله لما هو عليه الآن.
وأقسم بداخله أنه سوف يعوضها على كل ما مرت به من وجع وألم كان هو السبب به.
***
صف سيارته بإهمال ودخل إلى القصر غير عابيء بشيء من حوليه، شارداً في ما يخطط له، بداخله خوف يمغص عليه أيامه القادمة.
كان يترنح بغير وعي، حتى أتاه صوت من خلفه أعاده لأرض الواقع.
"أحمد."
نطق بها رأفت مناديًا عليه.
التفت إليه قائلًا بهدوء مريب: "أنا تعبان ورايح أنام، تصبحوا على خير."
رأفت بانزعاج من طريقته: "تعالى اقعد معانا شوية، مبقاش حد يشوفك. وبعدين كنت فين؟ وماكلتش معانا."
تكلم بغضب: "وانت بقى هتحاسبني روحت فين وجيت منين؟ أنا مش صغير لكلامك ده، كان عندي عشاء عمل يا سيدي، ارتحت كده."
رأفت بعتاب: "ماشي يا أحمد، خد راحتك، اللي تحبه اعمله، أنا مش هدخل فيك تاني."
أحمد بنفور: "أحسن برده، يلا سهرتكم سعيدة."
أوقفته رغد وسط الجميع وهي تقول بإصرار:
"بابا."
التفت لها قائلًا: "نعم يا حبيبتي، خير؟"
نظرت ل يامن بنظرات غير مفهومة، قائلة لأبيها:
"أنا موافقة يا بابا على الخطوبة!"
رواية قتلني قلبي الفصل الثالث 3 - بقلم خلود بكري
صدمة ألجمت ألسنتهم، دهشةً احتلت معالم وجوههم بصدمةٍ من تلك الحمقاء التى حتمًا جُنت بقرارٍ مثل هذا.
نظرت لها ” آلاء ” بضجر ووقفت مقابلة لها قائلة بغضب من حماقتها:
انتى بتقولى ايه يا رغد بلاش تهور انتى فى وعيك وعارفه نتيجة قرارك ده ايه؟
نظرت لها بتعجب:
وايه الغلط فى كلامى يا آلاء انا عجبنى العريس ووافقت عليه و متهيألى دى حياتى الشخصية وانا حرة فيها.
تدخلت “سلمى” في الحديث قائلة:
بس لازم تفكري يا رغد وكمان تصلى استخارة المواضيع دى مفيهاش استعجال.
نظرت لها غير مبالية بأي من تلك النصائح التى تطرح عليها قائلة:
فكرت وقررت وده اخر كلام عندى.
ثم نظرت ل “يامن” نظرة بها شيء من التحدي الصريح قائلة لأبيها:
عرف فارس بموافقتي يا بابا وإني موافقة الخطوبة تبقى أخر الأسبوع ده.
رد قائلًا و بداخله خوفًا من القادم:
أنا من رائي تفكرى يا رغد زى ما أخواتك قالولك يومين كده وردى عليه.
ابتسمت رغمًا عنها فى محاولة أن تبدو طبيعية عكس ما تشعر به ثم ردت بهدوء:
أنا رأي مش هيتغير يا بابا.
أحمد بحب مصطنع فمصلحته بموافقتها ستنعم عليه بالكثير والكثير كما يظن:
مبروك يا حبيبتي ربنا يسعدك ويوفقك فى اللى جاي.
وتركهم وصعد إلى غرفته.
***
نظرات غير مفهومة بالمرة يحملها شيء من الغضب، الحزن، الانتقام، والتحدي، والوعيد.
تطلع بها بصمتٍ قاتل حتى قام من مكانه بهدوء وصعد إلى غرفته دون أن ينطق بشيء.
تطلعت إلى ظله بوجع أسكن مقلتيها شردت للحظة فى أمره لماذا لم يتحدث؟ لماذا لم يغضب؟ أردتك أن تُغضب تدافع عن حبك بكل ذرة من كيانك لماذا لم تقول انتى لى وحدى يا إمرأة قلبى لماذا يامن لماذا؟
فاقت من شرودها على صوت والدتها “رغد” تطلعت لها قائلة:
نعم يا ماما.
فيروز:
انتى موافقة يا حبيبتي ولا بابا غصبك؟
رغد:
يا ماما بابا مش غصبنى على حاجه متقلقيش.
فيروز بحنان وحزن من رفضها ل يامن:
وماله يا من يا حبيبتي ليه رافضه.
رغد بهدوء:
مفيش مقارنة يا أمى.
تكلمت صفية معلقة بزعل من تصرف رغد:
يامن بيحبك وخايف عليكى يا رغد الشخص اللى انتى عايزة تتجوزيه دى مش سهل وسمعته مشكوك فيها فكرى كتير يا بنتي قبل ما يفوت الأوان وترجعي تندمي.
وتركتهم وذهبت.
***
ذهب الجميع إلى غرفهم تاركين لها زمام أمورها.
جلست بشرود تفكر مرارًا ماذا تفعل هل هي تفعل الصواب؟ حقًا مثلما تظن أم تجنى على روحها أوجاع لا مفر ولا هروب منها؟
لمحها مالك تجلس هكذا فقرر الذهاب لتحدث معها:
رغد ممكن اتكلم معاكى شوية؟
“مالك”:
اتفضل خير بتعاتبنى انت كمان زيهم وتقف ضدى وكمان لسه مروان متكلمش أنتم ليه مش فاهمني يا مالك؟
تكلم بهدوء قائلًا:
عشان انتي غلط يا رغد ممكن تعملى اى حاجه غير اللى فى دماغك ده عاقبيه على قد ما تقدرى تبعدى فترة بس متروحيش ترمى نفسك فى النار وترجعى تندمي انتى متعرفيش فارس ده ولا تعرفي عنه حاجة فكرى كتير يا رغد عشانك وعشان يامن.
نظرت له بحزن قائلة:
غلط عشان بسترجع كرامتى يا مالك وكان فين يامن من سنين وليه مشى من غير أسباب؟ وليه رجع فجأة يقول عاوزك هو انا لعبة فى إيديه؟
مالك:
بس انت متعرفيش يامن عاش ال 3 سنين دول ازاى ومر بآية يامن مشى عشان مجبور يمشي عشانك عشان يحافظ عليكي وفي نفس اليوم اللي مشى فيه كان ناوى يطلبك قدام الكل ويعرف الدنيا كلها بحبه ليكى.
رغد بتعجب واستغراب من حديثه:
ازاى انا مش فاهمة؟
استرسل حديثه قائلًا وأخذ يقص عليها ما يعلمه:
كنت لسة راجع من الجيش ويامن كان مستني الكل يكون موجود عشان يعلن للكل خطبتكم.
كنت فرحان جدًا برجوعي وانى خلاص خلصت مهلة الجيش وعشان انا كمان كنت مستني اليوم ده عشان أطلب ملك راح اتكلم مع بابكي اللى هو المفروض عمه مش عارف قاله ايه لقيته فجأة قال انه مسافر وسافرت وراه حاولت كتير اعرف السبب ليه سافر مره وحده كان دايمًا يرفض انه يتكلم.
ولما عرفت بكتب كتاب مروان وخطوبتك وكل الأحداث دى روحت عرفته عشان ننزل مصر وبعد مرار منه حكالى وصدمنى لما قال ان عمي اللي اللي قاله لأه ورفضه وقاله انك مخطوبه لشخص ومستني الوقت المناسب عشان يعلن فيه خطوبتك.
نظرت له بصدمة ودهشة:
أنت بتقول ايه يا مالك معقول كل ده حصل؟
مالك:
أيوه يا رغد انتى زى سلمى وألاء وانا مش عايزك تندمي ياريت تفكري كويس وترجعى حساباتك.
ثم تابع بمرح:
ياريت نخلص من الحوار ده وتجوزيني أختك عشان مصورش قتيل هنا وأنتم أحرار.
وابتسم لها وذهب.
ابتسمت رغمًا عنها وصعدت لغرفتها لحاجتها للتنفس قليلًا فحديثه أشعل حربًا بداخلها.
“”””””””””””””
دع دموعي في ذلك الأشتِياقِ تتناجى بفعل يومِ الفراقِ فعسى الدمع أن يسكن بالسكـبِ غليلاً منهائمٍ مشتاقِ إن ريا لم تسقِ من الوصـلِ ولم تدرِ ما جوي العشاقِ …
استند فى شرفة غرفته وبداخله وجعًا على رفضها له بهذه الطريقة أمام الجميع انتظرت تلك السنين وعندما عاد أقامت الحرب عليه دون رحمة رفضت اعتذاره ورفضت كل شيء وعاندت كبريائها وأبتيامن:
ليه يا رغد ليه.
وأحكم قبضة يديه بشدة على الحائط حتى نزفت بغزارة لم يشعر بذلك الوجع ولا تلك الدماء المنسدلة من كفه فشعوره بنزيف قلبه كان أقوى.
ماشى يا رغد عندي أوى، بس اوعدك انك مش هتكوني غير ليا ووقتها بس اعجبك بطريقتى.
***********
“قلوبٌ تتأرجح نبضاتُها فى سباقٍ هام تارةً تنبضُ بالعشقِ وتارةً تنبضُ بالانتقام حائرةً بين شوقٍ يسكنُ فى أعماقها وبين نارِ الانتقام.
”
“خلود بكرى ”
فاضت أعيُنها ببكاءٍ مرير عجزت عن تخطى الأمر مشاعر مختلطة بين كونها تعشقه ولا تريد سواه وبين كبريائها الذى يمنعها دائمًا من قبول اعتذاره والسماح.
فوضت أمرها لله وظنت به الخير انه حتمًا يلهمنا الصواب فتركت كل شيء لله وسجدت بين يديه تناجيه أن يريح قلبها من تلك الآلام.
……………….
فى غرفة سلمى كانت تتحدث مع “مروان” فى أمر رغد.
سلمى بحزن شديد:
لازم يا مروان تقنع رغد قبل ما تجنى على نفسها.
مروان بهدوء:
متقلقيش يا سلمى ان شاء الله أقنعها متزعليش انتى بس.
وغيرى المود ده بقى مش ناوية تحنى عليه بكلمتين حلوين.
خجلت بشدة وصمتت قليلًا:
خلاص يا مروان بقى كلها ايام أصبر شوية.
مروان بحب وشوق:
امتى بقى مستنى اليوم ده من زمان اوى يا حبيبتى.
سلمى بخجل:
تصبح على خير.
وقفت الهاتف بوجهه وعلى وجهها ابتسامة حالمة وشوق ليوم تكتب فيه على أسمه وتخبره بحبها المكنون له من أعوام.
فاقت من أحلامها على صوت رسالة على هاتفها.
فتحتها بلهفة ظنن بأنه مروان لكنها صدمت مما رأت.
صور تجمع خطيبها ببنت أخرى لم تكن الصور تحمل شيء من التعدى لكنها توضح وبشدة أنه يوجد شيء بين مروان وتلك الفتاه.
سقط الهاتف منها وارتعش جسدها بشدة من هول الصدمة.
التقطت الهاتف تدقق في الصور بصدمة ودهشة حتى أتاها رسالة أخرى مكنونها.
“خطيبك هيكون ليا انا فى خلال أيام وانتى قصتك كده انتهت”
خنجرٌ مسموم ، طعناتٌ حادة، سمٌ قاتل، بكاءٍ ونحيب، صدمةٌ ونفور، غدرٌ وخذلان، إنها الخيانة.
بكت بصدمة ووجع مرير حتى كادت نبضاتها بالتوقف للأبد سكنت الدهشة معالم وجهها بحرافية تطلعت “سلمى” للهاتف عدة مرات خصوصًا بعد آخر رسالة بعثت لها محتواها:
لو مكنتش مصدقة كلامي تعالي بكرة الشركة وانتى تتأكدي بنفسك!
كانت فى هذه الحالة مقررة الذهاب إليه ومواجهته بتلك الصور لكنها فكرت قليلًا وتراجعت عن قرارها حتى تتأكد بنفسها لكن تلك الصور حقيقية لا شك فيها؟
جلست فى أرضية غرفتها جسدها لم يعد يتحمل خارت قواها من هول الصدمة حتى أتي في مخيلتها علاقتهم سويًا فهى تتعامل معه بصرامة وحدود وضعتها حفاظًا على مشاعرها وعلى نفسها لأجله فقط تنتظر اليوم الذى تكتب فيه وتكون حلاله لتعبر عن مكنون عشقها له منذ صغرها.
تذكرت عندما كان يتخطى حدودها فى الكلام وكانت تمنعه بغضب لكونها تعرف دين ربها بحق.
جاء فى ذاكرتها تلك الموقف من عدة أشهر عندما كان يجلس معها فى حديقة القصر ولكن لطيبة قلبها لم تشك فيه للحظة.
#فلاش باك .
تكلم مروان بغضب وصوت عالي بعض الشيء:
لحد امتى هتفضلى بعيده كده يا سلمى وكمان تتجاهلي كلامي كتير وقلة اهتمام منك هو انتى مش عايزه تكملى الخطوبة او حد غاصبك يعنى دى مش طريقة تعامل وحدة مع خطيبها.
ردت “سلمى “بنفى:
مروان الموضوع مش كده بس انت دلوقتى لسه خطيبى يعنى وفى حدود مينفعش أتخطاها ولا انت كمان تتخطها ده مش من حقك ولا ديني قال كده ولا رسولي قال كده ولا افرض مثلا محصلش نصيب ياريت متطلبش من أتخطى الحدود دى.
غضب من طريقة كلامها وظن أنها توجه التهم له بالسوء:
انا عارف حدودى كويس يا “سلمى” مش معنى انى بطلب منك تصارحيني بمشاعرك يبقى كده اخطئت بس قلة اهتمامك وتجاهلك المستمر ده هيبقى نهايته وحشه صدقينى.
رفعت نظرها له علهُ يجد حبها الكامن فى عيونها ويكف عن تلك التهم الطاعنة فى قلبها بخنجرٍ بارد لظنه أنها لا تحبه مثلما يحبها وأكثر ثم تكلمت بعتاب:
بكرة الأيام تثبتلك اللى انت مش قادر تفهمه وتعرف انك ظلمنى بكلامك ده.
#باااااكت
تكلمت سلمى ببكاء شديد:
ليه يا مروان؟ ليه اخترت تأذيني بالشكل ده؟ كل ده عشان عايزة ارضى ربنا فى بداية علاقتنا عشان متحرمش منك ولا عشان انا صادقه فى حبى ليك؟
نهضة بصعوبة، ثم تحاملت على جسدها وذهبت حمام غرفتها تاركه العنان للمياه أن تهدئ من حالتها بكت كثيرًا حتى لا تدرى أكانت المياه أقوى أم دموعها المنسدلة بغزارة.
خرجت يبطئ ثقيل ارتدت اسدالها وسجدت تبكي بين يدي الله وتشكو ضعفها وقلة حيلتها لا تعلم أن الله أختار لها شيء ستظل تشكره عليه مدى عمرها.
**************
فى غرفة “رغد “قد جافها النوم كلمات مالك تردد فى أذنيها تشتت تفكيرها الآن ماذا تفعل؟ هل تعاقبه بأن تكن لغيره؟ أم تجد عقابا آخر له؟ أم يجب عليها الآن أن تعفو عنه وتسامحه؟ وعليها أن تواجه أبيها أيضًا.
ظلت هكذا شاردة فى كل شيء حتى غلبها النوم بعد الوصول لحل فهل سيريح قلبها أم يبقى الألم لا مفر منه؟
“””””””،،،،،،”””””””””
سطعت شمس ذهبية معلنة عن بداية يوم جديد، استيقظ يامن فى الصباح الباكر وقد قرر الذهاب إلى الشركة متألقًا فى حلةً من اللون البنى التى جعلته فى أبهى صورة.
خطى خارج غرفته خطوات واثقة متزنة يتطلع لساعة يده باهتمام واضح حتى قابله مالك ومروان.
تطلع له مالك بتعجب من مظهره قائلًا:
اللى يشوفك كده يقول عريس يوم فرحه ايه يا عم الشياكة دى تكونش رايح تقابل.
نظر له بابتسامة ثقة قائلًا:
ده أقل شيء عندي ويلا بقى هنقف نهزر عندنا ميتنج مهم جدًا.
مالك بمشاكسة:
يبقى الميتنج في بنات.
وضحك بغمزة.
نظره له يامن بصرامة جعله ينظر في طبقه دون أن ينطق بشيء آخر.
تناولوا فطورهم على عجل وذهبوا حيث مقر الشركة.
—————————–
استيقظت روان على صوت طرقات الباب فتحت عيونها ونظرت للساعة وجدتها التاسعة صباحًا تكلمت بخفوت نتيجة لعدم تركيزها:
مين؟
تكلمت “سلمى” قائلة:
أنا يا روان ممكن تفتحى.
قامت مسرعة نحو الباب لترى لماذا صوتها متغير هكذا:
سلمى تعالى ادخلى مال صوتك وعيونك مالها.
حاولت أن تبدو طبيعية بعض الشيء حتى تكلمت بصعوبة بالغة:
مفيش انا بس منمتش كويس امبارح كنت جايلك فى طلب.
ردت روان بلطف قائلة:
اتفضلى يا حبيبتي خير.
سلمى:
ممكن تيجى معايا الشركة كنت عاوزه مروان فى حاجة ومش هينفع اروح لوحدى.
روان بحب:
من عيونى بس كده شكله وحشك يا اوختى يلا بينا هغير بس واجيلك.
لم تعقب على كلامها بشىء وانتظرتها حتى أتمت ارتداء ملابسها ثم ذهبوا إلى الشركة.
♡♡♡♡♡♡♡
مكان ضخم يضم أكثر من مبنى ويافطة كبيرة مكتوب عليها “شركة آل سيوفي”.
كان يجلس فى غرفة مكتبه الأثري يراجع بعض الملفات التى طلبه أبيه منه حتى دخلت تلك الحية تتمايل في مشيتها بدلع ملحوظ.
تكلمت بهدوء وغرور:
مروان ممكن توقع على الملف ده ضرورى.
