خلص كلامه وبص في الأرض بخزي. فقرب منه بابا بابتسامة مطمئنة: "ما تخافش يا متر، إحنا لما لقينا إن في ناس مهمة بإخفاء الدليل عملنا مع كل واحد منا نسخة احتياطي." كمل كلامه وهو بيطلع فلاش من جيبه: "خد يا متر دي فلاش عليها فيديو زي اللي كان معاك." ابتسم المحامي براحة وأخذ منه الفلاش بسرعة واتجه ناحية مكانه بحيوية عكس ما كان داخل بإحباط. بدأت الجلسة واحنا قاعدين بنراقب الوضع بخوف وقلق، ودقات قلوبنا تكاد تُسمع.
بدأ المحامي بالدفاع عن زياد وطلب يأخذ إفادة أحمد وصاحبه اللي جه بالعافية واعترف بأن في شاب جه ومسح بعض من تسجيلات الكاميرا، وحضر الظابط اللي زياد كان بيساعده في السعودية وعطى إفادته بأن زياد كان بيساعده ونزل مصر عشان بس يحمي حياته وحياة والدته بسبب الناس دي، وإنه أكيد الناس دي اللي عملت كده عشان تنتقم منه. وبعد أكتر من ساعة، أخيرًا نطق القاضي: "حكمت المحكمة حضورياً ببراءة المدعو زياد السيد البنداري."
صوت الفرحة والتهليلات ملأ المكان بفرحة وصوت زغاريط مرات عمي اللي جرت على ابنها بلهفة: "ألف حمد وشكر ليك يا رب، مبروك يا ابني مبروك." قربنا كلنا منه بسعادة، فـ قرب من بابا بسرعة وحضنه: "أنا مش عارف أشكرك إزاي يا عمي، أنت وكيان حقيقي جميلكم فوق راسي لآخر العمر." ضربه بابا بخفة وهو بيبتسم: "إحنا مش قولنا عيب تقول الكلام ده؟ والله أزعل منك يا زياد."
أخده الشاويش يخلص إجراءات الخروج، فـ لحقناه على المركز مع المحامي اللي دخل معاه واحنا استنينا بره. فاتت نص ساعة لحد ما لمحنا طيف زياد وهو خارج مع المحامي وصاحبه وهو بيضحك ببشاشة. ودّع صاحبه والمحامي واتجه ناحيتنا والابتسامة لسه على وشه. حضن بابا وماما وطنط، وبعدين قرب مني وهو بيبتسم بهدوء: "حقيقي مش عارف لولاكِ كنت هعمل إيه."
"كنت هتخرج برضه لأنك مظلوم وربنا مش بيضيع حق مظلوم، أنا بس كنت سبب واحد من أسباب ربنا التي لا تُعد." هز راسه بنفس الابتسامة: "ونعم بالله، بس برضه مش هنكر إن كان ليكِ الجانب الأكبر في خروجي بعد الله طبعًا." قربنا منهم، فـ اتكلمت ماما بحماس: "بالمناسبة السعيدة دي، إحنا نخرج نتعشى بره احتفالاً بخروج زياد." حاول يعترض بهدوء بحجة إنه تعبان، ولكن تحت إصرارنا كلنا وافق. خرجنا كلنا بفرحة وجو عائلي محبب للقلب.
روحنا مطعم هادي من اختيار بابا، قعدنا شوية بعدها جه الوتر فـ طلب لنا زياد الأكل. الجو كان لطيف ومبهج، فـ اتكلم زياد براحة: "تعرف يا عمي، أنا في الأربع أيام دول اتعلمت حاجات ما اتعلمتهمش في الـ 25 سنة اللي عيشتهم." بصيناله كلنا بانتباه، فـ اتكلم بابا: "زي إيه يا ابني؟ تنهد بحرارة وألم:
"أنا كنت عايش في غيبوبة كل السنين دي، كنت مفكر إن الحياة أكل وشرب ولبس وخلاص، كنت مفكر أدام أنا بصلي يبقى أنا في السليم، نسيت إن هتحاسب وإن في جنة وفي نار، اتخدعت بجنة الدنيا لما كنت هنسى نار الآخرة. وكأن اللي حصل ده جه على هيئة قلم عشان يفوقني من اللي أنا فيه، والحمد لله إني فوقت قبل ما كنت هضيع." حاولت اتكلم بهدوء وبدون توتر، ولكن الفشل كان حليفي وصوتي خارج مهزوز:
"وراء كل ابتلاء ربنا بيحطه لك فيه فرج كبير أنت مش شايفه. خليك راضي باللي أنت فيه وربنا هيبهرك بكرمه وعوضه عن الابتلاء اللي مريت بيه وهيداوي قلبك. فـ ماينفعش نقول ليه يا رب واشمعنا أنا، حاشا لله إنه يضرك، الابتلاء ده باب جديد للتوبة مقياس للصبر. خليك متأكد إن الزعل هيعدي، والمرض هيعدي، والخنقة هتعدي، ولحظة الابتلاء هتعدي. عارف إيه اللي هيفضل؟ الصبر وأجره. يقول عز وجل: 'واصبر وما صبرك إلا بالله'."
