تحميل رواية قيود العشق بقلم سيليا البحيري pdf
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الساعة 8:25 صباحا بتوقيت الجزائر.... كانت تلك الفاتنة صاحبة ال22 عاما.... تجلس على مقعد طائرة الخطوط الجوية الجزائرية.... المتجهة من الجزائر العاصمة إلى القاهرة.... و ممسكة بيدها كتابا لرواية أرض زيكولا... و تقرأه بتمعن.... أفاقها من تركيزها صوت ابنها الصغير.... "مازن".... قائلا.... مازن ( بطفولة): ماما...احنا رايحين فين؟؟ سيليا ( بحنان): رايحين لبلدنا يا حبيبي.... مازن ( بحزن طفولي): يعني مش هشوف اصحابي..... تاني؟ سيليا: لا... أبدا يا حبيبي..... كادت سيليا أن تكمل كلامها... لكن قاطعهما صوت بكاء...
رواية قيود العشق الفصل الأول 1 - بقلم سيليا البحيري
الساعة 8:25 صباحا بتوقيت الجزائر....
كانت تلك الفاتنة صاحبة ال22 عاما.... تجلس على مقعد طائرة الخطوط الجوية الجزائرية.... المتجهة من الجزائر العاصمة إلى القاهرة.... و ممسكة بيدها كتابا لرواية أرض زيكولا... و تقرأه بتمعن....
أفاقها من تركيزها صوت ابنها الصغير.... "مازن".... قائلا....
مازن ( بطفولة): ماما...احنا رايحين فين؟؟
سيليا ( بحنان): رايحين لبلدنا يا حبيبي....
مازن ( بحزن طفولي): يعني مش هشوف اصحابي..... تاني؟
سيليا: لا... أبدا يا حبيبي.....
كادت سيليا أن تكمل كلامها... لكن قاطعهما صوت بكاء طفلتها الصغيرة.... "لينا" نسختها المصغرة......
سيليا ( وهي تمسك بها و تضمها إليها بحنان): خلاص يا حبيبتي....
لتضع في فمها اللهاية.... و دخلت الطفلة في سبات عميق....
بعد حوالي 4 ساعات... وصلت الطائرة إلى مطار القاهرة الدولي.... و نزلت سيليا رفقة اولادها من الطائرة..... و اتمت اجراءات المطار... و عندما خرجت وجدت "رائد" ابن عمتها في استقبالها
رائد ( بمرح): نورتوا مصر....
سيليا ( بإبتسامة): بنورك.....
مازن ( بطفولة وهو يركض نحو رائد): خالو....
رائد ( وهو يحمله و يقبل وجنته): حبيب خالو...عامل إيه ؟
مازن: أنا كويس.....
انحنى رائد لمستوى زياد.... و أردف قائلا
رائد: عامل إيه يا زيزو....
زياد ( بحنق طفولي): أنا زياد مش زيزو... بطل تقولي الكلمة دي... مش بحبها....
رائد ( بمشاكسة): حاضر يا زيزو... هفكر....
زياد ( وجهه أحمر من شدة الغضب): أنا زياد.....
أكمل رائد كلامه
رائد: يلا .... ماما مستنية وصولكم من امبارح...
سيليا ( بمرح): عارفة..... عمتي هي عمتي... مش هتتغير....
رائد ( بتردد): هتروحي لأهلك ؟؟
سيليا ( بجمود): رائد... اقفل الموضوع ده.... هم صفحة و انطوت..... لو اتكلمت في الموضوع ده تاني هتنخانق... كفاية جاد و قرفه....
رائد ( بنفور): جاد ده.... معرفتش عقلك كان فين لما اتجوزتيه.....
سيليا ( وهي تصعد السيارة): يلا بينا يا رائد... كفاية رغي ملوش لزوم....
رائد ( بيأس): حاضر يا ستي... احنا رايحين اهو....
ركب رائد في كرسي القيادة... و اتجهوا نحو فيلا ليلى هانم
في مكان آخر... في فيلا كبيرة في الاسكندرية.... يجلس ذلك الرجل... الذي لا زال يحافظ على جماله و صحته رغم تقدمه في السن.... قليلا على سريره... و هو ممسك بصورة ابنته الغائبة منذ 6 سنوات ...
فؤاد (بحسرة): سامحيني يا بنتي.... ندمت... ندمت.....
ليضع الصورة... و ينزل للأسفل... و يجد عائلته متجمعة على طاولة الإفطار
أحمد (بإبتسامة): صباح الخير يا بابا....
فؤاد: صباح النور يا حبيبي...
ليتجه إليه اولاده الأربعة و يقبلون يده واحدا تلو الآخر.. و هو ينظر لهم بفخر.... و حسرة على فقدان ابنته....
نجلاء ( زوجته): أنا هروح للمقبرة انهارده.....
نظر إليها زوجها و اولادها بحزن... و اخفضوا رؤوسهم جميعا
فؤاد: تمام... هاجي معاكي.....
ريان ( و عينه تكاد تدمع): ياريت كل ده محصلش.... بتمنى افيق... و ألاقي نفسي فكابوس.....
فؤاد (بحكمة): كل حاجة عملها ربنا فيها خيرة.... ده القدر..... بالعافية....
ليتركهم و يغادر.... و ينظر الإخوة لبعضهم بحزن.....
في دبي.... استيقظ ذلك الشاب..... و وجد نفسه في فراش مع احدى العاهرات اللواتي يفعلن المحرمات مقابل المال..... زفر بضيق... و لكن نظر إلى الجهة المقابلة... و وجد والدته تنظر له بغضب حارق
ثريا (بغضب): يلا قوم.... قوم يا ابن بطني.... نهايتي هتكون على ايدك.... يلا.... قدامي....
حاول الاعتراض... و الدفاع عن نفسه ككل مرة... لكن قاطعته والدته بصرامة
ثريا: قسما بالله لو فتحت بوقك بكلمة.... هقول لأبوك..... و مش هخبي عليك... كفاية مراتك الغلبانة اللي سايبها في الغربة شقيانة معا اولادك....
جاد (بإعتراض): يا ماما... دي خدامتي بس ..... أصلا اتجوزتها عشان كده.....
زاد غضب ثريا من كلام ابنها... لكن قاطعهم استيقاظ تلك العاهرة.... التي أردفت قائلة بدلع
لوسي (بوقاحة): على فين يا جاد؟؟ خلينا معا بعض اكتر....
جذبها جاد من شعرها...... و أردف قائلا بحدة
جاد: عندك... دقيقة... تغوري من شقتي... و م أشوفش وشك دا تاني...
لوسي ( بخوف): حاضر....
لترتدي ملابسها... و تغادر الشقة... تحت نظرات ثريا المحتقرة.....
ثريا (بغضب): قدامي....
زفر جاد بضيق... و غادر رفقة والدته نحو منزل والده
بعد مدة قصيرة.... وصل جاد و ثريا الى منزل العائلة... و كان "كريم" ... والده في انتظاره.. و هو يجلس على الأريكة الفاخرة..... و يضع قدما فوق الأخرى...
كريم (بسخرية): أهلا بالبيه المحترم.... اللي بيقضي الليل كله في الجامع.....
جاد (بإعتراض): يا بابا... أنا عايز انبسط... و اريح عن نفسي.... شقيان طول النهار في الشركة....
كريم ( وهو ينظر لزوجته): شفتي آخرة دلعك يا ثريا هانم.....
ثريا ( بخوف): يا كريم... أنا حاولت معاه أكتر من مرة.....
كريم ( بغضب و توعد): عندك فرصة أخيرة يا جاد...... لو ما تعدلت هطلق سيليا منك... و اساعدها تاخد الاولاد.... و انبسط أنت مع الجواري تبعك..... و اجوز سيليا من اللي يقدر يحافظ عليها و يصونها كويس.....
ما إن استمع جاد لكلام والده حتى غلت الدماء في عروقه... و احمر وجهه من شدة الغضب... و أردف قائلا
جاد: سيليا مراتي... و ملكي أنا وبس.... و اللي يفكر مجرد تفكير أنه يقرب منها.... هربيه كويس.... عن اذنكم....
ليترك والديه... و يصعد لغرفته لتبديل ملابسه للذهاب للعمل.... تحت نظرات الغضب من كريم و ثريا... و نظرات الحقد من "جيسي" التي أردفت قائلة
جيسي: منك لله يا سيليا.... علاقة بابا و ابيه باظت بسببك.....
في فيلا ليلى الشاوي كانت هذه الأخيرة سعيدة للغاية فقد عادت ابنة أخيها من سفرها الذي دام سنتين كاملتين للجزائر
ليلى (بسعادة): مش مصدقة أن سيليا حبيبتي رجعت
سيليا ( بإبتسامة): صدقي يا عمتو و أنا مش هسافر تاني هفضل معاكي دايما
ليلى ( بفرحة) : بجد ؟
سيليا ( بحب): بجد يا عمتو
رائد ( بمرح): يلا كفاية أحضان أنا جعت و عايز آكل
ليلى ( بضيق مصطنع): يا ولد سيبني اقعد معا بنت أخويا و بعدين ناكل براحتنا
رائد ( بمرح): أنا بقول ناكل دلوقتي قبل ما الولاد يصحوا و يقلبوا الدنيا
سيليا ( بغضب مصطنع): رائد دول ولادي متنساش
رائد ( بملل): اه يا ختي عارف و عارف انهم ورثوا جيناتك الهبلة
سيليا ( وقد احمر وجهها من الغضب): رائد
رائد ( وهو يحتضنها): وهفضل دايمًا جنبك وسند ليكي ولولادك، ومفيش حاجة في الدنيا هتغير ده
تأثرت سيليا بكلام رائد و ارتمت في حضنه و هي تبكي بشدة و رائد يربت على شعرها و ليلى تنظر لهما بحزن
أردف رائد بمرح مغيرا الموضوع
رائد: يلا مش هناكل ولا إيه ؟؟
سيليا ( بإبتسامة مصطنعة): ههههه محسسني أنك مكلتش من أسبوع
رائد (بضيق مصطنع): ليلى هانم قدامك اهي من ساعة ما اتكلمتي معاها و قلتي أنك هترجعي مصر صارت ساكنة بالمطبخ ليل نهار بعد ما نست المطبخ عامل ازاي
ليلى ( بحنق): بقى كده يا رائد
رائد ( بخوف و وهو ينظر لوالدته التي نزعت الشبشب وهي تصوبه نحوه): خلاص يا ست الكل مقلتش حاجة
سيليا ( بإبتسامة): يلا ناكل زي ما قال رائد نستغل الفرصة و الولاد نايمين
ليلى (بحنان): يلا اتفضلوا يا ولاد
ليجلس الثلاثة على مائدة العشاء و هم يتحدثون في شتى المواضيع
في دبي كان جاد يتابع أعماله بالشركة حتى قاطعه رنين هاتفه من رقم دولي وكانت زوجته سيليا زفر بضيق منها و أردف قائلا
جاد (بنفور): ودي عايزة ايه كمان ؟؟ مش كفاية أني اصرف عليها و على عيالها
قاطع كلامه حديث السكرتيرة ناردين الماكرة
ناردين (بدلع): سيبك من الخاينة دي يا بيبي
جاد ( بحدة ): ناردين سيليا مراتي و لسه على اسمي و مسمحلكش تتكلمي عليها طول ما هي على ذمتي
ناردين ( بخبث): طلقها انتا مستني إيه ؟
جاد (بحقد): آخد منها الولاد بس
ناردين (بخبث): و أنا هحطهم فعينيا
جاد (بمجاملة): عارف يا حبيبتي مش هتقصري
ليكمل عمله و ناردين تنظر له بنظرات خبيثة مثل روحها
في مكان آخر نذهب إليه لأول مرة في مصر في فيلا جليل البحيري كانت منار زوجته تقف عند الخدم و تأمرهم بغسل الصحون حتى جاء ابنها تميم فقد كان في مهمة للقبض على تجار المخدرات أردف منار بحنان و قلق و خوف
منار: تميم حبيبي أنتا كويس؟
تميم ( بتعب): أنا كويس يا أمي متقلقيش
منار ( بعتاب) كام مرة قلت لك سيب الشغلانة دي و انزل اشتغل معا أبوك بالمكتب احسن
تميم ( بإعتراض): يا أمي، أنا اخترت الطريق ده عشان حماية البلد دي هي رسالتي، وماقدرش أكون غير الضابط اللي اتعلم يدافع عن بلده، مهما كانت المخاطر
منار ( بعناد) يا ابني، أنا خايفة عليك... البلد عمرها ما هتخلص من المشاكل، وانت ضنايا، مش عايزاك تضيع حياتك وسط الخطر. أبوك عنده شركة كبيرة ومستنيك تبقى جنبه، ده اللي هيطمن قلبي عليك
تميم ( بحزن شديد): يا أمي، سيليا راحت ضحية للناس دي، وأنا مش هقدر أسكت وأسيب اللي حصل يضيع من غير ما أعمل حاجة. لازم أكمل شغلي وأوقف الناس اللي زيهم، عشان محدش تاني يخسر حد غالي عليه زي ما إحنا خسرناها و لازم اجيب حقها من الناس دول
منار: يا تميم، أنا فاهمة وجعك على سيليا، بس اللي راح خلاص ما بيرجعش. أنا مش عايزة أخسرك إنت كمان، الحياة مش لازم تكون كلها تضحية. فكر في نفسك وفي اللي بيحبوك
كاد تميم أن يكمل كلامه لكن قاطعهم مجيئ والده جليل ، الذي على ما يبدو أنه استمع لكل شيء
جليل (بهدوء و فخر): منار، سيبيه يكمل الطريق اللي اختاره. تميم راجل مسؤول، ودايمًا كان على قد المسؤلية. أنا فخور بيه وباللي بيعمله عشان البلد دي. زي ما إحنا ضحينا عشان نربيه، هو كمان مستعد يضحي عشان يحمي الناس. ده ابننا، ويستاهل كل فخر
منار : أنا عارفة إنه مسؤول ودايمًا بيعمل الصح، بس قلبي مش مطاوعني. ما بقدرش أمنع خوفي عليه... بس ماشي يا جليل، خلاص، طالما ده قراره، ربنا يحميه ويكتب له السلامة
رواية قيود العشق الفصل الثاني 2 - بقلم سيليا البحيري
في فيلا ليلى الألفي ،كانت سيليا تجلس على الكرسي في الحديقة وهي تحاول الاتصال بزوجها جاد ، الذي رفض مكالمتها بعد أن اتصلت به مرات عديدة.
سيليا (بتوعد): ماشي يا سي جاد ، أنا هوريك مين هي سيليا البحيري.
لتزفر بضيق، وتتجه نحو غرفتها لتنام قليلا، فهي لم تنم منذ عدة أيام.
في فيلا البحيري، كان فؤاد وزوجته نجلاء قد عادا من المقبرة بعد أن قاما بزيارة قبر ابنتهما، كانت نجلاء منهارة فرغم مرور عدة سنوات على وفاة ابنتها إلا أنها لم تتخطى الصدمة بعد.
فؤاد (بدموع متحجرة): خلاص يا نجلاء، حالتك دي بتقطع قلبي.
نجلاء (بإنهيار): هعيش إزاي يا فؤاد؟ كل يوم بيعدي كإني بموتها من تاني، ما عداش يوم من غير ما أحس بفقدانها، كإن روحي راحت معاها.
فؤاد (بحسرة): عارف يا نجلاء إن فقدانها كسرنا، بس ولادنا التانيين محتاجيننا. لازم نفضل معاهم، همّ كمان فقدوا أختهم وحاسين بالألم زيّنا. مش هقدر أعوض مكانها، بس إحنا لسه عندنا اللي نعيش عشانه.
نجلاء: عارفة يا فؤاد، عارفة إن ولادنا محتاجيننا، بس قلبي مش قادر، كل ما ببص في وشهم بشوفها فيهم. كانت آخر العنقود، وروحي راحت معاها. مش عارفة أعيش من غيرها.
فؤاد مد إيده بحنية، يمسح دموع نجلاء اللي ما بطلتش، وبعدها حضنها بهدوء كأنه بيحاول يشيل معاها الحمل اللي كاسرها. ما اتكلموش تاني، بس السكون بينهم كان بيقول كل حاجة، الحزن، الفقدان، والحب اللي مخلّيهم متماسكين وسط الألم.
في دبي، جاد وجيسي يجلسان في غرفة المعيشة الواسعة في منزل والدهما، حيث الأثاث التقليدي الأنيق والأرائك الجلدية. تضيء الأضواء الدافئة الغرفة، وتزين الجدران صور عائلية تعكس ذكريات الطفولة. من النافذة، تظهر حديقة المنزل المزدهرة. جاد يستند إلى الكرسي بتهكم، بينما جيسي تجلس على الأريكة، تضحك بسخرية على حديثه.
جاد وهو يضحك بتهكم: عارفة يا جيسي؟ كأنها لوحة جميلة معلّقة على الحائط، بس مافيهاش روح. جمالها مش بيكفي، كل يوم بحس إني متجوزة فراغ.
جيسي بابتسامة ساخرة: وأنا بقول، إيه الفايدة من الجمال لو مافيش عقل ولا شخصية؟ مجرد ديكور.
جاد وهو بيتكلم مع جيسي بسخرية: تخيلي، سافرت علشان ولادة مازن، ولما وصلت، سيليا كانت مشغولة بالولادة ورعاية الأولاد، وأنا كنت بقول لنفسي: 'فين المتعة في كل ده؟' كأنها قاعدة تخوض معركة عائلية وأنا بس ضيف عندها.
جيسي بتضحك بسخرية: آه، أكيد هي مش فارقة معها! هي بس مركزه على الأولاد ومسؤولياتها، ونسيت إنك موجود. كأنها مش شايفة قد إيه أنت محتاج اهتمام. بس ما تقلقش، في النهاية، هي مش هتغير، دي هي شخصيتها.
قطع حديثهما الجارح بحق سيليا دخول والدتهما ثريا و على وجهها علامات الغضب.
ثريا وهي تدخل الغرفة بصوت عالي: يا ولاد، مش شايفين سيليا قد إيه بتتعب وبتضحي عشانكم وعشان ولادها؟ جاد، لو عايز تسخر من مراتك الطيبة، أنا هطلقها منك و مش هاسمح لحد يجرحها أو يقلل من قيمتها! كفاية بقى.
جاد، وهو يرد على والدته بنبرة متوترة: ماما، مش أنا اللي بسخر منها! هي اللي مش فاهمةني ومش شايفة غير الأولاد. أنا بحاول أكون موجود، لكن كل اللي يشغلها هو البيت والأطفال. أنا مش حاسس إن في مكان ليه في حياتها.
ثريا، وهي تتنهد بأسى: جاد، إنت مش فاهم إن سيليا قاعدة لوحدها مع الأولاد طول السنة؟ إنت مش موجود غير مرتين في السنة، وهي اللي بتتحمل كل المسؤولية. مش معقول إنك تظلمها وتقول إنها مش مهتمة بيك! هي بتضحي بحياتها عشان تربي الأولاد، وأنت بس عايز تضحك وتستمتع من غير ما تشوف تعبها، يا خسارة تربيتي فيك يا ابن بطني ، يا خسارة.
لتتركه و تذهب بخيبة أمل في ابنها، ليلحق بها جاد وهو يحاول أن يراضيها تحت نظرات الحقد من جيسي تجاه سيليا.
في مصر، في صالة الرياضة، كان رائد يمارس الرياضة بنشاط و حيوية، لكن استوقفه دخول سيليا وهي بحالة مزرية و كانت الدموع تتلألأ بعينيها الزرقاوتين الجميلتين، فزع رائد لمظهرها و اتجه نحوها بهلع وخوف.
رائد (بهلع): سيليا حبيبتي ، حصل ايه يا قلب اخوكي؟
سيليا (بإنهيار): تعبت يا رائد ، تعبت والله.
رائد ( وهو يمسح على شعرها بحنان و يضمها نحوه): احكيلي يا قلب رائد متخبيش عليا.
سيليا ( وهي تمسح دموعها): اتصلت بجاد النهاردة عشان أطلب منه يجي لي ولو مرة، بس ماردش على اتصالاتي، كأني مش موجودة في حياته، حاسة بالوحدة والألم، وكأني عايشة في سجن بعيد عن عائلتي.
شعر رائد بأن الدماء تغلي في عروقه، و حمل جاد المسؤولية الكاملة لحالة سيليا، وتوعد له بالأسوء.
رائد( بحزم): أنا مش هسمح لجاد إنه يتجاهلك كده، وإنتي مش لوحدك. أنا هنا عشان أساندك، وحقك تكوني مرتاحة وسعيدة. لازم تحسي إن في حد يهتم بيكي وبولادك، وأنا و ماما هنكون معاكي دايما و مش هنسيبك أبدا.
ما إن انهى رائد كلامه حتى انهارت سيليا بالبكاء و بعد لحظات فقدت الوعي بين احضانه.
رائد (بهلع): سيليا! إنتي كويسة؟! فتحي عينيكي، أنا هنا جنبك، مش هسيبك. استني شوية، هجبلك مساعدة، يا كارما ، كارما.
كان رائد يصيح بأعلى صوته مما جعل المدربة الشابة كارما تأتي بسرعة و التي فزعت من منظر رائد و سيليا الفاقدة للوعي بين احضانه.
كارما (بفزع): نهارك اسود يا رائد ، هببت إيه؟
رائد (بحنق): اقفلي بوقك ده يا كارما ، و يلا ساعدني عشان نوديها المشفى.
كارما (وهي تومئ له): حاضر ، حاضر.
لتذهب بسرعة و تحضر السيارة و يأخذوا سيليا للمشفى.
بعد ساعة أو أقل وصلوا للمشفى، أبواب الطوارئ بتفتح بسرعة، ورائد بيقتحم المكان شايل سيليا بين دراعاته، وملامح الخوف والتوتر باينة على وشه. جنبه كارما، وهي شايلة شنطتها وماشية بسرعة معاه. سيليا، اللي انهارت فجأة في الجيم بعد كلام تقيل عن إهمال جوزها ليها، باينة شاحبة قوي بين دراعاته، وكأن الحياة بتهرب منها شوية بشوية.
رائد (بصوت مرتجف وهو داخل بسرعة): "محتاج مساعدة فورًا! هي فقدت وعيها فجأة، مش عارف إيه اللي حصل!"
الطاقم الطبي بيجرى عليهما، ودكتور بيشاور له يحط سيليا على النقالة. رائد واقف للحظة، مش قادر يبص بعيد عن وشها المتعب.
الدكتور (بصوت مطمئن): "حطها هنا، هنفحصها على طول."
رائد بيحط سيليا بحذر على النقالة، ويمسك إيدها بلطف، كأنها هتضيع منه. كارما بتتقدم خطوة لقدام، بتراقب الموقف وهي هادية، بس القلق على صاحبتها باين عليها.
رائد (بصوت مكسور): "دي اختي الصغيرة... كانت في حالة وحشة قبل ما تفقد الوعي."
الممرضة (بلطف وهي بتحاول تهدي رائد): "فاهمة قلقك، بس سيبنا نعمل شغلنا دلوقتي. هنفحصها كويس."
رائد بيتراجع شوية، بس عنيه لسه متعلقة بـ سيليا اللي بترتعش بين لحظات الوعي واللاوعي. لسه ماسك إيدها، مش قادر يسيبها خالص.
الدكتور (بيتكلم مع رائد): "كانت بتشتكي من أي أمراض مزمنة؟ أو مرت بضغط كبير مؤخرًا؟"
رائد (بيهز راسه بألم): "لأ، مفيش أي أمراض. بس الضغط النفسي.... جات لي النهاردة وهي مدمرة من جواها. كانت نفسيتها أكتر من اللي تقدر تستحمله."
الدكتور بيسجل المعلومات وبيوجه الممرضين يعملوا الفحوصات اللازمة. رائد بيتراجع شوية، بيعدي إيده على وشه، وقلبه بينبض بخوف كبير.
