بعد شهرين، تغيرت بعض الأمور. سيليا وأولادها عادوا لمنزل والدها فؤاد، وتصافت النفوس. عادت كارما من الأردن وسعدت بتحسن علاقة سيليا مع عائلتها. ريان بدأ يعمل كمعيد في الجامعة. سيليا عادت لدراستها، وزاد تقربها من زين، وهذا ما زاد حقد جاد عليهم. واليوم هو موعد جلسة طلاق سيليا وجاد.
في صباح هادئ ومشرق في فيلا فؤاد البحيري، العائلة تجتمع حول طاولة الإفطار في غرفة الطعام الكبيرة. رائحة الخبز الطازج والشاي تملأ المكان. سيليا تجلس بجانب والدتها نجلاء، وأطفالها الثلاثة حولها. الجو مليء بالدفء والفرح. لينا الصغيرة تجلس في كرسيها الخاص على الطاولة، تلوح بيديها وتصدر أصواتًا طفولية. "يلا يا روحي، شوية حليب عشان تكبري زي أخواتك زياد ومازن." قالت نجلاء وهي تقدم ملعقة صغيرة من الحليب للينا بابتسامة. "إييه!
" ردت لينا وهي تضرب بيديها الصغيرتين على الطاولة وتصدر صوتًا طفوليًا. "شكلك مش عاجبك الحليب يا لينا؟ " قالت سيليا وهي تبتسم وتربت على يد لينا. "ماما، لينا مش بتحب الحليب، بس أنا شربت كل الحليب بتاعي." قال زياد وهو ينظر إلى لينا بفخر. "برافو عليك يا زياد، أنت كده هتبقى زي أمك زمان، كانت بتحب الحليب." ضحك فؤاد. "لينا، أهوه، كُلي! " قال مازن وهو يلتقط قطعة خبز صغيرة ويحاول إطعام لينا.
"مازن، لينا صغيرة على الأكل ده يا شاطر. سيبها تاخد الحليب." ضحكت نجلاء وهي تراقب المشهد. "واضح إنها زعلانة عشان مش بتفهم إحنا بنقول إيه." أشار ريان إلى لينا بابتسامة. "بس شكلها فاهمة كويس إنها محور الاهتمام دلوقتي." ربت مراد على رأس لينا بلطف. "دي فعلاً أميرة البيت. الله يحميها ويخليها." قبلت نجلاء يد لينا الصغيرة. "سيليا، اليوم مهم. لو احتجتي حاجة في جلسة الطلاق، أنا وسامر هنكون معاكي." قال أحمد بنبرة جادة.
"أكيد. إحنا هنا لأي حاجة تحتاجيها، المهم إنك تبقي مرتاحة." هز سامر رأسه موافقًا. "شكراً ليكم. أنا فعلاً مش عارفة كنت هعمل إيه من غيركم." قالت سيليا وهي تنظر إليهم بابتسامة ممتنة. "إحنا عيلة، وسيليا رجعت لعيلتها، دي أهم حاجة." ربت يوسف على كتفها. "وجودك معانا يا سيليا وأولادك رجع الحياة للبيت. الحمد لله على كل شيء." قال فؤاد بصوت مليء بالفخر. "ماما، هنروح فين بعد الفطار؟ " قال زياد بفضول.
"هنروح مشوار صغير يا حبيبي، وبعدين نرجع." ضحكت سيليا وهي تمسك بيده. "طيب يلا خلونا نكمل فطارنا، وعقبال ما أشوف بيتكم عامر يا سيليا." التفتت نجلاء للجميع. الجميع يبتسم، والأجواء تملؤها دفء العائلة. لينا تصدر أصواتًا طفولية، بينما يواصلون تناول الإفطار ويتحدثون عن يومهم القادم.
في غرفة سيليا في منزل والدها، سيليا تقف أمام المرآة تحاول أن تسرح شعرها، لكن يديها ترتجفان من التوتر. صوت طرق خفيف على الباب، ثم يدخل ريان بهدوء. "إزايك يا سيليا؟ جهزتي؟ " قال ريان بابتسامة مشجعة. "آه... بس مش عارفة، حاسة نفسي مش قادرة أواجه الموضوع." قالت سيليا وهي تنظر إليه عبر المرآة بقلق. "بصيلي يا سيليا." قال ريان وهو يقترب منها ويجلس على الكرسي بجانبها. "أيوه؟ " قالت سيليا وهي تلتفت إليه ببطء.