خلصت كلامي ورفعت نظري ليهم، لقيتهم كلهم بيبصولي بابتسامة. طبطب بابا على إيدي بابتسامة فخورة أول مرة ألمحها في عينيه: "أنا فخور بيكي أوي يا كيان وفخور إنك بنتي، ربنا يحميكي يا بنتي." بصيت له وعيوني مليانة دموع، فـ ملت على إيده وبوست كفه بابتسامة: "ربنا يبارك لي فيك يا بابا."
خلصت القاعدة، فـ رجعنا كلنا البيت، ودعنا زياد ومامته ودخلنا بيتنا. بابا وماما صلوا القيام ودخلوا ناموا، وأنا حسيت إني مش حابة أنام، فـ دخلت المطبخ عملت نسكافيه واتجهت لأوضتي، سحبت نقابي تحسبًا لوجود أي حد وخرجت. شهقت بخضة لما لقيت زياد قدامي مبتسم، حطيت إيدي على قلبي من الخضة وأنا بستعيذ من الشيطان الرجيم وأنا بتأكد من وضع النقاب. "كنت متأكد إنك هتخرجي." "اشمعنى؟ حك شعره بإحراج: "حسيت."
هزيت راسي وبدأت أشرب النسكافيه، فـ لقيته بيبص للمج بطمع مضحك، خبيته ورايا بضحكة: "عينك يا بابا مش هتدوقه." "بؤ واحد يا كيان بالله نفسي فيه وماما نامت وأنا ما بعرفش." ضحكت بهدوء وأنا بمد له إيدي بالمج: "اتفضل ياسيدي ده عشان بس لسه خارج من سجن وكده! "والله.. أنتِ بتعايريني؟! هزيت أكتافي بعدم اهتمام: "بالظبط." ابتسم بهدوء: "أنتِ طيبة أوي يا كيان وفخور إنك بنت عمي حقيقي." فركت إيدي بتوتر: "أنا يابني ميرسي ميرسي."
"لا بجد، أنتِ لو حد غيرك كان هيفرح فيا، ولكن أنتِ ما عملتيش كده خالص، بالعكس وقفتي جنبي لحد ما خرجت." تنهدت بهدوء: "ما تقولش كده يا زياد، أي حد في مكاني كان هيعمل كده، أنا ما عملتش غير واجبي." "كيان أنا آسف صدقيني، أنتِ يومها فهمتي الحوار غلط أنا.. أنا.." قاطعته بسرعة: "مش حابة أتكلم في الموضوع ده يا زياد، أنتَ ابن عمي وهتفضل كده طول عمرك، يمكن انجرحت الأول لما كذبت عليا، بس بعدها تفهمت إنك مش هتعمل حاجة غصب عنك."
بصيت له مرة أخيرة وكملت وأنا بدخل: "عن إذنك أنا هنام." انسحبت من قدامه بسرعة وهو بيحاول يتكلم، مكنش عندي الطاقة اللي تخليني أسمعه وأسمع إنه شفق عليا أو صعبت عليه. حاولت أنام معرفتش، فـ قمت أقرأ قرآن لحد ما غفيت من غير ما أحس. صحيت الصبح على صوت بابا وهو بيقرأ ورده اليومي. قمت بكسل وإرهاق، اتوضيت صليت الضحى وخرجت أفطر معاهم. اتكلمت ماما وهي بتوجه كلامها لبابا:
"قولي يا محمد، هي إيه فضل صلاة الضحى عشان بشوفك دايماً أنت وكيان بتصلوها وبكسف أسألكم." ابتسم لها بابا بحنية: "أولاً هزعل منك لو قولتي بتكسفي دي تاني، أومال لو مسألتنيش أنا وبنتك هتسألي مين. ثم إن مافيش كسوف في الدين. أنتِ تتكسفي فعلاً لو عارفة فضلها ومش بتصليها. ثانيًا بقى بصي يا سعاد، صلاة الضحى تعادل 360 صدقة، وهي صلاة الأوابين، أقلها ركعتين. قال رسول اللهﷺ: 'لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أواب'.
معنى أواب: كثرة الرجوع والتوبة. وقت صلاة الضحى يبدأ من بعد شروق الشمس بربع ساعة إلى ما قبل الظهر بربع ساعة." "صلاة الضحى" "سنةٌ بعد إشراق، وصدقةٌ دونَ إنفاق، وحصادٌ لحسناتٍ لا تُعدّ." ابتسمت ماما بحماس: "بجد!! أنا ما كنتش أعرف كل ده. إن شاء الله هخلص فطار وهقوم أصليها ومش هكسل تاني أبدًا، ده إحنا في أيام ما يعلم بها إلا ربنا، يعني محتاجين لكل حسنة. ربنا يجازينا كلنا خير."
قاطع كلامنا خبط جامد على الباب. ماما رفعت خمارها على راسها وأنا دخلت أوضتي بسرعة، لبست النقاب وخرجت بخضة على صوت مراد العالي وهو بيحاول يزق بابا: "يعني انتوا تعملوا المسلسل الهبطان ده عليا عشان تخلوني أفسخ الخطوبة وانتوا تخطبوها لابن عمها." كمل وهو بيبصلي بحقد: "وانتِ عامله لي فيها الشيخة فتنة وانتِ خرباها مع ابن عمك." خرج من جيبه سكينة وهو بيحاول يقرب مني لحد ما...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!