نظر لها بتعجب! من نطق اسمه هكذا دون القاب حتى أخذ منها الملف دون تعليق ووقعه.
ثم تكلم قائلًا:
ابعتيلي قهوتي يا راندا.
نظرت له بابتسامة مُلئت فمها واجابت:
من عيوني وكمان انا اللى هعملها بأيدي.
وغمزت له بجرأة وذهبت.
بعد خروجها فكر فى حالتها الغريبة وطريقة تعاملها الغير محببة له بالمرة لكنه رفض التفكير بالأمر وأكمل عمله بهدوء وعقله وقلبه في مكان آخر.
**************
وصلت الفتايات إلى الشركة حتى تكلمت “روان”:
روحي انتى بقى ل مروان وأنا هروح أشوف يامن عشان قلقانة عليه.
سلمى بخوف وقلق:
طب تعالى معايا وبعد كده روحى عند يامن.
روان بمشاكسة:
لاه يا حبيبتى ده انا حتي بخليلك الجو يمكن يكون واحشك مثلا يلا يلا بلا دلع بنات.
ابتسمت رغمًا عنها قائلة:
ماشى يا لمضة يلا مع الف سلامه.
ذهبت “روان فى الطريق المؤدي لمكتب يامن تلهو فى هاتفها حتى اتصدمت بحائط بشري ضخم أدي إلى تساقط هاتفها حتى صاحت قائلة:
بغضب مش تفتح يا بنى آدم انت ايه ماشى طور الله فى برسيمه!
نظر لها والشرر يتطاير من عينيه حتى اصبحت لونها باللون الأحمر القاتم:
والله قولى لحضرتك الكلام ده ما انتى لو ماشيه باصه قدامك مكنش حصل كل ده وبعدين ايه الألفاظ البيئة دي؟
تطلعت له بنفور وقالت:
والله انا حره فى الفاظى حضرتك مين علشان تحاسبنى انت اللى غلطت والمفروض تعتذر.
ضحك ملء فمه حتى تاهت هي بضحكاته الخاطفة للأنفاس وتاهت النظرات بينهم بعض الوقت حتى افاق من شروده قائلًا:
ده انا اللى اعتذر طب يلا يا شاطرة شوفى رايحة فين.
نظرت له بغيظ ثم قالت:
والله انا ماشيه بس عشان منزلش نفسي لمستواك.
وتركته ورحلت.
تطلع إلى ضلها بغضب شديد وأقسم على رد الصاع صاعين لتلك العنيدة سليطة اللسان لا يعلم أنها ستكون داءٍ ودواء لعلته.
**********
راقبت الممر المؤدي لغرفة مكتبه بقلق وخوف حتى باتت خطواتها ثقيلة جدًا، شيء ما يقول لها توقفى وشيء آخر يرغمها على كشف الحقيقة اقتربت من الباب ببطء حتى وجدته شبه مفتوح و أصوات الضحكات تأتي من الداخل للحظة ارتعش جسدها ازدادت ضربات قلبها بقوة حتى دفشت الباب بهدوء لترى مروان يجلس مع تلك السكرتارية ويضحك ممسكًا بيديها ويجلس جوارها لا يفصل بينهم شيء صدمت من المنظر وألجمت الدهشة لسانها حتى تكلمت بصعوبة قائلة:
مروان؟
نظر اتجاه الصوت فوجدها تقف بصعوبة الدمع يملىء خديها حتى هب واقفًا وذهب إليها قائلًا بتوتر:
سلمي ياريت ما تفهمنيش غلط الموضوع كله.
ولم يكمل حديثه حتى رقدت من أمامه بسرعة الدموع تهطل من عينها كالشلال قلبها ينزف بشدة.
أسرع خلفها يناديها لكنها رفضت الوقوف وأثناء عبورها للطريق أتت سيارة مسرعة حتى دهستها بقوة تطلعت إليه بنظرات مليئة بالعذاب والألم ومن بعدها اغلقت عيناها لتلقى مصيرها المحتوم.
وقع جوارها يتفقد نبضها بجنون ويصرخ بأعلى صوته مناديًا عليها لتنظر إليه لكن لا فائدة اجتمع المارة حولهم حتى صاح به الناس بأن يحملها مسرعاً إلى المشفى حتى فاق من صدمة وأخذها في سيارة أحد الواقفين صاح بسائق السيارة أن يسرع امتلك قلبه الخوف عليها الخوف من فقدانها والخوف من كل شيء وصلت السيارة بزمن قياسي إلى المشفى وحملها ورقد بجنون ويصرخ في الأعمال أن يساعدوه بنقلها إلى قسم الطوارئ بسرعة حتى أدخلوه غرفة العمليات.
جلس بوهن على ارضية المشفى أما غرفة العمليات يبكى أجل يبكى ولماذا لا يبكي لا تكن يوما خطيبته وحسب بل هي ابنته الصغرى ورفيقة المخلصة وحبيبته الغاليه.
علم يامن ومالك ومروان بالأمر عندما أسرع أمن الشركة بأخبارهم فأسرعوا إلى المشفى بقلق وخوف وأجرى مالك اتصالا لأخبار والديه ليأتوا فى الحال.
بعد مدة وصل يامن ووجود مروان يجلس بحالة لا يثري لها حتى ربط على كتفه بحب قائلًا:
هتكون بخير اطمن بس لازم تكون أقوى من كدا طمنى الدكاتره قالو ايه؟
تكلم بصعوبة والدمعُ مازال فى عينيه قائلًا:
لسه محدش طمنى كل اللى عرفته إن حالتها صعبة جدًا ونزفت دم كتير ولسه العملية قدامها خمس ساعات عايزين دم.
اهتز جسد مالك رعبًا على أخته واردف قائلا:
ايه اللى وصلها للحادثة دى آمن الشركة قال أنها كانت طالعه تعيط وتجرى وانت وراها ممكن اعرف ايه اللى حصل.
تدخل يامن فى الحديث حتى يهدء مالك قائلاً:
مش وقته يا مالك خلينا دلوقتى نعمل اللى مطلوب ونروح نتبرع بالدم انت مش شايف حالتهم.
مالك بغضب:
أكيد هو السبب والله لو سلمى جرى ليها حاجه مش هسكت.
سحبه يامن بقوة وذهب بعيدًا كي يهدء قليلًا حتى رن هاتف يامن وكان عمه محمود يسأله عن مكانهم فقد أخذ طائرة خاصة من اسكندرية للقاهرة بعدما أخبره مالك بما حدث ل سلمى.
أرسل له يامن عنوان المشفى وذهب مع مالك للتبرع بالدم حتى ينقذوها.
بعد مرور أكثر من ساعة كان يامن ومالك و مروان وروان يجلسون أمام غرفة العمليات فى إنتظار خروج طبيب ليطمئنوا على حالتها حتى أتت “نرمين” باكية:
ايه يا مالك أختك حصلها ايه؟
نظر لها مالك بهدوء ما قبل العاصفة قائلاً:
حالتها متأخرة ادعيلها.
فنظره إلى أبيه نظرة مطولة وأشاح بوجهه إلى الجانب الأخر.
محمود بخوف وقلق ظاهر:
طمن يا يامن الدكتور قال ايه بالضبط؟
يامن بحزن شديد:
الحالة صعبة يا عمي كمان عاوزين نقل دم وتبرعت انا ومالك ولسه فى انتظار حد يخرج يطمنا.
أومئ برأسه بحزن وذهب إلى مالك يربط على كتفيه حتى صاح مالك بغضب وصوت مزق قلوب من يقف:
أنتم بتعيطو وخايفين بجد على بنتكم بجد أدهشتونيوكنتم فين من زمان وانتم سايبنا لوحدنا وكل واحد منكم فى طريق.
ماما “نرمين “هانم اللى النادى والخروج والكوفير وأصحابها والفلوس طبعاً أهم من اولادها وحضرتك يا بابا السفر والصفقات والفلوس الكتير اللى فى البنك اللى عمت عيونكم انكم تكونو معانا تحسسونا بحنانكم.
صرخ محمود بغضب:
مالك الزم حدودك واعرف بتقول ايه.
ولكنه بداخله يعلم أنها الحقيقة.
جلست نرمين تبكى بقوة فهى كانت تهملهم دائمًا.
حتى استكمل مالك حديثه بوجع قاتل قائلًا:
عمرى ما شوفت خوف علينا فى عيونكم حتى أمور دينا وتربيتنا ماما صفية اللى كانت بتقوم بيها علمتنا ازى نصلى و نراعى ربنا فيكم رغم كل شيء وعلمتنا اللى أنتم مقدرتوش تعملوه حتى انا من صغرى شايل مسؤولية اخواتى سلمى وآلاء بعتبرهم بناتى ظلمتونا كتير و جايين دلوقتى تعيطو بعد ايه مش هتحسو بقيمتنا إلا لما نفقدونا واحد واحد.
جذبه مالك بصعوبة صارخًا به:
مش وقته يا مالك الكلام ده أختك بين الحي والموت.
نظر له بوجع مزق قلبه فهو يعلم معاناة الدائمة.
حتى خرج الطبيب فأسرع الجميع حوله يسألونه بأهتمام وخوف.
محمود: طمنى يا دكتور.
الطبيب بأسف شديد:
احنا عملنا اللى قدرنا عليه بس الحالة صعبة جدًا وفقدت دم كتير ومفيش اى استجابه ادعولها.
رواية قتلني قلبي الفصل الرابع 4 - بقلم خلود بكري
كانت الصدمة تحتل وجوه الجميع أثر كلام الطبيب على حالتها الصعبة حد الموت. اجهش الجميع بالبكاء المرير عندما استكمل الطبيب حديثه معلقًا:
"أثناء فحصي الدقيق للحالة تأكدت أنها عانت من نوبة نفسية شديدة أدت لحدوث جلطة بالقلب قبل وقوع الحادث بدقائق، وده أدى إلى صعوبة كبيرة معانا في العملية. وبجانب إنها فقدت دم كتير، وللأسف هتحتاج نقل كلية. بس ده هنقرره بعد ما تفوق، نظرًا لحدوث أي تغيرات أو ظهور شيء آخر."
ارتسم الحزن على وجوههم ببراعة مما حدث لتلك الملاك البريء. فكانت دائمًا تتسم بالهدوء وحب الخير للجميع. حتى اجهشت آلاء ببكاء مرير على حال أختها، فأخذتها رغد في أحضانها في محاولة لتهدئتها وهي تقول بحنان:
"هتبقى كويسة يا حبيبتي، متخافيش. علقي أملك في ربنا."
تكلمت روان مواجهة حديثها لمروان:
"سلمى خارجة من عندك منهارة ليه؟ وكان المفروض تستناني ولقيتها مشيت. ممكن نعرف اللي حصل؟"
صوّب مالك نظراته بوعيد على مروان. حتى اقترب منه ببطء وبداخله بركان من الغضب للفتك به:
"عملت إيه ليها وصلها للحالة دي؟"
تطلعت له بنظرات تحمل من الوجع أطنان. حتى اختار الصمت، فهو على حافة الانهيار. كان سكوته يرمز لشيء عظيم حدث بينهم. فصرخ مالك به مجددًا:
"انت ساكت ليه؟ متخلنيش أفقد أعصابي عليك!"
تدخل يامن سريعًا حتى يهدئ الموقف بهدوء وحكمة. فأخذ مروان وذهب للأسفل للحديث معه.
جلس مقابله حتى تطلعت له بغموض قائلًا بهدوء:
"ممكن أعرف اللي حصل؟"
خيم الصمت عدة لحظات حتى شقه أخيرًا وتكلم بوجع مزق ثناياه:
"راند، السكرتيرة بتاعتي، لعبت لعبة قذرة كده وللأسف كسبتها."
تطلع له الآخر باهتمام ليكمل حديثه. حتى استكمل قائلًا بندم:
"بقالها فترة بتحاول تقرب مني بكل الطرق الممكنة والمستحيلة كمان. حاولت أتجاهلها كتير بس مكنتش بتبطل. لحد ما في يوم كنت زهقان جداً من طريقة سلمى معايا وعدم اهتمامها بيا وبعدها عني طول الوقت. ضعفت، وكلماتها كانت كلام عادي جداً بس هي كانت مرتبة حاجات كتير وعاوزة توقع بينا. في يوم كانت قاعدة معايا بالمكتب بمضي على ملفات، استغلت الفرصة وزرعت كاميرات وصورتنا وحاولت تركيب الصور عشان تبان حقيقي وبعتتها لسلمى. وبعد كده اتفقت معاها تيجي الشركة وتشوف بنفسها. في الوقت اللي سلمى جت فيه هي كانت معايا وكانت عمالة تعيط على شيء مكنتش عارفه. فقعدت جنبها لحد ما هديت خالص وحاولت أكلمها وفجأة لقيتها بتقرب مني وبتضحك جامد. على دخول سلمى وبعدها حصل اللي انت شوفته لحد الآن."
ثم استكمل باقي الحديث بدموع غزيرة مزقت قلب يامن، فهو يعرف نار الفقد جيدًا.
"أنا عارف إني غلطت إني فتحت لها الطريق إنها تقرب مني بالشكل ده، بس والله ما خنتها. أنا بحبها، مستحيل أقدر أعمل كده. أنا بقالي سنين مستني وصابر ومحترم قراراتها وحدودها. أنا خايف لما تفوق تسيبني؟"
رف قلبه بوجع لحالته حتى وإن كان مذنبًا. حتى تكلم بهدوء غريب:
"سلمى بنت محترمة وعارفة ربنا كويس. وأنا متأكد إنها هتسامحك، بس توعدني إنك تصارحها بكل الحقيقة. وصدقني أنا هبقى جنبك لأن أي بنت في العيلة بتكون أخت قبل أي حاجة."
تطلع له بحب واحترام، فهو يعلم أن يامن من أفضل الشخصيات التي تتحدث معها دون نزاع:
"مش عارف أقولك إيه؟ أنت دلوقتي شايل من على قلبي هم كبير، ربنا يخليك ليا يا صاحبي."
ربت على كفيه بحب قائلًا:
"أنت أخويا الصغير ويهمني أمرك، بس ده ميمنعش إنك غلطت، بس اتعلم بقى. حارب عشان حبك وعشانها هي لأنها تستاهل. وأنا واثق إنك هتنجح في الاختبار ده يا بطل."
ابتسم له بهدوء وحب لتفهمه مدى وجعه الآن. حتى أصر بداخله على فعل المستحيل لينال السماح.
***
جلست رغد أمام غرفة العمليات بعد أن ذهبت آلاء في نوم عميق بعد حالة من البكاء الشديد أدت إلى فقدانها الوعي وإعطائها الطبيب حقنة مهدئة لتنال قسطًا من الراحة.
اخرجت مصحفها وأخذت ترتل بعض آيات الله ودموعها تهطل كالشلال في هدوء تام.
بعد أن أنهى يامن حديثه مع مروان، ذهب لشراء بعض المشروبات للجميع وذهب حيث غرفة سلمى.
اقترب منها عندما وجدها جالسة هكذا تبكي بحرقة وهدوء، وبصوت خافت تقرأ بعض آيات الله بصوتها العذب. مد يديه ببعض العصائر حتى تطلعت له بهدوء:
"ممكن تشرب ده وتهدى، بلاش بكى مش بيفيد بشيء."
أشاحت بنظرها بعيدًا عنه، فما زالت لم ترضى عنه.
"مش عايزة، شكرًا."
تطلع لها بعتاب من قسوة معاملتها له:
"لحد إمتى يا رغد؟"
فشلت في الرد عليه. فنظرت له بأعين دامعة وطالت النظرات للحظات عدة حتى تركت المكان بأكمله ورحلت.
تطلع إلى ظلها بوجع نغز بداخله لسوء الأحوال بينهم حتى قرر أن يترك لها حرية الاختيار على أمل أن تختار بإرادتها.
***
نظرت حولها ببطء لتجد جسدها ممتلئ بالأجهزة التي لا حصر لها. حاولت أن تستند بهدوء على معصم يديها، لكن كان هناك شيء يعيق حركاتها حتى استكانت بصمت مريب تتذكر ما حدث لها. علت أصوات الأجهزة تعلن عودتها للحياة.
أسرع الطاقم الطبي إليها لفحصها. وهنا دب الرعب في قلوب الجميع عندما وجدوا الأطباء مسرعين هكذا. فكان الانتظار مرًا كالعلقم، فباتت الثواني تمر كالساعات.
بالداخل كان الطبيب يفحصها باهتمام شديد. نائمة، تطلع في اللاشيء، ينبض قلبها بهدوء كأنه على حافة التوقف للأبد.
تكلم الطبيب معها حتى يطمئن:
"عاملة إيه؟ سمعاني؟"
نظرت له بهدوء حتى أنها حاولت التحدث، لكن كان لسانها ثقيلًا جدًا. حتى هطلت دموعها كالشلال على خديها بوجع ارتسم على ملامحها بحزن شديد.
أتم الطبيب عمله وخرج يطمئنهم. اقتربت نرمين تسأله حالة ابنتها، يرعب وخوف من أثر إجابته. فهي الآن علمت مدى حبها الشديد لأبنائها وندمها على إهمالها لهم دائمًا.
الطبيب:
"الحالة فاقت الحمد لله وعدت مرحلة الخطر، بس في مشكلة. الجلطة اللي جاتلها أثرت على النطق، بس بإذن الله مع الوقت والعلاج هترجع طبيعية تاني."
حمد الجميع الله على عودتها للحياة حتى لو فقدت النطق للأبد. الأهم وجودها بجانبهم.
***
أثناء انشغال الجميع بالكلام مع الطبيب، تسحب مروان بهدوء ليصل إلى غرفتها متنكرًا في زي الممرض حتى لا يكشف أمره أحد.