"إنتِ أقوى بكتير من اللي بتفكري فيه. عديتِ حاجات أصعب من كده، ودايمًا كنتِ واقفة على رجلك، ليه النهارده تخافي؟ " قال ريان وهو يمسك بيدها بلطف. "عشان الموضوع مش سهل، يا ريان. بعد كل اللي حصل، بعد كل الإهمال والخيانة، مش عارفة إذا كنت هقدر أواجهه في المحكمة." قالت سيليا بصوت مهزوز.
"جاد كان غلطتك الوحيدة، وكلنا بنغلط. بس المهم إنك دلوقتي بتاخدي القرار الصح، مش عشانه، عشانك إنتِ وأولادك." قال ريان بصوت هادئ ومليء بالثقة. "بس أنا خايفة، خايفة الناس تحكم عليا، خايفة على ولادي من اللي جاي." قالت سيليا وهي تنظر للأرض.
"اسمعيني كويس، الناس مش مهمة. اللي يهم هو إنتِ وأولادك. زياد، مازن، ولينا محتاجين أم قوية. وإنتِ أثبتي لهم ولنا كلنا إنك أم عظيمة." قال ريان وهو يمسك بكتفيها بلطف ويجبرها على النظر إليه. "بس جاد... ما كانش يحبنا، ما كانش يهتم بأي حاجة غير نفسه." تنهدت سيليا. "وده السبب إنك بتطلقي منه النهارده. عشان تبدأي حياة جديدة خالية من الإهانة والخيانة. مش هتسمحي لأي حد يقلل منك تاني." قال ريان بصوت حازم.
"إنت دايمًا بتعرف تهديني، ريان. شكراً." ابتسمت سيليا بخفة وهي تمسح دموعها. "أنا أخوكي، وده واجبي. ويلا بقى، نزلي وإحنا كلنا وراكي النهارده. هتبقي فخورة بنفسك لما كل ده يخلص." نهض ريان وابتسم. "إن شاء الله." تنهدت سيليا بارتياح. "إن شاء الله. ويلا نخلص، عشان المحكمة مش هتستنانا." غمز لها ريان. سيليا تبتسم له، وتنهض لتكمل تجهيزها. ريان يتركها وهي تشعر بالثقة والهدوء، مستعدة لمواجهة ما ينتظرها.
في شقة زين الفاخرة، الصمت يلف المكان، والأضواء خافتة. زين يجلس على الأريكة، أمامه كوب من القهوة الباردة لم يلمسه. ينظر إلى شاشة التلفاز المطفأة وكأنه يبحث عن شيء غير موجود. بجانبه صورة قديمة تجمعه بوالده. يأخذها بيده وينظر إليها بحزن عميق. "كنت معايا دايمًا، سندي وضهري... ليه سبتني؟ كل حاجة راحت من يوم ما مشيت، وأنا لوحدي... حتى البيت ده، واسع وفخم، بس مفيهوش حياة." قال زين بصوت منخفض وحزين.
يتنهد ويحرك يده على الصورة، ثم يتذكر اللحظات التي قضاها مع والده، عندما كانا يتحدثان ويضحكان. "لو كنت معايا دلوقتي، كنت هتعرف أنا حاسس بإيه. كنت هتفهم الوحدة اللي مالياني. كل واحد مع أهله، بيضحكوا ويتكلموا... وأنا؟! قاعد لوحدي، بيت صامت، وذكريات بتقتلني." قال زين بصوت يرتجف. ينهض ببطء ويتوجه نحو النافذة الكبيرة المطلة على المدينة. ينظر إلى الأنوار البعيدة بحزن. "حتى أمي...