رائد (بصوت منخفض وهو بيبص لـ سيليا): "سيليا، ما تسيبينيش. إنتي قوية، كل حاجة هتبقى كويسة، أنا هنا معاكي..."
كارما (بتحط إيدها على كتفه عشان تدعمه): "هي محظوظة إنك موجود جنبها، رائد. هي فعلاً محتاجة حد يهتم بيها."
جهاز المراقبة بيصدر أصوات ثابتة، ورائد بيحس براحة شوية لما بيشوف سيليا تستقر على سرير المستشفى. بيقعد على الكرسي جنبها، ماسك إيدها بلطف.
الممرضة (بتقرب): "حالها استقرت دلوقتي، محتاجة ترتاح. هنراقبها ونتابع حالتها."
رائد (بيتنهّد بارتياح): "الحمد لله... شكرًا ليكم."
بيبص تاني على سيليا، وبعدها بيتلفت لـ كارما بابتسامة صغيرة.
رائد (بصوت هادي): "كنتي دايمًا قوية يا سيليا، وهتعدي منها أقوى من أي وقت فات."
كارما (بابتسامة دافية): "ومادام إنت جنبها، عمرها ما هتبقى لوحدها."
رائد بعد ما سمع كلام كارما واطمأن إن سيليا حالتها استقرت، اتحول وجهه من القلق للغضب المكبوت. عينيه كانت مليانة نار، وحاجبه انعقد بشدة. مسك إيد سيليا برفق، وبعدين بص بعيد، كأنه بيكلم نفسه لكنه بصوت مسموع.
رائد (بصوت غاضب ومكبوت): "جاد ده...، هو اللي وصلها لكده. مش قادر أصدق إن إنسان ممكن يهمل مراته بالشكل ده ويخلّيها توصل للانهيار."
كارما واقفة جنبه، بتراقب ملامحه اللي بتحول من الحزن للغضب الشديد. حسّت بالتوتر، لكن فاهمة كويس مشاعر رائد العميقة تجاه سيليا.
كارما (بصوت هادي تحاول تهديه): "رائد، أنا فاهمة إنك غضبان، بس سيليا محتاجة منك تكون قوي دلوقتي. مش لازم نركز على جاد دلوقتي، المهم إنها تتحسن."
رائد (بنبرة حادة وغاضبة): "كارما، مش هقدر أسيب الموضوع كده. سيليا مش مجرد حد أعرفه... هي زي أختي. جاد أهملها، كسرها، وخلّى حياتها جحيم. إزاي كان يقدر يعيش بعيد عنها بالشكل ده؟! ولادها كمان؟! ازاي سابهم؟! مش هسامحه أبدًا."
سكت شوية، وأيده بتشد على إيد سيليا اللي نايمة قدامه. الغضب بقى واضح أكتر، ووشه بقى مليان كراهية تجاه جاد.
رائد (بحقد واضح): "لو قابلته... مش هرحمه. هو السبب في كل ده، ولو فكر يرجع أو يتعامل معاها بنفس الطريقة، أنا اللي هتدخل. سيليا مش هتبقى لوحدها تاني، وأنا مش هسمح له يضرها أو يكسرها تاني."
كارما (بنبرة قلق): "رائد، أنا عارفة إنك بتحبها وبتعتبرها أختك، بس خلي بالك. الغضب مش هيساعد دلوقتي. لازم نبقى هاديين عشان نقدر نساعد سيليا فعلاً."
رائد (بإصرار): "أنا هادي يا كارما... لكن مش هسكت. جاد لازم يدفع تمن اللي عمله، واللي عمله في ولاده كمان. لو كان فاكر إنه بعيد في دبي ومش هيتحاسب، يبقى غلطان. أنا مش هسيبه يعيش مرتاح وهو السبب في اللي حصل لسيليا."
كارما (بتحاول تتفهم): "خلاص، خليك معاها دلوقتي، هي محتاجاك. بس خلي بالك من نفسك كمان، ما تخليش الغضب يسيطر عليك."
رائد (بصوت منخفض لكنه مليان غضب): "الغضب هو اللي مخليني واقف على رجلي دلوقتي. وصدقيني، مش هسكت غير لما أخد حق سيليا."
جلس على الكرسي جنب سيليا تاني، وعينيه بتلمع بالغضب والإصرار. في داخله، كان عارف إنه مش هيسيب جاد يهرب من اللي عمله.
في مكان آخر نذهب إليه لأول مرة، داخل غرفة في مركز للمخابرات المصرية، زين يجلس على مكتب يملأه بعض الملفات السرية. يحدق إلى نقطة بعيدة، غارقًا في تفكير عميق، تسيطر على ملامحه الجدية والقلق. يسمع خطوات خفيفة تقترب بسرعة، ويقطع هذا الهدوء دخول تميم، صديقه وزميله المقرب، بابتسامته المعتادة التي لا تفارقه.
تميم (مبتسمًا وهو يدخل): "أقول لك، يا زين، لما تكون غرقان في التفكير كده، شكلك بيبقى زي فيلم أكشن من غير صوت!"
زين (بجدية دون أن ينظر إليه): "كل حاجة عندك سهلة، مش كده يا تميم؟"
تميم (يجلس أمامه ويرفع حاجبيه بمرح): "مش سهلة، يا صاحبي، بس الحياة فيها مساحة للضحك وسط كل ده. أنت متخيل إنه لو فكرت كتير هتلاقي الحل؟"
زين (بنبرة متأملة): "الحياة مش لعبة، تميم. في حاجات كبيرة على المحك... حاجات بتحدد مصيرنا ومصير غيرنا."
تميم (يبتسم بثقة ويميل بظهره إلى الوراء): "عارف، عارف. بس خليني أقول لك حاجة: الكتمان الزايد والتفكير الزايد مش بيجيب نتيجة. إحنا هنا مش عشان نحل كل مشاكل العالم في راسنا. في شغل، بنعمله وبنتحمل مسؤولية قراراتنا. بس ده ما يمنعش إننا نضحك شوية."
زين (يتنهد ويخفض عينيه): "أحيانًا بفتكر إني مش هقدر أكمل. الضغوط كتير والمسؤولية أكبر."
تميم (يضع يده على كتف زين ويقول بلطف): "زين، إنت أقوى من كده. إحنا اتدربنا عشان اللحظات دي. كل واحد فينا عنده لحظاته اللي بيحس فيها إنه تعبان. بس أهم حاجة ما تنساش، إنت مش لوحدك."
زين (بنبرة أخف قليلًا): "عارف إنك دايمًا موجود، يا تميم."
تميم (يبتسم): "أكيد. ودايمًا موجود لأفكرك إنك تسيب شوية جدية على جنب وتستمتع باللحظة."
زين (يبتسم أخيرًا): "أنت دايمًا كده، تميم. مش هتعرف تكون جدي أبدًا."
تميم (بضحكة): "لو بقيت زيك، الدنيا هتبقى كئيبة جدًا. خلينا نكون فريق متوازن."
زين (يتنهد ولكن بنبرة أخف): "يمكن عندك حق."
تميم (بمرح وهو يقوم من مكانه): "أكيد عندي حق! هيا بينا نخلص اللي ورانا ونشوف إيه الجديد."
يخرج تميم بضحكة خفيفة، ويعود زين إلى أوراقه، ولكن هذه المرة بروح أقل توترًا، وقد زرع فيه تميم قليلًا من الراحة التي كان يحتاجها.
رواية قيود العشق الفصل الثالث 3 - بقلم سيليا البحيري
في المستشفى، سيليا بتفوق ببطء، تفتح عينيها وتلاقي رائد قاعد جنب السرير، وعيونه مليانة قلق. كارما واقفة على الجانب التاني، شايلة شنطة سيليا اللي سابتها في الجيم.
سيليا (بصوت ضعيف): "أنا فين؟ إيه اللي حصل؟"
رائد (مهدّيها): "إنتِ في المستشفى، أغمي عليكي في الجيم. ماتقلقيش، إنتِ كويسة دلوقتي."
سيليا بتحس بالإحراج وبتفتكر قلقها على جاد، بتحط إيدها على جبينها وبتتكلم بقلق.
سيليا: "جاد... هو اتصل؟ أنا كنت باتصل بيه طول اليوم، بس ما ردش. يا ترى حصل حاجة؟"
رائد (بيحط إيده على كتفها بلطف): "سيليا، اهدي. إنتِ حاولتي تكلميه كتير. هو اللي بيتجاهلك، مش العكس."
كارما (مبتسمة بخفة): "سيليا، كل حاجة هتبقى كويسة. دلوقتي الأهم صحتكِ. كنتِ تحت ضغط كبير."
سيليا (بصوت مليان حزن): "أنا مش فاهمة ليه بيعمل فيا كده... أنا وأولاده. ساعات بحس إني عبء عليه."
رائد بيبص لكارما وبعدها يرجع يبص لسيليا، وبيحاول يتكلم بجدية من غير ما يبين غضبه من جاد.
رائد: "سيليا، لازم تفتكري إنك تستاهلي أحسن من كده. إنتِ مش عبء على حد، وجاد هو اللي غلطان إنه سايبكِ لوحدكِ كل ده."
كارما بتقف جنب رائد وبتضيف برفق.
كارما: "ما تلوميش نفسكِ، سيليا. ساعات الناس ما بيقدروش اللي عندهم إلا لما يفوت الوقت. بس إحنا هنا علشانكِ."
سيليا بتحس بالدموع بتتسحب لعينيها، بس بتحاول تماسك نفسها. رائد بيبصلها بنظرة ثابتة ومطمئنة.
سيليا (بصوت مرتعش): "حاسة إني تايهة يا رائد... مش عارفة أعمل إيه. الولاد كل شوية يسألوا على أبوهم، وأنا ماعنديش رد ليهم."
رائد (بحزم ولطف): "إنتِ مش لوحدكِ، سيليا. أنا و ماما معاكي. هنعدي الفترة دي مع بعض، وأنا مش هسيبك تتحملي ده لوحدكِ."
سيليا بتبصله بعينين مليانين بالامتنان، وكارما بتبتسم محاولة تطمن الجو.
كارما (بنبرة مشجعة): "ولو احتاجتي أي حاجة، أنا هنا برضه. ممكن نتكلم أو نخرج نغير جو في أي وقت."
سيليا (بتاخد نفس عميق وتحاول تهدى): "شكرًا... شكرًا ليكم. مش عارفة كنت هعمل إيه من غيركم."
رائد بيبتسم لها بحنان، وبعدها يبص لكارما ويتبادلوا نظرات تفاهم. الجو مليان بالدعم والراحة، رغم كل المشاكل اللي بتواجهها سيليا.
رائد: "إحنا معاكي، سيليا. دايمًا."
***
خارج المستشفى وفي ممر هادئ بالقرب من المدخل، رائد يخرج من غرفة المستشفى بعد أن اطمأن على سيليا. يتجه نحو زاوية هادئة في الممر ويخرج هاتفه، ثم يتصل بجاد. بعد ثوانٍ من الانتظار، يرد جاد أخيرًا بنبرة لا مبالية.
جاد (ببرود): "أيوة؟ عايز إيه؟"
رائد (بغضب مكبوت): "إنت فين يا جاد؟ فين وإنت سايب مراتك بالشكل ده؟"
جاد (بلا اهتمام): "أنا في دبي يا رائد، مش عارف إيه اللي مزعلك كده. سيليا تمام، مالهاش حاجة."
رائد (بغضب وصوت عالي): "تمام؟! إنت مش عارف إيه اللي بيحصل. سيليا لسه خارجة من حالة إغماء، منهارة تمامًا بسببك. مش قادر ترد على تليفوناتها حتى؟ إنت إيه يا راجل؟"
جاد (بسخرية): "إغماء إيه يا رائد؟ هو أنا لازم أكون متاح 24 ساعة؟ دي واحدة متعلقة بيا بشكل مزعج. كنت فاضي أرد دلوقتي."
رائد يشد يده على الهاتف بقوة، صوته يفيض بالغضب.
رائد (بنبرة تهديد): "اسمعني كويس يا جاد... سيليا مش لعبة في إيدك. إنت دمرتها ودمرت ولادها بتصرفاتك. المرة دي أنا مش هاسكت. لو فضلت تهملها أكتر من كده، مش هسيب اللي جاي عليك يعدي بالساهل."
جاد (يضحك بسخرية): "دمرت إيه يا راجل؟ سيليا دي لسه مش عارفة تعيش من غيري. مهو إنت عارف البنات لما يتعلقوا بشخص، يقلبوها نكد وغم. أنا ما عنديش مشكلة إنها تعيش كده طالما هي اللي اختارت الوضع."
رائد (صوته مليان بالاشمئزاز): "إنت فعلاً فاكر إنها بتختار تعيش في الوضع ده؟ إنت فاكر إن إهمالك لها ولولادها ده عادي؟! إنت السبب في كل حاجة بتحصل لها."
جاد (بتهكم): "وأنا المفروض أعمل إيه؟ أعيش معاها في مصر وأسيب شغلي؟ سيليا لازم تتعود على الوضع ده. يا رائد، هي زي أي ست. مفيش داعي نكبر الموضوع."
رائد يوقفه بغضب جارف، ونبرة تهديده تصبح أشد.
رائد: "هي أختي، مش مجرد ست. مش هاسمحلك تكسرها أكتر من كده. لو فضلت تتعامل معاها بالشكل ده، هتلاقي نفسك لوحدك. وأنا مش هقف متفرج."
جاد (ساخرًا): "يا رائد، بلاش الدراما دي. سيليا هي اللي بتمثل دور الضحية. أنا بعمل اللي عليا وهي اللي بتضغط على نفسها. لو مش عاجبها الوضع، تقدر تسيبني."
رائد يشعر بغضب أكبر، يشتد في قبضته على الهاتف.
رائد (بنبرة قاطعة): "لو هي مش هتسيبك، أنا اللي هخليها تبعد عنك. والأيام اللي جاية هتثبتلك إنك مش هتفضل تاخد الأمور دي باستهتار."
جاد يضحك ضحكة ساخرة أخيرة.
جاد: "يا رائد، لو عندك شجاعة، جرب. بس سيليا هتفضل ترجع لي في الآخر. إحنا الاتنين فاهمين ده."
رائد يغلق الهاتف بغضب شديد، يقف في الممر لبعض اللحظات محاولًا تهدئة نفسه، ثم يعود إلى غرفة المستشفى، وعينه تلمع بعزم واضح على حماية أخته من جاد بأي ثمن.
***
في مكان آخر، في فيلا فؤاد البحيري، بتدق الست عزيزة على باب بيت فؤاد. البيت مليان بأصوات الهمس والضحك الخفيف، وريحة الأكل مالية المكان. الوجوه كلها خليط بين السكينة والحزن. فؤاد فتح الباب لعزيزة بابتسامة هادية.
فؤاد: (بتنهيدة) أهلاً بيكي يا دكتورة عزيزة، اتفضلي.
عزيزة: (بحزن) شكراً ليك يا فؤاد. إزايكم النهارده؟ عارفة إن اليوم ده مش سهل عليكم.
فؤاد: (بهدوء) ست سنين عدوا... بس الوجع عمره ما بيختفي.
نجلاء، مراته، ظهرت من وراه وهي بتمسح دمعة خفيفة من عينها، بتحاول تبان قوية، لكن الحزن باين عليها.
نجلاء: (بصوت متقطع) أهلاً بيكي يا عزيزة. مبسوطين إنك جيتي. سيليا... كانت بتحبك أوي، وبتثق فيكي.
عزيزة: (بحرارة) وأنا كمان، سيليا كانت بنت مميزة. عمري ما هنسى يوم ما اتولدت... كانت فعلاً ملاك من أول لحظة.
فؤاد: (يبتسم بسيط) آه، ملاكنا الصغير. آخر العنقود، بس رحيلها ساب فجوة كبيرة في حياتنا.
الولاد بيتجمعوا في الأوضة: أحمد، الكبير، واقف جنب أبوه، شكله صارم لكنه باين إنه بيحاول يتحكم في مشاعره. مراد، التاني، قاعد ساكت، ووشه باين عليه الصمت والتأمل. سامر بيبص في الأرض، ويوسف وريان واقفين قريب من أمهم، كإنهم بيحموها بوجودهم.
عزيزة: (بتبص ليهم بحنان) عارفة إن كل واحد فيكم حاسس بالحزن بطريقته. بس أنا هنا عشان أفكركم إن سيليا كانت بتحب الحياة، وبتحب تشوفكم مبسوطين.
أحمد: (بصوت واطي) هي جزء مننا، مش ممكن ننساها أو نتجاوز وجع فقدانها.
مراد: (بيتنهّد) كل يوم بفكر فيها... كانت دايماً بتسألني عن دراستي وعن حياتي، كانت بتعنيلي كتير.
سامر: (بمرارة) حتى وهي غايبة، ساعات بحس إنها بتراقبنا، مستنية مننا نبقى أحسن.
يوسف: (بصوت واطي) سيليا كانت بتحب الضحك، وأنا... بحاول أفتكرها بكل لحظة ضحكتني فيها.
ريان: (بصوت متأمل) ساعات بشوفها في أحلامي، بتبتسملي. حاسس إنها عايزة مننا نعيش حياتنا، ونبني المستقبل اللي كانت بتحلم بيه.
نجلاء: (بحزن) كانت عايزة تسافر، وتشوف العالم. بس مرضها خدها مننا قبل ما تحقق أحلامها.
عزيزة: (بحزم وحنان) النهارده بتكرموها بالصدقة الجارية، وده اللي هيخلي ذكراها عايشة في قلوب الناس. كل خطوة بتاخدوها في حياتكم هي إحياء لذكراها.
فؤاد: (بيحط إيده على كتف عزيزة) بنشكرك على حضورك وعلى كلامك. اليوم ده صعب، بس وجود صحاب زيك بيخفف شوية من الوجع.
عزيزة: (بتبتسم بلطف) أنا هنا على طول، أنتم زي أهلي. وعارفة إن سيليا في مكان أحسن دلوقتي، وبتبصّالنا بابتسامتها الجميلة.
***
العيون في الأوضة بتنتقل بين أفراد العيلة، وصمت مؤلم لكنه مليان بالمحبة والتضامن، بعد انتهاء الوليمة جلست عزيزة مع صديقتها نجلاء وهي تواسيها، وعاد لذاكرتها ذلك الحدث المؤلم.
**Flash back ( قبل 7 سنين)**
سيليا تجلس في زاوية الغرفة، وهي ترتجف من البكاء. عزيزة تقترب منها ببطء، تحاول تهدئتها، لكن سيليا كانت تصرخ في هستيريا.
سيليا: (تصرخ بتوسل) مش أنا! مفيش حاجة حصلت! أقسم بالله أنا بريئة! ليه مش مصدقني، يا بابا؟!
فؤاد يقف في زاوية الغرفة، وهو ينظر إليها بنظرات مليئة بالشك والخوف. نجلاء تبكي في زاوية أخرى، غير قادرة على الكلام.
فؤاد: (بصوت متردد) سيليا... لو أنتي بريئة فعلاً، عزيزة هتقول.
سيليا: (تبكي وهي تنهار على الأرض) ليه بتعملوا كده فيا؟ ليه بتسمعوا للناس اللي بيحاولوا يفرقوا بينا؟!
مراد يدخل الغرفة بعصبية، يحاول إخفاء غضبه.
مراد: (بغضب) لازم نعرف الحقيقة... دي سمعة العيلة، سيليا!
سيليا: (تصرخ بألم) أنا بنتكوا! أنا أختكوا! ليه محدش مصدقني؟
عزيزة تتقدم، تحاول التحدث بهدوء، لكن سيليا تنهار بالكامل، جسمها يرتجف وهي تحتضن نفسها، أحمد ينظر لها بخذلان و سامر و مراد بغضب و يوسف و ريان ينظران لها بألم و كلاهما يتمنى لو يتمكن من مساعدتها.
عزيزة: (بحزن) سيليا، هدي نفسك... أنا هنا عشان أساعدك.
سيليا: (تبكي) مش أنا... مش أنا اللي عملت حاجة غلط! ليه مش عايزين تصدقوني؟
عزيزة تنظر إلى فؤاد ونجلاء، وتعرف أن الوقت قد حان. تنهض ببطء، وتلتفت للجميع بنظرة جادة.
عزيزة: (بحزم) أنا محتاجة أكلم سيليا لوحدها دلوقتي. مفيش فايدة إن الكل يفضل هنا ويضغط عليها.
فؤاد: (بتردد) بس... عزيزة...
عزيزة: (بنبرة هادئة ولكن حازمة) فؤاد، لو عايز تعرف الحقيقة، لازم ندي سيليا مساحة. الكل يطلع برة.
مراد: (يعترض بعصبية) وأنا مش هخرج. دي أختي وسمعة العيلة على المحك!
عزيزة: (بجدية) مراد، سيليا في حالة نفسية صعبة، خروجكم هيساعدني أتعامل معاها. صدقني، أنا هنا عشان أساعدها وأساعدكم كلكم.
فؤاد ينظر إلى نجلاء بحيرة، لكن نجلاء تشير إليه بإيماءة طفيفة تدل على الموافقة. فؤاد يزفر بعمق ثم يومئ لعزيزة.
فؤاد: (بتردد) طيب... احنا هنستنى برة.
ينصرف الجميع ببطء، وعيونهم ممتلئة بالقلق والتوتر. يغلق فؤاد الباب خلفهم، ويبقى الصوت الوحيد هو شهقات سيليا.
عزيزة تجلس بجوار سيليا، وتضع يدها بلطف على كتفها.
عزيزة: (بلطف) سيليا، أنا هنا عشان أساعدك. مش عشان أحكم عليك. احنا كلنا عايزين نتأكد إنك كويسة.
سيليا: (بدموع وعينين غارقتين في الحزن) محدش مصدقني، يا دكتورة... حتى إنتي هتصدقيهم زيهم.
عزيزة: (بحنان) أنا هنا عشانك، يا حبيبتي. خلينا نتأكد ونريح الكل. الموضوع دا مش هياخد وقت.
بعد لحظات صمت ثقيلة، تستسلم سيليا للواقع وتسمح لـ عزيزة بإجراء الفحص. الوقت يمر ببطء، وكل لحظة تشعر كأنها أبدية.
بعد الفحص، تنهض عزيزة وهي تنظر إلى سيليا بعينين مليئتين بالأسى.
عزيزة: (بصوت ناعم) إنتي بريئة، يا سيليا. كل الكلام اللي كانوا بيقولوه غلط.
سيليا تنهار تمامًا، تصرخ بألم وتغطي وجهها بيديها.
سيليا: (تصرخ) ليه؟ ليه عملوا فيا كده؟ أنا طول الوقت كنت بقول الحقيقة! ليه مفيش حد سمعني؟
عزيزة تحاول تهدئتها، لكن سيليا كانت غارقة في الحزن والخوف. كل ما بداخلها انفجر في تلك اللحظة.
سيليا: (بصوت متقطع بين الدموع) بابا... وماما... كلهم صدقوا الناس اللي حاولوا يفرقوا بينا. أنا ماليش ذنب! أنا... أنا مظلومة!
عزيزة تحاول تهدئتها قدر المستطاع، لكن الشعور بالخيانة والخذلان كان أكبر من أن يُحتمل.
عزيزة: (بحزن عميق) عارفة إنك مظلومة، وأنا هقول لكل واحد الحقيقة. مفيش حاجة غلط، سيليا، بس لازم تهدي نفسك دلوقتي.
***
في المساء، فؤاد يقف أمام نافذة غرفته، عينيه ضبابيتين، مشوشة، وكأن العالم من حوله تلاشى. كان يحدق في الفراغ، متجمدًا في مكانه، بينما صوت سيليا في رأسه يرن بصوت عالٍ، كأنها لا تزال تصرخ، تتوسل، وتبكي.