اقترب ببطء منها حتى وجدها تغط في سبات عميق. أخذ كف يديها بين راحته وهنا هطلت دموعه بشدة على حالتها حتى تحدث بصعوبة:
"أنا آسف والله، قومي يا حبيبتي متسبنيش. أنا مقدرش أؤذيكِ، انتي حتة مني. قومي وسامحيني عشان أنا مليش غيرك. وصدقيني وعد عمري ما هزعلك تاني أبدا، بس انتي متسبنيش. أنا محتاجلك أوي معايا، من غيرك مش هعيش."
صوته وصوت بكائه ودموعه الدافئة على كفها جعلتها تفيق من نومها. تطلعت إليه بنظرة ساخطة. حاولت التحدث أو أن تبعده عنها، لكنها فشلت. رفع رأسه بهدوء لينظر لها حتى وجدها تطلع له بتلك النظرات المؤلمة. طالت النظرات وطالت، وبكت وبكى معها. حتى أشاحت بوجهها بعيدًا عنه نافرة منه. حاولت جاهدًا أن تتحدث حتى باتت الكلمات غير مفهومة، لكنه فهم مقصدها.
"اطلع بره يا مروان، مش عايزة أشوفك. وانسى اللي بينا، أنا مش عاوزاك."
حاول الحديث حتى أوقفه صوت مالك الغاضب:
"انت إزاي دخلت هنا؟ اخرج برة ولا جاي تكمل عليها."
تطلع إليه بحزن وعتاب على طريقة حديثه المؤلمة وقرر الذهاب بلا عودة.
***
اقترب مالك منها بهدوء وأزال دمع عينها بحزن شديد على ما تعانيه من ألم. وطبع قبلة صغيرة على رأسها وحاوطها بحنان جارف من مشاعر مرتبطة بين حب الأب لابنته التي تربت على يديه وبين حنان الأخ. حتى هبطت دمعة مؤلمة على خديها جعلتها تتطلع له بصمت وهدوء. فبعد محاولتها في الحديث مع مروان جعلتها تتألم بشدة. حتى رفعت كفها بهدوء وحاولت رسم ابتسامة مزيفة. وربطت على كفيه بحب حتى يهدأ قليلاً.
تكلم بهدوء مريح وحاول أن تبدو نبرته بها شيء من المرح المعتاد كي يساعدها في تخطي محنتها:
"يا بنتي، أنا من ساعة ما نزلت مصر والمصايب عمالة تتحدف عليا. المفروض كنت نازل للأفراح، انقلبت نكد وماتت روح الفرح اللي جوايا. جايين تكتشفوا مشاكلكم دلوقتي؟"
ابتسمت بحب له وعلى معاناته التي يخفيها دائمًا عن أعين الجميع. حتى استكمل حديثه بوجع:
"أنا حاسس إن روحي رايحة مني. تعبك ده بيقتلني وأنا واقف عاجز مش عارف أعمل حاجة. قومي عشان خاطري، عاوز أفرح بيكم."
هبطت دموعها بغزارة من عجزها الشديد الآن أن تشاركه الحديث لتخفف عنه آلام يحملها منذ أعوام لأجلهم. حتى وجدت والديها أمامها يحاوطها بنظرة ألم وندم ظهرت لها كأول مرة تراها.
اقتربت نرمين منها حتى ابتعد مالك تاركًا الغرفة بأكملها ليترك لهم المجال على أمل أن يصلحوا ما أفسدوه في حياتهم.
دموعها كالشلال المريب، صامتة تنظر لهم بحسرة تجعل قلوبهم ترتجف من شدة عذابها المنشود. للحظة فقط شعروا كيف تكون الأبوة، وماذا يعني الضنى؟ حتى اقتربت أكثر من ابنتها تحاوطها بحنان الأم وتمسد على شعرها بهدوء قائلة:
"سلامتك يا نور عيني، ياريتني عرفت قيمتك من زمان. ربنا يخليكي لينا وافرح بيكي وتقومي بالسلامة وتسامحيني يا سلمى على إهمالي ليكم."
تطلعت لها بهدوء يحمل حبها لها برغم ما عانته من معاملتها لهم بالنفور دائمًا ولا تذيقهم حنان الأم قط.
كانت نظرات والدها لها تحمل من الندم مسافات اخترقت علاقته بهم غيابه الدائم عن حياتهم. ولكن سمح لنفسه أن يقترب ويحتضنها بحنان ويدعو الله أن تشفى له.
***
في غرفة آلاء، ساعدتها رغد أن ترتدي ملابسها. واستطاعت بحكمة وذكاء أن تخفف العبء عنها ببعض الحب. حتى أنها رضيت بقضاء الله وظلت تصلي طول الليل تدعو لأختها بالنجاة.
تكلمت رغد بجدية:
"آلاء، إحنا دلوقتي هنروح نشوف سلمى. بالله عليكي اتمسكي عشانها. انتي عارفة سلمى حساسة قد إيه. عاوزين نساعدها تتخطى الأزمة دي."
أومأت برأسها بتفهم ونظراتها تملأها دموع لا حصر لها. لكن عليها الآن التماسك، ودائمًا كانت حياتها هكذا محكوم عليها أن تعيش عمرًا غير عمرها.
خرجت من الغرفة تصاحبها رغد. وجدت الجميع يجلس أمام غرفة سلمى في انتظار خروج الطبيب للاطمئنان عليها. جلست بهدوء تنظر لأبيها تارة ولأمها تارة. وجدت ملامحهم يملؤها الندم والحسرة. لكن لا فائدة الآن، لن يجدي البكاء نفعًا.
***
كان يجلس بمفرده. علامات الحزن تحتل ملامحه ببراعة طاغية. أن تقف عاجزًا عن الحركة لفعل أي شيء نجاة شخص يشكل جزء من روحك، أنه لأمر صعب للغاية. تاهت حلول أهل الأرض جميعها. الحل اليوم بين يدي الله. لو بإمكانه لضحى بعمره كله لها.
اقتربت منه بهدوء وقلق على حالته المريبة. لم تعتد منه على هذا. كان دائم الضحك تملؤه روح المرح والحب والتفاؤل. حتى إنها تعجبت كثيرًا من سكونه الغريب.
نادته بصوت خافت حتى نظر لها نظرة طالت وتاهت معانيها. فهو الآن في أمس الحاجة لوجودها بجانبه. لو لم تعاند مثل أختها لكانت اليوم تسجل باسمه وتتوج أميرة له.
فاق من نظراته حتى جلست تاركة مسافة بينهم قائلة بهدوء:
"ممكن تقوم ترتاح شوية؟ إحنا هنا كتير أهوه."
تطلع بها بنظرة لم تفهم معناه أبداً. حتى أنها جزمت إنها قد ارتكبت مصيبة أو فعلت جرماً شنيعاً:
"أنا مش هخرج من هنا غير وسلمى معايا، غير كده لأ. ممكن توفري نصيحتك لشخص تاني."
وتركها في دوامة من أفكارها بتغير معاملته معها ورحل. احتلت الدهشة وجهه ملك من طريقة حديثه الغليظة معها. حتى شعرت إنها شلت أفكارها الآن. لا تدري أنها من زرعت بداخل ذلك البستان شوكًا ستخطو قدمها عليه قبل أن تصل لوروده، وهي من اختارت ذلك.
***
في مكان آخر.
علم يونس، الصديق المقرب لمالك ويامن، بما حدث فقرر الذهاب إلى المستشفى ومد يد العون والمساعدة إن لزم الأمر.
استعد للذهاب وأثناء خروجه من الغرفة دخل شاب في منتصف عقده العشرين يستشيط غضبًا ومعالم وجهه لا تنذر بالخير أبدًا:
"في إيه يا جلاب المصايب؟ جاي تنفخ ليه؟"
نظر له بغيظ حتى تمتم بغضب:
"أنا أمير الدميري. حتة بت شبر وقطع تكلمني بالأسلوب ده!"
علم الآن سر غضبه، فهو يحفظ شقيقه ويعلم ما يعكر صفو حياته:
"طب بس اهدى وفهمني حصل إيه؟"
تكلم بغضب حتى أشاح بيده يمينًا ويسارًا:
"روحت الشركة الصبح اللي أنت قلت هنعمل صفقة معاهم. حتة بنت مستفزة هناك خبطت فيا وهي اللي غلطانة وكمان مش عاجبها. فضلت تهرتل بالكلام لحد كنت هولع فيها."
"تمام. وقالت لك إيه بقى؟"
نظر له بغيظ من استخفافه بما حدث له:
"هو اليوم باين من أوله. تصدق إنك بارد ومستفز والكلام معاك خسارة."
ضحك ملء فمه حتى أنه جلس على أرضية الغرفة من شدة الضحك وحاول التحدث بصعوبة:
"أصل بحب شكلك وأنت متعصب يا ميرو. بس وعد هساعدك تاخد بـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*ـ*."
تركه يضحك وذهب غاضبًا يتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة. حتى يونس لم يستطع أن يتمالك فرقد خلفه ليحل الأمر.
"استنى بس هقولك عملت إيه في الشركة النهارده؟"
"ولا حاجة. لا لقيت يامن ولا مالك خرجوا فجأة وأنا كنت منتظرهم."
يونس بحزن لما حدث معهم:
"للأسف، أخت مالك عملت حادثة خطيرة وفي المستشفى. وأنا نازل حالا عشان أكون واقف جنب مالك. أنت عارف مالك بالنسبالي إيه."
رد بأسف:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. طب يلا، جاي معاك."
وذهبوا حيث مصيرهم المحتوم بالعشق الخفي.
***
استدعى يامن طبيبًا من الخارج يطمئنهم على حالتها. فحصها الطبيب بعناية شديدة حتى تكلم بتعجب:
"هذه الفتاة نجت بأعجوبة. إنني أقسم حقًا أن لديها قلبًا يؤمن بالله. فكيف لمثل هذا الحادث المهين أن ينجو أحدًا منه."
كانت نظرات الجميع على الطبيب بدهشة من كلامه المطمئن لهم. حتى تكلم يامن:
"كيف حالها الآن؟ نريد معرفة الأمر بالتفصيل."
الطبيب:
"المريضة تعدت مرحلة الخطر. الوضع الآن آمن ومستقر. تلك الفتاة كُتب لها عمرًا جديدًا. حتى أنه لن يتم نقل كلية لها. فبعد الفحص تبين لنا أن كليتها سليمة. كل ما في الأمر أنها تحتاج لرعاية فقط حتى تتخطى أزمة جلطة القلب وستعود مثلما كانت وأفضل."
ارتسمت البسمة على وجوههم وحمدوا الله كثيرًا على جوده وكرمه.
***
استعلم يونس عن مكانهم من استقبال المستشفى وصعد للأعلى يبحث عنهم حتى وجد الجميع. اقترب وألقى السلام حتى أخذ مالك في أحضانه يربت على كتفيه إنه معه قائلًا:
"ألف سلامة عليها، كنت أتمنى أول لما أشوفك بعد المدة دي كلها تكون أحسن من كده. بس قدر الله ما شاء فعل، إن شاء الله تقوم بالسلامة يا صاحبي."
ابتسم له بحب:
"شكرًا على سؤالك يا يونس، ونعم الصاحب أنت."
ضمه مرة أخرى إلى صدره يواسيه بحب:
"أزمة وتعدي يا صاحبي، وأنت قدها."
كان الآخر يصوب نظراته بغل وحقد في مكان آخر حتى لفت انتباه الأمر. فاقترب منه ليسأله في تعجب:
"انت واقف عندك كده ليه وعينك هناك ليه؟ انت جاي تفضحنا هنا؟"
تكلم بنفور شديد:
"البنت اللي قولتلك عليها واقفة هناك، حاسس إني عايز أروح أقتلها."
نظر له بصدمة:
"لأه، ده انت اتجننت رسمي. المفروض أروح أشكرها إنها قدرت تعلم على أمير باشا."
نظر له بضيق قائلًا:
"أنا نازل أستناك تحت عشان لو فضلت ثانية ممكن أصور قتيل هنا."
تطلع إلى ظله بتعجب متمتمًا في سره:
"الولد شكله اتجنن، لا إله إلا الله."
***
التفت للرجوع إلى مالك فوجد صوت فتاة تبكي تارة تضحك تارة. فروضه الفضول للنظر إليها حتى رأى ذلك الوجه الملائكي بجانبها فتاة توليه ظهرها. تاهت نظراته بها حتى شعرت بشيء يحاوطها فالتقت العيون في لقاء خاص سيحمل قصة من أجمل قصص العشاق التي تبدأ بالنظرة الأولى لتحمل قلبهم إلى أسمى معاني العشق العتيق.
رواية قتلني قلبي الفصل الخامس 5 - بقلم خلود بكري
ألمتها رأسها فجأة، فهبطت للأسفل لحاجتها الشديدة بتناول فنجان من القهوة، عله يريح ألمها قليلًا.
وجدت مروان يجلس بمفرده. فذهبت إليه رغد متسائلة:
"قاعد لوحدك ليه؟ وماطلعتش تطمن على سلمى؟"
أردف باختصار:
"كنت لسه طالع… إنتِ نازلة ليه؟"
جلست جواره متنهدة بتعب:
"عندي صداع شديد، نازلة أجيب قهوة وطالعة تاني عشان سلمى هتخرج غرفة عادية."
ساد الصمت معالم وجهه لخوفه من رفضها له وعدم تقبل اعتذاره. لكن عليه الحرب من أجلها. حتى تكلم بخفوت:
"أنا طالع أشوف سلمى، لو شفتي يامن قوليله إني فوق."
هزت رأسها بالموافقة وتابعت ظله بنظرها في حيرة من أمره، حتى وجدت يامن قادمًا إليها.
اقترب منها وجلس على مسافة بينهما، يتطلع لها بصمت مريب لبضعة دقائق. ظلوا هكذا حتى قطعه قائلًا:
"لحد إمتى يا رغد؟"
أجفلت نظرها بعيدًا عنه، دقات قلبها في تسارع الآن من قربه المهلك لها، وبين حاجتها لاسترداد كرامتها وبين نار الانتقام.
خيم الصمت للحظات عليهم، حتى أردفت:
"لحد ما الألم اللي في قلبي يروح؟ تقدر ترجعلي قلبي سليم؟ وتنسيني الوجع ده كله؟"
كانت نظراته تصوب عليها بصدق، وشوق، وحزن، من إصرارها الشديد باختيار طريق آخر غيره. حتى أبى التفكير أنها يومًا لن تكون له. وبندم اعتذر وقال:
"فرصة، أعطيني فرصة تانية؟ أوعدك مش هتندمي عليها! لو لسه في قلبك شيء ليا، إدي حبنا فرصة يشوف النور من تاني."
دق قلبها بعنف هذه المرة وكأنه يقول لها: لماذا تريدين وجعي أكثر من ذلك؟ هي اقبلي يا فتاة.
تطلعت له بضع ثوانٍ ثم أخفضت رأسها وحاولت تنظيم نفسها، حتى تكلمت بصوت خافتٍ صغير:
"موافقة!"
ولم تنتظر رده حتى هرولت مسرعةً من أمامه لحاجتها للتنفس قليلًا، فقد شعرت بسحب أنفاسها منها نتيجة الحديث معه.
حاول أن يستوعب الأمر، حتى ارتسم على شفتيه ابتسامة مشرقة لكونها أعطته بصيصًا من الأمل، عله ينجح الآن في ضماد جروحها واستعادة ثقتها به.
***
سمح الطبيب لـ سلمى بالأنتقال لغرفة خارج العناية المشددة، فقد استعادت وعيها وحالتها باتت بالتحسن الملحوظ.
التف الجميع حولها في اهتمام، حتى اقتربت نرمين بحب وفرح وقبلت رأسها قائلة:
"حمدًا لله على سلامتك يا حبيبتي، روحي رجعتلي بعد ما اطمنت عليكي."
ابتسمت بهدوء قائلة بصعوبة وثقل في صوتها:
"ربنا يخليكي ليا يا ماما."
اقتربت صفية وفيروز منها، حتى أخذتها صفية في أحضنها وفرت دمعة من عينها وأردفت:
"دلوقتي أقول الدنيا كانت مضلمة وإنتي نورتيها بنور ضحكتك، ربنا يقومك بالسلامة يا حبيبتي وترجعي تملي البيت حب وحنية."
قبلت يديها بحب شديد:
"ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا ماما صفية."
شاكستها فيروز بمحبة قائلة:
"مرات ابني الغالي، حمدًا لله على سلامتك يا روحي، يلا فُوقي كده وقومي عايزة أعمل عليكي حماية."
ابتسم الجميع أثر كلمتها، لكن هناك قلب قبض، تغيرت معالم وجهها عندما رأته يقترب منها بهدوء مميت:
"حمدًا لله على سلامتك يا سلمى."
نظرت له بعتاب وحزن على ما فعله بها، وأشاحت بنظرها للجهة الأخرى، حتى اقترب مالك منها بشك. فابتعد مروان بصمت مريب وترك الغرفة ورحل.
"حمدًا لله على سلامتك يا صغنن. الوش والخناق بتاعك إنتي وألاء هيرجع تاني بقى وتصدعوني."
ابتسمت بحب:
"بقى كده يا مالك، الحق عليك."
قهقه بمكر:
"ربنا يوعدني ببنت الحلال اللي تاخدني وأرتاح منكم، قولوا آمين."
تطلعت له ملك بغضب، حتى استكمل حديثه بمكر أشد:
"بس ياريت ما تكونش من العيلة المنحوسة دي، لأن بناتها كلهم نكديين وأنا راجل فرفوش بحب الضحك."
نظرت له نظرة شرسة بتوعد. فاغمز له بتسلية من غضبها المحبب له. أشاحت بنظرها للجهة الأخرى تداري ضحكة ارتسمت على شفتيها ببلاهة.
***
خرجت روان لـ رواق المستشفى للتحدث بالهاتف، فصديقتها تحاول الوصول إليها. ولضعف الشبكة قررت الذهاب بالخارج لتحدثها.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
"روان: وعليكم السلام، إزيك يا سمسمة، وحشتيني."
"سمية بعتاب: الحمد لله، فينك يا بنتي، كل ده مش بتسألي يعني؟"
"روان بهدوء: والله يا سمية الدنيا مقلوبة عندي من يوم رجوع يامن من السفر، وكمان سلمى عملت حادثة وأنا معاها في المستشفى غصب عني."