لو كانت إنسانة حقيقية، لو فكرت ولو للحظة فيك بدل ما تدمر حياتك... يمكن كنت لسه هنا. بس لأ، هي فضلت نفسها، وضيعت كل حاجة." قال زين بصوت أعلى، وكأنه يلوم نفسه. يضرب الزجاج بقبضته بخفة، ثم يستدرك نفسه وينظر للأسفل. "سيليا... كل مرة أشوفها، بحس إن الدنيا ممكن تضحكلي تاني. بس... هي تستحق حد أحسن مني. حد عنده عيلة، مش واحد محطم زيي." قال زين بهمس.
يجلس على الأرض بجانب النافذة، ممسكًا رأسه بيديه. تمر لحظات من الصمت الثقيل قبل أن يرفع رأسه وينظر للسماء عبر الزجاج. "بابا... لو كنت هنا، كنت هتعرف أعمل إيه؟ كنت هتعلمني إزاي ألاقي السلام وسط كل ده؟ " قال زين بصوت مبحوح. يظل جالسًا هناك، محاطًا بصدى وحدته.
في المحكمة، سيليا تقف بجانب عائلتها، تحمل لينا الصغيرة على ذراعها، بينما يمسك زياد ومازن بيدها. عيونها ثابتة وواثقة، لكنها لا تخفي توترها. جاد يقف على الجانب الآخر مع عائلته. ينظر إليها بنظرات مليئة بالغضب والحقد. "جميلة اللعبة دي، مش كده؟ جايبة كل العيلة معاكِ عشان تعرضيهم في المسرحية دي؟ " قال جاد بصوت مستفز.
"لو حد هنا بيمثل، يبقى أنت. بقالك سنين بتلعب أدوار البطولة المزيفة. النهارده، الستارة هتقفل عليك." قالت سيليا وهي تنظر إليه ببرود. "فاكرة إنكِ كسبتي؟! ده مجرد توقيع ورقة، لكن عمرك ما هتكوني أكتر من زوجة فاشلة." ضحك جاد بسخرية. "كفاية وقاحة، جاد. أنت اللي خنت بنتي وضيعت كل حاجة. والنهارده، إحنا هنا عشان ننهي كل ده." تدخل فؤاد، والد سيليا، بحزم.
"جاد، كفاية بقى. إحنا هنا عشان نصلح اللي تقدر تتصلح، مش تزيد الأمور سوء." نظر كريم، والد جاد، إلى ابنه بعتاب. "بابا، متدخلش في الموضوع ده. سيليا هي اللي دمرت كل حاجة! " قال جاد بغضب. "لا يا جاد، أنت اللي دمرت حياتها وحياة أطفالها. كلنا عارفين الحقيقة، ومش محتاجين نسمع أكاذيبك تاني." نظرت نجلاء، والدة سيليا، إلى جاد بحدة. "طبعًا، العيلة المثالية جاية تلعب دور الضحية كالعادة." ضحكت جيسي، شقيقة جاد، بسخرية.
"جيسي، احترمي نفسك. الكلام اللي بتقوليه مالوش أي وزن هنا." نظر رائد إلى جيسي بغضب. "فاكرة ليلة جوازنا لما كنتِ تقولي إنكِ هتكوني معايا للأبد؟ أهو، الأبد خلص بسرعة، مش كده؟ " تقدم جاد بخطوة نحو سيليا بإبتسامة مستفزة. "الأبد الحقيقي هو اللي عشته مع أولادي بعيد عنك. والنهارده، أنا بقطع آخر خيط كان بيربطني بيك." قالت سيليا بهدوء، لكن بصوت واثق.
"ما تزعليش يا ماما، إحنا أقوى منه." قال زياد وهو يمسك بيد سيليا بشدة وينظر لجاد. "سيليا، إحنا هنا معاكِ. كريم وأنا دايمًا هنكون في صفك." قالت ثريا، والدة جاد، وهي تمسك بيد سيليا بحنان. "حتى إنتوا؟! بجد؟ " قال جاد وهو ينظر لوالديه بغضب. "أيوة، حتى هما. عشان كلنا عارفين مين الصح ومين الغلط. خلص اللي عندك، وخليك مستعد لمواجهة الحقيقة." تقدم أحمد، شقيق سيليا، بخطوة نحو جاد.