هو لا يستطيع الهروب من ذكرياتها، من تلك اللحظات التي ظن فيها أنه كان يفعل الصواب، بينما كان يقتلع قلب ابنته دون أن يشعر.
فؤاد: (بصوت خافت، وهو يمسح دمعة خفية من عينيه) أنا... أنا كنت المفروض أصدقها. كنت المفروض أوقف في صفها بدل ما أصدق كلام الناس. ليه، يا سيليا؟ ليه مكنتش معاك؟
يضع يده على جبهته، والدموع تتساقط منه دون أن يشعر. يتذكر كل شيء: صوتها الطفولي، ضحكتها البريئة، وحبها الكبير للعائلة. وكيف كان يهتم بها، يراها آخر العنقود، ويشعر بالفخر بها، لكنه في لحظة ضعف، في لحظة غضب، ترك نفسه يصدق الآخرين على حساب ابنته.
فؤاد: (بهمسات، وكأنه يخاطب نفسه) لو كنت صدقتها... لو كنت واقف جنبها، كان كل حاجة بقت غير كده. مش بس أنا اللي ضيعت... أنا ضيعت روح... ضيعت بنوتي اللي كانت كل حياتي.
يتنهد بعمق، ثم يمشي باتجاه صورة لسيليا كانت موضوعة على الطاولة في غرفته. يلتقط الصورة بين يديه، ويحدق في وجهها البريء، وكأنها تنظر إليه، تتساءل عن سبب غياب الثقة.
فؤاد: (بصوت مرتجف) كانت بتحبنا قد إيه... كانت بتحبنا قد إيه، وأنا... أنا اللي جعلتها تشعر إنها لوحدها. لو كنت بس هديت، لو كنت بس... لو كنت أنا اللي صدقتها.
يجلس على الكرسي، يدفن وجهه بين يديه، بينما تدمع عيناه بغزارة. ثم يعود ليتذكر الصوت الذي كان يتردد في أذنه عندما خرج من الغرفة بعد أن ظن أن ما فعله كان الحل الوحيد:
سيليا (في ذاكرته): (بصوت مكسور) ليه مش مصدقني؟ ليه بتسمع لناس مش عايزة خير لينا؟!
فؤاد ينقض على الصورة في يديه بشدة، وكأنها آخر رابط له بالعالم الذي فقده. قلبه يعتصر، ولا يستطيع أن يغفر لنفسه.
فؤاد: (بصوت مكسور) لو رجع بي الزمن... لو رجع بي الزمن، كنت هعمل كل حاجة عشان أحميك. كنت هصدقك، كنت هقول لك إنك مش لوحدك... لكن الزمن ما بيرجعش، وأنا دلوقتي مفيش حاجة أقدر أعملها عشان أرجع اللي فات.
دموعه تتساقط بحرقة، وكأنها مشاعر متراكمة طوال سنوات، لا يقدر أن يعبر عنها بالكلمات. لكن الندم يلتهمه في تلك اللحظة.
فؤاد (بهمس): (مكملًا بنفس الصوت المرتجف) كان المفروض أكون الأب اللي يحمي، مش الأب اللي يتخلى.
***
البيت في صمت قاتل. فؤاد يجلس على الكرسي في الزاوية، عينيه ضائعتان بين الذكريات والندم. جليل يدخل الغرفة بهدوء، وجهه يحمل تجاعيد العمر والتجارب. عندما يرى شقيقه في هذا الوضع، لا يحتاج لكثير من الكلمات. يشعر بما يعانيه فؤاد دون أن يحتاج أن يوضح له.
جليل: (بصوت هادئ، يقترب من فؤاد) فؤاد... ما كانش لازم تصدق الشكوك. ما كانش لازم توصل لحد هنا.
فؤاد يرفع رأسه ببطء، وعينيه مليئتان بالدموع. قلبه مكسور، ولا يزال يشعر بعذاب تلك اللحظات التي كان فيها محاطًا بالظلام، لا يعلم أنه يدمر ما كان أغلى ما لديه.
فؤاد: (بصوت مكسور) جليل... أنا ظلمتها. شكيت في بنتي... ما صدقتش كلامها. واللي عملته ما كانش صح... كانت بريئة، وأنا ما صدقتش.
جليل يقف خلفه، يضع يده على كتفه بشكل أبوي، يحاول أن يخفف من ألم شقيقه، الذي يشعر به كما لو كان هو الآخر في وسط العاصفة.
جليل: (بصوت ثابت، وكأنه يوجه كلمات حكيمة) فؤاد... نحن بشر. كل واحد فينا بيغلط. الندم مش هيرجع لنا سيليا، لكننا لازم نترحم عليها ونعرف إنها راحت بظلم كبير. هي في مكان أفضل دلوقتي، ومهما كان الحزن، لازم نعرف نكمل.
فؤاد يضغط على جبهته بين يديه، كأنه يحاول أن يوقف تدفق الذكريات، لكنه لا يستطيع. هناك شيء في داخله يشعر بأنه لا يستحق الرحمة بعد الذي حدث.
فؤاد: (وهو يختنق بالبكاء) لو كنت سمعت كلامها... لو كنت صدقتها، يمكن كان كل شيء اتغير. كانت هربت... وما كانش لازم تموت كده.
جليل يسحب نفسًا عميقًا، وينظر إلى شقيقه، عينيه مليئتين بالأسى. لكن رغم ذلك، كانت هناك بصيص من الأمل في كلماته.
جليل: (بهدوء) كل شيء انتهى، فؤاد. سيليا راحت، وما فيش حاجة هترجعها. لكن أنت لسه هنا، ولسه عندك فرصة تعيش وتكمل عشانها. الدنيا مش هتقف هنا، وده امتحان لينا جميعًا.
فؤاد يرفع رأسه ببطء، يشكر شقيقه بنظرة مليئة بالعرفان، رغم الألم الذي لا يفارقه.
فؤاد: (بصوت متعب) أنا مكسور يا جليل... مكسور لدرجة إني مش عارف أعيش من غيرها.
جليل ينحني قليلاً نحو فؤاد، ثم يربت على قلبه.
جليل: (بحنو) كل واحد فينا بيعيش مع الألم، بس مع الوقت بيبدأ يخف شوية. احنا لسه في هذه الدنيا عشان نكمل، وما نخليش الندم يقتلنا. سيليا هتظل في قلوبنا للأبد.
***
في مقر المخابرات المصرية، غرفة صغيرة هادئة، والأضواء خافتة. تميم، الضابط الشاب القوي، يجلس خلف مكتبه وقد غلفه الحزن. عينيه ضبابيتان من التعب والندم. أمامه صديقه المقرب، زين، الذي يراقب تميم بحذر، يعرف جيدًا ما يعانيه صديقه، هو دائمًا هكذا، تارة يمرح وهو يحاول اخفاء ذنبه وألمه وتارة أخرى يكون على هذه الحالة.
تميم: (بصوت مثقل بالحزن) ما كنتش قادر أعمل حاجة، زين. كنت هقبض عليهم... على المجرمين اللي كانوا وراء كل حاجة، بس ... سيليا... راحت قبل ما أقدر أحميها. راحت ظلم.
زين: (بهدوء، وهو يضع يده على كتف تميم) ما كانش بإيدك، تميم. أنت بتعمل كل اللي تقدر عليه عشان تحمي الناس، بس في حاجات أكبر مننا.
تميم: (بغصة في صوته) كنت بحاول أوقفهم... كنت متأكد إنهم وراء الجريمة دي. بس بعد ما سيليا ماتت، حسيت إن كل شيء انهار. كل حاجة في حياتي اتغيرت.
زين: (بصوت دافئ) أنا عارف إنك حاولت، بس ساعات الحياة مش بتديك الفرصة. لازم تتقبل ده، ومهما كان الندم كبير، ما تقدرش تغير اللي حصل.
تميم: (بصوت مكسور) لو كنت وصلت لهم أسرع، يمكن كان فيه أمل.
زين: (بتفهم) لكن إنت مش لوحدك، تميم. العيلة كلها متألمة، لكن لازم تكون قوي دلوقتي. مش بس عشان سيليا، لكن عشان نفسك كمان.
تميم يرفع رأسه ببطء، ويحاول السيطرة على مشاعره، لكنه لا يستطيع إخفاء الألم الذي يملأ قلبه.
تميم: (بصوت حزين) مفيش حاجة هتعوضني عن اللي فقدته. سيليا كانت أكثر من أخت لي. كان عندها حياة، وأحلام، وكل ده اتدمر.
زين: (بصوت حازم) أنا معاك، تميم. هتكون أقوى من ده كله. سيليا هتظل في قلوبنا، وكلنا هنكمل على خطاها.
تميم ينظر إلى زين، نظرة مليئة بالتقدير والامتنان، لكنه لا يزال غارقًا في حزنه، محاولًا التماسك وسط هذا العذاب الذي لا ينتهي.
***
في شقة فاخرة في دبي، ريحة العطور الثقيلة مالية المكان، والأنوار الخافتة في الليل بتعكس الظلال على الحيطان. جاد، الشاب الوسيم، قاعد على الكنبة مرتاح، ولارا، عشيقته، قاعدة جنبه، ويديها على صدره. المكان مليان صمت مشحون بالرغبة. الجو بارد شوية، وفي فوضى خفيفة من هدوم متبعثرة وحاجات مش مرتبة.
لارا: (بتضحك بخبث، ويديها بتلعب في شعره) جاد... هتفضل كده متجنبني؟ سيبت كل حاجة في مصر، وجيت هنا لقيت الراحة معايا، صح؟
جاد: (من غير ما يهتم، وباصص ليها بعين مليانة لامبالاة) مفيش حاجة جديدة... حياتي كلها كانت لعبة. سيليا والعيال في مصر، وأنا هنا عايش حياتي زي ما أنا عايز. ما دامهم بعيد، مفيش مشكلة.
لارا: (بتقرب منه أكتر، وبتتكلم بتحدي) يعني لو سيليا عرفت هتقدر تواجهها؟ مش خايف؟ العيال مش هيفهموا؟
جاد: (من غير ما يهتم، بيضحك ضحكة حازمة) سيليا في مصر، مش هيفهموا حاجة. العيال لسه صغار، وأنا مش فارق معايا فيهم. أنا هنا في دبي عايش لحظات لحالي. مش هبني حياتي على أكاذيب أو على ماضي.
لارا: (بتحدي أكبر) يعني، سيليا دي بقيت مجرد ذكرى ليك؟
جاد: (بيضحك ضحكة ساخرة) لو هي ذكرى، فهي كده... وكل حاجة في حياتي هنا ليها الأولوية. سيليا كانت بس ست، وهنا لارا موجودة، وعندي كل حاجة أنا محتاجها.
لارا: (بهمس، وبتقرب وشها منه) مش عارفة إذا كانت هترضى لو عرفت الحقيقة.
جاد: (بيضحك بسخرية) أنا عارف أعمل إزاي مع الكل. هي في مصر، والعِيال مش مهمين. أنا هنا في دبي... معاكِ، ده اللي يهمني.
لارا: (بتردد) بس... لو الدنيا اتقلبت، مش هتكون لوحدك. سيليا، العيال... هيفضلوا لحد ما تروح وتيجي.
جاد: (بإصرار) مش هيفرق معايا. حياتي هنا أهم من كل حاجة.
في اللحظة دي، عين جاد وقعت على لارا وهي مبتسمة ليه، وهو شارد في أفكاره، بعيد عن ماضيه اللي سابه في مصر، وحياته اللي اختار يعيشها هنا في دبي.
رواية قيود العشق الفصل الرابع 4 - بقلم سيليا البحيري
بعد عدة أيام، في غرفة معيشة فاخرة في قصر ثريا في دبي، ثريا قاعدة على كنبة مخملية وحاطة الموبايل قدامها عشان تعمل مكالمة فيديو مع صاحبتها المقربة ليلى.
ثريا: ليلى، حبيبتي! وحشتيني أوي! بقالنا كتير ما اتكلمناش.
ليلى: ثريا، يا حبيبتي، إنتي اللي وحشتيني. إزايك؟ وإزاي جاد؟
ثريا: جاد... زي ما إنتي عارفة، دايمًا مشغول بشغله. بس... بصراحة يا ليلى، أنا مش قادرة أتجاهل اللي بيحصل ده. سايب سيليا والأولاد لوحدهم في بلد تانية، وعايش حياته هنا وكإنهم مش موجودين.
ليلى: عارفة يا ثريا. سيليا بقت تعيط كتير، وأنا مش قادرة أشوفها كده. دي زي بنتي، وجاد لازم يتحمل مسؤوليته.
ثريا: حاولت أتكلم معاه، ليلى. بس جاد عنيد. فاكر إن حياته كلها شغل وتسالي. لكن أسرته... مالهمش مكان في قلبه.
ليلى: ثريا، سيليا صابرة بس للصبر حدود. تعبت كتير، وجاد لازم يفهم إنه لو كمل كده، ممكن يخسرها للأبد. وكمان الأولاد محتاجين أبوهم.
ثريا: عارفة، ليلى. حاسة إني فشلت كأم. كنت فاكرة إني اديته له كل حاجة عشان يبقى راجل مسؤول. لكن دلوقتي شايفة إني معرفتش أزرع فيه الإحساس الحقيقي بالالتزام.
ليلى: ثريا، ما تلوميش نفسك. جاد هو اللي اختار الطريق ده، بس لسه الوقت قدامنا. لازم نشتغل مع بعض ونصلح اللي حصل قبل ما الأمور تسوء أكتر.
ثريا: بوعدك يا ليلى، هحاول تاني. سيليا تستاهل أحسن من كده، وأنا هفضل جنبها لحد ما جاد يعيد التفكير في اللي عمله.
ليلى: أنا معاكي في كل خطوة، ثريا. سيليا محتاجة دعمنا دلوقتي أكتر من أي وقت فات.
تستمر المكالمة وتتحدث السيدتان عن شتى المواضيع وتنتهي بعد ساعات، لتغلق ليلى المكالمة وتهتف بحسرة.
ليلى: يا حظك الوحش يا سيليا يا حبيبتي، ربنا يقدملك الخير.
في حديقة الفيلا، حديقة كبيرة مليئة بالأشجار والزهور في فيلا عمة سيليا. الجو دافئ والهواء منعش، بينما تلعب سيليا مع أولادها تحت ظلال الأشجار. زياد ومازن يركضون حولها بضحكات بريئة، ولينا تجلس في حضنها، تضحك بخفة وهي تحاول الإمساك بإصبع والدتها.
زياد: ماما! بصي بصي أنا سريع زي البرق!
سيليا: آه يا زياد، فعلاً سريع أوي! خلي بالك بس من أخوك.
مازن يحاول اللحاق بأخيه، وهو يتعثر قليلاً على العشب، ثم يضحك بدون توقف.
مازن: ماما، أنا عاوز أبقى زي زياد!
سيليا: أكيد يا حبيبي، هتبقى أسرع منه كمان لو فضلت تلعب كتير.
لينا تصدر أصوات طفولية، تحاول جذب انتباه سيليا وهي تلعب بشعرها.
سيليا: آه يا لينا، شكلك عاوزة تشاركيهم اللعب!
سيليا تشعر بالسعادة المؤقتة وهي ترى ضحكات أولادها، لكنها تنظر للحظة بعيداً عنهم، إلى المسافة، وتظهر على وجهها لمحة حزن.
سيليا: يا رب جاد يفتكر إنه عنده عيلة تستناه... الأولاد محتاجينه، مش عارف إزاي هو مش شايف ده.
زياد يتوقف فجأة عن اللعب ويأتي ليجلس بجانب سيليا، ينظر إليها بعيون بريئة.
زياد: ماما، بابا مش جاي يلعب معانا زي زمان؟
سيليا تشعر بوخزة في قلبها عند سؤال زياد، وتحاول إخفاء ألمها بابتسامة.
سيليا: بابا مشغول يا حبيبي. بس هو أكيد بيحبكوا جداً.
مازن: هو مش هييجي دلوقتي؟
سيليا تحتضن مازن ولينا، وتلمس شعر زياد بلطف.
سيليا: إن شاء الله، قريب... قريب هييجي.
تظل سيليا جالسة تحت الشجرة، تحاول أن تبث القوة لأطفالها رغم الألم الذي يعتريها من غياب جاد المستمر، وهي تتمنى أن يتغير الوضع يوماً ما.
في صالة رياضية حديثة مليئة بالمعدات والأضواء الخافتة. رائد يجلس على مقعد بعد انتهائه من تمرينه، يتنفس بعمق ويمسح عرقه بمنشفة، بجانبه تجلس كارما، زميلته الشابة التي تبدو أيضاً أنها انتهت للتو من التمرين. الاثنان يبدوان مرتاحين، لكن هناك توتر خفيف في الهواء بينهما، كأن هناك مشاعر غير مُعترف بها.
كارما: انت شكلك مش هتقدر تكمّل التمرين لو زوّدنا 10 دقايق كمان.
رائد: يا شيخة! لو زوّدنا دقيقة كمان كان قلبي وقف. بس ده عشانك إنتي، أنا عارف إنتي بتحبّي تتحديني.
كارما: أيوة طبعاً، مش هتسلم مني بسهولة.
يتبادلان نظرات قصيرة، قبل أن تبدأ كارما في اللعب بأطراف المنشفة حول رقبتها، ثم تلتفت إليه بنظرة خجولة.
كارما: رائد... دايماً بنشوف بعض هنا في الجيم ونتكلم، بس... عمرك فكرت إن ممكن نكون أكتر من مجرد زملاء تدريب؟
رائد ينظر إليها باندهاش للحظة، ثم يبتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال.
رائد: بصراحة... فكرت في الموضوع ده أكتر من مرة.
كارما تحمر خجلاً وتنظر بعيداً للحظة، ثم تلتفت له بعينين لامعتين.
كارما: بجد؟ يعني... أنا مش عارفة، يمكن كنت بتخيل.
رائد: لا، مش بتتخيلي. الحقيقة... أنا بحب قضاء الوقت معاكي، ومعرفش ليه، بس حاسس إنك مش مجرد زميلة تدريب. كارما، إنتي... أكتر من كده بالنسبة لي.
كارما تبتسم ابتسامة خفيفة وناعمة، وتنظر في عينيه وكأنها تستجمع شجاعتها للمرة الأخيرة.
كارما: وأنا كمان يا رائد... بحس إنك مختلف، وكأننا فاهمين بعض من غير كلام.
رائد ينظر في عينيها بعمق للحظة، ثم يقترب قليلاً، يمسك بيدها بلطف، ويضغط عليها بخفة.
رائد: إحنا فعلاً فاهمين بعض... وأنا عاوز نكمل مع بعض، مش بس في الجيم.
كارما تضحك بهدوء، وتبادله الابتسامة، وهي تشعر بدفء اللحظة التي طال انتظارها.
كارما: أنا كمان عاوزة نكمل مع بعض... في كل حاجة.
يتبادلان النظرات في لحظة رومانسية صامتة، حيث الكلمات لم تعد ضرورية، والمشاعر أصبحت واضحة بينهما.
رائد: كارما، أنا مش عاوز العلاقة دي تكون مجرد لحظات بنقضيها سوا في الجيم أو كلمتين في كل مرة نشوف بعض. الحقيقة... أنا عاوز أكتر من كده.
كارما تنظر له بترقب، وتشعر أن قلبها ينبض بسرعة.
كارما: تقصد إيه يا رائد؟
رائد يمسك بيدها بلطف أكبر وينظر في عينيها بجدية.
رائد: أنا بقالي فترة بفكر فيك... وبحس إنك الشخص اللي نفسي أكمل حياتي معاه. كارما، أنا بحبك. وبإذن الله قريب هاروح أطلب إيدك من والدك.
كارما تتسع عيناها بالدهشة، ثم تبتسم بفرحة عارمة، وهي تضع يدها على فمها من شدة التأثر.
كارما: بجد يا رائد؟! أنت فعلاً هتعمل كده؟
رائد: آه، أكيد. مش هضيع وقت أكتر. هاروح لوالدك وأطلب منك رسمي. إنتي مش مجرد زميلة أو صديقة، إنتي اللي نفسي أعيش معاها باقي حياتي.
كارما تشعر بالدموع تلمع في عينيها من السعادة، ثم تميل نحو رائد وتحتضنه بلطف.
كارما: أنا كمان بحبك يا رائد... ومن زمان كنت مستنية اللحظة دي. مش مصدقة إنك هتتقدم لي فعلاً.
رائد: أكيد هعمل كده، ووعد... مش هتأخر.
كارما تنظر له بابتسامة مليئة بالأمل والحب، بينما يشعر رائد بالسعادة لأنه وجد من يريد أن يقضي معها حياته، وقد اتخذ الخطوة الأولى نحو مستقبلهما معاً.
في مستودع قديم ومهجور على أطراف المدينة، الإضاءة خافتة والجو مليء بالتوتر. الضابط الشاب تميم وزميله زين في موقعهما، يراقبان تحركات تجار المخدرات عبر الكاميرات المثبتة على أسطح بعض المباني القريبة. يتبادلان الإشارات بهدوء وهما ينتظران اللحظة المناسبة للتحرك.
زين: تميم، التحركات بدأت. في واحد منهم بيستلم الحقائب... واضح إن العملية شغالة.
تميم: تمام. خلي عينك عليهم، مستنيين الإشارة من الفرقة اللي على الجهة التانية. ما نتحركش قبل ما يكون الكل جاهز.
يسمعون عبر السماعات صوت القائد يعطي الأمر.
القائد: فرقة 1، تقدّموا. العملية بدأت.
تميم: يلا زين، الوقت جِه.
تميم و زين يقتربان ببطء من الموقع، يسحبان أسلحتهما ويتجهزان لاقتحام المكان. تزداد نبضات قلوبهما مع كل خطوة، يسمعون أصوات الحديث داخل المستودع.
تاجر المخدرات 1: أنت متأكد إن المكان آمن؟
تاجر المخدرات 2: ما تخافش، الكل تحت السيطرة. الفلوس جاهزة والبضاعة جاهزة.
تميم يتبادل النظرات مع زين ويشير له بالتحرك. يقتربان أكثر ويأخذان مواقع إستراتيجية حول المدخل. فجأة، يسمع صوت إطلاق صفارة إنذار قصيرة عبر اللاسلكي.
تميم: دي الإشارة. اقتحام دلوقتي!
تميم و زين يقتحمان المستودع بقوة، مع دخول باقي أفراد القوة من الجهات الأخرى. يصرخ تميم بأعلى صوته.
تميم: الشرطة! إرمي سلاحك على الأرض!
الضباط يدخلون بسرعة، وتُسمع أصوات طلقات تحذيرية في الهواء. تجار المخدرات يبدؤون في الارتباك.
تاجر المخدرات 1: إيه اللي بيحصل؟
تاجر المخدرات 2: نهرب بسرعة!
زين يلاحق أحد التجار ويمسك به قبل أن يتمكن من الفرار.
زين: ولا خطوة كمان! إنت محاصر.
تميم يمسك التاجر الآخر الذي يحاول الهرب بالاتجاه المعاكس.
تميم: إنت تحت القبض. خلصت اللعبة!
الضباط يسيطرون على المكان ويجمعون الأدلة، ويتم القبض على كل أفراد العصابة بنجاح. تميم وزين يتبادلان النظرات بعد انتهاء المهمة.
زين: عملية نظيفة، الحمد لله.
تميم: أيوة، شغلنا كويس. المهم إننا قبضنا عليهم كلهم.
يتوجه الاثنان نحو القائد لتسليم التقرير الأولي، وهما يشعران بالرضا عن نجاح المهمة بعد أسابيع من التحري والمراقبة.
بعد انتهاء المهمة، تميم وزين يجلسان خارج المستودع المهجور بعد انتهاء العملية، الأجواء هادئة قليلاً، ولكن التوتر ما زال يملأ المكان.