"صاحت سمية بفزع: لا حول ولا قوة إلا بالله يا حبيبتي، أزال الله كربك وهمك. لو كنت عرفت كنت جيت وكنت جنبك، طب أنا هجيلك حالاً، هستأذن ماما بس."
"روان: لا يا حبيبتي، أنا كويسة والله وسلمى يومين وتطلع، لما تطلع أبقى تعالي البيت أحسن عشان متسبيش ماما لوحدها."
"سمية بحزن على حال رفيقة دربها: ماشي يا حبيبتي، بس لو احتجتي أي حاجة كلميني."
"روان بهدوء وحب قالت: حاضر، وطنط هيام عاملة إيه، وحشتني جدًا."
"سمية: الحمد لله يا رونى، بتسلم عليكي كتير والله."
"روان: سلميلي عليها كتير جدًا وخلي بالك منها، وأنا هبقى أكلمك تاني عشان طالعة بقى أشوف سلمى."
وأنهت الاتصال.
التفت لتصعد الدرج، فوجدت حائطًا بشريًا يمنع طريقها. نظرت له بهدوء واستنكار:
"إنت تاني؟"
"تكلم بمكر: إيه خوفتي شكلك!"
"تطلعت له بصمت قاتل: أخاف منك إنت، إنت شكلك الكتكوت قدامي، وأبعد من طريقي بالله عليك مش ناقصاك."
صك أسنانه يغيظ من طريقة حديثها المستفزة، حتى كور يديه بغضب:
"إنتي فاكرة نفسك مين؟ وبعدين طريقتك بيئة أوي."
تطلعت له بنفور وأردفت:
"إلعب بعيد عني يا شاطر عشان ألعب مع الكبار، هيخسرك."
وتركته يشتاط غضبًا وذهبت.
تكلم بغضب:
"إنتي أكيد واحدة مجنونة، وأنا هعرف إزاي أعقلك."
***
خرجت تبحث عن رغد لأختفائها المفاجأة منذ فترة، حتى أجرت اتصالًا عليها والأخرى لم تجيب، فأنتابها القلق عليها، فأخذت تطلع في جميع الممرات لكن لا أثر. فقررت الهبوط للأسفل.
اقترب منها بهدوء قائلاً:
"بتدوري على حاجة؟"
نظرت له بتمعن:
"مين إنت!؟"
تكلم بهدوء:
"يونس الدميري، صديق مالك."
أردفت بخفوت:
"أهلاً بحضرتك، شكرًا على سؤالك. أنا بكون آلاء أخت مالك."
ابتسم بفرح:
"اتشرفت بيكي يا آلاء، ومالك محظوظ إنه عندك أخت شكلك."
نظرت له بتعجب:
"شكرًا لحضرتك، بعد إذنك."
ذهبت من أمامه، لا تعرف لما شعرت كأنها تعرفه منذ أعوام، شيء ما يخبرها أنه شخصًا مؤلفًا لها! لماذا؟ تحدثت معه ولماذا شعرت بشيء يتحرك الآن بداخلها، هل نبضها استجاب للنداء؟
التفت لتجده مازال واقفًا يتطلع لها، فهرولت من أمامه خجلةً من نظراته التي كالسهام تغزو منبع نبضه.
لا تعلم أنها وقعت في فخاخ تلك النظرات وأنها حتمًا لا تنجو.
***
جلبت رغد كوب قهوتها، وأثناء صعودها للأعلى أوقفها صوت والدها يناديها. تطلعت بأثر الصوت، حتى احتلت الصدمة وجهها، فاختل توازنها حتى سقط الكوب من يدها. فاقترب والدها بفزع مصطنع:
"إنتي كويسة؟ حصلك حاجة؟"
تكلم بصعوبة:
"ده جاي ليه هنا يا بابا!؟"
أحمد:
"لما عرف باللي حصل، كلمني وقال لازم يجي."
تكلمت بستياء:
"بصفة إيه يجي هنا؟ هو ده مكانه؟"
أحمد بجدية:
"بصفة هيكون خطيبك."
رغد بتعجب:
"بس أنا مدتش موافقتي الكاملة على الموضوع يا بابا ومحصلش بينا أي اتفاق، وحضرتك قولت فكري تاني وأنا لسه مخدتش قرار أخير، وحضرتك عارف."
قطع حديثهم اقترابه منهم، حتى ابتسم بتعجرف ومكر:
"إزيكم يا رغد، أول ما عرفت جيت علطول عشان أكون جنبك."
تستطيع النظر إليه، حتى أنها حاولت التحدث بصعوبة:
"شكرًا، بعد إذنكم."
"استنى عندك."
أدارت وجهها بغضب، حتى اقترب منها مجددًا:
"إنتي إزاي تسبيني بتكلم وتمشي كده!؟"
نظرة له ساخطة:
"وإنت مين عشان أقف أكلمك؟"
تكلم بمكر وثقة:
"خطيبك وزوجك المستقبلي."
"ده في أحلامك اللي مش هطول تحلمها وأنت نايم حتى."
رغد بخوف شديد:
"يامن؟"
كانت المعركة شرسة بينهم، يغلفها نظرات انتقام شديد. فهو لن يقبل لها هذه الزيجة حتى ولو لم تكن له، فهو يعلم مبتغاه من هذا الأمر ولماذا يريد الزواج بها تيسيرًا لأموره الغير شرعية لدى عمله، فأقسمت له على كشف مخططاته الدنيئة.
أقبل عليه ببرود قاتل ونظرات يملؤها التحدي الصريح:
"مش عيب عليك يا راجل إنك تبص لحاجة مش بتاعتك!؟"
رد بعجرفة وغل ينبع من داخله:
"وهي بقى كانت بتاعتك!"
نظر لها حتى ترد بدلًا عنه وتنهي هذه المهزلة:
"لتشير إلى والدها بشبه ابتسامة قائلة بغموض: أنا موافقة على يامن يا بابا، كل شيء قسمة ونصيب يا أستاذ فارس."
ألجمت الصدمة لسانه، حتى برزت عروقه بشدة لتبين مدى غضبه النابع من هدر كرامته هكذا. فجز على أسنانه بغيظ ليضحك يامن بانتصار قائلاً:
"سمعت قالت لك إيه، اتفضل وريني عرض أكتافك بقى."
نظر لهم بوعيد يتمتم ببعض كلمات التهديد، ليشحب وجه أحمد بشدة ويقهقه يامن بفرح:
"ابقى وريني هتقدر تعمل إيه."
ذهب وفي باطنه نار انتقام لن تحرق شيء سوى نفسه، فهو من سيبدأ وهو من سينتهي.
***
التقت نظراتهم لشيء بعيدًا جدًا، حتى ظن أنها سامحته. لتردد بجدية مصطنعة:
"اوع تكون فاكر إني سامحتك، لسه الطريق طويل أوي يا يامن، أتمنى تقدر توصله؟!"
وتركته في حيرة ورحلت. لكن هنا يبقى الأمل، أعطته تلك الفرصة، عليه أن يستغلها حتى يصل. فهل يا ترى ماذا سيحدث؟
***
بعد عدة أيام قضتها في المستشفى تحت رعاية طاقم طبي كامل كما أمر يامن، شعرت بتحسن حالتها، فسمح لها الطبيب بمغادرة المستشفى.
نقلها الجميع إلى القصر، حتى حملها مالك وصعد لغرفتها لتنعم ببعض الراحة. وضعها بمهل على الفراش ليربط على رأسها بحنان:
"حمدًا لله على سلامتك يا حبيبتي."
ابتسمت له بصدق قائلة:
"ربنا يخليك ليا يا مالك، متحرمش منك أبدًا."
اقتربت آلاء بمشاكسة:
"خيانة أختي وأخويا وسايبني ليه كده طيب؟ ده أنا حتى أختكم، ولا تكونش لقيني على باب الجامع."
ضحكت ملء فمها حتى بانت غمازاتها الوردية، لتتكلم بحب:
"إنتي نصي التاني يا آلاء، ربنا يخليكم ليا."
لم ترَ ذلك الذي يراقبها من خلف الباب يتحسر قلبه عليها وعلى ما فعله بها. عليه أن يعاني أولًا مثلما عانت، كي يلوذ بها.
***
اجتمع الإخوة في بهو القصر، حتى تكلم رأفت بهدوء:
"بإذن الله كتب كتاب سلمى ومروان، ومالك وملك، وخطوبة رغد ويامن هيكون بعد شهر، ومش عاوز جدال تاني."
صدم الجميع من الأمر، حتى ابتسم الشباب بمراوغة، ليردد مالك:
"هو ده الكلام يا عمي، والله تجيب راسك أبوسها."
نظر له يامن بغضب:
"اهدأ يا عم، متبانش إنك مدلوق كده، فين الرجولة يا جدع؟"
قهقه الآخر ببرود قائلاً:
"أنا مدلوق يا عم، وإنت مالك، خليك في حالك، إن شاء الله هتعنس بتفكيرك ده؟ وبعدين إنت حاسسني إنك مش فرحان، ده إنت لو عليك هتقوم ترقص؟"
نظر له بغضب حتى لكمه بقوة، ليضحك الجميع وتصبغ وجه الفتيات بحمرة الخجل.
لكن هناك قلب خائف لم يشعر بتلك السعادة التي أخذتها أفعله، ويهدر انتظار سنوات لأجل الحصول عليها. شرد مروان بحزن شديد، حتى اقترب يامن منه ليربط على كتفه بثقة:
"إنت قدها إن شاء الله، تقدر ترجع ثقتها فيك تاني، بس متيأسش."
نظر له في امتنان ليردد بأمل زائف:
"أتمنى يا يامن، أقدر."
ابتسم له الآخر بحب:
"هتقدر."
أدخل الأمل إلى قلبه، حتى أقسم بداخله أنه سيصنع المستحيل لأجلها.
***
سطعت شمس ذهبية معلنة عن بداية يوم حافل بالمفاجآت التي ستغير حال القصر بأكمله، لتصبح الفتيات جميعًا في طريق واحد. فهل ستجتمع كل منهما بنصفها الآخر لتبدأ الرحلة لتفوز كل منهما بقلب رجل سيفعل المحال لأجلها؟ أم أن هناك للقدر رأي آخر؟
ارتدت ملابسها على عجل لكثرة اتصال رفيقتها التي تعدى العشرين مرة منذ الصباح، لترد بأسف:
"صحيت والله يا سو، ونازلة أهو، إني آسفة والله."
أجابت الآخر بانفعال:
"كل مرة تأخرينا يا روان، والمعيد يهزقنا بسبب التأخر عن المحاضرة."
أجابت ببرود:
"معيد مين ده اللي يقدر يهزق روان السيوفي؟ ده أنا أرفده من الجامعة كلها."
تلعثمت في الرد لتقول بتوتر جعل الأخرى تشك بالأمر:
"ليه؟ حرام عليكي يا روان، ده دكتور أستاذ محترم جدًا."
ضحكت روان بخفة وغموض:
"طب يلا، لما أجلك نشوف الموضوع ده، ربع ساعة بالكتير وأكون قدامك."
أقفلت الهاتف بتوتر لتشرد في شعورها تجاه، لتردد باستنكار:
"أكيد أنا بتوهم، إيه التفكير الغبي ده."
حتى أخرجت مصحفها لترتل بعض آيات الله لحين حضور روان.
وصلت سيارتها إلى الجامعة لترى صديقتها تجلس في مكانها المعتاد حاملة كتاب الله، فهو أنيسها الدائم منذ سفر والدها وبعده عنها.
اقتربت منها حتى تكلمت بأسف شديد:
"أنا آسفة على التأخير يا سمية، والله الطريق زحمة جدًا، يلا عشان منتأخرش أكتر من كده."
أحتضنتها بشوق حتى قالت بغلب:
"وحشتيني جدًا يا جذمة."
ضحكت بحب على قلب صديقتها الذي يحمل لها الحب رغم الغياب:
"والله يا بنتي، كان نفسي أجوزك أخويا بس محجوز، حقيقي مكنتش هلاقي حد زيك، ليه كده؟"
لكمتها بغضب:
"طب بطلي لماضة ويلا عشان هنتكرش الوقتي."
***
ابتسمت بمرارة عندما أخبرتها آلاء بالقرار الذي أخذه عمها البارحة، لتردد بصدمة وحزن:
"بس أنا مش عاوزة أتجاوز مروان؟"
نظرت لها في حيرة وذهول مرددة بصدمة:
"إزاي؟ إنتوا بقى لكم ٣ سنين مخطوبين، غيرتي رأيك ليه؟ إيه اللي حصل؟"
خانها دموعها لتهبط بغزارة على خديها، وبقلب ممزق من نار الخيانة قصت عليها ما حدث وما كان السبب في حادثها المهين.
صدمت آلاء من الأمر، فكيف له بعد هذه السنوات أن ينجرف إلى هذا الطريق، رغم حبه الشديد لسلمى ومعرفته أنها متيمة بهِ.
لتردد بجدية وثقة واضحة:
"بس أكيد في حاجة غلط؟ مستحيل مروان يعمل كده، ده روحه فيكي؟"
سلمى:
"ما هو ده مجنني ومحيرني، بس دي الحقيقة، أنا شوفت بعيني."
صوت آخر تدخل لقول بثقة:
"ألاء عندها حق يا سلمى، مروان بيحبك ومستحيل يخونك."
تعجبت سلمى من حضوره ومدافعته عنه، لتردد بحيرة:
"يامن؟! وإنت عرفت إزاي؟"
تكلم بهدوء:
"أولًا، آسف إني سمعت كلامكم، بس إنتوا سايبين الباب مفتوح. وتاني حاجة، كنت جاي أتكلم معاكي في الموضوع ده أصلًا."
نظرت له بحيرة وبداخلها بصيص من الأمل لإثبات براءته، حتى أنها تمنت لو أنه بالفعل بريء حقًا.
ماذا سيفعل يامن لمساعدة مروان؟ وهل سينجح في ما سيفعله؟
شيء ما سيجعل رغد يلين قلبها له، لكن عليها أن تتحمل ألمه أولًا لأجلها. فما الذي ينتظر يامن من صعاب؟
دقت طبول قلبها لتعلن للعالم قصة حب سيخلدها التاريخ. فمن هي؟
رواية قتلني قلبي الفصل السادس 6 - بقلم خلود بكري
سلمت أمرها لربها بعد حديث “يامن” معها على أن تعطيه فرصة للدفاع عن نفسه، أولاً وإثبات براءته وصدق حبه لها و ترك لها الخيار الأخير، ورحل لتشرد بعد ذلك فى نوبة تفكير عميقة أجمعت بها ذكرياتهم.
معاطرقات خافته علي باب غرفتها جعلتها تفيق من أعماق تفكيرها لتزيل بكف يديها الصغير تلك العبرات التي هبطت على خديها بهدوء لتسمح للطارق بالدخول:
اقترب ببطء منها عيناه تأبّه أن تطلع لها ندمًا وخوفًا حتى جلس على بعد مسافة منها ساد الصمت بضعة من الوقت حتى تحدث أخيرًا:
- مقدرتش استنى اكتر من كده لما يامن قالى انك وافقتى تديني فرصة ثانية ملقتش نفسي غير على باب اوضتك…
صمتت قليلا لتجيب بعد عدة دقائق:
- عملت كده ليه يا “مروان” تقدر تقولى انا قصرت معاك في ايه؟
رفع نظره اليها ليجد الحزن احتل معالم وجهها ليردد بندم وقلبه تشتعل فيه الحرائق:
- صدقينى مخنتكيش انا بعترف بغلطى اني انجذبت إليها بعض الوقت بسبب قربها منى الغير مفهوم مكنتش اعرف انها بتعمل كده عشان تبعدك عني ويخلي ليها الجو….
واستكمل بهدوء:
- جاتلى المكتب كذا مرة تبكى مرة، أصل مرات بابا قصتلى شعرى، ومرة أخويا بيضربنى، صعبت علي كنت بحاول بس اتعامل معاها كأخ لانها يتيمه ومكسورة، بس بعد كده اكتشفت نيتها الدنيئة وقدرت افهم في أول فرصة هى عاوزه ايه، وفجأة لقيتك قدامى معرفش ازاى بس كان باين انها كانت عامله الخطة ومرتبه ليها أوي اتمنى تصدقى كلامى لأنه هو ده اللى حصل…..
التمست مصداقيته وندمه الشديد لكن عليها أن تثقل بعض الوقت لكى لا يعيدها مرة اخرى لتقول بمكر مخادع:
- وانا صدقتك بس صعب اسامح علطول كده اتمنى تفهمني…
صوب نظراته اليها بشوق يملئ قلبه علها ترى أن ما يعانيه يضاعف ما تعانيه هى بألاف المرات لتتوه النظرات بينهما فى هدوء حتى قطع الصمت قائلاً:
- تفتكرى واحد عاش عمره مستنيكي هيجى بعد العمر ده كله يضيعك من أيده انتى عارفة يا سلمى، انا مستحمل من زمان اليوم اللي هتنكتبي فيه على اسمى ف ياريت متضيعيش فرحتنا ومتقسيش علي اكتر من كده…
التمع الدمع فى عينيها افكارها تقودها للحافة تسامحه وتنسى فعلته، أم تلجأ لخيار البعد؟ لكن مهلاً وماذا عن قلبي هل حقا سيصمد عن البعد والفراق لتقول:
- انا محتاجه وقت افوق يا مروان محتاجه ارتب افكارى لسه مفوقتش من الصدمة خايفة اندم بعدين…
نظر الى عينيها بعمق وهو يقول:
- “لم أخونكِ، حتى بأفكاري”
تطلعت له بصمتٍ،وهى تعلم صدق حديثه حتى لو كان هناك ذلةً أوقعته فى ذنبٍ لكنه تائب، معترِفٍ بما أخطأ .