تم فتح باب المحكمة، ويطلب الحاجب من الجميع الدخول. سيليا تمسك بيد زياد ومازن، وتحمل لينا، وتنظر لجاد نظرة أخيرة قبل أن تقول بهدوء: "النهاية يا جاد، مش هتكون زي ما تتمنى." الجميع يدخلون القاعة، والأجواء مشحونة بالتوتر، لكن سيليا تبدو أقوى من أي وقت مضى. الجميع يجلس داخل قاعة المحكمة. القاضي يجلس في مكانه، والنظر متجه إلى سيليا وجاد. القاضي يطلب من سيليا الحديث عن أسباب طلب الطلاق.
"السيدة سيليا، اشرحي للمحكمة الأسباب التي دفعتك لطلب الطلاق من زوجك السيد جاد." قال القاضي بصوت جاد. "سيدي القاضي، زواجي من السيد جاد كان أسوأ تجربة في حياتي. في ليلة زفافنا، اكتشفت أنه خانني، وبالتحديد في نفس الليلة التي كان من المفترض أن تكون بداية حياتنا معًا. ومنذ ذلك اليوم، لم يعاملني إلا بالإهمال والاحتقار." قالت سيليا وهي تنظر إلى القاضي بثبات. "كفاية كذب، سيليا!
أنتِ دايمًا بتدوري على دور الضحية." قاطعها جاد بغضب. "السيد جاد، ستتحدث عندما يُطلب منك ذلك. استمري، السيدة سيليا." رفع القاضي يده ليوقف جاد. "بعد زفافنا، تركني في مصر وسافر إلى دبي بحجة العمل. كان يختفي لشهور، ولم يسأل عني أو عن أطفاله. لم يكن أبًا لأطفاله، ولم يكن زوجًا لي. كنت وحدي، أواجه الحياة بمفردي، بينما كان يعيش حياته بالطريقة التي يفضلها." قالت سيليا وهي تنظر لجاد بازدراء قبل أن تواصل.
"هل هناك وقائع محددة تدعم كلامكِ؟ " سأل القاضي. "نعم، يا سيادة القاضي. لديه سجل طويل من الخيانة. كان يعود إلى مصر بين الحين والآخر، لكنه كان يختفي عن المنزل ليالي متتالية، وعندما أواجهه، ينكر أو يبرر بسخرية. حتى أبسط حقوقي كزوجة، لم يمنحني إياها." قالت سيليا. "كفاية افتراء! سيليا مش ملاك زي ما بتحاول تظهر! هي اللي كانت بتخوني مع الضابط زين. كلنا شفنا كانت قريبة منه ازاي بعد حادثة الاختطاف! " قال جاد بغضب.
"هل لديك دليل على هذا الادعاء، السيد جاد؟ " نظر القاضي لجاد بحزم. "أنا... أنا شفتهم بعيني. كانت بتقضي وقت طويل معاه، وكل الناس كانت بتتكلم عنهم." تلعثم جاد. "زين؟ زين هو من أنقذ حياتي وحياة أطفالي عندما كنت في خطر. كان يؤدي واجبه كضابط شرطة شريف. وإذا كنت تبحث عن الخيانة، فلا تنظر بعيدًا، لأنها تنعكس في مرآتك." قالت سيليا. "السيدة سيليا، هل لديك شهود أو أدلة تدعم أقوالك؟ " سأل القاضي بهدوء.
"نعم، لدي رسائل ومكالمات تثبت خيانته. بالإضافة إلى شهادات من العاملين في المنزل، الذين رأوا أفعاله وسمعوا كلامه عني بأذنهم." قالت سيليا. "السيد جاد، هل لديك رد على هذه الادعاءات؟ " طلب القاضي من محامي سيليا تقديم الأدلة. "كل الكلام ده ملفق. سيليا بتدور على أي طريقة عشان تشوه سمعتي." قال جاد وهو يتظاهر بالهدوء.