تميم يجلس على سلم معدني، ينظر إلى السماء بتعب، بينما زين يقف بجانبه، يمسح عرقه ويفكر في نجاح العملية. تميم يبدو غارقًا في التفكير، وجهه يحمل آثار الحزن والندم.
زين: تميم... العملية نجحت. قبضنا عليهم كلهم. ده إنجاز كبير.
تميم يظل صامتًا للحظة، ثم يتنفس بعمق، ويبدأ في الحديث بصوت منخفض.
تميم: أيوة، قبضنا عليهم... بس مفيش حاجة هترجع اللي راح.
زين ينظر إليه بقلق، فهو يعرف أن تميم ما زال يحمل حزنه بخصوص سيليا.
زين: أنا عارف إنك مش مرتاح يا تميم. لكن إنت عارف كويس إن الناس اللي قبضنا عليهم دول ملوش علاقة باللي حصل لسيليا. هم مش السبب.
تميم يرفع عينيه نحو زين، ويشعر بالندم يتحطم في قلبه.
تميم: عارف يا زين... بس طول الوقت كنت بفكر لو كانوا دول السبب. لو كنت في وقتها تقدر تنقذها، لو كان عندي الفرصة. كانت لسه هتكون معانا.
زين يهز رأسه، يفهم تمامًا ما يشعر به تميم. هو كان يعرف الحزن الذي يحمله تميم في قلبه.
زين: الناس اللي قتلوا سيليا دول مش هم اللي قبضنا عليهم دلوقتي. سيليا راحت بسبب عصابة تانية من تجار المخدرات... كانوا أشرار أكتر، وكانوا في وقت تاني تمامًا. أنت عملت اللي عليك، والحقيقة إنها كانت ضحية لناس تانيين.
تميم يغلق عينيه للحظة، ثم يفتحها ويعترف بحسرة.
تميم: لكن لو كنت لوحدي في وقتها، لو كنت أعرف أتصرف بسرعة... يمكن كنت قدرت أوقفهم قبل ما يحصل. أنا عارف إن سيليا مش هترجع، بس الفكرة إننا لسه عايشين في عالم مليان ظلم من الناس دي.
زين يضع يده على كتف تميم، يحاول أن يمنحه بعض الراحة.
زين: مفيش حاجة كنت تقدر تغيرها يا تميم. لو كنت تقدر، كنت هتعمل كل حاجة علشانها. بس أنت دلوقتي بتقاتل علشان تمنع أي حد تاني يعاني زيها، ده أفضل حاجة تقدر تعملها ليها.
تميم يتنهد بعمق، يشعر بالراحة قليلاً من كلمات زين، لكنه ما زال غارقًا في أفكاره.
تميم: هفضل أقاتل يا زين، مش هخلي حد تاني يمر بالحاجة اللي مرينا بيها. سيليا لو كانت هنا، كانت هتفتخر بإننا مش هنوقف لحد ما ناخد حقها.
زين يبتسم بتفهم، وهو يعرف أن تميم لن يتوقف الآن. سيظل يقاوم حتى النهاية.
زين: وأنا معاك، كل خطوة هتاخدها هتكون ليها، ولنا إحنا كمان. ده وقتنا نغير فيه كل حاجة.
تميم ينظر إلى زين بنظرة مليئة بالثقة، ويقف ليكمل ما بدأه، متحديًا العالم المظلم ليصنع فرقًا.
بعد عدة ساعات، زين يدخل إلى منزله بعد يوم طويل من العمل، يشعر بالإرهاق لكنه لا يستطيع إخراج أفكار سيليا من رأسه. يخلع ملابسه ببطء، ويمضي إلى الحمام حيث ينزع عنه آثار اليوم الطويل.
في الحمام:
الماء الساخن ينساب على جسده، ولكن ذهنه مشغول بشكلٍ كامل. سيليا، ابنة عم تميم، صورتها لا تفارق خياله. رغم أنها غادرت الحياة منذ فترة طويلة، إلا أن قلبه لا يزال يشعر بها وكأنها حاضرة.
يخرج من الحمام، يلتف بمنشفة على خصره ويمشي إلى المطبخ لتناول العشاء. لكنه في كل لقمة يشعر بأن فكره مشغول بشيء آخر. يترك الملعقة في يده ويتكئ على الطاولة، يتنهد.
زين: حتى لو كانت مش معانا، ليه عمري كله ما يطلع منها؟... سيليا، كنتي دايمًا جميلة وطيبة، كنتي دايمًا مصدر فرح للجميع.
ينظر إلى الطاولة التي أمامه، لكن قلبه مشغول بأفكارها. كان يحبها من بعيد في صمت، ولا يستطيع أن يشرح لنفسه مشاعره تجاهها.
زين: ما كنتش أقدر أقول ليها... ما كنتش أقدر أقول لها إني أحبها... وكل حاجة راحت بسرعة... الناس دي، المجرمين، هما السبب في كل ده. لو كان عندي فرصة... كنت هقول لها إيه؟
يأخذ نفسًا عميقًا ويمسك بكوب الماء بيده، بينما صور سيليا تتكرر في ذهنه. يتذكر ابتسامتها وبراءتها في كل لحظة، ويتمنى لو كان هناك شيء يمكنه فعله.
زين: يمكن لو كنت إنتِ هنا، كان كل شيء هيتغير... كنتي هتكوني سعيدة، وكنت هتعيشي بسلام. ليه مش قادر أتوقف عن التفكير فيك؟ ليه قلبي لسه مش قادر يتقبل إنك خلاص مش موجودة؟
في هذه اللحظة، يتذكر كيف كان يشعر بحزن تميم في تلك اللحظة، وكيف كان يختبئ وراء قوته، بينما هو نفسه يعاني في صمت أيضًا. يشعر بشيء غير محدد يضغط عليه، ويعترف لأول مرة، حتى لو كان لنفسه فقط.
زين: بحبك يا سيليا... بس مش قادر أقولك دلوقتي. بحبك من غير ما تعرفي، وقلبي معاك حتى لو كنتي مش هنا.
يزفر بعمق ثم يعود إلى طعامه بصمت، وكأن شيئًا في داخله قد تغير، فحتى في غياب سيليا، مشاعره تجاهها لا تزال حية، وفي قلبه، يتمنى لو كان الوقت قد أتى ليقول لها ما يشعر به.
في مشهد من مطار القاهرة، كان جاد ماشي ببطء في صالات المطار، وعيونه بتتنقل بين الوجوه المختلفة، وكان باين عليه الضيق. آخر مرة زار فيها مصر كانت من سنة، وماكانش نفسه يرجع تاني، لكن والدته ثريا أصرت عليه ييجي السنة دي علشان تطمّن على مراته سيليا وعياله.
وأثناء ما جاد كان ماشي في الممرات، حس بملل شديد من الزحمة في المكان. ما قالش لحد إنه جاي، وكان مفضل إن كل حاجة تفضل سرية علشان ما يعملش دوشة.
في اللحظة دي، لمح بنت صغيرة ماشية جنبه، فابتسم ابتسامة عفوية، وهو بيحاول يخفي تذمره من الوضع.
جاد: أعتقد إني شفتك قبل كده... يمكن في دبي؟
البنت: معتقدش. دي أول مرة ليّا هنا.
جاد: صح... لكن في حاجة فيكِ بتقول لي إنك جايّة من مكان بعيد. عادةً عايشة فين؟
البنت: في القاهرة.
جاد: آه، يبدو إني غلطت. لكن على كل حال، من حسن حظي إني هنا دلوقتي. في الحقيقة، جاي على مضض علشان أزور عيلتي.
البنت: يعني أنت جاي من برة؟
جاد: أيوه، للأسف. عايش في دبي، بس والدتي، أصرّت إني أجي علشان أطمن على مراتي وعيالي... يمكن الوقت جه علشان أشوف الأمور ماشية إزاي. لكن صدقيني، مكنتش عاوز أرجع.
البنت: أفهم. شكلها موقف صعب.
جاد: إنتِ صح. لكن، يمكن في وقت تاني، لو إنتِ في مكاني، هنتقابل تاني.
البنت: أتمنى لك زيارة حلوة.
جاد: شكرًا ليكِ. يمكن نلتقي في مكان تاني.
وبعدين كمل جاد طريقه في المطار، وهو حاسس بالضيق من الضغط اللي حطّته عليه والدته.
رواية قيود العشق الفصل الخامس 5 - بقلم سيليا البحيري
رواية قيود العشق (2) الفصل الخامس 5 - بقلم سيليا البحيري
**فيلا ليلى الألفي تتميز بالشياكة الكلاسيكية، حديقة واسعة وشجر حوالين البيت. صوت العيال بيلعبوا في الجنينة مالي الجو، وسيليا قاعدة في الجنينة مع عمتها ليلى ورائد، بيتكلموا عن يومهم. فجأة، باب الفيلا بيتفتح بعنف، وجاد داخل لابس هدوم شيك، ووشه كله تعالي وبرود. سيليا تسكت وتبص ناحية الباب. جاد بيتقدم بخطوات تقيلة، ونظرة احتقار في عنيه، والعيال التلاتة بيجروا ناحيته بفرحة**
زياد (بفرحة): "بابا! بابا رجع!"
مازن (يصرخ بفرحة): "بابا!"
لينا (بتحاول توصله بخطوات متلخبطة): "بابا!"
جاد ينحني بسرعة يحضن العيال من غير ما يبين أي مشاعر حقيقية، بعدين يقوم ويبص نحية سيليا وليلى ورائد اللي واقفين في الخلفية. ملامحهم باينة فيها النفور والتوتر.
زياد (مبتسم ومسك إيده): "بابا... هتفضل معانا؟ مش هتمشي تاني، صح؟"
جاد يبص لزياد من غير ما يرد، عنيه جامدة وما فيهاش أي عاطفة. سيليا، اللي لاحظت التوتر في الجو، تتقدم نحية العيال، وتحط إيدها بهدوء على كتافهم.
سيليا (بهدوء حاسم): "يلا يا حبايبي، نطلع فوق."
العيال يبصوا لجاد، مستنيين منه إجابة، لكن جاد فضل ساكت. سيليا تاخدهم بلطف، وتطلع بيهم للدور اللي فوق من غير ما تبصله. جاد واقف في مكانه، بيتابعهم بنظرة باردة.
جاد يفضل واقف في الجنينة مع ليلى ورائد. ليلى تبصله بنظرة فيها لوم ونفور، ورائد واقف جنبها حاطط إيديه على صدره وباصص لجاد باشمئزاز.
ليلى (بصوت هادي لكن حاسم): "ثريا دايمًا بتحاول تصلح اللي إنت بتبوظه، بس الحقيقة إنك ما تستاهلش العيلة اللي عندك."
جاد يبص لليلى بلامبالاة، يهز كتافه وكأن الكلام مش فارق معاه.
جاد (بتهكم): "أمي بتحب الدراما. شايفة إن الموضوع كله مُبالغة."
رائد (باشمئزاز واضح): "إنت فعلًا ماعندكش ضمير. سيليا والعيال يستحقوا أحسن من كده. كل يوم بتثبت إنك إنسان أناني ما بيفكرش غير في نفسه."
جاد يلتفت نحية رائد، بيحاول يرد لكن يحس إن الكلام مش هيفرق. يبصلهم للحظة، بعدين يلف ببرود ناحية الباب.
جاد (بلامبالاة): "أنا مشغول. لو احتاجتوا حاجة... عارفين إزاي توصلوا لي."
**وبعدها يخرج، سايب وراه ليلى ورائد يبصوله باشمئزاز، بينما سيليا فوق بتحاول تهدي العيال بعيد عن الموقف الموجع ده**
**بعد ما جاد خرج من الفيلا، ساب وراه حالة من الصمت مليانة توتر. ليلى وقفت شوية بتحاول تهدي نفسها، بينما رائد كان باصص لباب الفيلا اللي لسه مقفول، ومش مصدق إن جاد لسه عنده نفس التصرفات دي**
رائد (بغضب مكتوم): "إزاي الشخص ده يبقى جزء من حياة سيليا؟ إزاي العيال دول يتحملوا إنه يبقى أبوهم؟"
ليلى (بتنهد): "سيليا قوية، رائد... بس ماينفعش تفضل مستحملة الوضع ده للأبد. جاد لا بيحبها ولا بيحب العيال حتى."
رائد (بيهز راسه بغضب): "اللي بيضايقني أكتر إنهم فرحوا لما شافوه. زياد كان بيسأله لو هيقعد معاهم... والعيال مش عارفين الحقيقة. جاد بيأذيهم من غير ما ياخد باله."
ليلى (بأسف): "العيال صغيرين، مايفهموش. كل اللي شايفينه إن ده أبوهم، حتى لو هو في وادي وهم في وادي تاني."
في اللحظة دي، سيليا نزلت من فوق بعد ما هدت العيال، صوت خطواتها كان خفيف، بس ملامحها كانت واضحة إنها منهكة ومتضايقة. رائد وليلى بصوا عليها وهي جاية تقف معاهم.
سيليا (بصوت واطي): "مشي؟"
ليلى (بهدوء): "أيوة، مشي. ماقعدش كتير."
سيليا (بحزن): "حتى مع عياله... بيبصلهم كأنهم حمل عليه. زياد كان مستني منه كلمة، يطمنه إنه هيقعد معاهم... بس هو فضل ساكت."
رائد قرب منها، حط إيده على كتفها بحنية ودعم.
رائد (بهدوء وحزم): "سيليا، متخليش وجوده أو غيابه يأثر عليكي أكتر من كده. إحنا هنا معاكي، ومش هنسمح لحد يأذيكي تاني."
سيليا (بنبرة حزينة): "عارفة يا رائد، بس العيال... مش عارفة أعمل إيه عشان أحميهم من تأثيره."
ليلى (بجدية): "سيليا، لازم تفكري في مستقبلك ومستقبل ولادك بعيد عن جاد. الوضع ده ماينفعش يستمر. جاد بيجرحك كل مرة بيظهر فيها، ومهما ندمت ثريا أو طيبتها، هو مش هيتغير."
سيليا هزت راسها بتفكير، وعينيها كانت مليانة حيرة وألم.
سيليا (بهمس): "أنا تعبت... بجد تعبت."
رائد قرب أكتر، ونبرة صوته كانت مليانة إصرار.
رائد (بحزم): "إحنا جنبك يا سيليا، ومش هنسمحلك تفضلي في الوضع ده أكتر. لو احتجتي أي حاجة، إحنا هنا."
*********************
**في فيلا البحيري ، أوضة المعيشة في بيت العيلة، الوقت متأخر في الليل. أحمد قاعد على الكنبة ماسك كوباية شاي، وعينيه سرحانة. مراد ، اخوه يدخل الأوضة ويقعد جنبه، الجو مليان سكون تقيل، كأن الماضي حاضر في كل ركن**
أحمد: (بصوت هادي مليان حزن) "ست سنين... عدوا ست سنين ولسه سامع صوتها كل ليلة."
مراد: (بيبص في الأرض، بيحاول يمسك دموعه) "ماكنتش عارف إن الذنب ممكن يطاردنا كده... كأنه ضل ما بيختفيش."
أحمد: (بياخد نفس عميق) "اللي عملناه مش هيتسامح بسهولة... كنا لازم نسمعها، نفهمها... بس الشكوك غلبتنا."
مراد: (بنبرة مليانة مرارة) "ودلوقتي؟ بعد إيه؟ حياتنا بقت كابوس... كل حاجة فقدت معناها بعد الليلة دي."
أحمد: (بيهز رأسه) "تفتكر هنقدر يوم نعديها؟ نعيش من غير ما نحس بالهم ده؟"
مراد: (بغصة في صوته) "نعديها؟ إزاي نعديها وإحنا ماكناش حتى عارفين الحقيقة؟ الحقيقة راحت معاها... وضاع عمرها بإيدينا."
أحمد: (بيبص لمراد) "مراد... كل ليلة بفكر... لو كانت عندنا فرصة واحدة، لو نقدر نرجع الزمن... كنت هتعمل حاجة مختلفة؟"
مراد: (ساكت لحظة، وبعدين بصوت مكسور) "كل حاجة... كل حاجة كنت هعملها بشكل مختلف."
أحمد: (بيحط إيده على كتف مراد) "إحنا مش نقدر نرجع الزمن، بس ممكن نحاول نكفّر، نعيش بطريقة تخلي روحها ترضى عننا... يمكن."
مراد: (بيبص لأحمد) "يمكن... بس الذكرى دي هتفضل زي الجرح اللي ما بيلمّش."
أحمد: "جرحنا كلنا، يا أخويا... جرحنا كلنا."
مراد: (بيغمض عينيه ويمسح دمعة نزلت) "سيليا كانت النور في حياتنا، وإحنا طفّيناه."
أحمد: (بصوت هادي) "يمكن ما طفّاش كله... يمكن نقدر نرجّع شوية نور من خلال اللي هنعمله."
مراد: "بتمنى كده... بتمنى."
(السكوت بيستمر بينهم، والمشاعر المختلطة بتزيد في الأوضة، وطيف سيليا لسه حاضر في ذاكرتهم.)
**عم الصمت لثوان قبل أن يدخل سامر الغرفة، ووراه يوسف وريان الكل قاعد في سكون، الجو تقيل والذكريات الحزينة بتسيطر على الكل. ريان ويوسف كانوا الأقرب لسيليا، لكن في اللحظة اللي كانت محتاجاهم فيها، سكتوا**
يوسف: (يقعد جنب أحمد) "أنا عارف إني كنت ساكت... لكن كان لازم أقول حاجة. كان لازم أدافع عنها. مافيش يوم بيمر إلا وأنا حاسس بالندم."
ريان: (وهو واقف، صوته متوتر) "إحنا صدقناها يا يوسف... صدقناها من البداية، بس جبنّا منعنا إننا نتكلم."
سامر: (ينظر إليهم بحزن) "كلنا جبناء... مافيش حد فينا عمل الصح. سيليا كانت أختنا... كنا لازم نقف جنبها."
أحمد: (بنبرة حزينة) "الندم مش هيغير اللي حصل... بس دلوقتي إيه اللي ممكن نعمله؟ إزاي نعيش وإحنا عارفين إننا اللي خليناها تموت بالحزن؟"
يوسف: (يحاول كبح دموعه) "كنا ممكن نمنع كل ده... أنا كنت شايف الحقيقة في عينيها، بس سكت."
ريان: (يغلق عينيه، يرفع صوته) "ليه سكتنا؟ ليه ماحدش فينا فتح بقه؟! لو كنت اتكلمت... لو كنت قولت كلمة واحدة... كانت ممكن تعيش."
مراد: (يمسح وجهه بتعب) "كل واحد فينا شايل جزء من الذنب... ماحدش فينا بريء. الظنون هي اللي قتلتها، بس سكوتنا كمان كان السبب."
سامر: (بصوت مكسور) "أنا كنت فاكر إني بحمي العيلة... كنت فاكر إن الصمت هو الصح... بس دلوقتي؟ دلوقتي شايف إن اللي عملناه هو اللي ضيعها."
أحمد: "العيلة دي ضاعت من يوم ما سيليا راحت... وكل واحد فينا مسؤول."
يوسف: "بس سيليا كانت تستحق أكتر... تستحق تدافعوا عنها، وأنا ماعملتش كده."
ريان: (ينظر إلى إخوته) "إحنا لازم نعمل حاجة... مش هينفع نعيش على الندم بس. لازم نكفّر عن ذنبنا بطريقة ما... عشان نقدر نعيش مع نفسنا."
مراد: "إزاي؟ إزاي نصلح اللي كسرناه؟"
أحمد: (يفكر لحظة) "مش عارف... بس لازم نلاقي طريقة. يمكن ده يكون الشيء الوحيد اللي نقدر نقدمه لسيليا."
**(السكوت يسود الغرفة مرة تانية، كل واحد فيهم غارق في أفكاره وندمه، وكأن شبح سيليا لسه موجود وسطهم، بيذكرهم باللي فقدوه وبالذنب اللي مستحيل يتنسى.**
*********************
**بعد أن تفرق كل واحد نحو غرفته ، أحمد جالس على طرف السرير، الإضاءة خافتة، وعيناه مليئتان بالغضب المكبوت. في يده صورة قديمة لـسمر، أحمد ينظر للصورة بعمق، وملامحه متوترة.
أحمد: (بصوت منخفض لكنه مليء بالغضب) "فاكرة نفسك فلتّي؟ فاكرة إن اللي عملتيه عدى وخلاص؟"
(يمسك الصورة بإحكام، وصوته يتصاعد تدريجيًا)
أحمد: "سنين وأنا ساكت... سنين وأنا بحاول أمشي حياتي عادي... لكن كل مرة أتذكر وشّك، النار بتزيد جوايا."
(يرمي الصورة على الأرض، ويقف بغضب، يتحرك في الغرفة بعصبية)
أحمد: "مش هسيبك تعيشي مرتاحة... كل اللي فات ده كان مجرد البداية. أنا عارف كويس إنتي كنتي إيه، وعارف إيه اللي تستحقيه."
(يتوقف للحظة، ينظر نحو النافذة، وكأن الحقد اللي جواه بيحرقه)
أحمد: (بصوت عميق مليء بالتوعد) "هتشوفي... هتشوفي يا سمر. أيامك الجاية مش هتكون سهلة. أنا مش بنسى... وعمري ما هسامح."
(يضرب بقبضته على الحائط بقوة، ملامحه مشدودة، وتظهر عليه علامات الغليان)
أحمد: "انتقام؟ يمكن أكتر من كده. اللي جاي مش مجرد كلام، ووقتها هتعرفي إنك لعبتي بالنار، والنار دي هتحرقك."
(ينظر إلى الصورة الملقاة على الأرض للحظات، ثم يركلها بعيدًا)
أحمد: "مش هتهربي مني، سمر. الحساب قريب... قريب جدًا."
(يخرج من الغرفة بعصبية، تاركًا وراءه الصورة الممزقة كرمز لكل الحقد اللي جواه.)
********************
**في صباح اليوم التالي، كانت سيليا ماشية بسرعة في الشارع، وأفكارها مولعة بالغضب والإحباط. الموبايل كان في إيديها، وصورة جاد جوزها مع عشيقته لسه ظاهرة على الشاشة. قلبها كان بيدق بسرعة، والكلام بيلف في دماغها زي دوامة ما بتقفش.
سيليا (بتكلم نفسها): "مش سيليا البحيري اللي تنكسر يا جاد الشهاوي ، أنا هوريك، اوف ، إيه القرف ده"
في اللحظة اللي رفعت فيها راسها، خبطت فجأة في جسم قوي. اهتزت شوية قبل ما تستعيد توازنها، ولقت قدامها راجل بملامح حادة وعينيه ساحرة، زين. هو كمان كان سرحان، بس دلوقتي، أول ما عينه جات في عينها، الزمن وقف للحظة.
زين (بصوت هادي ومتفاجئ): "آسف... مكنتش واخد بالي."
سيليا (بصوت متلخبط): "لا، عادي... أنا كمان كنت سرحانة."
الاثنين وقفوا ساكتين للحظة، عينيهم بتتلاقى وتفحص الملامح. سيليا كانت شبه لوحة مرسومة، بنقاء وجمال ملائكي، وزين بوسامته وملامحه الرجولية القوية، خلّى قلبها يدق بطريقة مختلفة للحظة.
زين (بيضحك خفيف): "يظهر إن النهارده مش يوم السرحان والمشي."
سيليا (بتبتسم وهي محرجة): "يظهر كده فعلاً."
وهي بتحاول تخفي مشاعرها المتلخبطة، زين فضل يبصلها وكأنه بيدور على حاجة ورا الابتسامة الهادية دي. كان عاوز يفهم إيه اللي شاغلها، لكن صمت اللحظة كان أقوى من أي كلام.
زين (بفضول): "إنتِ كويسة؟ شكلك كأن في حاجة مضايقاكي."