استرسل حديثه بهدوء يصاحبه ألم وخوف من القادم:
- خدى كل وقتك، اغضبى ازعلى، اعملى كل اللى نفسك فيه، بس بلاش تبعدى عنى انا محتاجلك، وذهب مسرعًا من أمامها يدارى ضعفه وحاجته الشديدة لقربها….
اجتمعت الفتيات بعد انتهاء المحاضرة فى كافيه الجامعه يتبادلون أطراف الحديث تحت ضحك ومرح “روان” المعتادين عليه دائماً
لتقترب فتاة من نفس فرقتهم تردف بغل:
- كل اللمة دى عشان روان؟
لترد سمية بحب:
- اكيد دى وردة الجامعه وانتى زعلانه ليه؟
لتتكلم فتاة تدعى جودي:
- مش فاهمه يعنى انتى مضايقه اوى ليه؟
أجابت ياسمين بغرور:
- اصل الصراحة مش شايفه فيها حاجه تستاهل لمتكم حوليها كده!
تحدثت روان بعد صمتها من اول الحوار لترتسم بسمة ثقة ملء شفتيها:
- لا حول ولا قوة الا بالله بجد انتى انسانه مش طبيعية ايه يا بنتى الحقد ده كله هو انا اكلت اكلك؟!
أردفت بنفور وهي ترحل:
- بيئة بجد وواخده صيت على الفاضى…
نظر الجميع ل روان التى رددت بصدمة:
- مش معقول دى انسانه مستفزه بجد ايه كمية الحقد ده والله لأعلمها درس عمرها ما تنساه!
لتنفجر الفتايات فى نوبة ضحك هستيري لتتكلم سمية بغضب:
- عيب يا بنات ايه الصوت العالى ده احنا فى جامعة مشتركة…
صمت الجميع فى أسف واستأذنت سمية للذهاب للبيت لأجل والدتها حتى صاحت روان بزعل:
- هتمشى دلوقتى طب ملحقتش اشبع منك
أردفت بهدوء:
- انتى عارفه ظروفى يا رونا ان شاء الله الايام جايه كتيرهتزهقى منى..
احتضنتها بحب مودعة لها:
- تمام يا سو على اتصال بقى انا رايحه ارخم على يامن شويه بالشركة..
فى مقر الشركة وفى مكتب ذالك الوسيم دخل مالك بغضب:
- ايه يا استاذ يامن هو ايه الاجتماع المفاجئ ده!؟
أردف الأخر ببرود قاتل:
- اجتماع ايه؟ وايه انت داخل وكاله من غير بواب!؟
تطلع له الآخر بنفور:
- يا عم ارحمنى روح شوف عمك احمد عامل اجتماع مع الز*فت اللى اسمه فارس وقال ايه لازم كلنا نحضره!
كور كفه بغضب وصق على أسنانه بوعيد حتى سمع الأخر صوت صق اسنانه ليتحدث بهدوء مخادع:
- نعم! انت بتتكلم بجد؟ وده من امتى عمك مش ناوى يجيبها لبر وانا لازم اوقف المهزلة دى..
جذبه الآخر بخوف:
- اهدى يا يامن متتهورش خلينا بس نشوف الأول هو عامل الأجتماع ده ليه!؟
فى غرفة صممت خصيصاً لتليق بعائلة السيوفى التف الجميع فى هدوء يتبادلون أطراف الحديث حول تلك الطاولة الضخم يترأسها رأفت وعلى يمينه يجلس احمد و محمود وبالجانب الأخر يجلس الصديق المخادع لأحمد فارس وبرفقته السكرتيره الخاصه به حتى قطع هذا الهدوء دخول يامن ومالك المفاجيء ليجلس فى رئاسة الجهة الأخرى وبجانبه مالك ليدور الحديث في توتر بعد ان تطلع فى هدوء على الأوراق الخاصة بالشركة التي يملكها فارس ليردف ببرود قاتل:
- للأسف يا باش مهندس فارس كان نفسنا نشتغل معاك بس الصفقة دى مرفوضة
تطلع له الآخر بغل:
- أظن الأوراق قدام حضرتك سليمة ليه الرفض؟!
أردف بتعجب وشك:
- انا ليه الحق ارفض او اقبل مليش دعوه بأوراقك بس عرضك معجبنيش ومش هيفيد شركتي بشيء
تحدث احمد بتوتر:
- بس انا شايف العرض كويس يا يامن
اعترض موضحاً بهدوء:
- انا عن نفسى لاه وده آخر كلام
مالك بنفس النبرة:
- وانا كمان لاه وزى ما قال يامن شايف انه مش هيعود على الشركة بنفع لينا
اغلق رأفت الجدال لعدم تطور الأمور للأسوأ أكثر من ذلك:
- عرضك مرفوض يا فارس باشا كان يسعدنا التعامل معك بس فرصة سعيدة
تطلع لأحمد بوعيد وذهب يفكر في مخططاته الدنيئة للثأر بهم….
أوقفت سيارتها بهدوء لتهبط منها مهندمة ملابسها فى سكون لا تعلم ان هناك من يراقبها بمشاعر مختلطة بين الرغبة في الأنتقام وبين شيء نبض بداخله لها..
أحكمت حجابها وأغلقت السيارة لتذهب للمصعد حتى سبقتها تلك العيون، وبداخله مخطط للفتك بها وإخماد نار الانتقام.
ضغطت زر المصعد فى انتظار حتى سمح لها بالدخول كان يوليها ظهره، عبثت بأزرار المصعد لتحديد رقم الطابق الذي يمكث به يامن اعتدل فى وقفته مصوبا نظراته اليها فى هدوء مخادع:
- مش معقول انتى تانى!؟
نظرت له بتوتر ولم تجيب
اقترب ببطء ليضغط على زر الوقوف ليعلق المصعد حتى صرخت به:
- انت اتجننت ايه اللى عملته ده؟
أردف بمكر:
- مش هتخرجى من هنا الا لما اصفى حسابى معاكى ولا انتى ناسيه اللى عملتيه؟!
خفق قلبها بجنون خوفاً حتى أردفت بصعوبة:
- لا انت مجنون رسمى واقتربت لتعيد تشغيل المصعد فشل حركتها ممسكاً بمعصمها لتنظر له بغضب:
- سيب ايدى عشان متندمش على اللى ممكن اعمله فيك؟!
قهقه الأخر بمكر:
- ولا تقدرى تعملى حاجه ورينى تقدرى تعملى ايه!؟
شعرت ببعض الدوار يحاصرها حتى حاولت ان تتماسك قليلاً فهتز جسدها لتسقط بين يديه توقفت عقارب الساعة حينها هلع قلبه ليردد بخوف:
- هى ماتت ولا ايه؟!
لا بعد ما لقيتك مستحيل اضيعك اقترب من أزرار المصعد حتى اعاد تشغيله ليهبط بسرعة متجها لأقرب غرفة، وجد الممر خالياً فحملها بخوف لسيارته الى اقرب مشفى.
وضعت فى غرفة الطوارئ ليتحدث مع الطبيب بتوتر:
- ممكن تطمنى على الحالة اللى جوه دى ممكن اعرف مالها؟!
اردف الطبيب بجدية:
- عندها فوبيا من الأماكن المغلقة شكلها قعدت فتره فى مكان مقفول وكانت متوتره وده ادى الى حالة اغماء..
اطمئن قليلا ليتحدث بهدوء:
- امتى هتفوق؟
هى حاليا فايقه بس مفيش خروج الا بعد ساعة تحت الملاحظة..
هز رأسه بخفوت ليتجه الى غرفتها طرق الباب حتى سمع صوت خافت يحثه الطارق على الدخول:
اقترب ببطء لتنظر له بصدمة:
- انت! انا جيت هنا ازاى؟ عملت ايه فيا يا حقير؟
نظر لها بصدمة:
- اهدى بس مفيش حاجه حصلت، كل الحكايه انك وقعتى فجأه اغمى عليكى شيلتك وجيبتك هنا مكنتش اعرف انك جبانه اوى كده.!
اشاحت بوجهها عنه فى خجل وغضب:
- وانت ازى تشيلنى كده انت اتهبلت حتى سمحت لنفسها بالبكاء
تطلع لتغير حالتها فى دهشة وطريقة بكائها الغريبة حتى تحدث بأسف:
- طب ممكن تهدى انا والله عقلى وقف لما شوفتك وقعتى بس مكنش قدامى حل غير انى اوديكى لأقرب مستشفى؟
حاولت الحديث وسط بكائها لتردف بغضب:
- مفيش اى مبرر يغفرلك انك تلمسنى، كنت نادى لأى حد هقول ايه انا دلوقتى ل ربنا ولا ازاى هقدر اقول لزوجى فى يوم من الايام انى وقعت وواحد غريب شالنى حرام عليك بجد وازداد بكائها بحسرة
الجمت الصدمة لسانه صوت بكائها، وسبب تكورها على ذاتها غضبها الشديد من فعلته، خوفها من ربها على شيء خارج ارادتها، واه من خوفها الله فى نفسها وقلبه لماذا يؤلمه عليها هكذا لما يستطيع ان ينطق بحرف أخر ليخرج من الغرفة مسرعاً لأقرب مقعد محاولاً تهدئة ضربات قلبه لقد أعلنت الحرب عليه…
“ماذا فعلتِ بقلبي! ينبض لكي دون علمى كيف لكي ان تكوني بهذا الطهر ستكونينَ لي رغم أنفي ورغمًا عنكِ”
رواية قتلني قلبي الفصل السابع 7 - بقلم خلود بكري
تال سكوته وشروده لكن كان الضجيج بقلبه على أشده، قلبه الذي تعالت نبضاته بشكل جنوني. أخرجه من دوامته صوتها وهي تبكي. رآها بمنظور آخر غير العند والتحدي التي كانت عليه.
حاول الهرب من تلك الأفكار التي تهاجمه، لكن مال قلبه وأصبح يُشكل خطرًا عليه. صوت بكائها ونحيبها على أمر لم تكن على درايةٍ بهِ ولم تكن في وعيها، وصوت قلبه الذي أعلن تمرده عليه ونبضه لها.
دلف إلى الغرفة بهدوء ليجدها تجلس بِثباتٍ تنظر للنافذة بهدوء. تنحنح قائلاً:
"أنا بعتذر منك جداً بس حقيقي لما وقعتِ توترت، وكل اللي فكرت فيه وقتها إني أوديكي لأقرب مستشفى."
ابتسمت روان بخفة لأنها علمت سبب حالته وخوفه هكذا وقالت بهدوء:
"ليه؟"
استدار للجهة الأخرى يهرب منها ومن نفسه ومن المشاعر التي يتخّم بها قلبه، ولا سبيل لتهدئة نبضه المجنون. ولن يدع مشاعره تنجرف تحت إطار الشيطان، ولن يواري بذرة العشق التي ترعرعت بقلبه منذ أن رآها أول مرةٍ. هو يستحق أن يحيا ويُغدق بالعشق، يستحق أن يحيا تلك المغامرة وهذه الحياة.
التفت يقول غاضضًا بصره:
"ممكن أقولك علشان دا واجب عليا لأنك بتكوني اخت صديق ليا، وبرغم عندك وخناقنا كل لما نشوف بعض بس ده ميمنعش إني أخاف عليكي."
نظرت له بشك حتى قالت ماكرة:
"شكراً لحضرتك يا أستاذ!؟ معلشي اسم حضرتك إيه؟"
ابتسم بهدوء وأردف بجدية:
"أمير الدميري."
قالت بخجلٍ ملء وجهها ببراعة جعلته ينجذب لها أكثر:
"وأنا روان السيوفي اتشرفت بمعرفتك يا أستاذ أمير."
وبنبرةٍ مرحة:
"واتمني ونبطل خناق."
قهقه بمكر ونظراتهُ تصوب عليها بخفةٍ:
"مش هنبطل، الجيات كتيرة وهنتقابل أكتر!"
ازداد توترها للحظة وخفضت بصرها لتقول بصوت هامسٍ صغير:
"ممكن أمشي؟"
قال مسرعاً:
"لازم أوصلك، مش هينفع أسيبك لوحدك تمشي وانتي بالحالة دي."
التفت ببطء لتقول بحزم وإصرار:
"شكراً لك جداً بس أنا عارفه الطريق وبرده مينفعش أركب مع حضرتك في عربية مقفولة لوحدنا. أنا مقدرة خوفك لكن دي حدود ومتقلقشِ، مش هقول ل يامن إنك سبتني أمشي لوحدي."
أردف بإعجاب:
"وأنا بحترم قرارك ده ومش همنعك، بس لو امكن تخلي يامن يطمني لما توصلي بالسلامة."
هزت رأسها بالموافقة وذهبت مسرعة من أمامه لحاجتها لتنظيم ضربات قلبها التي دقت كالطبول أثر حديثه معها. راقب ظلها بألم يئنُ في قلبه لخوفه من فقدانها أو رفضها له بعد أن أعلن قلبه عشقه الصريح لها، ولكن عليه أن يتمهل ويترك زمام الأمور بيد الواحد الأحد.
***
اقتحم مالك غرفة المكتب الخاص ب يامن ليقول مضطرباً:
"كارثة يا يامن؟ عاملها فارس النمر وضربنا في مقتل."
لم يتحرك ساكناً. جعل الآخر يشطاط غضباً:
"يامن انت سامعني بقولك كارثة، فارس حرق مصنع البضائع اللي لسة واصل من يومين، المخازن حرق المصنع كله باللي فيه. إحنا لازم نروح حالاً، الدنيا مقلوبة هناك."
جذّ على أسنانه بغضب ليكور يديه يضرب زجاج النافذة لتسقط إلى أشلاء. لم ينظر لتلك الدماء المتناثرة من كفيه. كان الغضب عمى عينيه ليقول بفحيحٍ عالٍ:
"ويمين بالله إن مخلتهوش جه قدامي راكع مبقاش يامن. أنا هخليه يتمنى الموت وما يطلوش."
مالك بتعجب:
"بس حضرتك واقف هادي يعني ولا كأن حاجة حصلت."
ابتسم بمكر:
"أصل أنا سابقة بخطوة!"
ارتفع رنين هاتف يامن لينظر إلى الرقم ليجيب على الفور. أتاه الصوت الذي كان ينتظره.
"فارس اتقبض عليه بعد ما فرغنا الكاميرات يا يامن باشا وفي انتظار مجيء المركز للتحقيق."
تمتم بهدوء:
"في الطريق."
جذب سترته يرتديها فوجد الدماء أغرقت سطح مكتبه. اقترب مالك بذعر:
"انت جرحت إيدك، مش قولت كذا مرة بلاش الغضب ده. تعال نروح المستشفى الأول تخيط الجرح."
نظر له بحب:
"ربنا يديمك لي أخ وصديق، بس إحنا لازم نمشي دلوقتي عشان التحقيق. وبعد كده نشوف إيدك."
قال الآخر بغضب أشد:
"انت اتجننت يا يامن، إيدك بتنزف."
خرج من المكتب غير مبالٍ بصراخه ليذهب مسرعاً وبداخله شعلة لا يطفئها إلا نار الانتقام.
***
علم الجميع في القصر بما حدث في الشركة والحريق الهائل الذي التأم تعب أعوام. اجتمعت الفتيات في غرفة رغد يتبادلون أطراف الحديث بما حدث مع روان في الصباح. الخوف سيطر عليهم بسبب المعاناة التي يعانيها أفراد عائلاتهم الآن.
لتقول رغد بهمس:
"حد اتصل على مالك أو يامن يطمن."
قالت آلاء ببكاء:
"محدش بيرد وأنا قلقت."
اقتربت رغد تحضنها بألم:
"حقكم عليا أنا السبب في كل ده."
قالت ملك بغضب:
"لا بابا السبب إنه يدخل شخص زي ده بينا."
تحدثت سلمى بتعب:
"خلاص يابنات مش وقته الكلام ده، قوموا صلوا ركعتين وادعوا لهم ربنا يخلف عليهم بالخير والعوض. وانتي يا رغد متلوميش نفسك على ذنب من ذنبك، ده قدر ربنا وقدره نافذ لا محالة."
ابتسمت بخفة لتقول بجدية:
"يلا يابنات قوموا اتوضوا وأنا هحاول أتصل على مالك تاني."
أجرت اتصالات عدة على مالك لكن دون إجابة لتعبث بأزرار الهاتف تبحث عن رقمه. ازدادت رجفة يديها فور إعلان الهاتف عن بدء الاتصال فأجاب الآخر بتعجب:
"رغد!"
صوته جعل نبضات قلبها تضرب بشدة. حاولت الحديث لكن كان الأمر يصعب عليها لتقول بعد دقائق من الصمت:
"يامن انت كويس؟"
ابتسم بهدوء قائلاً بمكر:
"مكنتش بس بقيت."
توتر صوتها قليلاً:
"ومالك وكلكم امتى هترجعوا القصر عشان الكل قلقان."
قال بهدوء وبداخله بريقاً يلمع من الأمل أنها حقاً خائفة عليه:
"بإذن الله ساعة ونكون في القصر، متقلقيش كلنا بخير."
قالت بهمس:
"توصلوا بالسلامة."
وكادت أن تقفل ليأتيها صوته:
"رغد."
أردفت بخجل ألجم لسانها عن النطق:
"عاوز أشوفك لما أرجع، ياريت تكوني موجودة على العشا."
أقفلت الهاتف مسرعة تحاول تهدئة خفقاتها المجنونة التي أعلنت الحرب عليها لتبتسم ببلاها مرددة بخفوت:
"لسه بدري يا يامن."
***
سواد الليل الكاحل اختلط مع ضوء القمر ولمعة بريق النجوم الخافت في السماء. وقفت في شرفة الغرفة تراقب الطريق بحذر شديد. كاد عقلها أن يجن من فرط الخوف عليه، فهي تعلم رغم امتلاكه روحاً مرحة إلا أنه له قلب يشعر ويئن.
اقتربت صفوف السيارات من بوابة القصر الضخمة لتُفتح على مصراعيها فأزال توترها عندما رأته ينزل بخفة من السيارة الخاصة بهِ. ملامح التعب ارتسمت على وجهه بحزن ظاهر. نظر لشرفتها فوجدها تتطلع له باهتمام واضح. كانت نظراته يغلفها العتاب والألم لتركها له هكذا.