"الأدلة المقدمة واضحة ومقنعة. بناءً على ذلك، المحكمة تقرر إنهاء هذا الزواج وفقًا لطلب السيدة سيليا، وتمنحها حضانة الأطفال كاملة. والسيد جاد ملزم بتوفير نفقة كافية للأطفال." قال القاضي بعد مراجعة الأدلة. "ده مش عدل! هي اللي خربت حياتي! " انفجر جاد بغضب. "حياتي ما كانتش حياتك عشان تخربها. أنا خلصت من سجنك، وأطفالي هيكونوا في أمان بعيد عنك." قالت سيليا وهي تنظر إليه للمرة الأخيرة. "الجلسة مرفوعة." قال القاضي.
سيليا تخرج من المحكمة مع عائلتها، تشعر بتحرر وراحة لأول مرة منذ سنوات. جاد يقف عاجزًا وسط قاعة المحكمة، محاطًا بنظرات والديه المتألمة وعتاب والدته ثريا. الجميع يخرج من المحكمة. سيليا تسير مع عائلتها، بينما تظهر جيسي غاضبة وتتقدم نحوها بخطوات سريعة. "سيليا! استني هنا! إنتِ فاكرة إنكِ خلصتِ مني ومن أخويا كده؟ لا يا حلوة، أنا مش هسيبكِ تعيشي حياتك بسلام! " قالت جيسي بغضب وحقد.
"جيسي، اللي بيني وبين جاد انتهى. أنا مش مهتمة باللي بتخططي له، وحياتي وأولادي بعيدين عن أي حقد." قالت سيليا وهي تنظر إليها بهدوء. "انسي! أنا هخرب حياتك زي ما خربتي حياتنا، وهتشوفي مين اللي هيضحك في الآخر! " قالت جيسي وهي تقترب أكثر وتشير بأصبعها في وجه سيليا. "كفاية بقى، جيسي!
كل ده بسبب حقدكِ اللي مالوش أي مبرر. سيليا مش عملت حاجة غلط، وهي طلعت من جحيم جاد اللي أنتي كنتِ بتدعميه فيه." تدخل ريان بحزم ووقف بين سيليا وجيسي. "وأنت مالك؟ دي مش مشكلتك. سيليا دمرت أخويا، وأنا مش هسكت." قالت جيسي وهي تلتفت لريان بتحدي.
"سيليا ما دمرتش حد. بالعكس، هي اللي دُمرت خمس سنين بسبب أخوكي اللي خانها وأهانها، ومع ذلك عاشت عشان أولادها. وأي محاولة منكِ لتدمير حياتها مش هتنجح، لأننا كلنا واقفين معاها." قال ريان وهو ينظر إليها بنظرات حادة. "هتشوفوا، أنا مش بهدد... أنا بقول الحقيقة! " قالت جيسي بتوتر.
"اسمعيني كويس، لو قربتي من سيليا أو حاولتي تأذيها، أنا هكون أول واحد يحاسبك. خلِّيكي بعيدة، وافهمي إن اللعبة دي انتهت." قال ريان وهو يقترب خطوة منها بصوت قوي. "سيبها يا ريان، الحقد مش هينفعها، وأنا مش هضيع وقتي معاها." قالت سيليا وهي تمسك بذراع ريان. "معاكي حق، الحقد هو اللي خرب حياتها وحياة أخوها." هدأ ريان قليلاً وابتسم لسيليا. "جيسي، كفاية بقى!
إحنا السبب في اللي حصل لسيليا، وأنا مش هستحمل أذي أكتر بسبب تصرفاتك." تدخلت ثريا، والدة جاد، محاولة تهدئة الموقف. "ماما! إنتِ دايمًا بتدافعي عنها! كفاية ضعف! " قالت جيسي وهي تلتفت لوالدتها بغضب. "مش ضعف، ده اعتراف بالحق. سيليا ما تستاهلش اللي عمله جاد، ولا اللي بتعمليه إنتِ." قالت ثريا بحزم. "هتشوفوا... أنا مش هنسى اللي حصل! " تراجعت جيسي غاضبة. "شكراً يا ريان، دايمًا سند." قالت سيليا وهي تتنفس بعمق وتنظر لريان.