سيليا وقفت للحظة، وترددت قبل ما ترد، مشاعرها كانت متلخبطة بين الغضب من جاد والانجذاب الغريب للضابط الوسيم ده.
سيليا (بتنهيدة): "مش قوي، بس... هبقى كويسة."
زين (بصوت داعم): "أحيانًا الكلام بيبقى مفيد، حتى لو مع حد غريب."
سيليا بصت في عينيه، وتسألت: "يا ترى ممكن الغريب ده يكون الملجأ اللي عمرها ما لاقته مع جوزها؟"
سيليا (بنبرة مترددة): "أنا مش متعودة أتكلم مع حد غريب... بس الحياة ساعات بتفاجئنا بحاجات مش متوقعة."
زين (مبتسم): "فعلاً، ويمكن كمان الغريب يبقى أقربلك في اللحظة دي من ناس تعرفيهم طول حياتك."
سيليا بصت للأرض شوية، بتحاول تجمع شجاعتها تتكلم. عقلها كان مليان بالغضب والخيانة، بس الوقوف قدام زين حسسها بنوع من الراحة اللي مكنتش متوقعة.
سيليا (بصوت هادي): "أنا حياتي معقدة أوي دلوقتي... مش عارفة أقولك إيه."
زين (بحنان): "خدي راحتك، مفيش داعي تقولي حاجة لو مش مرتاحة."
السيارات كانت بتمر جنبهم، صوت الشارع شغال حواليهم، لكن في اللحظة دي كانوا زي ما يكونوا في عالم لوحدهم. سيليا رفعت عينيها وبصت لزين، وحست بنوع من الأمان. كلامه كان بسيط، بس فيه حاجة جواه حسستها إنه بجد مهتم.
سيليا (بتنهيدة): "جوزي... بيخوني. وأنا... مش قادرة أتصرف."
زين اتحرك بخطوة بسيطة قدام، عينيه بقوا مليانين تعاطف.
زين (بصوت حازم): "حد زيك ما يستحقش الخيانة. الناس اللي بتقدم حبها وتضحيتها يستحقوا حد يقدرهم، مش كده."
سيليا بصتله وهي بتحس بتدفق مشاعر مختلطة. الكلام اللي قاله كان زي بلسم لجروحها، بس برضه جواها كان فيه ألم.
سيليا (بمرارة): "كنت فاكرة إننا عيلة... إن كل حاجة بينا حقيقية. بس دلوقتي أنا بسأل نفسي: كل اللي عملته عشانه راح فين؟"
زين (بنبرة صادقة): "اللي بتقدميه من قلبك عمره ما بيروح هدر، حتى لو مش شايفاه دلوقتي. المهم إنك تفكري في نفسك، في اللي إنتِ تستحقيه."
سيليا اتنهدت من تاني، وحست إنها لأول مرة من زمان تتكلم بصدق مع حد من غير خوف أو خجل.
سيليا (بصوت هادي): "يمكن... يمكن إنت عندك حق."
زين (بابتسامة مطمئنة): "مش يمكن... أنا متأكد."
*********************
**في مقهى فاخر في دبي، تجلس جيسي وصديقتها زيزي في زاوية هادئة، تتحدثان بينما تحتسيان القهوة. تتكلم جيسي بلهجة غاضبة وحاقدة، تحرك يديها بعصبية وهي تنظر إلى صديقتها بنظرات تحمل مشاعر الحسد والغيرة**
جيسي: (بغضب) والله يا زيزي، ما بعرف كيف هاي سيليا لسة عايشة مع جاد! ولا بتعمل شي مفيد بحياتها غير إنها قاعدة في مصر مع العيال. جاد ما بيشوفها إلا بالشهور، وأنا لو مكانها كنت خليته يندم على كل لحظة أهملني فيها!
زيزي: (تبتسم بمكر) بس يا جيسي، هي سيليا أم أولاده. يعني مهما صار، عندها مكانة عنده، حتى لو مهملها.
جيسي: (تضحك بسخرية) مكانة؟! إنتي بتحكي عن مكانة! ما في شي اسمه مكانة. هاي قاعدة عايشة في مصر، وجاد هون في دبي، لا يهتم فيها ولا بالأولاد. وأنا اللي شايفة كل شي. إذا هو مش مهتم فيهم، شو قيمتها عنده؟ ولا شي! لو عندها كرامة، كانت تركته زمان.
زيزي: (بابتسامة خبيثة) طيب، وشو فكرتك؟ إنتي بتكرهيها لهالدرجة، شو ناوية تعملي؟
جيسي: (تغمض عينيها بتفكير) والله يا زيزي، جاد يستحق وحدة تكون جنبه، تهتم فيه. سيليا مالها وجود إلا على الورق. لو جاد شاف شو في بنات أحلى منها وأقوى منها، كان نسيها تماماً. وأنا عندي خطة... (تبتسم بخبث).
زيزي: (بحماس) خطة؟ شو ناوية تعملي يا مجنونة؟ قولي!
جيسي: (بهدوء مميت) بدي أخلي جاد يشوف إنه يستحق الأحسن
**زيزي تجلس أمام جيسي وتحاول إخفاء ابتسامتها الخبيثة، فهدفها الأساسي ليس فقط الاستماع لجيسي، بل هي تسعى لأن تكون أقرب لعائلة جاد لتأمين موقعها. تستغل حقد جيسي على سيليا لصالحها**
زيزي: (تبتسم بمكر أكبر) فكرة قوية يا جيسي! وأنا بصراحة شايفة إنك الأجدر تكوني جنب جاد. بس بصراحة، عندي فكرة أحسن!
جيسي: (تحدق فيها بفضول) فكرة أحسن؟ شو قصدك يا زيزي؟
زيزي: (بتصنع الود) شوفي يا حبيبتي، أنا عارفة إنك بتحبي جاد وبتحسي إنه يستحق أفضل من سيليا. بس لازم تكوني ذكية. جاد عنده نفوذ وعائلته مرموقة وثرية، وهذا النوع من الرجال لازم تحسسيه إنه محتاجك مش بس لأنك الأخت الصغيرة، بل لأنك الشخص الوحيد اللي بيفهمه وبيسنده. ومن هنا... ممكن نشتغل معاً.
جيسي: (تشعر بالريبة) معاً؟ كيف يعني؟
زيزي: (تقترب منها وتخفض صوتها) أنا بدي مصلحتك... ومصلحتي كمان. تعرفي إن جاد عائلة كبيرة ومرموقة، وأنا كنت دايماً أحلم إني أتزوج رجل مثله. شو رأيك نشتغل سوا؟ أنا أقرب منه أكثر... ومن هناك، أساعدك في إنه يبعد عن سيليا تماماً.
جيسي: (تضيق عينيها وترد بحذر) يعني إنتي بدك تتزوجي جاد؟ هذا كل الموضوع؟
زيزي: (بتصنع البراءة) بصراحة، جاد فرصة ما تتعوض، وكلنا عارفين إنه زواجه بسيليا انتهى عملياً. إنتي بتكرهيها، وأنا بدي أكون جزء من العائلة... بنقدر نساعد بعض. إذا قدرت أتقرب من جاد، أنا رح أقدر أخلصك من سيليا نهائياً، ووقتها إنتي اللي رح تكوني الأقرب له. بس لازم تفكري بذكاء.
جيسي: (تسكت للحظة، ثم تبتسم بخبث) ماشي يا زيزي... خلينا نشوف إنتي قد إيش شاطرة. لو قدرتي تقربي من جاد وتخليه يبعد عن سيليا، أنا رح أكون معك. بس، ما تنسي، أي حركة غلط... ورح تكوني أنتِ اللي خرجتِ من اللعبة.
زيزي: (تبتسم بارتياح) اتفاق إذن. سوا رح نخلي جاد يشوف مين اللي فعلاً يستحق يكون جنبه
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية قيود العشق الفصل السادس 6 - بقلم سيليا البحيري
بعد عدة أيام، لم تتغير الأمور كثيراً. جاد لازال مقيماً في مصر واستمر في تجاهل سيليا والأولاد. زين يفكر في تلك الفتاة التي خطفت عقله وقلبه. رائد لم يفاتح والدته بأمر خطوبته من كارما. تميم يرهق نفسه بالعمل. عائلة البحيري، كل واحد مشغول بأعماله، ولكن سيليا لم تخرج من بالهم أبداً.
***
في مكان آخر نذهب إليه لأول مرة، تجلس تلك الشابة التي يبدو عليها الحقد والكره.
سمر: لازم أخطط كويس عشان أرجع لأحمد، مش هفضل طول عمري في الفقر.
شاهي: وأنتي فاكرة إنه هياخدك بالحضن بعد اللي عملتيه؟
سمر: عيلة وغلطت يا شاهي، مش مستاهلة كل ده. أحمد عبيط وأنا هضحك عليه بكلمتين حلوين، متشغليش بالك إنتي.
شاهي: ودي أشوفك بتضحكي عليه فعلاً، سمر. بس لازم تكوني ذكية، ما تجيبيش على نفسك شبهة العاطفة. أحمد مش غبي. هو صح طيب، وأنا بحب لما حد يوقعه في فخه. لو لعبتي صح، هتلاقيه في حضنك بسرعة، لكن خلي بالك من الخطوات الجاية... الدنيا كلها في يدك لو عرفتي تتلاعبين صح.
سمر: ومش سمر اللي بتخاف، أنا عارفة إزاي هخليه زي الخاتم في صباعي، ووقتها هتصير كل أملاك البحيري ليا أنا وبس.
لتكمل سمر وشاهي ضحكاتهما الخبيثة، غافلتين عن الذي كان يستمع لكل شيء.
***
في فيلا ليلى الألفي، كانت سيليا تحاول الاتصال بجاد للمرة المليون، لكنه كنسل عليها في المرة الأخيرة، مما أثار غضب سيليا.
سيليا: أنا هوريك يا جاد، هوريك مين هي سيليا البحيري، سامع يا جاااااااد!
ارتعب الأولاد من صراخ والدتهم، في حين جاءت ليلى مسرعة نحوها بعد أن سمعت صراخها.
ليلى: حصل إيه يا بنتي؟ انطقي، في إيه يا سيليا؟
سيليا: أنا هخلع جاد يا عمتو، وهسيب الأولاد. من حقي إني أعيش حياتي، أنا لسه صغيرة ومش هدفن نفسي بالحيا.
ليلى: استهدي بالله يا بنتي، المشاكل متتحلش كده. عندك ثريا هانم وكريم بيه واقفين بصفك.
سيليا: اها، أظهري على حقيقتك يا عمتو، عايزة تبعتيني لجاد عشان الفلوس مش كده؟
ليلى: سيليا، مش معقول كلامك ده! أنا مش عايزة أبيعك لحد عشان فلوس، بس عايزة مصلحتك، وده مش معناه إني ضدك. جاد مش كل حاجة، والأولاد مش مجرد أداة للانتقام. لو كنتِ بتفكري كويس، كنتِ فهمتي إن الحياة مش بتقف عنده، ولا عند فلوسه. الفوضى دي هتأذيك أكتر من أي حاجة تانية.
سيليا: وأنا مش هوقف حياتي عند جاد ده، هخلعه وأسيب الأولاد وأرجع للجزائر، أنا تعبت حقيقي.
كادت سيليا أن تذهب، لكن استوقتها ليلى قائلة بخبث.
ليلى: استني عندك يا سيليا.
سيليا: في إيه تاني؟
ليلى: فكري كويس، إنتي دلوقتي لو سبتي ولادك لجاد، واتطلقتي منه، هياخد ولاده ويسافر لدبي، ويتجوز واحدة حرباية، تاخد ولادك وتكرههم فيكي، وإنتي أولدي واتعبي وادفني نفسك بالحيا عشان خاطر اللورد جاد، والسنيورة تاخد كل حاجة عالجاهز كده.
ثم أكملت قائلة بجدية.
ليلى: سيليا، إنتي بنتي اللي مخلفتهاش، اللي أنقذتها من الموت في آخر لحظة. صدقيني لو كنت أعرف حقيقة جاد مكنتش وافقت على الجوازة دي من الأساس حتى لو كلفني ده خسارة صديقتي الوحيدة ثريا. بس لسه عندنا وقت عشان نصلح اللي فات. خدي ولادك في حضنك واتطلقي من جاد وعيشي حياتك، إنتي لسه مكملتيش 22 سنة يا بنتي، ولسه عمر طويل قدامك عشان تعيشيه. اسمعي الكلام يا سيليا، وأنا ورائد مش هنسيبك أبداً.
سيليا: عمتو... أنا حقيقي تعبت، ومش قادرة أستحمل أكتر من كده. جاد دمرني، خلاني أحس إني مجرد لعبة، ودايماً محسسني إني مش مهمة. بس كلامك صح... مش هقدر أسيب ولادي، مش هقدر أسيبهم لواحدة تانية تربّيهم وتكرههم فيّ.
سيليا: بس أنا مش هفضل مستسلمة. هسمع كلامك يا عمتو، هاخد ولادي وأبدأ من جديد. أنا مش ضعيفة، ولازم أفكر في مستقبلي ومستقبلهم. شكراً إنك دايماً جنبي... ما كنتش هعرف أعمل ده لوحدي.
ليلى: يا حبيبتي، أنا معاك دايماً، مش هسيبك أبداً. إنتي أقوى بكتير مما بتتصوري، وده أول خطوة إنك ترجعي لنفسك وتعيشي حياتك زي ما تستحقي. ولادك محتاجينك، وأنا ورائد جنبك في كل خطوة.
ليلى: إحنا عيلة، والعيلة مش بتتخلى عن بعضها. هتعدي الأزمة دي، وهتبدأي صفحة جديدة، وصدقيني الأيام الجاية هتكون أحسن بكتير.
في غرفة الأطفال، جلس زياد ومازن معاً على السرير، يحدقان في بعضهما البعض بحيرة. كانت لينا نائمة بجانبهما، بينما كان الصمت يعم المكان، إلا من صوت أنفاسهما.
زياد: ليه بابا مش بيحبنا زي ما رائد بيحبنا؟
مازن: ما بعرفش يا زياد... رائد دايمًا بيضحك معانا، بيلعب معانا، بس بابا مش كده. هو مش دايمًا بيكون هنا.
زياد: يعني هو مش بيحبنا زي رائد؟
مازن: بابا مبيجيش إلا لما يبقى عنده وقت، بس رائد كان دايمًا موجود، بيلعب معانا، بيحكي لنا قصص... بابا مبيعملش كده.
زياد: ليه بابا كده؟ هو مش مهتم بينا؟ ليه مبيشوفناش زي رائد؟
مازن: مفيش حد زي رائد يا زياد. رائد دايمًا معانا، بيحسسنا إننا ولاده، لكن بابا مش بيحس بينا زي كده.
زياد: إحنا مش غلطنا في حاجة، صح؟ رائد مش بابا، بس هو دايمًا معانا.
مازن: عارف... بس أنا مش فاهم ليه بابا مش بيقعد معانا زي رائد. رائد يعاملنا كأننا أولاده، لكن بابا مش بيبقى معانا كده.
زياد: مش هنسكت. أنا هحاول مع بابا، عشان هو لازم يحس بينا زي ما رائد بيحس بينا.
مازن: وأنا معاك يا زياد. يمكن لو حاولنا مع بعض، بابا يغير رأيه.
كانت الكلمات بين زياد ومازن مليئة بحزنهما وبراءتهما، وتوضح الفرق بين المعاملة الدافئة التي كانا يحصلان عليها من رائد، وبين تجاهل والدهما جاد.
في هذه اللحظات كان رائد يستمع لكلام الأطفال وشعر بالحزن على حالتهم.
رائد: هم دول مش أولادك، جاد... هما مش أولادك. إزاي تقدر تتجاهلهم كده؟ إزاي تقدر تتركهم في حالة من الحيرة والضياع؟
رائد: أنا مش هسمح لك تضرهم تاني يا جاد. مهما حاولت، مهما عملت، أنا مش هسيبك تبقى بعيد عنهم... الأطفال دول، زي أولادي تماماً، وأنا مش هخلي حد يفرّق بينهم وبين الحق اللي هما عايشين فيه. أنت مش هتعرف تحس بيهم إلا لما تفقدهم، ومش هتقدر تقرب منهم تاني.
رائد: أنت مش هتقدر تسيطر عليهم زي ما كنت فاكر. ليك يوم، يا جاد، يوم هتشوف فيه من معاملة الناس ليك قد إيه كانت فارغة. يوم هتندم على كل لحظة تجاهلت فيها العائلة دي، وخصوصاً أولادك. هخليك تدفع الثمن.
رائد: مش هتخليهم يعيشوا في ظل شخص مش قادر يكون أب حقيقي. أنا هخليهم يعرفوا مين اللي كان موجود ليهم وقت ما كنت إنت غايب. لو كان فيه حد يستحق التقدير والاحترام، فهو الناس دول. وأنا مش هسمح لأي حد يحطمهم. هتبقى أسوأ لحظة في حياتك لما تعرف إنك فقدت كل حاجة لأنك مش قادر تكون الأب اللي المفروض تكونه.
***
كانت الساعة قربت على منتصف الليل، والفيلا هادية جداً ما عدا صوت خطوات زين وهو داخل من الباب الكبير. النور الضعيف في الصالة كان بيخلي الظلال تظهر على الحيطان البيضا. كانت هناء، والدته، قاعدة على الكنبة، عينيها شاردة في الفراغ، مستنياه زي كل مرة. لما شافها، وقف في المدخل لحظة صمت طويلة قبل ما يتكلم.
زين: إنتِ هنا؟ مستنياه في الوقت ده؟ عايزة مني إيه؟
هناء: كنت مستنيك ترجع... اتأخرت كتير. كنت عايزة أتكلم معاك.
زين: بتتكلمي؟ بعد كل السنين دي؟ هتقوليلي إيه؟ في مبرر للي عملتيه؟ بتفتكري الكلام ده هيرجع حاجة؟
هناء: زين، أنا عارفة اللي حصل، وعارفة إن اللي عملته كان غلط. لكن كنت لسه صغير وقتها... كان عندك عشر سنين، ومش عايزة تفضل الذكرى دي بتمشي وراك.
زين: ما تستخفّيش بيا. عشت كل يوم في حياتي وأنا شايف صورتك في دماغي، فاكر كيف خنتِ أبويا قدامي. وإنتِ بتقولي لي كنت صغير؟ كنت عايز أبويا في اللحظة دي، وإنتِ قتلتيه. أيوة، قتلتيه! مات بسببك.
هناء: أنا... أنا غلطت. مش بطلب منك تسامحني، لكن عايزة تعرف إنني ندمانة على كل حاجة.
زين: ندمتِ؟ والندم ده هيرجع أبويا؟ هيرجع السنين اللي راحت من حياتي؟ هيرجع لي كرامتي اللي أهنتيها؟
هناء: أرجوك يا زين، أنا أمك. مش قادرة أعيش في الصمت ده أكتر. عارفة إنك بتكرهني، لكن مش قادرة أعيش وأنا حاسة إنك بترفضني.
زين: إنتِ مش أمي! أمي كانت حاجة تانية، كانت واحدة بتحبنا وتحترمنا. إنتِ مجرد واحدة مش تستاهل تتسمى أم. لو كنتي فاكرة إن كل حاجة هترجع زي ما كانت، إنتِ غلطانة. اللي بينا خلص من زمان.
وقف شوية، خد نفس عميق، وبعدين قال وهو ملتفت ناحية الباب.
زين: مش عايز أشوفك تاني. مفيش مكان ليكِ في حياتي. هاجي هنا بس عشان أطمن على البيت... ده كل حاجة.
قفل الباب وراءه ببطء، وتركها في الصالة، لوحدها، مع ذكرياتها المظلمة اللي مش هتقدر تتخلص منها أبداً.
رواية قيود العشق الفصل السابع 7 - بقلم سيليا البحيري
صعد زين إلى الطابق العلوي بخطوات ثقيلة، وهو يشعر بثقل الذكريات يضغط على صدره. فتح باب غرفة والده ببطء، وكأنها ما زالت تحمل رائحته ودفء وجوده. النور الخافت المنبعث من مصباح الطاولة كان يلقي بظلال خافتة على الجدران، ليعيد إحياء مشاهد قديمة من ذاكرته.
توجه زين نحو الخزانة الخشبية القديمة، فتح أحد الأدراج بيدين ترتجفان، وأخرج ألبوم الصور الأسود. جلس على طرف السرير، فتح الألبوم ببطء، وعيناه بدأت تلتهم الصور.
كانت أول صورة له مع والده في حديقة المنزل، زين طفل صغير، يضحك بينما والده يحمله على كتفيه. عادت ضحكته إلى أذنيه وكأنها تسخر من الحاضر. قلب الصفحة، فوجد صورة أخرى لهما وهما يلعبان كرة القدم. والده كان يبتسم بفخر وكأنه يرى فيه امتداداً لحياته.
زين (بصوت مبحوح مليء بالشجن):
"يا ترى... كنت فخور بيا وقتها؟ كنت بتشوفني إزاي؟ كنت بتخطط لمستقبلنا إزاي؟"
مرر أصابعه برفق على وجه والده في الصورة، وكأن اللمس قد يعيده للحياة. كانت الصور التالية تحمل ذكريات يوم ميلاده العاشر، والده يضع له القبعة الورقية على رأسه ويطفئان الشموع معاً.
توقف عند صورة أخرى. نفس الملابس التي كان والده يرتديها في اليوم الأخير. الصورة التي التقطت صباح اليوم الذي تغير فيه كل شيء. دمعت عيناه، وكأن جسده لم يتحمل طوفان المشاعر الذي أغرقه.
زين (بصوت خافت يتخلله البكاء):
"ليه؟ ليه كل حاجة انتهت بالشكل ده؟ ليه كنت لازم أشوفك تنهار قدامي؟... ما كنتش أقدر أعمل حاجة. كنت طفل صغير... ما كنتش أعرف إني هشوفك... تموت."
أسند رأسه إلى الألبوم، وأغمض عينيه، بينما تملأ الغرفة سكوناً مشوباً بالألم.
تذكر اللحظة التي رأى فيها والده يضع يده على صدره ويسقط أرضاً، صرخاته وهو يحاول أن يوقظه، ووجه والدته الذي لم يحمل سوى الصدمة الزائفة. صوت الإسعاف وهو يأخذ والده بعيداً... للأبد.
زين (بغضب مكبوت وهو يشد يده على الألبوم):
"كانت السبب... هي اللي قتلتك. كل حاجة بسببها."
قلب الصفحة الأخيرة من الألبوم، ليجد صورة قديمة تجمع والده ووالدته قبل أن يتغير كل شيء. لم يستطع أن يزيل وجهها من الصورة، لكن بدا وكأنه يحاول إزالتها من ذاكرته.
أغلق الألبوم بعنف، ووضعه على الطاولة بجانب السرير. وقف أمام النافذة المطلة على الحديقة، وأشعل سيجارة، في محاولة يائسة لإخماد الألم الذي يشتعل في صدره.
زين (بصوت حاسم، وكأنه يخاطب نفسه):
"لازم أتحرر من ده كله. ما ينفعش أفضل محبوس في الماضي ده. أنت كنت تستحق حياة أحسن... وأنا لازم أعيشها علشانك."
نظر إلى السماء، وكأنها تحمل روح والده، ثم خرج من الغرفة، حاملاً في داخله وعداً صامتاً بأنه لن يسمح لأي أحد، بما في ذلك والدته، أن يعكر ذكريات والده أو يقترب منها مجدداً.
نزل زين من على السلم بخطوات تقيلة، بس المرة دي كان كل حاجة جواه زي بركان على وشك الانفجار. عينيه مليانة غضب وحقد، وملامح وشه جامدة زي الحجر. لما وصل للصالة، لقاها لسه قاعدة في مكانها، حواليها هدوء مصطنع كأنها بتحاول تبان قوية بعد كلامه.