نزلت مسرعة إلي الأسفل فوجدت الجميع في انتظارهم. كان الوجوه تئن من الألم الصامت المرسوم ببراعة عليهم جميعاً نظير فقدانهم. اقتربت صفية من الشباب تحثهم على تغيير ملابسهم لأخرى ليتناولوا الطعام فذهبوا في صمت.
شد نظرها كف يامن الملفوف بقماشٍ يملؤه الدماء لتقول بذعر:
"ايه اللي جرح إيدك كده؟"
قال مبتسماً بهدوء ليطمئنها:
"متقلقيش يا أمي، جرح بسيط، دلوقتي هضمه بس ابعتيلي علبة الإسعافات فوق."
احتضنته بهدوء لتقول بحب:
"متزعلش نفسك يا حبيبي، بكرة عوض ربنا هينسيك مر ما رأيت."
قبل رأسها بحنان:
"ربنا يبارك لنا فيكي يا أمي."
أحضرت علبة الإسعافات وهمت بالصعود لغرفته لتضمد جرحه فانحرفت قدمها بألم وكادت أن تسقط. رقدت رغد بخوف تسندها بهدوء:
"مالك يا ماما صفية؟"
قالت بتعب:
"مفيش يا بنتي، شكلي دوخت شوية من ضغط اليوم. معلشي يا رغد، يامن في الأول والآخر ابن عمك وزي أخوكي قبل أي حاجة. طلعيله علبة الإسعافات دي يا بنتي يربط إيده عماله تنزف."
قالت بتوتر وخوف من لقائهما سوياً بإنفراد:
"حاضر يا ماما تعالي بس ارتاحي شوية هنا."
صعدت بهدوء لغرفته فوجد بابها موارب بعض الشيء. دقت بخفوت فسمح لها بالدخول. تنحنحت بخجل:
"ماما صفية بعتالك ده، هي كانت طالعة بس رجليها وجعتها مقدرتش."
ابتسم بخفة غاضضاً بصره عنها:
"شكراً يا رغد، بس في مشكلة دلوقتي؟"
التفت ببطء وعيناه تأبى النظر له:
"أنا مش هعرف أربط إيدي وعماله تنزف، ممكن تيجي تربطيها لي؟"
نظرت له بشك من طريقة حديثه الماكرة:
"مش هينفع، هندهيلك مالك أو مروان."
قال مسرعاً:
"انتي بتعرفي تخيطي، تعالي خيطيلي إيدي عشان الجرح عميق."
خفق قلبها بألم لتقول بصوت خافت:
"وانت إزاي تسيب إيدك كده طول المدة دي، انت أكيد نزفت دم كتير."
التقت نظراتهم في دقائق معدودة ليقطع الصمت بينهما:
"في جرح جوايا أكبر من جرح إيدي، مستحملاه بقالي سنين، فطبيعي أستحمل جرح لا يذكر زي ده."
ساد الصمت المكان بأكملها وبقيت نظرات العتاب والألم، والشوق والحنين، الحب والخوف بينهما. لتقترب بهدوء قائلة بهمس:
"اقعد."
جلس مقابل لها. فتحت علبة الإسعافات وأخرجت منها حقنة مليئة بالبنج الموضعي لتضعها في مكان الجرح بهدوء وتوتر من لمسها له وقربها منه هكذا. بدأت في خياطة الجرح بمهارة تفوق مهارة الطبيب، فهي سبق لها وأخذت دورة كاملة في الإسعافات الأولية لتساعد أفراد عائلتها إن لزم الأمر.
أغمض عينيه بألم غير ظاهر لها وتجنب لتلاقي الأعين ثانيةً، فهي لم تحل له بعد. نظر لها بهدوء بعد مهلة فوجدها قد أوشكت على إتمام عملها بإتقان والتوتر ظاهر عليها، فتحدث بهمسٍ:
"أحلمُ يا أنسى الاقحوان…. أن يكون قلبي معي ولو مرة."
***
أثناء صعودها رأته يهبط بهدوء. نظرت له بصمت قليلاً حتى قطعته بعد مدة لتقول بجدية:
"عامل إيه دلوقتي؟"
قال مختصراً وهو يوليها ظهره:
"كويس الحمد لله، شكراً لاهتمامك."
قالت مسرعة:
"أنا رنيت عليك."
التفت لها قائلاً:
"بجد كتر خيرك."
امتلأت عيناها بالدموع لتقول بعتاب:
"انت اتغيرت ليه يا مالك وليه المعاملة دي؟"
قال متعجباً:
"انتي اللي طلبتي كده، وبعدين شايفه أنه صح. كتب كتابنا يكون الشهر الجاي بطريقتك دي، ولا شيفانا فين يا ملك."
ساد الصمت المكان بأكمله حتى تكلمت هامسة:
"إحنا مش هينفع نكمل يا مالك."
رواية قتلني قلبي الفصل الثامن 8 - بقلم خلود بكري
سطع قرص الشمس ببريقِه الذهبي اللامع ليضيء غرف القصر بأكمله. كان سواد الليل الكاحل أخذ الكثير معه من المشاعر المختلطة بين الكره والحب، والرغبة في البقاء وأخرى في الوداع.
لم تعرف النوم طوال ليلها. لما قد قررت فعلة؟ أخذتها حماقتها بالتفكير في أشياء لن تحصد من ورائها سوى التعاسة لقلبها البريء. كلمات والدها تردد في ذهنها: أن تضحي لأجل أختها ولأجل عائلتها بأكملها، تكون كبش فداء لهما.
خفق قلبها بألم من كونها ستتخلى عن كل ما تملك من مشاعر كنتها له من الصغر، وتنجرف وراء قرار أبيها وتحل محل أختها لتكون زوجة لذلك اللعين وتنقذ أختها من نار الانتقام.
طرقات على باب غرفتها أفزعتها. تحركت بهدوء لترى من الطارق، وبداخلها خوف من مواجهته ومعرفته بالحقيقة.
دلف بغضب للغرفة وعيناه لا تنذر بالخير أبداً، متحدثًا بصوت متألم:
"انتي عارفة انتي بتعملي إيه؟ عارفة قرارك ده ومتأكدة منه؟"
قالت بثقة صنعتها بألم:
"أكيد."
تعمقت نظراته عليها بغضب ليقول بدهشة:
"ملك! انتِ في وعيك؟"
خفق قلبها بشدة أثر الألم الذي رأته في لؤلؤة عينيه المليئة بالحب الصادق لها:
"أكيد يا مالك، في وعي. شايفني مجنونة يعني؟"
احتدمت نظراته بغضب أكثر ليقترب منها بسكون وعيناه تتعمق بالنظر لعيونها أكثر:
"يعني مش بتحبيني ولا عاوزاني؟"
أغمضت جفنيها في ألم محاولةً التماسك عن البكاء الآن، نظرًا لقربه الخطر منها، ليرتجف صوتها قليلاً:
"ابعد عني يا مالك، إحنا خلاص قلتلك مش هينفع نكمل."
اقترب أكثر منها حتى باتت النظرات تحكي ما تخفيه القلوب ببراعة، ليقول بإصرار أشد:
"ردي على أسئلتي، وأوعدك هبعد ومش هتشوفني تاني وللأبد."
سمحت لنفسها بالبكاء، لتعلو شهقاتها بألم مزق قلبه، فعلم أن هناك سراً وراء كل هذا.
***
في الغرفة الخاصة بتجمع العائلة، التف الجميع حول طاولة الطعام لتناول وجبة الإفطار. فخيم الصمت على الجميع بألم ارتسم على وجوههم منذُ البارحة، ولما قضوا من يوم خسرو فيه خسارة فادحة.
تحدثت روان بخفة:
"لأ أنا مش واخدة على السكوت ده، هو فيه ميت في البيت؟"
نظر لها يامن بغضب:
"افطري عشان أوصلك الجامعة وبلاش كلام كتير."
قالت بإصرار:
"انت عايزني أشوفكم كده وأسكت؟!"
قال بنفاذ صبر:
"وبعدين ممكن نفطر من غير كلام."
ابتلعت غصة مريرة في حلقها بألم من حال أخواتها وعائلتها التي باتت بالدمار.
تنحنح مروان هامسًا:
"عاملة إيه يا سلمى؟"
صوبت نظراتها في اتجاهٍ آخر، وأعيُنها ترفض التطلع إليه، قائلة بألم نابع من نبض قلبها:
"بخير الحمد لله."
استكمل حديثه بتلقائية:
"ممكن بعد الفطار أتكلم معاكي شوية؟"
خطفت نظرةً عابرة له لتقول بجدية:
"وإيه لازمة الكلام في الوقت ده؟ انت شايف حال الكل."
امتلا في حلقه الحديث وكاد أن يغضب، فحاول التماسك ليقول بجدية:
"ليه لازمة، لو مكنش ليه مكنتش طلبته."
أشاحت بنظرها للجهة الأخرى لتقول بصوت متألم باكي:
"ماشي يا مروان."
***
انتظر هبوط مالك للذهاب للشركة، فتأخر الوقت كثيراً، فذهب بعد انتظار دام لساعةٍ أو أكثر. ظن بأنه ذهب في الصباح الباكر مثلما يفعل في بعض الأوقات. جلب يامن هاتفهُ بقلق ليجري عدة اتصالات عليه لكن دون فائدة. فدق على هاتف البيت فأتاه الرد من محبوبته.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
رغد بهدوء:
"وعليكم السلام."
يامن بابتسامة ماكرة:
"معقول، هو كل مرة انتي. بجد يا محاسن الصدف؟"
قالت بهمسٍ:
"شكراً."
قال بنفاذ صبر:
"تمام، إحنا لسه زي ما إحنا. كنت بتصل عشان أشوف مالك مجاش الشركة ليه؟ حد شافه النهاردة."
شردت قليلاً فيما عرفته من أختها وسبب أصوات خناقهم ليلة أمس وفي الصباح الباكر، لتقول بحيرة:
"مش عارفه يا يامن، مشفتوش بس هو في غرفته مخرجش."
اندهش من الأمر كثيراً حتى قال لها بجدية:
"خلي حد من الخدم يطلع يشوفه وطمنيني لو في حاجة."
ذهبت مسرعة لغرفته، دقت عدة مرات فلم يجيب، فازداد قلقها عليه لتهبط مسرعةً للأسفل تنادي على والدته لترى ماذا هناك.
وجدت ملك جالسة في شرفة غرفتها تنظر إلى السماء وتبكي بهدوء. مزق قلب شقيقتها، فأسرعت إليه قائلة:
"ملك إيه؟ وليه الدموع دي كلها؟ وفين مالك؟ محدش عارف يوصله من الصبح وقافل غرفته ورافض يكلم أي حد. فهميني في إيه."
ازداد الأمر سوءاً، فعلت أصوات بكائها تملأ المكان، لتقول وسط شهقاتها:
"أنا ومالك خلاص انتهينا."
صدمة اعتلت وجهها لتقول بتعجب:
"إزاي ده؟ ده انتو كتب كتابكم كان كمان أيام. انتي بتهزري صح؟"
نظرت لها بألم قاتل وبداخلها يئن. فإذا علمت رغد بما حدث لرفضت أن تكون أختها كبش فداء لها، لكن عليها أن تصمت لحين أن تتزوج رغد بمعشوق طفولتها أولاً وتتم هي ما أمرت به، لتقول بهدوء:
"إحنا مش هينفع نكمل، لأ هو شكلي ولا أنا شكله. فيه حاجات كتيرة مختلفة وأنا مش شايفاه غير أخ ليا أو ابن عم، مش قادرة أشوفه غير كده. حاولت ومعرفتش، وأكيد مش هتجوزه غصب عني."
تمتمت رغد بحزن:
"بس مالك بيحبك، بيحبك من زمان وصبر عليكي كتير. إزاي تعملي فيه كده؟"
بعدت نظرها عنها في محاولة لحجب الحزن الطاغي على ملامحها وعيونها التي تبكي دون توقف، لتقول رغد بتعجب وحيرة:
"طب ليه بتعيطي؟ مش ده قرارك؟"
قالت بتعب:
"عشان كلكم جبتو الحق والذنب عليه، ظلمتوني."
رغد بهدوء:
"وانتي شايفه اللي انتي بتقوليه ده واللي قولتي امبارح مش غلط؟ لأ يا ملك انتي غلط بجد وأنا مش فاهمه إيه اللي غيرك كده."
نظرت لها بسكون مريب وبألم قالت:
"عملت كده عشان بحبكم!"
وذهبت مسرعة من أمامها تاركة لها عقلها الذي بدأ بتجميع بعض الخيوط في حيرة وتعجب، لتردف بخوف:
"معقول يكون في حد بيهددها أو غصبها على قرارها ده؟"
***
أسدلت ستائر الليل بنسيمها المعتاد على الأشجار الملتفة في بهو القصر لتملأ المكان برائحة أشجار مسك الليل الموجودة أسفل كل غرفة لينعم الجميع بهدوء الطبيعة الخلابة المحببة لها.
جلست في شرفتها تسرق بعض النظرات على الأشياء حولها، فتارة تنظر إلى السماء ببريق نجومها المضيء بخفة، وتارة أخرى تنظر لتلك الأشجار التي تبعث هواءً رطباً يجدد الحب في قلبها.
كانت شاردة تلهو ببعض أوراق الورد المليء على سور شرفتها، فوجدت بوابة القصر تفتح على مصراعيها. دق قلبها بلهفة وشوق لرؤيته، فأخذت تنظر إلى مكانه بحنين ملء قلبها له.
صف سيارته بأهمال ليهبط مسرعاً، فوجدها تسلط نظرها عليه بتعجب، فبادلها نفس النظرات وأشار لها أن تهبط للأسفل.
عدلت ملابسها لترتدي حجابها الفضفاض وتلقي نظرة على وجهها المتصبغ بحمرة الخجل، وبداخلها نيران تضرب قلبها بشدة خوفاً من القادم وخوفاً من نفسها التي سامحته دون عقاب.
وجد الجميع جالسين في صالون المنزل، فنظر في كل الأركان لكنه لم يجده، فسأل متعجباً:
"فين مالك؟"
قالت سلمى بحيرة:
"قافل على نفسه طول اليوم وقال تعبان شوية ومش قادر يخرج."
قلق عليه كثيراً فقرر الذهاب حيث غرفته ليجده يهبط للأسفل ويحمل حقيبة سفره، ومعالم وجهه لا تنذر أن هناك خيراً أبداً.
تعجب الجميع ليقول يامن بتساؤل:
"رايح فين؟ وفينك طول اليوم؟"
قال بهدوء مريب:
"كنت تعبان ونايم."
اقترب منه ليقف مقابلاً له:
"مالك انت كويس؟"
كانت النظرات كفيلة لتحطيم ما تبقى من قلبه، عندما نظر إليه وجد دموعه تهدد بالسقوط، فاحتل القلق معالم وجهه ليقول بحيرة:
"مالك في إيه مخبيه عليا؟"
حاول التماسك قليلاً:
"في اني مسافر وخلاص، مفيش وقت يا يامن، لما أوصل هكلمك."
وأسرع للخروج، فصدح صوتها يملأ المكان:
"مالك!"
نظر للخلف ليجد رغد تهبط مسرعة وعلى وجهها علامات من الصدمة والذهول، لتقول بدهشة:
"انت ماشي وسايب ملك؟"
صمت وأشاح بوجهه للجهة الأخرى.
وقفت أمامه لتقول بجدية:
"لو مشيت يا مالك هتخسر ملك وللأبد، وكلنا هنخسر."
نظر لها بتعجب متمتمًا:
"هي اللي عاوزة كده، مش هغصبها عليا يا رغد."
قالت ببكاءٍ وخوف:
"ملك تحت التهديد؟"
رواية قتلني قلبي الفصل التاسع 9 - بقلم خلود بكري
صدمة اعتلت وجوههم فور سماع تلك الكلمات التي نطقت بها رغد، أن ما تفعله ملك ناتج عن تهديد لها.
ليتحدث مالك بشك:
"ومن بيهددها؟ ويهددها ليه؟"
أخذت نفسًا عميقًا لتقول بحيرة وخوف:
"سمعتها امبارح وهي بتعيط وبتكلم نفسها، عرفت إن كل ده وراه حاجة غلط! حاجة كلنا مش عارفينها ولا فاهمينها!"
شرد يامن بشك لكشف خيط الحقيقة ليقول بجدية:
"وبعدين؟ متكلمتيش معاها ليه وحاولتي تعرفي في إيه؟"
قالت مسرعة بحزن:
"اتكلمت يا يامن، كل اللي قالته أنها بتحمينا، خصوصًا أنا وأنت ومالك. ورفضت تتكلم في أي شيء تاني."
واستكملت حديثها بجدية واضحة ونظراتها تصوب على مالك:
"لو سافرت وسيبتها يا مالك، هتخسرها وتخسرها كل حياتها ونفسها. وصدقني لو رجعت تاني، أنا اللي هقف لك وأقول لأ."
نظرات يامن تنذر بالوعيد ليقول بهدوء مخادع:
"مش وقته كلامك ده يا رغد، يلا يا مالك مفيش وقت، موعد طيارتك مش فاضل له كتير!؟"
تطلع له بدهشة وتعجب، كيف بعد ما عرفه من كلام رغد أن يتركها وحيدة هكذا؟
فغمز له بشيء، أن هناك شيء خلف كلامه لكن لا يريد أحدًا يعلم عنه.
رغد بصدمة من تصرفه:
"انت بتقوله يمشي يا يامن!؟"
ترقب المكان بحذر ونظر لها قائلاً بهمس:
"هفهمك بعدين، في كاميرات مراقبة في القصر، اتعاملي بحذر."
شحب وجهها بخوف وتحدث مالك بصعوبة:
"إزاي ده؟"
يامن محذرًا:
"يلا من هنا."
جذبه خارج القصر بأكمله، فتحدث مالك بغضب:
"ما تفهمني في إيه، وكمان انت رايح على فين؟!"