"وأنا هفضل سندك طول حياتي، سيليا." ابتسم ريان. بعد انتهاء المواجهة مع جيسي، تتوجه سيليا نحو كريم وثريا والدي جاد. تقف أمامهما بهدوء بينما هما ينظران إليها بحب واهتمام. "عمو كريم، طنط ثريا... مش عارفة أبدأ منين، بس شكراً... شكراً على كل حاجة عملتوها عشاني، وعلى وقوفكم جنبي طول السنين اللي فاتت." قالت سيليا بصوت مشحون بالعاطفة.
"يا بنتي، إحنا ما عملناش غير واجبنا. كنتِ دايمًا زي بنتنا، وعمرنا ما هنسمح لأي حد يأذيكي، حتى لو كان ابننا." قالت ثريا وهي تمسك بيد سيليا بحنان. "سيليا، إنتِ بنتنا قبل أي حاجة. إحنا عارفين اللي عانيتِه بسبب جاد، وصدقيني إحنا كنا متضايقين من تصرفاته قدك وأكتر. لكن وجودك في حياتنا كان نعمة." قال كريم بابتسامة دافئة.
"عمري ما هنسى دعمكم ليا. لما كنت لوحدي ومقطوعة عن أهلي، كنتوا أنتم عيلتي. ولما كنت محتاجة كلمة طيبة أو حضن أهرب له، كنتوا دايمًا هناك." قالت سيليا وهي تمسح دمعة انزلقت على خدها. "إنتِ اللي كنتِ قوية يا سيليا، إحنا بس حاولنا نكون جنبك." قالت ثريا بابتسامة حزينة. "اللي حصل انتهى خلاص، وأهم حاجة إنكِ لقيتِ نفسك ورجعتِ لعيلتك. إحنا فخورين بيكي وباللي قدرتِ تعمليه." قال كريم وهو يضع يده على كتف سيليا.
"وجودكم في حياتي كان نعمة، وربنا يقدرني أرد لكم الجميل ده يوم." قالت سيليا وهي تنظر لهما بامتنان. "ما تقوليش كده، وجودك في حياتنا هو النعمة الحقيقية. وإحنا دايمًا هنا ليكي ولأولادك." قالت ثريا وهي تحتضن سيليا. "وأكيد الباب بتاعنا مفتوح ليهم دايمًا. دول جزء من عيلتنا." قال كريم وهو ينظر لزياد ومازن ولينا بابتسامة. "شكراً... على كل حاجة." قالت سيليا بابتسامة دافئة. "دايمًا معاكي، يا بنتي." قالت ثريا وهي تمسح دموعها.
سيليا تعانقهما بحرارة، وتشعر لأول مرة منذ سنوات بسلام داخلي حقيقي. في المساء، في فيلا فؤاد البحيري، الجميع متجمعون في غرفة المعيشة الفسيحة. الأطفال يلعبون بالقرب من الطاولة الكبيرة، بينما الكبار يتحدثون ويضحكون. الأجواء مليئة بالدفء والسعادة بعد يوم طويل من التوتر. "والله يا بنتي، البيت منور برجوعك. كان وحشني صوتك وضحكتك." قالت نجلاء وهي تجلس بجانب سيليا وتمسك يدها بحب. "العيلة كلها متجمعة النهارده...
حاجة ما حصلتش من زمان. الحمد لله على النعمة دي." نظر فؤاد للجميع بفخر. "الحمد لله يا فؤاد، بس الفضل لسيليا. رجوعها جمعنا كلنا." قالت ليلى وهي تضحك. "طب لو رجوعها جمعنا، أنا بقول نخليها مسؤولة عن لمّة العيلة كل أسبوع." قال ريان مازحًا. "مش مشكلة يا ريان، بس بشرط... أنت اللي هتساعدني في التحضيرات." ابتسمت سيليا. "جدو! عاوز ألعب معاك كورة! " ركض زياد نحو جده فؤاد. "طيب يا بطل، بس لو فزت عليّ مش تقول لحد!