وقف زين عند آخر السلم، وبص لها بنظرة كلها قرف، وكأنه شايف قدامه السبب في كل حاجة دمرت حياته.
زين (بصوت واطي لكنه مليان احتقار):
"إنتِ قاعدة هنا... مستنية إيه؟ مستنية أعملك كإنك أمي؟ ولا مستنية أصدق الندم اللي بتمثليه ده؟"
ثم أكمل قائلا بسخرية مريرة:
زين:
"اه، نسيت، انتي أصلا ملكة التمثيل و ****** يا هناء هانم."
هناء (رفعت رأسها ليه، وعينيها مليانة دموع):
"أنا مش قادرة أرجع اللي فات، يا زين. كل اللي أقدر أعمله إنّي أطلب منك تسامحني."
زين (ضحك بسخرية مُرة وهو بيقرب منها بخطوات بطيئة):
"تسامحك؟ أسامحك على إيه؟ على إنك خنتي الراجل اللي كان بيشيلك فوق راسه؟ ولا على إنك دمرتي حياته قدامي؟"
هناء (بصوت مهزوز):
"كنت صغيرة... ضعيفة... غلطت. بس ده مش معناه إنّي..."
زين (مقاطعاً بحدة):
"مش معناه إيه؟ مش معناه إنك خاينة؟ إنك... ****؟ آه، ****! ما تخجليش من الكلمة. عارفة إيه الأصعب؟ إن العاهر**ة العادية على الأقل ما بتهدش بيتها. لكن إنتِ، إنتِ هدمتي بيتنا... هدمتي حياة أبويا... وحياتي أنا كمان."
هناء (انهارت بالبكاء وهي بتحاول تقرب منه):
"زين... أنا أمك. حتى لو غلطت، أنا أمك!"
زين (ابتعد عنها بخطوة، وكأن قربها بيئذيه):
"إنتِ ما تستحقيش تكوني أمي. أمي كانت ست تانية... كانت ست بتحبنا وبتحترمنا. إنتِ مجرد واحدة أنانية ما فكرتيش غير في نفسك. أبويا مات بسببك، وأنا اتحولت لشخص ما بيعرفش يحب ولا يثق في حد... بسببك. كل كلمة بتقوليها، كل دمعة بتنزل منك، مش هتغير أي حاجة."
هناء (بوجع كبير):
"أنا ندمانة... والله ندمانة!"
زين (بص لها نظرة أخيرة مليانة قرف واشمئزاز):
"ندمك ده جه متأخر. كنتِ لازم تندمي يوم ما قررتي تخونيه. دلوقتي... كل اللي أقدر أشوفه فيكِ هو الخيانة. عايزة مني تسامح؟ انسِ، ده مش هيحصل. عمرك ما هتاخديه."
استدار زين ناحية الباب، فتحه وخرج على الجنينة، وسبها في الصالة لوحدها غرقانة في دموعها، وسط ذكرياتها وأخطائها اللي عمرها ما هتعرف تهرب منها.
في البار، المكان مليان بالأضواء الملونة وأصوات الموسيقى العالية. الضحك داير حوالين الطاولات، وصوت الكوبايات وهي بتخبط في بعضها واضح. جاد قاعد على ترابيزة، في إيده كوباية مشروب، متكاسل على الكرسي، وعينيه متسمرة على الناس اللي بترقص على المسرح. جنبه واحدة لابسة فستان لامع يظهر أكثر مما يخفي، بتحاول تلفت انتباهه بابتسامة مغرية.
جاد: (يضيق عينيه ويبتسم بمكر)
"اللحظة دي غريبة... فيها حاجة بتخليني عايز أنسى كل حاجة."
الست: (تقرب منه وتميل بجسمها)
"أنسى؟ الرجالة زيك ما بيعرفوش ينسوا بسهولة، شكلك بتحاول تهرب من حاجة."
جاد: (يرشف من كوباية المشروب ويضحك بسخرية)
"أهرب؟ ممكن. أو يمكن أنا بس بدور على لحظة متعة... من غير أي قيود."
الست: (بجرأة وهي بتبصله)
"إنت متجوز؟"
جاد: (يضحك بخفة ويبص في كوباية المشروب)
"متجوز؟ كلمة كبيرة دي. خلينا نقول... مرتبط بواجب."
الست: (تحط إيدها على كتفه و تقول بدلع)
"يبقى الليلة دي إنت راجل حر."
جاد: (يبصلها بابتسامة ماكرة)
"دايمًا حر... حتى لو فيه قيود."
(يقطع كلامهم صوت ضحك عالي جاي من ناحية تانية في البار. جاد يلتفت للصوت ويرفع كوباية المشروب بتحية لصاحبه اللي قاعد على ترابيزة بعيدة.)
جاد: (بنبرة لا مبالية)
"على فكرة، إنتي شايفة إن السعادة بتيجي لما الواحد يتحمل المسؤولية؟"
الست: (تضحك بمياعة)
"السعادة؟ السعادة تيجي لما الواحد يعيش اللحظة... زي دلوقتي بالظبط."
جاد: (يبتسم ويقوم من الكرسي، متوجه لمنصة الرقص)
"أهو ده اللي كنت بدور عليه... لحظة ما تخلصش."
(الست تمشي وراه وهو يكمل ليلته وسط الضحك والمزيكا، ناسي تمامًا مراته وعياله اللي سايبهم في بيت بعيد، مستنيين أب يحتويهم و يحسسهم بحنانه.)
في فيلا ليلى الألفي، في غرفة المعيشة فسيحة ومزينة بذوق راقٍ، تضج بالهدوء الذي يعم المنزل بعد نوم الأطفال. سيليا تجلس على الأريكة وهي ترتدي ملابس منزلية أنيقة، تحمل كوبًا من الشاي بيدها وتبدو على وجهها علامات التفكير العميق. على الكرسي المقابل تجلس عمتها ليلى، امرأة في منتصف العمر، بثوب بسيط ونظرة حنونة لكنها قلقة. بجانب ليلى يجلس رائد، شاب في أواخر العشرينات، ملامحه تعكس الجدية والاهتمام.
ليلى: (بنبرة حنونة)
"سيليا يا حبيبتي، أنا شايفة الضيق في عينيكي... لكن الكلام اللي بتقوليه مش سهل. إنتي فعلاً قررتي؟"
سيليا: (تضع الكوب على الطاولة وتنظر لعمتها بثبات)
"قررت، يا عمتي. كفاية اللي استحملته من جاد. لا حب، لا احترام، لا اهتمام حتى بأولاده. أنا تعبت من دور الضحية."
رائد: (يتكئ للأمام ويضع كوعه على ركبته)
"سيليا، أنا فاهم اللي إنتي حاسة بيه، وجاد تصرفاته لا تتغتفر... بس إنتي بتتكلمي عن خطوة كبيرة. التمثيل وعروض الأزياء؟ إنتي واثقة؟"
سيليا: (تبتسم بسخرية)
"واثقة. جاد ما بيشوفش غير المظاهر. بيحب أي حاجة تلمع وتشد الانتباه. طيب، لو دي اللعبة اللي بيعرفها... يبقى أنا كمان هعرف ألعبها."
ليلى: (بتوتر)
"بس يا بنتي، المجال ده مش سهل. ومش مضمون، وكمان مش لايق عليكي، أنتي بنت محترمة مش للحوار ده وجاد... هيعمل أي حاجة عشان يحبطك."
سيليا: (بنبرة مليئة بالتحدي)
"عشان كده، أنا مش هخليه يحبطني. وعلى فكرة يا عمتو أنا مش بنت ليل، همثل بس، أنا طول عمري عايشة عشانه، ولعياله، وهو ما قدرش ده. دلوقتي دوري أثبتله إنه مش الوحيد اللي يقدر يكون محط الأنظار."
رائد: (ينظر إليها بإعجاب مخلوط بالقلق)
"واضح إنك مصممة. وأنا دايمًا جنبك، بس يا سيليا، خدي بالك. اللعبة اللي بتدخليها دلوقتي فيها مخاطر، وجاد مش سهل."
سيليا: (تبتسم بثقة)
"ولا أنا."
ليلى: (تتنهد)
"ربنا يهديكي يا بنتي... أنا عارفة إنك قوية، بس متنسيش إنك أم لثلاثة أطفال."
سيليا: (بهدوء، وهي تنظر باتجاه السقف)
"عشانهم، يا عمتي. عشانهم لازم يشوفوا أم قوية مش واحدة مكسورة."
رائد: (ينهض ويضع يده على كتفها)
"لو دي خطتك، يبقى أنا معاك. بس وعديني إنك هتبقي حذرة."
سيليا: (تضع يدها على يده وتنظر إليه بامتنان)
"وعد."
تتبادل سيليا ورائد النظرات بثقة، بينما ليلى تهز رأسها بخوف وحنان.
بعد صعود ليلى ورائد، بقيت سيليا تجلس على الأريكة وحدها. في يدها صورة قديمة لعائلتها، تحتفظ بها منذ 6 سنوات منذ هروبها في ذلك اليوم. تنظر في الصورة بصمت، وكأنها تسترجع لحظات كانت مفقودة. تبدو عيناها مليئة بالمرارة، تنهدت بشدة ثم بدأت في الحديث مع نفسها، عاتبة على عائلتها بطريقة لا تخلو من الحزن.
سيليا: (بصوت ضعيف، وهي تنظر إلى الصورة)
"إزاي، يعني إزاي قدروا يشكوا فيا؟ أنا اللي تربيت وسطهم، أنا اللي كنت كل حاجة ليهم... مش فاهمة لحد دلوقتي ليه شكوا فيا بالشكل ده."
(تأخذ نفسًا عميقًا، ثم تتابع بحزن)
سيليا: (بهمسات)
"لو كانوا شافوا الألم اللي أنا عشت فيه... لو كانوا حاسوا بيه... هل كانوا هيشكوا فيا؟ هل كانوا هيصدقوا كذبة واحدة من اللي كانوا بيقولها عني؟"
(تمسك بالصورة أكثر، وكأنها تحاول أن تجد شيئًا مفقودًا فيها)
سيليا: (بغضب مكتوم)
"كانوا دايمًا يقولوا إني البنت المدللة، آخر العنقود. ليه دلوقتي لما كنت محتاجة لهم، هما مش موجودين؟ كانوا شايفينني قويّة، وكانوا بيقولوا إن مهما حصل أنا هكون دايمًا في أمان بينهم."
(تسكت قليلاً، عينيها مليئة بالدموع، ثم تكمل بحزن)
سيليا: (بصوت ضعيف)
"أمي، كنتي دايمًا بتقولي إنك لو احتاجتي حاجة، هتكوني موجودة. لكن ليه ما كنتيش جنبّي؟ ليه ما حاولتيش تدافعوا عني؟"
(تنظر بعيدًا، وكأنها تراجع الأحداث في ذهنها)
سيليا: (بهمسات)
"أخواتي، كلهم كانوا فاكرين إني غلطت... لو كانوا جادين في حبهم ليّ، لو كانوا فعلاً أخواتي، ما كانوا يسيبوني أهرب كده. كنتوا تقدروا تلاقوني، كنتوا تقدروا تساعدوني لو كنتوا فعلاً حاسين بيا."
(تسكت، تعقد يديها معًا، وتظهر علامات الصراع في عينيها)
سيليا: (بصوت مكسور)
"كان عندكم فرصة تعيشوا معايا الحقيقة، لكن اخترتم إنكم تسمعوا كلام واحد، واحد بس. مش أنتم اللي كنتوا معايا، أنا كنت الوحيدة اللي كنت عايشة في الوجع ده، وحدي."
(تنهض وتتحرك في الغرفة قليلًا، وهي تكمل حديثها بصوت حازم)
سيليا: (بصوت حازم)
"كان المفروض تكونوا معايا في اللحظات دي، كان المفروض تدافعوا عني، مش تكونوا أول ناس تصدقوا الكذب. أنا مش هقدر أسامحكم على الشك ده، مهما حاولتوا."
(توقف للحظة، وتلملم نفسها كما لو كانت تستعد للمضي قدمًا في حياتها، ولكن الألم لا يزال في قلبها)
سيليا: (بصوت هادئ)
"مش هنسى، بس مش هخلي ده يقف في طريقي. الحياة مستمرة، وأنا هعيشها من غيركم."
رواية قيود العشق الفصل الثامن 8 - بقلم سيليا البحيري
مرت عدة أيام دون جديد يذكر، غير أن سيليا غيرت رأيها وقررت أن تكمل تعليمها في الجامعة بدلاً من التمثيل، بعد أن أصرت عليها عمتها ليلى بذلك.
في صباح ذلك اليوم، كانت سيليا أمام المرآة تجهز نفسها للذهاب للتسجيل في الجامعة. قاطعها صوت ابنها الصغير زياد قائلاً بطفولة:
زياد
ماما، انتي رايحة فين؟
سيليا
رايحة الجامعة يا حبيبي، عشان أدرس وأكمل دراستي.
زياد
زياد كمان عايز يروح يدرس.
سيليا
لما تكبر شوية وتدخل المدرسة السنة الجاية، يا بطل.
زياد
وزياد هيبقى شاطر؟
سيليا
أكيد، بس النهارده عايزاك تبقى شاطر في البيت وتسمع كلام تيتا ليلى وخالو رائد، وتساعد ماما وتاخد بالك من مازن ولينا.
سيليا
صح، لينا صغيرة وأنت البطل الكبير بتاع البيت، ما تنساش تدي مازن لعبته المفضلة عشان ما يعيطش، ماشي؟
زياد
ماشي علم ويتنفذ يا فندم.
سيليا
وأنا لما أرجع هاجيبلك المفاجأة اللي بتحبها.
زياد
آيس كريم؟
سيليا
آيس كريم، لو كنت بطل.
قبلت سيليا رأس زياد تاني، ونظرت إلى مازن الذي كان يلعب بلعبته ولينا التي كانت تنظر إليها بعينيها البريئة. وقالت بلطف: "خد بالك من إخواتك يا زياد، أنت البطل الكبير."
خرجت سيليا من البيت وعيناها مليئة بالأمل للمستقبل الذي تحلم به لها ولأولادها، وقررت أن تضرب كلام جاد وطلبه منها ترك الجامعة بعرض الحائط.
بعد عدة دقائق، أنهت سيليا تجهيز نفسها وبعد لحظات كانت تنزل مع أولادها باتجاه المطبخ، تحمل رضيعتها لينا بين ذراعيها، بينما زياد ومازن يتسابقان أمامها.
زياد
ماما، أنا كسبت مازن!
مازن
لأ! أنا اللي كسبت!
سيليا
طيب، كفاية سباق لحد هنا، هتوقعوا على السلالم!
يدخلون المطبخ ليجدوا عمتها ليلى وابن عمتها رائد يتحدثان.
ليلى
صباح الخير يا حبايبي! جهزت لكم الفطار.
رائد
أهو جيتِ شايلة لينا كأنك رايحة تحاربي! هاتيها شوية، إيديكي لازم تستريح.
سيليا
لأ يا رائد، مش تقيلة عليا، عادي.
رائد
هاتي بس، اعتبريها أوامر.
يمد يده برفق ليأخذ الرضيعة من بين ذراعي سيليا، وهي تسلمه الطفلة مطمئنة.
سيليا
طيب يا أخويا الكبير، خلي بالك منها، دي مش لعبة.
رائد
متقلقيش، ما أنا اللي علمتك إزاي تشيليها من أول يوم.
يجلس رائد على الكرسي ويبدأ بهدهدة لينا برفق، بينما ليلى تضع الطعام على الطاولة.
ليلى
ما تنسيش تخلصي أوراق التسجيل النهارده في الجامعة، عايزة أشوفك متألقة.
سيليا
أكيد يا عمتي، أنا نفسي متحمسة جدًا أكمل الخطوة دي.
رائد
بس على شرط، لما تبقي دكتورة ولا مهندسة، ما تنسي إن أنا اللي شجعتك.
سيليا
حاضر يا سيادة المشجع الأول!
زياد ومازن يجلسان لتناول الطعام، بينما ليلى تنادي عليهما لتناول الحليب، ورائد يواصل اللعب مع لينا التي تضحك بصوت طفولي يملأ المكان بالبهجة.
***
في فيلا البحيري، كان ريان يستعد لأول يوم له كمعيد في الجامعة.
ريان نازل من أوضته لابس شيك جدًا، ماسك شنطته ووشه كله ابتسامة. العيلة قاعدين في أوضة السفرة والفطار متجهز.
فؤاد
صباح الخير يا بطل! جاهز لأول يوم؟
ريان
طبعًا يا بابا، ده يوم مهم جدًا بالنسبة لي.
نجلاء
ربنا يوفقك يا حبيبي. إحنا كلنا فخورين بيك، طول عمرك رافع راسنا.
أحمد
والله يا ريان، أنا واثق إنك هتكون أحسن معيد في الكلية، مش بس بذكاءك، بأخلاقك كمان.
مراد
بس خدها نصيحة مني، ما تبقاش طيب أوي مع الطلبة، هيستغلوك لو عرفوا إنك حنين زيادة.
سامر
فعلًا، لازم تكون جدع وحازم من الأول. التواضع حلو، بس الحزم أهم.
يوسف
ما تقلقش يا معيد، إحنا كلنا ضهرك. لو احتجت حاجة، إحنا موجودين.
ريان
شكرًا ليكم كلكم. دعمكم ده هو اللي دايمًا بيخليني أقدر أعدي أي صعب.
نجلاء
طب كُل لقمة بسرعة يا حبيبي، ما ينفعش تروح الجامعة وإنت جعان.
فؤاد
فعلاً، بس نفسي اللحظة دي تبقى كاملة... لو سيليا كانت معانا دلوقتي!
الجميع يلتزم الصمت لثوانٍ، ونجلاء تحاول كسر الحزن على وجهها بابتسامة ضعيفة.
نجلاء
لو كانت عايشة... كانت خلصت الجامعة هي كمان السنة دي. كانت هتبقى جنب أخوها، ويمكن هي كمان تبقى معيدة يوم من الأيام.
ريان
أنا متأكد إنها كانت هتبقى حاجة كبيرة، يا ماما. سيليا كانت دايمًا شاطرة ومتفوقة.
فؤاد
كان نفسي أشوفكم كلكم ناجحين مع بعض... لكن دي إرادة ربنا.
نجلاء تضع يدها على يد فؤاد في محاولة لتهدئته، والجو في الغرفة يصبح مشحونًا بمزيج من الفخر والحزن.
أحمد
ربنا يرحمها ويجمعنا بيها في الجنة، يا بابا. إحنا كلنا ورا بعض، وهنفضل كده مهما حصل.
ريان
أكيد، يا أحمد. وأوعدكم إنّي هفضل أرفع راسكم زي ما سيليا كانت بتحب تشوفنا ناجحين.
ريان يودعهم بحماس، ولكن آثار الحديث عن سيليا تظل عالقة في الجو، والجميع يدعو لها بالرحمة بصمت.
يغادر ريان المنزل بابتسامة، والجميع يودعونه بحب ودعوات بالنجاح. بعد أن يغلق الباب، يعود الصمت للحظات في غرفة الطعام.
نجلاء
أحمد... هو إحنا هنفضل نستنى كتير؟ مفيش أخبار حلوة منك؟
أحمد
أخبار إيه يا ماما؟
نجلاء
أخبار جوازك بقى. بصراحة نفسي أشوفك مستقر، البيت محتاج فرحة، وأنت الكبير، و...
أحمد
مفيش جواز، يا ماما. الموضوع ده مش في حساباتي دلوقتي.
فؤاد
أحمد، أمك ما قصدتش تضايقك، هي بس بتحلم تشوفك سعيد ومستقر.
أحمد
سعيد؟ السعادة دي حاجة مش موجودة في حياتي، يا بابا. خاصة بعد...
نجلاء
يا ابني، ما تحرقش دمك كده. ربنا يعوضك عن أي وجع مريت بيه. سمر كانت...
أحمد
سمر؟ ما تجيبوش سيرتها قدامي تاني! البنت دي كانت أكبر غلطة في حياتي.
الغرفة تمتلئ بصمت ثقيل، ونجلاء تنظر بحزن إلى ابنها، بينما فؤاد يضع يده على كتف أحمد في محاولة لتهدئته.
فؤاد
أحمد، ما تعيشش حياتك في سجن الماضي. الحياة مكملة، والفرص الجديدة موجودة.
أحمد
يمكن، بس دلوقتي مش وقتها.
ينهض أحمد من مكانه ويترك الطاولة، متوجهًا نحو الحديقة ليهدأ. نجلاء تنظر إليه بحزن وتهمس لفؤاد.
نجلاء
نفسي أشوفه سعيد يا فؤاد... نفسي أشوفه يلاقي حد يستاهله وينسى اللي حصل.
فؤاد
اديله وقته، يا نجلاء. أحمد قوي، وهيعرف يخرج من اللي هو فيه... بس على مهله.
بعد خروج أحمد إلى الحديقة، يجلس مراد، سامر، ويوسف في غرفة الطعام بصمت لدقائق، يحاولون استيعاب الموقف.
مراد
بصراحة، أنا فاهم أحمد كويس. الخيانة دي حاجة ما حدش يقدر يستحملها. طبيعي إنه يبقى بالشكل ده.
سامر
طبيعي، بس لحد إمتى؟ أحمد ما ينفعش يفضل حابس نفسه في الماضي كده. اللي حصل حصل، ومش كل الناس زي...
يوسف
مش سهل عليه. أحمد كان بيحب بجد، ولما الحب يتحول لجرح، مش أي حد يعرف ينسى بسهولة.
مراد
معاكم حق، بس إحنا كإخواته لازم نساعده يخرج من الحالة دي. ما ينفعش نسيبه كده طول الوقت غارق في الماضي.
سامر
أنا نفسي أفهم إزاي حد ممكن يعمل فيه كده؟ أحمد ما يستاهلش اللي حصل، أبدًا.
يوسف
طيب إحنا نقعد نقول ما يستاهلش وإزاي وكده؟ ده مش هيغير حاجة. الحل إننا نفضل جنبه، نحاول نشغله، نوريه إن الحياة مكملة.
مراد
معاك حق يا يوسف، لكن هو كمان محتاج يقتنع بنفسه. ما حدش هيقدر يخرجه من اللي هو فيه غيره هو.
سامر
يمكن لما يشوف إننا دايمًا وراه ويلاقي حد يستاهله بجد، هيبدأ يغير طريقته في التفكير.
يوسف
أهو ده اللي لازم نركز عليه. أحمد محتاج يشوف إن الدنيا لسه فيها ناس كويسة، وإنه لسه فيه أمل.
مراد
وإحنا هنا علشانه. أحمد مش لوحده، مهما طالت المدة.
الجميع يهزون رؤوسهم بالموافقة، ويشعرون بثقل المسؤولية تجاه أخيهم الأكبر الذي عُرف دائمًا بقلبه الطيب وتحمله للمسؤولية.
***
في مركز للمخابرات المصرية، كانت الأضواء الخافتة تعكس على شاشات المراقبة المضيئة، والهدوء الثقيل يغلف المكان كأنه يحمل أسرارًا لا يمكن البوح بها. دخل زين إلى الغرفة بخطوات متثاقلة، ووجهه يحمل ظلالًا من حزن عميق. كان يرتدي بدلته الرسمية، لكن نظراته الشاردة كانت تكشف عن صراع داخلي.
رفع تميم رأسه عندما رأى صديقه على هذه الحالة، فتوقف عن مراجعة الملفات وقال بصوت خافت يحمل شيئًا من الحزن:
– إيه اللي مضايقك، يا زين؟
جلس زين بصمت على أقرب كرسي، وكأن الكلمات تخنقه. أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال بصوت منخفض مليء بالمرارة:
– كنت في بيت أبوي... وشفتها.