احتد غضب يامن بشدة ليقول بوعيد:
"عمك أحمد ورا كل ده، في خطة بتتعمل من ورانا، أنا قلت برضه سكوته ده مش وراه خير أبداً."
مالك بصدمة:
"إزاي، وإيه موضوع الكاميرات ده؟"
قال موضحًا:
"وإحنا بنتكلم، شوفت كذا كاميرا في الصالون، عشان كده غمزت لك. المهم دلوقتي، انت هتروح تقعد في البيت اللي في الإسكندرية لحد ما أشوف هيحصل إيه، وهتابع معاك من هناك. مش عاوز عمك يعرف ولا حد إنك لسه هنا في مصر."
ارتعب قلبه خوفًا على معشوقته وخوفًا على رفيق دربه، وليقول بألم شديد:
"أنا مش مستوعب اللي بيحصل! إزاي عايزني مكنش معاك بالوقت ده؟"
ربط على كفيه بهدوء قائلًا بحب:
"متقلقيش، كل حاجة هتبقى تمام."
***
انتهى دوامها بالجامعة واستكملت تلك الكورسات التي تأخذها بعد خروجها من المحاضرات.
فنظرت للساعة برعب لتجدها قاربت على التاسعة مساءً.
سارت في الطريق تردد بعض آيات الله في سرها.
أنبت نفسها كثيرًا لعدم اقتنائها سيارتها في مثل هذا اليوم وقرارها المجنون أن تذهب بالمواصلات العامة.
وقفت كثيرًا في محاولة بائسة لتجد باص يأخذها إلى مكانها المنشود.
فطلب يامن على الهاتف عدة مرات دون رد.
لتجد مجموعة من الشباب تقترب منها وبنظراتهم فهمت مقصدهم الدنيء.
فسارت بخطى سريعة، فأسرعوا بالركض إليها.
ليقول أحدهم بإعجاب صريح:
"الجمال ده كله واقف لوحده ليه؟"
وقال الآخر:
"تعالي معانا يا حلوة، هنوديكي مكان الأحلام فيه بتتحقق."
نظرت لهم بغضب وبداخلها خوف يكاد يقتلها:
"ابعد عني انت وهو، لاما والله هتندموا على اليوم ده."
قهقه بمكر ونظراته تصوب عليها:
"لاه عجبتني."
واقترب ليجذبها من يديها، فرفعت كفها تصفعه بعنف جعل الآخر يستشيط غضبًا.
حاول الامساك بها ففرت هاربة لتجدهم يحاصرونها بوعيد، فأطلقت صرخة عالية بخوف.
لتجد سيارة تقف ويهبط منها شاب، اقترب ليرى أثر الصوت فوجدها تصرخ بغضب من تلك الوحوش البشرية التي لا تعرف للأخلاق سبيل.
جذب أحدهم يضربه بعنف والأخر فر هارباً.
فأجرى اتصالًا سريعًا على أحد قائلاً بوعيد:
"في شاب أنا رابطه في شجرة على طريق... تروح تاخده تحطه في المخزن لحد ما أرجع. لو هرب منك مش هرحمك."
وقفل الخط بغضب.
ليقترب من تلك الفتاة القابعة على الأرض تضم حالها تبكي بنحيب وخوف.
مزق قلبه ليقول بهمس:
"متخافيش، ممكن تبصيلي."
تطلعت له بهدوء وعيناها يملؤها البكاء.
لتجده نفس ذات الشخص الذي تعرفه، لتقول بصوتٍ هامس ضعيف:
"أمير."
نظر لها بصدمة متعجبًا وبنغزة في قلبه قال:
"روان انتي!؟"
ازداد بكائها بخوف مما كان سيحصل لها، فاقترب منها في محاولة لتهدئتها:
"أنا جنبك متخافيش، مفيش حاجة حصلت لك، انتي بأمان."
تعلقت نظراتها به بفرح لتقول بامتنان:
"شكراً بجد شكراً، مش عارفة لولو وجودك كان هيحصلي إيه."
قال بهدوء:
"إيه اللي مخرجك في وقت زي ده لوحدك؟"
خفضت بصرها عنه تجنباً للنظر إليه:
"كنت في الجامعة وبعدها كنت باخد كورسات تبع الجامعة بس بتخلص متأخر، واليوم قررت أروح من غير العربية وحصل اللي مكنتش أتوقعه."
ابتسم بإعجاب على تلك الفتاة العفوية ليقول بجدية:
"متقلقيش، حقك هيجيلك وهياخدوا جزاءهم. المهم يلا عشان أوصلك للبيت."
قالت مبتسمة بشكر ثانيةً:
"بجد مش عارفة أشكرك إزاي."
قال ماكرًا:
"هقولك تشكريني إزاي."
نظرت له بتعجب ليكمل حديثه ونظراته تصوب عليها بخفة:
"تتجوزيني."
خفق قلبها بشدة وأصبح وجهها بلون الكرز الأحمر، فخفضت بصرها بخجل تقول بهمس:
"ممكن توصلني البيت وتكلم مع يامن في الموضوع ده."
علت الابتسامة وجهه بأمل من موافقتها المبدئية عليه.
ليسير مسرعًا وبداخله إصرار أنه سيطلبها من أخيها الآن ولا داعي للتأخير.
فشرد بتفكير بها وبقلبه الذي نبض بحبها من أول لقاء.
"كان لقائُنا الأول صدفة.. صدفةٌ حطمت أسوار قلبي، جذبتني عيناكِ للحب العتيق، العشق اللامنتهي.... ما كنتُ أؤمن بالحُبِ من المرةِ الأولى، لكن عند لُقياكَ احببتك بكامل قواى، تلك المشاعر التي خزنتها فى قلبي.... أصبحت لك الآن.... اليومَ أيقنتُ حقًا أنك تسكنُنني... وأصبح حبك يجري بداخلي كمجرى الدمِ، وها أنا اليوم أعلنُ كامل استسلامي لـ حبك الابدي...."
***
خرجت لحديقة القصر تأخذ نفسها بصعوبة بالغة في محاولات يائسة للاتصال عليه دون إجابة أو رد.
فخرجت خارج المنزل لخوفها من وجود كاميرات المراقبة، عله يجيب.
فأرسلت له رسالة نصية أنها بالخارج وتود الاطمئنان عليه وفهم منه ما يحدث.
فرن هاتفها بعد دقيقة لتقول بغضب:
"كل ده يا يامن على ما ترد، قلقتني عليكم."
قال مختصرًا:
"أنا راجع، في الطريق. اللي اللي مخرجك بره بالوقت ده، ادخلي."
قالت بعتاب:
"خارجة أطمن عليك عشان ترد عليا، وملك مموتة نفسها عياط فوق وخايفة عليها."
ابتسم بحب قائلاً بهمس:
"أنا راجع، متخافيش، كل حاجة هتبقى تمام."
صرخة خرجت من فمها عندما شعرت بوخز إبرة يخدرها، فقالت بصراخ:
"ياااااااااامن!"
اقترب منها ذلك الملثم فحملها داخل السيارة بعد أن فقدت وعيها.
عند يامن كاد قلبه يتوقف من شدة الرعب، فحاول الاتصال بها ثانيةً لكن دون إجابة.
فأسرع في طريقه يتوعد له بالكثير والكثير.
ذهب مسرعًا فور وصله لغرفة المكتب الخاص به، يفرغ الكاميرات فوجد الآتي:
تقف تتحدث بالهاتف وتولي ظهرها للطريق، ليجد شخص يقترب منها بحذر وفي يديها حقنة يدسها في يدها بحذر، فصرخت واقعة فاقدة الوعي.
غل الدم بعروقه ليقول بغضب جامح:
"والله ما هرحمك، هعرفك انت لعبت مع مين."
***
بعد عدة ساعات فاقت رغد لتجد ذاتها تجلس على كرسي مربوطة بأحبال كثيرة.
الظلام الدامس يملأ المكان، وتلك الرائحة الكريهة لرائحة دخان السجائر تفوح بالمكان بأكمله.
فأجفلت بصرها بهدوء مريب تحاول سحب تلك الأحبال من عليها، فاحدثت صوتاً جعل من بالخارج يعلم أنها فاقت.
نور خافت اقترب منها يزداد بكثرة يملأ المكان، فوجدت ذلك البغيض يقترب منها وبداخله مكر أنه سيفوز بها حتى وإن كان لا يحبها.
نظرت له ساخطة قائلة بإشمئزاز:
"كنت عارفة أن الحركات الدنيئة دي متجيش غير من واحد شكلك."
قهقه بمكر ليقول بجدية:
"ولسه محضر لك مفاجأة."
وأشار بيديه لتجد أباها العزيز ورجلاً يشبه المأذون وبعض الرجال وأمراء بغيضة الشكل في يديها كفر ملابس يحتوي على فستان زفاف.
فقالت بصدمة ونظرها على والدها بحسرة وألم:
"انت يا بابا...؟"
***
"أبكى قلبي الشخص الذي ظننته ملاذي، أين تجد الفتاة أمان أكثر غير في حضن أبيها. عمت الشهرة قلبه في جني أموال طائلة ستجلب له من الألم ما لا يستطيع تحمله القلب البشري. سيجني ثمار قسوته..."
"إعمل تعمل كما تدين تدان."
شبه ابتسامة ساخرة ارتسمت على ملامحه الشيطانية فتطلع بها قائلاً:
"إيه رأيك في المفاجأة؟ أتمنى تكون عجبت عروستي!"
نظرت له بدمع ملء مقلتيها، ألجمت الصدمة حروفها فبقيت صامتة تنظر له بحسرة.
رددت بعض آيات الله في سرها والدمع يسيل بغزارة على وجنتيها.
تماسكت قليلاً ليصدر صوتها ببحة مؤلمة وهي تنظر لأبيها:
"انت يا أبي؟!"
اقترب منها بهدوء مخادع فربط على رأسها قائلاً بتحذير:
"لازم توافقي يا رغد عشانى وعشان أختك وعشان يامن."
طلعت له بحسرة وهي تجيب:
"ولا عشان الفلوس اللي هتبعني بيها يا بابا!؟"
تلجلج صوته فقال بتماسك مصتنع:
"انتي إزاي تقولي كده، أنا عاوز مصلحتك."
شبه ابتسامة مؤلمة ارتسمت على محياها ثم أردفت بغضب قاتل:
"مصلحتي إنك تجوزني من رجل لا يفقه الدين؛ وتاجر المخدرات وسمعته سيئة، ورد سجون. إزاي عاوز تأذيني بالشكل ده وفى النهاية تقول مصلحتي."
تطلع لها فارس بغضب واقترب منها يقول بوعيد:
"الأحسن ليكي إنك تحترمي وجودي ومتغلطيش، لاما انتي الجانية على نفسك. ومتنسيش إنك النهاردة هتكوني معايا وفى مكان واحد من غير أبوكي وغيره."
تطلعت له بنفور وهي تبعد نظرها عنه ثم أردفت بهدوء:
"ده أبعد من خيالك، دلوقتي يجي اللي هيقضي عليك."
قهقهة بحدة وهو يفترس ملامحها قائلاً:
"مش هتكوني لابن السيوفي، وإن جه هنا هيتقتل."
نظرت له بمقت ثم استجمعت قواها وقالت بإصرار:
"هيجي وينقذني بعون الله، أما انت بقى فعذابك أثم."
كلماتها أشعلت في قلبه نار الحقد والغل والغير، فجذبها بشدة من حجابها فوقعت أرضًا تصرخ بألم.
حاولت تخليص ذاتها من بين براثن ذلك الذئب، لكن كيف.
فعلقت نظرها بأبيها الذي يقف دون حراك وكأنه يعجبه الأمر.
صرخت ملء جوفها عندما وجدت تلك النسوة تقترب منها بفرح وأردفت إحداهما:
"يلا البسي الفستان ده."
أجابت الأخرى بضحكة شامته:
"يلا يا عروسة متخافيش."
تطلعت له بحسرة ثم أردفت بيقين:
"أذاقكم الله من مر ما تفعلوا."
لكزتها واحدةٌ منهم بغضب فتهشم جسدها، فصرخت بألم عندما وجدت الدماء متناثرة من أسفلها.
تطلعت لمن يقف يراقبها بشماتة وهو يقول بفحيحٍ عالٍ:
"أظن دلوقتي متقدريش تقولي لاه على الجواز، لاما انتي عارفة كلام الناس هتقول إيه."
سكنت الصدمة مقلتيها؛ كاد قلبها بالتوقف، فنظرت إلى أبيها وهي تقول بهمس من بين ألمها:
"لا سامحك الله يا أبي، لا سامحك الله يا أبي."
أخفى بصره عنها محاولاً إخفاء دمعة كادت أن تهبط بألم لعجزه عن مساعدتها.
استرسل فارس حديثه بنفور:
"ولا أنا كمان هتجوزك، دلوقتي بقيتى زي الأرض البور اللي عمرها ما تطرح ثمرة."
صرخت بأعلى صوت امتلكته من ألم، أَفقدت حالُها، أَفعلٰ ذلك أمانُها بها.
نظرت بألم له ومن ثم أغشي عليها.
***
جن جنونه عندما لم يصل لخيط للوصال لها، فصف سيارته بإهمال وهو يتطلع لحالة الطريق وقلبه يكاد يتوقف.
يسمع صراخها، يسمعها تناديه، يشعر بوخز مؤلم في قلبه، فصرخ بغض:
"يارب حلها من عندك، ولا تؤذني فيها."
تذكر أحد أصدقائه في الشرطة فجذب هاتفه مسرعًا يبحث عنه.
حمد الله عندما رأى الرقم أمامه فأجرى اتصالاً هاتفياً عليه.
بعد مدة سمع الإجابة قائلاً بهدوء:
"كيف حالك يا رياض."
أجابه بعتاب:
"لسه فاكرني يا يامن باشا."
حاول أن يتماسك فقال مسرعًا:
"أنا عاوزك في حاجة مهمة وبعدين نتعاتب."
وأخذ يقص له الأمر، هلع من مكانه فهب واقفاً ثم أردف بجدية:
"أنا جايلك، انت فين؟"
أخبره يامن بالمكان المنشود ثم أغلق الهاتف وهو يفكر بها وبما يحدث معها الآن.
صوت إعلان رسالة على هاتفه جعل قلبه يدق بعنف، ففتح الرسالة مسرعًا ليقرأ محتواها:
"لو عاوز اللي ليك، تعاله المكان..."
أجرى اتصالا على رياض قائلاً:
"أنا عرفت مكان رغد، هبعتلك اللوكيشن و هسبقك على هناك."
قال مؤكداً:
"معاك يا يامن، متقلقش."
زود سرعة سيارته وبداخله نار انتقام ستحرق الأخضر واليابس.
***
أوصلها إلى بوابة البيت قائلاً بهدوء:
"بقيتي أحسن دلوقتي؟"
تطلعت له بخفة ثم أردفت بهمس:
"الحمد لله، شكراً إنك ساعدتني وجيت في آخر لحظة تنقذني، كنت خلاص فقدت الأمل."
ابتسم قائلاً بخفة:
"الحمد لله إنك بخير."
شبه ابتسامة صغيرة ارتسمت وجهها فقالت بهدوء:
"ممكن أنزل هنا."
أشاح نظره عنها لكي لا يغضب ربه ثم أردف بجدية:
"اتفضلي."
شكرته ثانيةً وهبطت مسرعة.
فخفق قلبه لها ليقول بهمس:
"روان!"
التفت تنظر له بصمت.
فقال بحب ملء مقلتيه:
"خلي بالك من نفسك."
أشارت له بالتأكيد ثم ذهبت مسرعة تحاول تنظيم ضربات قلبها وبداخله تكاد تطير فرحاً.
دلفت إلى الداخل فوجدت ملك تقترب منها ببكاء:
"روان، رغد فارس خطفها."
ارتاعب قلبها بشدة فقالت من بين بكاء:
"رغد؟ وهي فين؟ حد ساعدها؟"
اقترب ألاء تقول بألم وخوف:
"مش عارفين حاجة لسه."
قالت مسرعة بخوف:
"فين يامن."
ملك بهدوء:
"بيدور عليها."
جلست على اقرب مقعد منها والبكاء خليفها فقالت ملك بتساؤل:
"اللي مبهدلك كده؟"
ارتعش قلبها لتذكر تلك اللحظات المؤلمة فقالت:
"طلعوا عليا بلطجية وكانوا عايزين يخطفوني."
تعجبت ألاء من الأمر فربطت الأحداث لتقول بهمس:
"يبقى المستهدف من كل ده أي حاجة تخص يامن."
ثم قالت ببكاء:
"ربنا يسترها ويحفظ رغد وترجع بالسلامة."
***
بعد مدة كان قد وصل، فهبط مسرعًا من السيارة راقداً لذلك المكان المظلم الذي يحتوي بداخله قطعة من قلبه، وبداخله وعيد لكل من يراه.
أدلف خطواته بحذر ترقباً من أن يكون فخاً منصباً له، فوجد أحد الرجال يقترب منه.
نظر له بغضب ثم قال بحدة:
"فين فارس؟"
أجابه الآخر بضحكة منفرة وبغمزة قال:
"جوه مع عروستها."
اعتلى الغضب قسمات وجهه فأردف من بين شرر يخرج من عينيه:
"مفيش حاجة هترحمكم مني لو كان حصلها حاجة."
رقد مسرعًا يبحثُ عنها كالمجنون، فوجدهم في انتظاره.
تطلع له شرزاً وقال بغضب:
"فين رغد؟"
شبه ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهه البغيض فأردف بغل:
"قصدك المدام رغد."
لم يعد يتحمل صبره أكثر من هذا، فاقترب منه يجذبه من تلباب ملابسه قائلاً بتحذير:
"لو لقيتك لمست شعرة واحدة منها، مش هرحمك."
ضحك ملء فمه وهو يقول بنفور:
"مين دي اللي المسها، انت اتجننت، ملقيتش اللي دي، أنا بس علمت عليها."
التفت حوله يبحث عنها بجنون، فوجدها واقعة والدماء حولها.