" ضحك فؤاد وهو يرفع زياد بين ذراعيه. "خالو يوسف! عاوز شوكولاتة! " يتشبث مازن بيد خاله يوسف. "بس كده؟ حاضر يا بطل، بس بعد ما تأكل كويس." قال يوسف وهو يمسك مازن ويجلسه على ركبتيه. "بابا، لينا بتحبني؟ " سيلين تنظر إلى لينا وهي تحاول مداعبتها. "طبعًا يا سيلين. كلنا بنحبك." ابتسم تميم. "طنط منار، شكلك مشغولة بتفكر في حاجة. قولي لنا، أي جديد عندك؟ " قالت ليلى وهي تنظر إلى منار وتمازحها.
"بصراحة، مشغولة بتفكر في شقاوة الأولاد! " ضحكت منار. "ما شاء الله... والله يا سيليا، شقاوة أولادك تفرح. زياد ومازن طاقة إيجابية." قال أحمد بجدية. "آه، بس بلاش يجيبوا الطاقة دي على الكنب الجديد! " ضحك مراد. "سيبوا الطاقة دي عليّ. أنا اللي مسؤولة عن دلعهم." ضحكت نجلاء وهي تحمل لينا بين ذراعيها. "ريان، ممكن تلعب معايا بلايستيشن بعد العشا؟ " ماهر يقترب من ريان. "أكيد يا بطل، بس بشرط... لو فزت عليّ مش تقول لحد!
" قال ريان وهو يربت على كتفه. فجأة، يقف رائد بجانب والدته ليلى، ويبدو مترددًا للحظات، لكنه يجمع شجاعته ويتحدث بصوت واثق. "لو سمحتوا يا جماعة، عايز أتكلم معاكم في موضوع مهم." الجميع يلتفت إليه بصمت وترقب، ونجلاء تبتسم بحنان: "قول يا رائد، إحنا كلنا معاك." "أنا... فكرت كتير قبل ما أقول ده. بس بما إننا متجمعين النهارده وكلنا عيلة واحدة، حابب أشارككم خبر مهم." قال رائد وهو يتنفس بعمق. "خير يا ابني؟
إحنا سامعينك." شجعه فؤاد. "أنا قررت أتقدم لكارما." قال رائد. الجميع ينظر إليه بدهشة للحظات، قبل أن تتحول الدهشة إلى ابتسامات وفرحة. "كارما؟ بنت عمك فوزي؟ " قالت ليلى باندهاش وسعادة. "أيوة يا أمي. أنا وكارما بنتفاهم كويس، وحاسس إنها الإنسانة اللي نفسي أكمل حياتي معاها." هز رائد رأسه. "ما شاء الله! ألف مبروك يا رائد. كارما بنت طيبة ومؤدبة، وتستاهلك أنا شفتها لما كنا عند ليلى من شهر." قالت نجلاء بفرح.
"وأخيرًا قررت تقول، كنا منتظرينك تعترف ده من زمان." مازحه يوسف. "كارما بنت جميلة، وأنا واثقة إنها هتكون زوجة رائعة ليك." ابتسمت سيليا وتشجعه. "أنا فخورة بيك يا ابني. لو ده اللي يريحك ويسعدك، يبقى قدامك كل الدعم مني." قالت ليلى وهي تمسك بيد رائد وهي مبتسمة. "بس خلي بالك، الزواج مسؤولية كبيرة، مش زي ما بتشوفه في الأفلام." نظر أحمد إلى رائد مازحًا.
"بس يا رائد، متنساش تدعونا لفرح أسطوري، عشان نحتفل بيك وبكارما." ضحك ريان. "أكيد، بس بعد ما تتأكدوا من رضا كارما الأول." ضحك رائد. "كارما أكيد موافقة، وإلا ما كنتش هتتكلم بكل ثقة قدامنا." ابتسم تميم. "إيه رأيك يا أبو أحمد؟ عندنا خبر جديد يفرح الليلة." نجلاء تنظر لفؤاد. "أنا موافق. رائد شاب محترم، وكارما بنت عيلة. ربنا يتمم بخير." ابتسم فؤاد بفخر.
"شكراً ليكم كلكم. كنت محتاج أشارككم الخبر ده قبل أي حد." قال رائد بعينين لامعتين. الأجواء تملؤها السعادة والفرحة، والجميع يهنئون رائد، بينما الأطفال يستمرون في اللعب بسعادة بريئة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!