تجمدت ملامح تميم للحظة، لكنه تمالك نفسه وسأله بحذر:
– والدتك؟
هز زين رأسه بإيماءة صغيرة، ثم تابع:
– شفتها قاعدة و هاممها حاجة و لا كانها عملت حاجة. كأن الزمن واقف هناك، يا تميم. كأنها مش شايفة إن البيت دا مش بيتها من يوم اللي عملته... أنا مش قادر أشوفها من غير ما أشوف اللي حصل... أبويا مات قدامي، وهي... هي السبب.
صمت لثوانٍ، ثم ضرب سطح المكتب بقبضته فجأة، وأضاف بصوت مخنوق:
– كان نفسي أصارحها... أصرخ فيها وأقول لها إنها قتلت أبويا، قتلتني أنا كمان. بس ما قدرتش... فضلت أطلع من البيت زي كل مرة وأنا شايل هم الذكرى دي.
حدق تميم فيه بعينين مليئتين بالتعاطف، لكنه لم يعرف بماذا يرد. كان يعرف أن زين يحمل عبئًا ثقيلًا منذ سنوات، لكن رؤية هذا الألم مجددًا على وجهه جعلت الموقف أصعب مما تخيل.
قال تميم بصوت هادئ، محاولًا مواساته:
– زين، الماضي عمره ما هيرجع، بس انت اللي تقدر تحدد إذا كان هيكمل يتحكم فيك... أو هتلاقي طريقة تقفل الجرح دا للأبد.
لكن زين ابتسم بسخرية، وعيناه ممتلئتان بالغضب:
– الجرح اللي سبته أمي؟ مستحيل يقفل.
نظر تميم إلى زين بعينين تحملان مزيجًا من الحزن العميق والحكمة المولودة من الألم، ثم قال بصوت منخفض، لكنه مليء بالعاطفة:
– فاكر لما قلت لك إن الوجع أحيانًا بيبقى أكبر من إننا نعرف نتعامل معاه؟ كنت بتكلم عني... عن سيليا.
توقف لحظة، وكأن الكلمات تثقل لسانه، ثم أكمل:
– سيليا كانت زي أختي... كنت شايفها ملاك وسط عتمة الدنيا. بس إحنا، عيلتنا، شكينا فيها... أهناها... ذليناها... وخليناها تواجه الدنيا لوحدها. ولما عرفت الحقيقة؟ كنت فاكر إن الندم ممكن يصلح اللي حصل، بس الوقت كان أسرع مننا، والمسامحة عمرها ما وصلت.
تغيرت نبرته، وصارت أقرب إلى الوجع:
– لما العصابة اللي كنت بطاردها قتلتها... كنت واقف هناك، شايفها بتموت بين إيديّ، وما قدرتش أعمل حاجة. ما قدرتش أنقذها. لحد النهارده، يا زين، كل مرة أبص لبنتي الصغيرة... بشوف سيليا في ضحكتها، وأفتكر إن اللي ضيعها مش بس العصابة... إحنا كمان.
توقف للحظة، ثم نظر إلى زين نظرة مباشرة، وقال بصوت جاد:
– أنا مش هقدر أغير اللي حصل، زيك ما تقدرش ترجع أبوك. بس اللي تعلمته من اللي حصل مع سيليا... إننا ما ينفعش نسيب الماضي يدمر اللي باقي مننا. مش لازم تسامح، ومش لازم تنسى، بس لازم ما تخليش الحقد يستهلكك. لأنه لو عمل كده... مش هيبقى فيك حاجة تنقذها، لا لنفسك، ولا للي بتحبهم.
ثم أضاف، بعد صمت قصير:
– أبوك لو كان هنا... كان هيطلب منك حاجة واحدة: إنك ما تبقاش زيه، وإنك تعيش حياتك بعيد عن الظل اللي سابته أمك. مش عشانها... عشانك.
نظر زين إلى تميم بعينين مليئتين بالمرارة، وقال بصوت متهدج:
– بس إزاي أعيش وأنا كل ما أبص لنفسي بشوف ابن الراجل اللي مات مقهور؟
أمسك تميم بكتف زين بحزم ونظر إليه بعينين تحملان مزيجًا من الألم والإصرار، ثم قال:
– تعيش لما تثبت لنفسك إنك أقوى من القهر اللي كسر أبوك، وإنك ابن الراجل اللي كان يستاهل تشيل اسمه بفخر، مش بحزن.
التزم زين الصمت، غرق في أفكاره، وملامحه تعكس صراعًا داخليًا بدأ يتفاقم. تشوش عقله مع الذكرى التي قفزت فجأة إلى ذهنه: وجه تلك الفتاة التي التقاها قبل أيام. ملامحها... عينيها... كل شيء فيها يذكره بشيء مألوف.
رفع رأسه فجأة، وحدق في تميم بنظرة مليئة بالفضول والحيرة، وقال:
– تميم... لو افترضنا إن... إن اللي ماتت مش سيليا... يعني لو كانت لسه عايشة، إيه اللي ممكن يخليها تختفي وتعيش حياة تانية؟
نظر تميم إليه بدهشة، ثم رد بحدة:
– زين، إنت بتتكلم عن إيه؟ أنا شفتها بعيني وهي...
قاطعه زين بعصبية:
– استنى... اسمعني بس! قبل كام يوم، وأنا مروّح... قابلت واحدة... كانت ماشية في الشارع، واضح إن جوزها بيخونها أو في مشكلة كبيرة. اللي لفت نظري... إنها شبه سيليا جدًا. نفس الملامح... نفس العينين.
تجمدت ملامح تميم، وكأنه يحاول استيعاب كلام زين، ثم قال بصوت متردد:
– شبهها؟ زين... سيليا ماتت. إحنا دفناها... إنت عارف دهو كنت معانا في العزا.
أمسك زين برأسه، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره، ثم قال بصوت مخنوق:
– طيب لو ما كانتش هي؟ ليه حسيت إن في حاجة غلط؟ ليه كل كلمة قلتها دلوقتي خلتني أشك؟ أنا مش متأكد، بس تميم... أنا محتاج أعرف الحقيقة.
تميم، رغم محاولته التمسك بالمنطق، لم يستطع تجاهل نظرة زين المتوسلة. شعر بشيء يتحرك بداخله، ربما أمل صغير أو خوف أكبر، لكنه لم يظهر أي منهما، واكتفى بالقول بهدوء:
– زين... لو كنت شاكك فعلاً، لازم تتحقق بنفسك. بس أوعى تتعلق بحاجة ممكن تكسر قلبك أكتر من اللي حصل.
عاد الصمت بينهما من جديد وكل واحد منهما غارق في افكاره الخاصة، وبدأ الشك يتسلل لعقل تميم. هل يعقل أن سيليا لا تزال على قيد الحياة؟ نفض هذه الفكرة من رأسه وعاد لعمله.
***
في شقة فاخرة في القاهرة، كان جاد يتابع أعماله من الحاسوب قبل أن يرده اتصال من الحارس.
جاد
في ايه؟
الحارس
المدام سيليا يا جاد بيه.
جاد
فيها إيه الست دي؟
الحارس
أنا كنت مراقبها زي ما طلبت مني و راحت الجامعة دلوقتي.
انتفض جاد من مكانه وصاح قائلاً بغضب:
جاد
نعم، قلت راحت الجامعة؟؟؟
الحارس
نعم.
جاد
بقى كده يا سيليا، تكسري كلمتي وتتصرفي على راحتك. أنا هوريكي مين هو جاد الحسيني.
(لحظات صمت، كان جاد يمرر يده في شعره بعصبية)
جاد
لو فكرّت تخرج عن طاعتي، هتندم.. أنا مش هسيبها.
الحارس
يعني... أعمل إيه دلوقتي؟
جاد
تابع خطواتها، خليها ما تحسش بأي حاجة. لو حصلت حاجة غريبة، خليني عارف فورًا.
الحارس
حاضر، جاد بيه.
رواية قيود العشق الفصل التاسع 9 - بقلم سيليا البحيري
في الجامعة، كانت سيليا تسير في الممرات متجهة نحو مكتب العميد، وهي عازمة على الانتقام لكل من آذاها وقلب حياتها لجحيم.
دخلت سيليا مكتب العميد بخطوات سريعة. وقفت قدامه مباشرة وقالت:
سيليا: صباح الخير، أنا جاية أقدم أوراقي عشان أقدم في الكلية.
رفع العميد عينه من الورق الذي قدامه، رجل في منتصف عمره بنظرة جدية وصوت هادئ.
العميد: إنتِ سيليا علي؟
سيليا: أيوة.
العميد: معاكي كل الورق المطلوب؟
مدت له الملف من غير كلام. أخذه العميد وبدأ يراجع الورق، وسيليا واقفة مكانها ساكتة.
العميد: شهادة الثانوية... صورة البطاقة... استمارة التقديم... كل حاجة تمام. إيه اللي أخرك عن التقديم؟
سيليا (بثبات): كان عندي ظروف. المهم إني هنا دلوقتي.
العميد قفل الملف وختمه.
العميد: تمام، طلبك مقبول. روحي مكتب شؤون الطلاب عشان ترتبي جدولك.
سيليا (بهدوء): شكرًا.
وقفت لحظة، وبعدين قالت:
سيليا: أنا هبقى من أحسن الطلبة هنا.
العميد (مبتسم): هنشوف.
سيليا استدارت وخرجت من المكتب بخطوات واثقة، وعزيمة لا تتهز.
خرجت سيليا من مكتب العميد بخطوات مسرعة، فجأة اصطدمت بفتاة كانت تحمل مجموعة من الأوراق، فتبعثرت على الأرض.
سيليا (بتوتر): آسفة جدًا، ما خدتش بالي!
ياقوت (وهي تنحني لتجمع الأوراق): لا عادي، أنا كمان كنت مستعجلة.
انحنت سيليا لمساعدتها في جمع الأوراق.
سيليا: معلش، دي غلطتي.
ياقوت (مبتسمة): ولا يهمك. شكلك لسه جديدة هنا، مش كده؟
سيليا: أيوة، لسه مخلصة إجراءات التقديم.
ياقوت: أنا كمان! شكلك هتبقي معانا في الدفعة.
وقفتا بعد جمع الأوراق.
سيليا: بجد؟ كويس أوي، أنا اسمي سيليا.
ياقوت (بابتسامة ودودة): وأنا ياقوت. شكلنا هنشوف بعض كتير.
سيليا (بابتسامة خفيفة): واضح. مبسوطة إني اتعرفت عليكي.
ياقوت: وأنا أكتر. يلا نروح نشوف مكتب شؤون الطلاب سوا؟
سيليا: تمام، فكرة حلوة.
مشيتا معًا، حديث بسيط بينهما يمهد لصداقة بدأت بمصادفة عابرة.
***
في مكان آخر، أخذ رائد كارما والأولاد لقضاء بعض الوقت في الحديقة.
زياد (يجري بين الأشجار ويصيح): يا خالو رائد! بص، أنا أسرع منك!
رائد (يضحك): مش أسرع مني يا بطل، أنا أسرع واحد هنا!
بدأ رائد يركض خلف زياد، بينما مازن كان يجلس بجوار كارما على العشب، يحاول بناء شيء باستخدام قطع صغيرة من أغصان الشجر.
كارما (تبتسم لمازن): إيه ده اللي بتعمله يا شاطر؟
مازن (ببراءة): بيتي! ده البيت بتاعي أنا ولينا.
كارما (تضحك): طيب، لينا فين؟
مازن (ينظر للينا التي تجلس على كرسيها الصغير): هي نايمة، مش عايزة تساعد!
كارما (تنظر لرائد): رائد! مازن بيقول إن لينا مش بتساعده في البيت بتاعه!
رائد (يضحك وهو يرفع زياد عاليًا): لينا صغيرة لسه، بس مازن يقدر يبني لوحده، مش كده يا مازن؟
مازن (بفخر): أيوة، أنا قوي!
اقترب زياد من مازن بعدما تعب من الركض.
زياد: أنا أسرع واحد، بس تعبت شوية. ممكن ألعب معاك؟
مازن (بطفولة): لا، ده بيتي، ابني بيتك لوحدك!
كارما (تتدخل بخفة): طيب، لو ساعدتوا بعض، هنبني بيت كبير قوي.
زياد (بحماس): ماشي، أنا هجمع الأغصان!
بينما بدأ الأطفال يجمعون الأغصان، رفعت كارما لينا من كرسيها الصغير وبدأت تهزها بخفة.
كارما (تبتسم لرائد): الأطفال دول بيخلوا اليوم أحلى، مش كده؟
رائد (ينظر لهم بحنان): أيوة، سيليا محظوظة بيهم، وأنا محظوظ إنهم موجودين في حياتي.
كارما: وأنا كمان.
واصل الأطفال اللعب، أصوات ضحكاتهم تملأ الحديقة، وسط نظرات الحب والدفء من رائد وكارما.
كان الأطفال منهمكين في اللعب، زياد ومازن يبنيان بيتًا صغيرًا من الأغصان، بينما لينا تجلس على العشب تضحك بصوت بريء وهي تحاول اللحاق بفراشة ما.
رائد (ينظر إلى كارما بابتسامة): عارفة؟ أنتِ أجمل حاجة حصلتلي.
كارما (تبتسم بخجل): هو ده وقته؟ بص الأطفال هيرجعوا يسمعونا!
رائد: مازن وزياد مشغولين بالبناء، ولينا مش فاهمة حاجة. ده أنسب وقت.
كارما (تضحك بخفة): إنت دايمًا بتعرف تختار كلامك، مش كده؟
رائد (مبتسم): معاكي مش محتاج أفكر، الكلام بيطلع لوحده.
كارما: طيب لو خلصتوا بناء البيت، قولهم يضيفوا اوضة زيادة لي.
رائد (بمزاح): اوضة بس؟ أنتِ تستاهلي قصر جنب بيتهم.
التفت زياد فجأة إليهما، وعيناه مليئتان بالحماس.
زياد: خالو رائد، تعال ساعدنا، البيت وقع!
رائد (بضحكة): جايلك حالًا يا بطل. استني يا كارما، هنكمل كلامنا بعدين.
كارما (بخجل): مش هنخلص منك!
ذهب رائد إلى الأطفال بينما بقيت كارما تنظر إليه بابتسامة دافئة، تحمل مزيجًا من الحب والسعادة.
بينما كان رائد مشغولًا مع زياد ومازن في إصلاح البيت، وكارما مشغولة بمكالمة هاتفية وردتها، بدأت لينا تتحرك بخطوات صغيرة مترددة بعيدًا عنهم، عيناها تلمعان ببراءة، حتى وصلت إلى سيدة تجلس على مقعد قريب.
نجلاء (بصوت دافئ): يا عروسة يا حلوة، جاية تمشي لوحدك كده؟
مدت يديها وأمسكت بلينا التي توقفت وبدأت تضحك بخجل.
نجلاء (وهي تداعبها): مين الشطورة دي؟ ما شاء الله، إنتِ جميلة قوي.
بدأت نجلاء تلعب مع لينا، تلوّح لها بقطعة صغيرة من حلوى كانت تمسكها، ولينا تحاول الإمساك بها وهي تضحك بصوت عالٍ.
رائد (منتبهًا لصوت لينا): لينا؟!
التفت بسرعة، ووجدها بين يدي السيدة. اقترب منها بخطوات سريعة.
رائد: آسف جدًا، البنت دي بنتنا وكانت بعيدة شوية.
نجلاء (مبتسمة): ولا يهمك، لقيتها جاية لوحدها، قلت ألعب معاها شوية.
رائد: شكرًا لحضرتك. لينا بتحب تستكشف كل حاجة حواليها.
أخذ رائد لينا بين ذراعيه، لكن نجلاء ظلت تنظر إلى الصغيرة بعينين تملؤهما الحنان.
نجلاء (بهمس): البنت دي جميلة... عيونها تشبه حد أعرفه.
رائد (بهدوء): آه، ورثت جمالها عن والدتها.
نجلاء (بنبرة مترددة): والدتها... هي معاك هنا؟
رائد (يشعر بالارتباك والتوتر): لا، والدتها مش موجودة دلوقتي.
ابتسمت نجلاء بحزن غريب قبل أن تنهض وتقول:
نجلاء: ربنا يحفظها. خلي بالك منها، الأطفال دول نعمة كبيرة.
رائد: أكيد، شكرًا لحضرتك.
غادرت نجلاء ببطء، لكن قلبها كان يضج بشيء لم تستطع تفسيره وقد تذكرت ابنتها سيليا، بينما رائد عاد إلى كارما وهو يحمل لينا، محاولًا تهدئة نبضات قلبه السريعة.
كارما (بقلق): رائد، ماله وشك مخطوف كده؟
رائد (بهلع): دي طنط نجلاء.
كارما (باستغراب): نجلاء مين؟
رائد: أم سيليا ومرات خالو فؤاد، على شوية كانت هتعرف أن لينا بنت سيليا.
كارما: يا نهار أسود، لو عرفت مش هنخلص.
رائد (بغموض): هنشوف بعدين، يلا بينا نروح ناكل.
كارما: حاضر.
***
في فيلا جليل البحيري، صوت المفتاح وهو يفتح الباب ببطء. تميم واقف على العتبة، شكله مرهق بعد يوم طويل، بس بيحاول يرسم ابتسامة بسيطة على وشه.
منار (الأم): تميم! يا ضنايا! (بتجري عليه وتحضنه بكل قوتها.)
تميم (بصوت هادئ): يا أمي... وحشتيني أوي.
منار (وعينيها مليانة دموع): كل مرة ترجع فيها بالسلامة، بحس إن قلبي بيتولد من جديد.
(جليل بيقرب بخطوات تقيلة وواثقة، بيحط إيده على كتف ابنه.)
جليل (الأب): حمد الله على سلامتك يا ابني. يومك كان عامل إزاي؟
تميم (بابتسامة متعبة): كان طويل... بس خلاص خلص. أنا معاكم دلوقتي.
(ماهر بيخرج من الأوضة، بيجري بسرعة على أخوه ومعاه ورقة في إيده.)
ماهر (بحماس): تميم! تميم! بص الرسمة دي!
(تميم بينحني وياخد الورقة، ويبص فيها بتركيز.)
تميم (بابتسامة دافية): ماهر! دي تحفة! دبابة وشمس؟ دي أنا؟
ماهر (بيحك راسه بخجل): طبعًا! أنت البطل!
تميم (مازحًا): يبقى لازم تطلع مصمم الشعار الجديد بتاعي في الجيش!
(من جوه، بيظهر صوت خطوات صغيرة وراها صوت طفولي مليان فرحة.)
سيلين (بصوت عالي): بابااا!
(بتجري عليه وتقفز في حضنه. هو بيشيلها ويحكم ضمته ليها.)
تميم: يا أميرتي الصغيرة! كنتِ شجاعة وأنا مش موجود؟
سيلين: كنت شجاعة جدًا! ساعدت جدو وتيتا وماما وماهر. جبت لي حاجة؟
تميم (بغمزة لطيفة): يمكن... بس لازم تدوري في شنطتي الأول.
(ليديا بتظهر من المطبخ، بتبتسم بهدوء وبتقرب بخطوات خفيفة.)
ليديا: أهلا وسهلا بالبطل!
تميم (بيبصلها بنظرة مليانة حب): ليديا... شوفتك دي أحلى جايزة ليا.
(بتاخد إيده بهدوء وتبتسم.)
ليديا: المهم إنك رجعت. إحنا كلنا مستنيينك.
(الكل بيجتمع حواليه، كل واحد بيتكلم في نفس الوقت، وتميم بيضحك وهو بيتنفس بعمق، كأنه بياخد طاقة جديدة من وجودهم حواليه. في اللحظة دي، بيحس إن كل تعبه اختفى.)
تميم (بصوت هادئ): إنتوا الوطن... وكل اللي بحتاجه في حياتي.
(لحظة هدوء مليانة مشاعر، قبل ما سيلين تضحك وتقول:)
سيلين: بابا! عايزة أوريهم اللي في الشنطة دلوقتي!
(المشهد بينتهي بصوت ضحك العيلة وهم متجمعين في لحظة دافية، مستحيل تتنسي.)
(تميم جالس على الأريكة، وسيلين تتسلق حضنه وتلعب بلعبتها الصغيرة. عيناه تتبعان حركاتها، لكن ذهنه غارق في الماضي. فجأة، تلاحظ سيلين شيئاً.)
سيلين (ببراءة): بابا، ليه بتبص لي كده؟
(يبتسم تميم بحزن، يمسح على شعرها.)
تميم (بصوت هادئ): كنتي عارفة إنك شبه ملاك؟
سيلين (تضحك): لا، أنا أميرة!
(ضحكتها تعيد صدى ضحكة أخرى في ذاكرته. يغلق تميم عينيه للحظة، وكأن شبح الماضي يزوره.)
تميم (بهمس): سيليا...
(تفتح سيلين عينيها بدهشة، وتضع يدها على كتفه.)
سيلين: مين سيليا يا بابا؟
(قبل أن يجيبها، يدخل جليل ومنار إلى الغرفة.)
جليل (بتعبير جدي): سيليا؟ ذكرتها تاني يا تميم؟
منار (بصوت مليء بالحنين): يا جليل، كفاية عليه. كلنا بنتذكرها، بس الحمل اللي عليه كان أكبر مننا.
(سيلين تنظر لجدتها وجدها باستغراب، ثم تعود إلى أبيها.)
سيلين: بابا، مين سيليا؟
(ليديا تدخل من المطبخ، تمسح يديها بمنشفة، وتنظر لتميم بقلق.)
ليديا: تميم... كنت حاسة إنك لسه بتفكر فيها. كل مرة بتبص لسيلين بتشوف سيليا، صح؟
تميم (بصوت مكسور): مش قادر أنساها، ليديا. كانت زي أختي الصغيرة... زي بنتي.
(ماهر يدخل الغرفة، يحمل كتاباً في يده، ينظر حوله بتعجب.)
ماهر: سيليا؟ مين سيليا؟ ليه الكل بيتكلم عنها؟
(ينظر تميم لماهر وسيلين، يحاول أن يجد الكلمات المناسبة.)
تميم (بهدوء): سيليا كانت بنت عمي... وكانت زي أخت صغيرة ليا. بس إحنا ظلمناها...
سيلين (بدهشة): إزاي ظلمتوها؟
(منار تضع يدها على صدرها، ودموعها تلمع في عينيها.)
منار: يا بنتي، صدقنا كلام ناس ما يعرفوش الرحمة. ظلمناها واتهمناها بحاجة بريئة منها.
جليل (بحزن): وبعد ما عرفنا الحقيقة، كانت فات الأوان.
(سيلين تقترب من جدتها، تمسك بيدها الصغيرة.)
سيلين: هي راحت فين يا تيتة؟
تميم (بصوت مبحوح): هي راحت مكان بعيد... مكان مفيهوش حد يظلمها تاني.
(ليديا تقترب من تميم، تضع يدها على كتفه.)
ليديا: تميم، سيليا كانت ضحية، وكلنا ندمنا. بس ما ينفعش تفضل تعيش جوة الحزن ده. عندك سيلين، عندك عيلة بتحبك.
ماهر (ببراءة): هي الناس الوحشين اللي عملوا كده اتحاسبوا؟
تميم (بحزم): أيوه، كلهم اتحاسبوا... بس سيليا كانت التمن.
(سيلين تنظر للجميع بدهشة، ثم تحتضن أبيها بقوة.)
سيلين: أنا هنا يا بابا! وأنا عارفة إنك هتحميني، دايماً.
(تميم يضمها بقوة، ثم ينظر إلى الجميع بابتسامة حزينة.)
تميم: أكيد... هحميكم كلكم. سيليا مش هتتنسى، بس لازم نعيش عشان اللي باقي.
(لحظة صمت ثقيلة، تقطعها سيلين بصوتها الطفولي.)
سيلين: طب بابا! دلوقتي عايزة أدور في الشنطة على الحاجة اللي جبتها!