اقترب منها بهدوء لعلها ليست هي.
نظر له بألم ثم جثا على ركبتيه بجوارها يتفحص نبضها.
فعلقت كفها به وهي تتحدث بصعوبة:
"يامن الكاميرا معايا، خدها، اكيد سجلت كل حاجة."
حسها على الصمت وأردف من بين ألمه عليها:
"هجبلك حقك يا حبيبتي، صدقيني مش هرحمه."
تطلعت به في هدوء وراحت في ثباتٍ عميق.
استقام بوقفته قائلاً بغضب زلزل المكان بأكمله:
"مش هيكفيني فيك موتك، أنا هخليك تتمني الموت ومطولش."
اجتمعت رجال الشرطة في المكان بأكمله، فصوب سلاحه تجاه يامن قائلاً بوعيد:
"أي حد هيقرب مني هقتله."
غمز رياض لأحد من أصدقائه أن يسير بحذر من الخلف ويمسك به بعدما أطاح برجاله جميعهم.
استكانت ملامح يامن وهو يتطلع له ببرود قاتم غير عابئ بما يقول.
استكمل حديثه بغل ملء قلبه المريض:
"مش هسيبك عايش يا يامن، زي ما أخذت منك رغد وصعب ترجعلك رغد اللي كنت عارفه بعد اللي عملته فيها. حتى لو نجيت مني، هتعيش طول عمرك تتحسر عليها."
صوت عالٍ اخترق جسده، فنظر الجميع حولهم يرون من الفاعل، فكان آخر ما توقعوا.
من الجاني؟
رواية قتلني قلبي الفصل العاشر 10 - بقلم خلود بكري
صلوا على نبي الرحمة..
ارتفع ذلك الصوت اللعين يدوي في المكان بأكمله، التفت على أثر الصوت وقلبه يدق خوفًا لفقدها.
ألقى نظرةً سريعة عليها فوجدها ساكنة، كم هي تغطُ في نومها المؤلم.
تفحص المكان بعناية ليجده واقفًا والشررُ يتطاير من عينيه، علامات الندم ترتسم على وجهه ببراعة.
فتحدث من وسط ألمه:
"قتلته عشان استريح، رغم إني كنت معاه وبشجعه بس مستحملتش اللي عمله في بنتي قدام عيني."
تجمدت نظراته عليه بحسرة ليرد بعد صمتٍ قاتل:
"كنت شايف بنتك بتتأذى قصاد عينك واقف تتفرج عليها عادي! طب سيبك مني ومن أي حد، قلبك فين؟ وفين خوفك من ربك؟ أنت مدرك حجم المصيبة!؟"
خفض نظره بألم ثم استرسل حديثه ببكاء:
"فوقت يا يامن بس متأخر قوي وعارف إن رغد صعب تسامحني."
ابتسامة ساخرة ارتسمت على وجهه فقال بسخطٍ:
"للدرجادي الفلوس تعمي قلب الإنسان لدرجة إنه يأذي اللي من دمه!"
"نسى يا عمي إن رغد هتسامحك."
اجتمعت قوات الشرطة تعبئ المكان، فاقترب منه رياض قائلًا:
"جيت متأخر؟"
رد يامن سريعًا:
"للأسف."
ثم تابع حديثه باهتمام:
"دي كاميرا كنت مديها لرغد لما شكيت، كانت لبساها على هيئة خاتم، أكيد صورت كل حاجة. أنا لازم آخد رغد لأقرب مستشفى، ولو احتجتني في التحقيق كلمني."
نظر له بهدوء قائلًا:
"للأسف عمك هيجي معانا، وفي سجن لحد ما نحقق."
ارت نظراته إليه فوجده يفترش الأرض يبكي كالصغار على فوات الأوان، فقال بهمسٍ مؤلم:
"لكل مُذنب عقابه."
***
حملها برفق إلى سيارته الخاص، تعلقت عيناهُ بها بألم مزق قلبه العليل، فكلما اقتربت المسافات بينهم بالصلح، أفسدتها تلك الخطط الدنيئة التي تدبر لهم.
فتحدث هامسًا لها:
"مش هسامح أي حد فيهم لو حصلك حاجة، ولا هسامح نفسي يا رغد."
شحب وجهه برعبٍ عندما رأى الدماء سالت بغزارة، فأسرع في طريقه وقلبه يخفق خوفًا لفقدها.
سارت الدقائق الأخيرة عليهِ كسنواتٍ طوال، شعر كأنه يركض مئات الأميال، فتوقف مسرعًا أمام إحدى البوابات وهو يتحدث بحدةٍ:
"بسرعة، عاوز دكتور نسا، المريضة فقدت دم كتير."
حملها دون انتظار طاقم الطب المتخصص بنقل المرضى، وأخذ يلهث من شدة الخوف.
قالت الطبية بهدوء:
"ممكن حضرتك تخليك بره واحنا هنطمنك على المريضة أول ما الفحص يخلص."
هز رأسه بتفهم، فجلس على أقرب مقعدًا يذكر الله سرًا أن ينجيها.
***
احتدا سواد الليل الكاحل مع بكاء قلبهم الجريح بما يصيرُ معهم.
خفق قلبهم ألمًا فور علمهم بما حدث، فانقلب البيت بأكمله لحالة من الحزن الشديد التي ارتسمت على القلوب بألم، فظهرت في لؤلؤة عيونهم.
فصرخت ألاء بحزنٍ:
"إزاي رغد يحصلها كل ده؟ هي كانت عملت إيه يعني."
اشتد بكاء ملك فقالت وسط دمعتها:
"بابا السبب وأنا مش هسامحه طول عمري."
ربتت روان على كفيها بهدوء ثم قالت بهدوء:
"متظلموش ياحبيبتي، لسه مش عارفين إيه الدافع اللي وصله لكده."
صرخت ملء جوفها وهي تبكي بحسرةٍ:
"مفيش أب في الدنيا يأذي أولاده كده؟!"
احتضنتها بهدوء وهي تهمس لها بحنان:
"ربنا يسامحه ياملك ورغد ترجع سليمة وبخير."
دقات خافتة على باب غرفتها أفزعت الجميع، فقالت المسؤولة عن أمور البيت بهدوء:
"ياروان في واحد تحت بيسأل على أستاذ يامن وأنا مش عارفه أقوله إيه؟"
مسحت دموعها بهدوء:
"حاضر يا دادا سميحة، نازلة أشوفه حالًا."
خطت ببطء وشرود، فأدلفت خطواتها مدخل غرفة الجلوس، فقالت باحترام:
"السلام عليكم."
التفت على أثر الصوت فعلق نظره بها ليقول بهمس:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
"عاملة إيه يا روان."
توتر صوتها قليلًا فحاولت الحديث:
"أمير أهلاً وسهلاً بحضرتك، اتفضل."
استرسل حديثه بجدية:
"يامن فين؟"
خفضت رأسها بحزن وروت له ما حدث، ليقول بعد برهة من الصدمة والذهول:
"كل ده حصل! طب هو فين؟ لازم آخد يونس ونروح له حالًا."
شرحت لها مكانهم، فاستأذن منها مسرعًا تاركًا لها قلبه يخفق ببداية شعلة ستُنير عتمة لياليه.
***
خرجت الطبيبة مسرعة من الغرفة تبحث عنه، فقالت بحزن تسطر على وجهها:
"عاوزين دم ضروري، المريضة وفصيلة دمها مش موجودة للأسف هنا."
أردف قائلاً بجدية:
"في حد في عيلتنا نفس الفصيلة، بس طمنيني عليها، إيه اللي حصلها؟"
اخفضت رأسها بألم ثم استرسلت حديثها:
"انهيار عصبي حاد ونزيف شديد في بطانة الرحم."
اهتز قلبه خوفًا، فتابعت الطبيبة حديثها بتساؤل:
"إزاي حصلها كده؟"
صمت بشرود ثم تحدث بصعوبة:
"كانت مخطوفة."
احتدمت نظراتها بغضب:
"لازم أبلغ الشرطة، دي فيها حياة أو موت."
غضب الطبيبة جعله عقله يجن من الخوف أن يكون قد أصابها مكروه، فأثم، فحاول أن يتماسك عن غضبه قائلًا:
"الشرطة كانت موجودة بالفعل وهييجوا يحققوا، أنا دلوقتي عايز أعرف لو حالتها صعبة، أنا هنقلها مستشفى بره."
أجابته بانفعال:
"المريضة فقدت دم كتير، مينفعش تسافر واحنا نقدر نعالجها، ممكن حضرتك تتفضل تشوف فصيلة دمها، تضيع الوقت مش في صالحها ولا في صالحك."
استرسل حديثه بجدية:
"المتبرع على وصول، أنا عايز أدخل أشوفها."
نظرت له وهي تقول بحذر:
"مع حضرتك ٥ دقايق بس، اتفضل."
دلف بهدوء، يتقدم خطوة، ويقف مئات، عيناه تنذر بالبكاء، واه من قلبه الذي يئن خوفًا من فقدها ومصابها.
اقترب ببطء ونظراته تجاوبها بدقة، والألم حليفهُ، فتحدث من بين دمعةٍ هاربة من مقلتيه:
"رغد أنا مستحيل أعيش من غيرك، لو حصلك حاجة هتكوني قتلتيني."
"هتقتلي قلبي؟!"
رفعت عيونها بهدوء فابتسم بفرح قائلًا:
"الحمد لله إنك بخير."
نظرت له بضيق فحاولت أن تسند حالها لتقف أمامه بصعوبة بالغة في محاولة مؤلمة للحديث:
"انت مين؟!"
اقترب منها بهدوء والصدمة ترسم ملامحها ببراعة:
"رغد انتِ في وعيك؟"
صرخت بعلو صوتها عندما وجدتهُ يقترب منها، فقالت بغضب يعصف بقلبه للهاوية:
"ابعد عني!"
تعلقت نظراته بها بدهشةٍ والصدمة تسكن ملامحه بذهول:
"رغد أنا!"
انسحب وجهها بضيق فلكزته بقوة وهي تصرخ:
"اخرج بره! أنا بكرهكم كلكم! بره!"
حاول أن يهدئ من روعها فاسترسل حديثه بحنان:
"حبيبتي فوقي، كل اللي كنتي فيه خلص، انتي دلوقتي في أمان."
نظرت له بتعجب، وانسابت دموعها بغزارة تغطي وجهها البريء بما دنسه أولئك الأشرار، ارتجف جسدها بعنفٍ قبل أن تسقط بين يديه فاقدة لوعيها، وفاقدة ملذات الحياة.
اقتربت الطبية مسرعة عندما سمعت صفير الأجهزة ينذر بالخطر..
فقالت مسرعة:
"اتفضل بره حضرتك."
استجمع شتات عقله فتابع بجدية:
"أنا هفضل معاها مش خارج إلا لما أطمن عليها."
قالت بهدوء:
"لو سمحت ممكن نشوف شغلنا، هنطمن حضرتك."
خرج بهدوء في محاولة بائسة لأن يهدئ من خفقات قلبه التي فازت عليه بالألم، فجلس محله يدعو الله لها بالنجاة.
***
صعد المصعد بهدوء متسائلًا مكانه، فوجده ترقد مسرعة إلى المصعد تنادي بعلو صوتها:
"من فضلك لو سمحت."
أوقف أزرار المصعد، وتطلع لها بتعجب:
"روان؟!"
قالت من وسط شهقات بكائها:
"بسرعة يا أمير، مفيش وقت، رغد محتاجاني."
ضرب أزرار المصعد على الطابق المنشود فقال وهو ينظر لها:
"ممكن تبطلي بكى، هتكون بخير بس قولي يارب."
حاولت التماسك قليلًا فخرج صوتها مهزوز:
"رغد دي نصي التاني يا أمير."
"هي بالنسبة لبنات البيت كله الأم الناصحة، والأخت والرفيق الصالحة."
ابتسم بمحبة ثم أردف بثقة:
"هتقوم وتكون بخير، لا تيأسي من رحمة الله."
قالت بيقين:
"ونعمة بالله."
توقف المصعد فهبطت مسرعة، فوجدته جالساً منكب على إحدى المقاعد، يسيطر الألم عليه، فقالت:
"يامن فين رغد؟"
استقام بوقفته وهو يمسك بكفها قائلًا:
"رغد محتاجالك دلوقتي يا روان، وانتي اللي تقدري تساعديها."
تطلعت له بحيرة وهي تجيب:
"إيه أقدر أعمله يا حبيبي، وأنا مش هتأخر."
استرسل حديثه بأمل أن توافق طلبه:
"رغد عايزة نقل دم ضروري، وانتي الوحيدة اللي فصيلة دمك تتطابق معاها."
بلعت غصة مريرة في حلقها وقالت من دمعةٍ هاربة من مقلتيها:
"لكن كده يأذيها يا يامن."
تابع حديثه بيقين نبع من إيمانه الشديد بربه:
"ربنا معانا إن شاء الله مش هيحصلها حاجة."
"الدكتورة قالت إن فصيلة دمها نادرة وصعب الوصول ليها حاليًا وهي في خطر."
قالت برفض:
"يامن أنا مريضة سكر، أنت مدرك إن ده ممكن يعملها مضاعفات."
شرد بعيدًا ثم أردف بألم:
"مش هنعرف حد."
ازداد بكائها أثر حديثه الجدي الذي لا يعلم ما وراء عواقبه:
"يامن إحنا كده بنأذيها مش بننقذها."
خرجت الطبيبة مسرعة وهي تقول بضيق:
"فين المتبرع؟ المريضة في خطر أكبر."
نظر لها بألم مزق قلبها، فحاولت أن تتماسك، لكنها رضخت لما طلبه، فقالت بهدوء يصاحبه بكاء مؤلم:
"أنا هتبرع ليها يا دكتورة."
جذبتها مسرعة وهي تدلف إلى غرفة العناية المشددة، فتساءلت:
"بتعاني من أي مرض مزمن؟"
سكنت ملامحها وقالت بارتباك:
"لأ يا دكتور."
أشارت للطاقم الطبي وهي تتحدث بجدية:
"بسرعة جهزوها للتبرع."
***
في الخارج كان قد استمع لحديثها مع يامن، فضرب بكفيه عرض الحائط وهو يهمس بحزن:
"عندها سكر!"
تجمعت الدموع في مقلتيه، قلبه ضرب بعنفٍ معلنًا أنينه لما تعاني، واستكمل حديثه بصمت بين نفسه:
"لا مستحيل أقدر أكمل معاها."
"ليه هو المرض بيعيب؟!"
التفت بتعجب فوجده واقفاً أمامه بثبات، فاسترسل حديثه قائلًا:
"مستحيل أكمل إيه؟"
اعتلت الارتباك قسمات وجهه فقال بثبات مصطنع:
"يامن متفهمش غلط، بس أنا عايز أكون أب وهي مستحيل تكون أم، حتى لو بقت، من الممكن إن ولادي يعانوا فيما بعد."
نظر له بصدمة من طريقة تفكيره فقال بنفور:
"لا راجل وتفكيرك رجعي."
غضب من استهزائه بهِ فقال:
"أنا موعدتهاش بحاجة."
تعمقت عينه بغضب فقال بهدوء ما يسبق العاصفة:
"لا وعدت، بس الراجل اللي بيوفي وعده بي، أنت بعيد عن المسمى ده."
"واه نسيت أقولك روان حكتلي على كل حاجة، بس للأسف ظنها فيك طلع خايب."
التفت ليرحل فوجدها تقف أمامه، الدموع تغرق وجهها، ملامحها يسكنها الألم، والخذلان، فنظرت له بهدوء وهي تهمس:
"فعلًا ظني طلع خايب."
ورحلت من أمامه بثبات، فنظر لطيفها وهو يشعر بنغزة احتلت جسدها بالكامل، فقال يامن بجدية:
"خسرت ماسة صعب تلاقيها."
عندما يعشق الرجل، يتغاضى عن العيوب، يحاول ترميمها بحنان، يكن سندًا صالحًا، ورجلًا بما تحمله الكلمةُ من معنى.
من يحب يضحي مهما كانت التنازلات.
***
اقترب من الغرفة بهدوء وهو يتفحص حالتها، فقال من بين ابتسامته المشرقة وهو يراها تنظر له:
"انظري هناك."
تطلعت إلى موضع إشارته فارتسمت على شفتيها ضحكةٌ خافتة.
تابع حديثه بعشقٍ:
"شوفتي النور ده؟ لما شوفتك دلوقتي قلبي نور، إنك رجعتيلي بعد ساعات من الخوف والقلق والتوتر أن يصيبك مكروه."
ابتسمت بخفة ومازال قلبها يؤلمُها ببعض التساؤلات.
"شكرًا يا يامن."
دنى منها بهدوء وهو يقول بكل حب وحنان:
"شكرًا دي تتقال بين اتنين أغراب، لكن إحنا روح واحدة."
تابعت حديثها بجدية محاولة تغيير تلك الأمور التي تخجلها:
"عاوزة الدكتورة ضروري."
قال بتساؤل:
"في حاجة تعباكي تاني؟"
هزت رأسها بالنفي وهي تجيب:
"لأ الحمد لله، بس حابة أطمن على حاجة منها، ممكن تنادي عليها."
جاءها الرد من غرفتها:
"اتفضلي يا ست البنات."
خفضت رأسها خجلًا، فنظر لها بهدوء ليفهم أن هناك أمر محرج بالنسبة له، فخرج بصمت من الغرفة.
قالت مسرعة بأمل:
"طمنيني يا دكتورة، إيه أسباب النزيف؟"
اقتربت منها بهدوء وهي تربط على كفيها قائلة:
"متخافيش، انتي لسه زي ما انتي بنت."
ارتسمت ملامحها بفرح وهي تشكر ربها.
"الحمد لله."
ما الذي ينتظر يامن؟
جرح قلبها بسكينٍ حاد فنزف ما أجرته من حب، كانت تظن أنه الحب الصادق؟
طال خصامه لها، فحاولت أن تصلح ما كسرته في قلبه، فحدثت بينهما فجوة ستنال منها؟