(الكل يضحك بخفة، وتميم ينهض، يحاول أن يطرد شبح الماضي، ليعيش اللحظة مع عائلته.)
***
في الجامعة، سيليا وياقوت تدخلان معًا إلى قاعة المحاضرة. سيليا تبدو هادئة، بينما ياقوت تتحدث بحماسة.
ياقوت: النهاردة أول محاضرة في الكلية، متحمسة؟
سيليا (بابتسامة خفيفة): آه، شوية.
ياقوت: أنا سمعت إن الدكتور اللي هيدرسنا جديد، اتعين معيد من فترة قصيرة، وسمعت إنه مز و صغير أوي، وكل اللي درسوا معاه بيقولوا إنه شاطر جدًا في الشرح.
سيليا (بمرح): يعني ده اللي همك دلوقتي، جاية تدرسي ولا تشقطي عريس؟
ياقوت (بحماس): أيوه! كل حاجة، ده شاب وبيحب يشرح ويفهمنا المادة. هتحبي طريقة شرحه، وإن شاء الله يكون لينا نصيب مع بعض.
سيليا (بصوت منخفض): إن شاء الله.
دخل المعيد الجديد، الذي كان يحمل حقيبته بينما يمشي بثقة تجاه المنصة. سيليا كانت تنظر إليه لحظة دخوله، وابتسامة صغيرة بدأت تختفي من وجهها فجأة.
ياقوت (بفرح): أهو ده، ده المعيد الجديد اللي هيدرسنا، اسمه ريان، زي ما سمعت!
سيليا (تجمدت للحظة، وعيناها تلمعان بفزع): ريان؟
ياقوت (مندهشة من ردة فعلها): أيوه، هو ده! ليه؟ في حاجة؟
سيليا (بصوت متقطع، محاولة كبح قلقها): لا، مفيش حاجة، بس... ممكن أروح للحمام شوية.
ثم قامت سيليا بسرعة، وتحركت نحو الباب بسرعة غير معتادة. لم تُعطِ نفسها فرصة للنظر إلى الوراء.
ياقوت (مستغربة): سيليا! استني! في إيه؟
لكن سيليا اختفت من القاعة بسرعة، والكل كان مركزًا في المعيد الجديد، إلا ياقوت التي شعرت بشيء غريب. لم تستطع منع نفسها من التفكير في سلوك صديقتها غير العادي.
ياقوت (لنفسها): في حاجة غلط... ليه كانت كده؟ إيه السر؟
ثم عادت عيناها إلى ريان الذي بدأ محاضرته، لكن قلبها كان مليئًا بالتساؤلات.
ريان وقف لحظة بعد خروج سيليا من القاعة، عيناه تركزان على الباب الذي أُغلق خلفها، وكان عقله يعيد تساؤلاته.
ريان (بصدمة): مستحيل، سيليا؟؟؟.....
رواية قيود العشق الفصل العاشر 10 - بقلم سيليا البحيري
في مكان آخر، في الحدود المصرية الإسرائيلية، في الصحراء المهجورة، في غرفة مظلمة في مخبأ سري.
حسن، قائد الجماعة الإرهابية، جالس في الوسط ويحيط به رجاله. أمامهم ملف وصورة لست لابسة نظارات شمسية، ووجهها غير ظاهر.
حسن (بعصبية):
"ست سنين، وإحنا فاكرين إننا دفنا سرها! دلوقتي تقولوا لي إنها متجوزة وعايشة؟"
الرجل الأول (بتردد):
"حسن، الخبر جالنا من يومين بس. لسه مش عارفين تفاصيل حياتها."
حسن (يضرب الطاولة):
"تفاصيل؟ كافية إننا نعرف إنها لسه عايشة. ده معناه إن تميم وزين خدعونا!"
الرجل الثاني (يحاول يبرر):
"بس تميم مش عارف حاجة. عيلتها فاكرة إنها ماتت، وهي اختارت تختفي."
حسن (بتحدي):
"طب إيه حكاية الجواز؟"
الرجل الأول (بهدوء):
"متجوزة راجل أعمال مصري إماراتي. غني جدًا، مش ليه علاقة بالجيش أو الضباط. متجوزاه من 5 سنين تقريبًا."
حسن (بابتسامة ساخرة):
"ممتاز. يبقى هي مش شبح زي ما كنا فاكرين. دلوقتي عندها اسم، حياة، وجوز ممكن نستخدمه ضدها."
الرجل الثالث (بتردد):
"حسن، هنعمل إيه دلوقتي؟"
حسن (بثقة):
"هنرجعها للظلام، ونستخدمها للإيقاع بتميم وزين. مش هسيب حاجة في الطريق."
الجميع (بصوت واحد):
"أمرك، حسن."
حسن (بابتسامة ماكرة):
"خليكم جاهزين. لو جوزها هيعطلنا، هنتعامل معاه برضه."
حسن (بهدوء وهو يقلب الملف):
"خلصنا كلام عن الست دي دلوقتي، نرجع للأهم... البضاعة."
الرجل الأول (بجدية):
"الشحنة جاهزة يا حسن. مستنين بس التعليمات للتنفيذ."
حسن (بصرامة):
"التنفيذ مش هزار. الطريق لازم يكون آمن مية في المية. إيه أخبار الحدود؟"
الرجل الثاني (بثقة):
"الطريق اللي جهزناه من الشمال كله تحت السيطرة. معبر جديد ومحدش هيلقطه. الشحنة هتوصل لإسرائيل من غير ما حد يشك."
حسن (وهو يشعل سيجارة):
"والمجندين اللي بيغضوا الطرف؟ أكيد متأكدين إنهم مأمنين الموضوع؟"
الرجل الثالث (بتأكيد):
"دول مضمونين، وكلهم بيقبضوا اللي يرضيهم. مش هيبصوا حتى على العربيات."
حسن (بنبرة تحذير):
"وأي مشكلة، حتى لو صغيرة، هنلاقي نفسنا في مواجهة مباشرة مع الجيش وحرس الحدود. عايز خطة بديلة لو حصل أي طارئ."
الرجل الأول (بتردد):
"في طريق جانبي ممكن نستعمله، بس هيحتاج وقت أطول."
حسن (بحدة):
"لازم يكون جاهز. الشحنة دي مش زي أي شحنة قبل كده. العملاء مستنيينها هناك، والتأخير مش مقبول."
الرجل الثاني (بسؤال):
"طب وبالنسبة للدفع؟ العملاء أكدوا التحويلات؟"
حسن (بسخرية):
"دفعوا نص، والباقي لما الشحنة توصل. فاهمين اللعبة كويس. مش هيدفعوا جنيه إلا لما يتأكدوا إن كل حاجة ماشية تمام."
الرجل الثالث (بحذر):
"طب لو حصل أي خطأ؟"
حسن (بعصبية):
"مافيش حاجة اسمها خطأ! أي غلطة هتدفعوا تمنها أنتم، فاهمين؟"
الجميع (في صوت واحد):
"فاهمين يا حسن."
حسن (وهو ينهي الحديث):
"تحركوا. لو عدت الشحنة دي بنجاح، الفلوس اللي هتيجي هتفتح لنا أبواب جديدة. وافتكروا، أي عثرة هتجيب علينا النار."
بعد خروج الجميع، بقي حسن بمفرده يجلس وحيدًا أمام الطاولة، ينظر إلى الصورة، ثم يشعل سيجارة ببطء.
حسن (بنبرة خافتة مليئة بالكراهية):
"فاكر يا تميم إنك خلصت مني؟ غلطان... لسه اللعبة في بدايتها."
يأخذ نفسًا عميقًا من السيجارة ويطرد الدخان ببطء.
حسن (بصوت منخفض ولكن حاسم):
"البنت دي؟ هتكون نقطة انهيارك. هخليها ترجع من الظلال بس مش زي ما كنت فاكر. هخليها تبقى سلاح ضدك."
ينهض ببطء، يلتقط الصورة من الطاولة.
حسن (بنبرة أكثر حدة):
"انت وزين فكرتوا إنكم أقوى مني؟ هوريكم مين الأقوى. الجحيم اللي هربتوا منه، هو اللي هيطاردكم دلوقتي."
يضرب الطاولة بيده وينظر بعزم.
حسن (بصوت قاطع):
"استعد يا تميم... أنا جاي، وكل خطوة هتقربكم من نهايتكم."
يخرج من الغرفة بخطوات ثابتة، تاركًا الجو مشحونًا بالوعيد.
***
في مكان آخر، سيليا كانت تجري بسرعة في الشوارع، قلبها ينبض بشدة، والدموع تكاد تملأ عينيها. توقفت فجأة عند زاوية الشارع، تنظر حولها بقلق، كأنها تخشى أن يراها أحد. تلتقط أنفاسها بصعوبة، بينما تتحدث إلى نفسها بصوت منخفض.
سيليا (بتوتر):
"مستحيل، لازم أهرب قبل ما يكتشفوا. لو عرفوا إني أنا... لو عرفوا إنهم كانوا غلط، مش هينفع. أنا ما أستحقش أي حاجة منهم. ما كانش المفروض أرجع هنا، ما كانش المفروض أشوفه تاني."
(تنظر إلى الطريق، ثم تواصل بصوت مرتجف)
"أنا خلاص... خلاص. لو عرفوا، هيفكروا إنني كنت غلطانة طول الوقت، حتى لو الحقيقة اتكشفت... مش هيصدقني. مش هيصدقوني."
(تنظر خلفها بحذر، وكأنها تشعر بأن شخصًا يراقبها)
"هو لسه مش فاهم، مش هيفهم. كل شيء هيبقى زي ما كان. خلاص... خلاص."
كانت سيليا تقف وحيدة شاردة في الشارع، حتى شعرت بأحد يضع يده على كتفها وكان زين، فتلتفت بسرعة وعيناها مليئتان بالخوف.
زين:
"اهدي... إيه اللي حصل؟"
سيليا (بتوتر):
"مفيش حاجة، أنا... أنا بس محتاجة أمشي."
زين (بصوت هادئ):
"سيليا، إنتِ فاكرة إن الهروب هيحل حاجة؟"
سيليا (تتجمد للحظة):
"إزاي... إزاي تعرف اسمي؟"
زين:
"مش ممكن أنسى. شفتك قبل كده... وشفت القوة اللي عندك، حتى وإنتِ مكسورة."
سيليا (تخفض عينيها):
"قوة؟ أنا؟ أنا ضايعة."
زين (بحزم):
"لا، مش ضايعة. اللي واقف قدامي أقوى بكتير مما هي فاكرة."
سيليا (بصوت منخفض):
"أنا مش عارفة أعمل إيه... كل حاجة حواليّ بتنهار."
زين:
"لو كل حاجة بتنهار، أنا هنا. مش هسيبك لوحدك. عديتِ كتير، وده كفاية. دلوقتي دورك إنك تلاقي السلام."
سيليا (بنبرة خافتة):
"ليه بتعمل كده؟"
زين (بنظرة ثابتة):
"لأنك تستحقي أكتر. ولو كنت محتاجة حد جنبك، أنا مش هتحرك."
سيليا (تنظر إليه بخجل):
"مش متعودة... حد يقول لي الكلام ده."
زين (يبتسم):
"اتعودي. من النهارده، كل خطوة تاخديها، مش هتبقي لوحدك."
سيليا (تنظر إليه مطولًا، تتردد قبل أن تهمس):
"مش عارفة... مش عارفة أثق في حد تاني."
زين (بنبرة دافئة):
"مش بقول لك تثقي فيا دلوقتي. خدي وقتك، لكن أوعدك... أنا مش هخذلك."
سيليا (بصوت مرتعش):
"كل اللي وثقت فيهم خذلوني. خايفة... خايفة أجرب تاني."
زين (يقترب خطوة، يضع يده بلطف على كتفها):
"الخوف طبيعي، لكن مش لازم يوقفك. أنا مش هطلب منك حاجة غير إنك تسمحي لنفسك تبقي قوية زي ما أنتِ فعلًا."
سيليا (تنظر إليه بتردد):
"مش عارفة أبدأ منين."
زين (بابتسامة مطمئنة):
"نبدأ خطوة خطوة. مفيش استعجال. وأول خطوة؟... تاخدي نفسك العميق ده، وتفتكري إنك تستحقي فرصة تانية."
سيليا (تغمض عينيها وتأخذ نفسًا عميقًا، ثم تنظر إليه):
"وإنت... ليه يهمك كل ده؟"
زين (بنظرة جادة):
"لأنك شخص يستحق. يمكن أنا ما عرفتش أنقذك أول مرة، لكن المرة دي... مش هسيبك تعدي ده لوحدك."
سيليا (بابتسامة خفيفة):
"يمكن... يمكن أديها فرصة."
كاد زين أن يكمل كلامه لكن قاطعه صوت سيليا قائلة.
سيليا (تلمح الساعة على معصمها فجأة وتفزع):
"يا نهار أسود... اتأخرت!"
زين (يتغير تعبيره إلى القلق):
"إيه اللي حصل؟ مستعجلة على فين؟"
سيليا (تحاول تهدئة نفسها):
"لازم أروح... في حد مستنيني."
زين (ينظر إليها بريبة):
"مين؟ ليه حاسة إنك بتحاولي تهربي تاني؟"
سيليا (بصوت خافت):
"مش هروب... أنا عندي أطفال، ولازم أكون معاهم."
زين (يصمت للحظة، ينظر إليها بدهشة):
"أطفال؟... إنتِ أم؟"
سيليا (تهز رأسها):
"آه، وعشانهم لازم أمشي دلوقتي."
زين (يخفض صوته بلطف):
"طيب، بس قبل ما تروحي... لو احتجتي حاجة، لو حسيتِ إنك مش قادرة... ما تتردديش تكلمني."
سيليا (تبتسم ابتسامة خفيفة وهي تتراجع):
"شكراً يا زين... يمكن أكلمك."
زين (ينظر إليها وهي تبتعد):
"هستنى المكالمة دي."
سيليا تلتفت بسرعة وتمضي بخطوات متسرعة، بينما زين يقف مكانه، عيناه تتابعانها وهو يفكر بصمت ويردف قائلاً لنفسه.
زين:
"يا ترى إيه حكايتك يا سيليا، وليه أنا حاسس أنك نفسها سيليا اللي تميم يتحسر عليها."
بعد لحظة من التردد، يخرج هاتفه ويتصل بشخص ما.
زين (بنبرة جدية):
"ألو... أدهم؟"
صوت أدهم (من الهاتف):
"أيوه، خير يا زين؟"
زين:
"عاوز منك خدمة ضرورية. في واحدة اسمها سيليا، محتاج أعرف كل حاجة عنها."
أدهم (بنبرة فضول):
"سيليا؟ مين دي؟"
زين:
"شفتها مرتين، وأتأكد إنها بتخبّي حاجة كبيرة. متأكدة إنها بتعيش في ضغط رهيب، وحاسس إن فيه حاجة غلط."
أدهم:
"طب، عندك أي تفاصيل؟ اسمها بالكامل؟ عنوان؟ أي حاجة أبدأ بيها؟"
زين:
"للأسف لا، كل اللي عندي اسمها الأول وبعض المواقف اللي جمعتنا. شوف لو تقدر تبدأ من اسمها سيليا بس، أكيد في حاجة هتوصلنا ليها."
أدهم (بنبرة مطمئنة):
"سيب الموضوع عليا. هبدأ أبحث وأبعت لك أول ما أوصل لحاجة."
زين (بتنهد):
"شكراً يا أدهم. الموضوع ده مهم جدًا بالنسبة لي."
أدهم:
"متقلقش، هتلاقي اللي بتدور عليه."
زين ينهي المكالمة، ويقف لوهلة، عقله مليء بالتساؤلات حول سيليا. يعرف أن هناك سرًا كبيرًا يحيط بها، ولا يستطيع تجاهل إحساسه بأنها تحتاج المساعدة، حتى لو لم تطلبها.
***
(في فيلا ليلى الألفي، تدخل سيليا وهي ترتجف من البكاء، ملامحها منهارة. ليلى تلاحظ فورًا حالتها وتقترب منها بقلق شديد.)
ليلى:
"في إيه يا بنتي؟ شكلك مش طبيعي!"
سيليا (تبكي بحرقة):
"تخيلي مين طلع المعيد يا عمتو؟"
ليلى (بدهشة):
"مين؟"
سيليا (بسخرية مريرة):
"ريان."
ليلى (بصدمة):
"ريان؟ أخوكي؟!"
سيليا (بصوت مكسور):
"أيوة... أقرب واحد ليا، واللي أول واحد صدق الكذبة وذلني. ما سأليش حتى... رماني زي الغريبة!"
ليلى (بغضب):
"ريان؟! كان المفروض يكون أكتر واحد يقف جنبك. بس لا... كلكم ظلمتوها يا فؤاد!"
سيليا (بحزن):
"عمتو، شوفته فجأة... ما قدرتش أستحمل، هربت. ما ينفعش يشوفني، أنا مش قادرة أواجهه."
ليلى (بحزم):
"ليه تهربي؟ سيليا، إنتِ اللي لازم ترفعي راسك. اللي عدى عليكي كان جحيم، ووجودك هنا دلوقتي دليل إنك أقوى منهم كلهم."
سيليا (بصوت مرتعش):
"قوية؟ عمتو، أنا مش عارفة حتى أتنفس قدامه. حسيت بكل حاجة رجعت فجأة، الوجع... الخيانة... كأن اللي حصل من ست سنين بيحصل دلوقتي."
ليلى:
"مش هيقدر يأذيكِ تاني. إنتِ اللي معاكي الحق، إنتِ اللي ظلموكي، وهو اللي المفروض يحس بالندم لما يشوفك واقفة قدامه، قوية ومستقلة."
سيليا:
"بس عمتو... أنا خايفة. خايفة من نظراته، من كلماته... من كل حاجة."
ليلى (بصوت مطمئن):
"سيليا، الخوف هو اللي هيضعفك. كوني زي ما أنا عارفاكِ... قوية. ما حدش هيوقفك، لا ريان ولا غيره."
سيليا (بتنهيدة عميقة):
"يمكن... بس المواجهة مش سهلة، وأنا ما عنديش طاقة أرجع أعيش الوجع ده."
ليلى (تضع يدها على كتفها):
"إحنا مش هنرجع لوجع الماضي. إنتِ هنا عشان تبدأي حياة جديدة. واللي ظلموكي لازم يشوفوا إنك كنتِ أكبر منهم كلهم."
سيليا (بهمس):
"هحاول، عمتو. مش عشانهم... عشان نفسي و عشان ولادي."
(بعد مدة قصيرة، يدخل رائد إلى المنزل وهو يحمل لينا بين ذراعيه، بينما زياد ومازن يمسكان بيده. كارما تسير خلفه بابتسامة خفيفة، لكن وجهه يتغير فور أن يرى سيليا منهارة بجانب ليلى.)
رائد (بقلق):
"إيه اللي حصل؟ سيليا مالها؟"
ليلى (تلتفت إليه):
"كانت في الجامعة وشافت... حد ما توقعتوش."
رائد (يقترب بسرعة ويجلس أمام سيليا):
"سيليا، مين شوفتي؟ مين ضايقك؟"
سيليا (تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالدموع):
"ريان..."
رائد (بدهشة):
"ريان؟ أخوكي؟!"
سيليا (بغضب مختلط بالدموع):
"أيوة... المعيد اللي كنت مفروض أبدأ دراستي معاه."
كارما (بحذر وهي تراقب الموقف):
"معيد؟ ده أكيد كان صعب عليكي."
رائد (ينظر بغضب):
"صعب؟ ده جحيم! بعد اللي عمله، يظهر في حياتها فجأة؟!"
سيليا (بصوت مرتعش):
"هربت، رائد... مقدرتش أبصله، مقدرتش أواجهه."
رائد (بصوت هادئ لكن مليء بالغضب):
"كان لازم تواجهيه. هو اللي غلط، مش إنتِ. لازم يشوفك أقوى من كده."
زياد (يقترب من سيليا ببراءة):
"ماما، ليه بتعيطي؟"
سيليا (تحضن زياد وهي تحاول التماسك):
"مفيش يا حبيبي... ماما بس تعبانة شوية."
رائد (بنبرة حازمة):
"كارما، خدي الأولاد واطلعي للأوضة."
كارما (بهدوء):
"أكيد." (تمسك بيد زياد ومازن وتخرج مع لينا.)
رائد (ينظر إلى سيليا):
"إحنا لازم نحط حد للموضوع ده، سيليا. متخليش حد يهزك تاني، خصوصًا الناس اللي كانوا المفروض يحموكي."
سيليا (بضعف):
"مش عارفة... المواجهة هتقتلني."
رائد (بحزم):
"لا، المواجهة هتطلعك أقوى. وانا هنا معاكي، مش هسيبك تمرّي ده لوحدك."
ليلى (تتدخل):
"رائد عنده حق يا سيليا. وجودك هنا مش صدفة. ده الوقت اللي تثبتي فيه إنهم ما قدروش يكسروا سيليا اللي عرفناها."
سيليا (تتنهد بعمق):
"هحاول... بس وجوده هيكون اختبار صعب."
رائد (بابتسامة خفيفة):
"وإنتِ شاطرة في الاختبارات الصعبة، مش كده؟"
(في اوضة الأطفال، كارما تجلس على الأرض بينما زياد ومازن يلعبان بالمكعبات، ولينا تجلس في كرسيها الصغير تراقبهم ببراءة. تحاول كارما التخفيف من التوتر الذي شعرت به في الصالة.)
زياد (يرفع رأسه):
"كارما، ماما زعلانة ليه؟"
كارما (بصوت هادئ ومطمئن):
"ماما مش زعلانة منك يا حبيبي، هي بس محتاجة ترتاح شوية."
مازن (بحزن):
"هي بتبكي! أنا شفتها."
كارما (تقترب منه وتضع يدها على كتفه):
"ماما قوية يا مازن، وهي هتبقى أحسن لما تشوفكم بتلعبوا ومبسوطين."
زياد (بحزن طفولي):
"أنا عايز أبقى كبير عشان أقدر أخلي ماما ما تبكيش أبداً."
كارما (تبتسم له بحنان):
"وأنا متأكدة إنك هتكون أقوى واحد وتحميها. بس دلوقتي دورك تفرحها وتكون الولد الشاطر اللي هي بتحبه."
مازن (بحماس):
"أنا هارسم رسمة لماما! هي بتحب الرسومات."
كارما (بتشجيع):
"فكرة جميلة، هات ورق وألوان وأنا هساعدك."
(ينطلق مازن ليحضر الورق، بينما لينا تصدر أصواتًا صغيرة وتحرك يديها.)
كارما (تضحك وتنظر إلى لينا):
"وإنتِ يا أميرة، عايزة تقولي إيه؟ بتزعلي إن ماما زعلانة؟"
لينا (تضحك بصوت عفوي):
"دا دا!"
زياد (ينظر إلى أخته الصغيرة وهو يمسح على رأسها ببراءة):
"لينا كمان بتحب ماما... أنا هأحكي لها قصة علشان تضحك!"
كارما (تربت على رأسه):
"أنت بجد رائع، زياد. ماما محظوظة إنها عندها ولد زيك."
(مازن يعود بالألوان والورق ويبدأ بالرسم، بينما كارما تساعد لينا على الإمساك بلعبة صغيرة. الجو في الغرفة يصبح أكثر دفئًا ومرحًا، محاولة منها لرفع معنويات الأطفال وإبعادهم عن أي توتر.)
***
في الصالة في بيت كريم وثريا في دبي، ثريا قاعدة على الأريكة ماسكة في إيديها تليفونها وبتشوف آخر الترتيبات للسفر لمصر. كريم داخل الغرفة لابس هدوم السفر، باين عليه إنه جاد وفيه حسم.
ثريا:
(بتردد)
"كريم، أنت متأكد إننا هنسافر؟ جاد مش مبسوط بفكرة إننا نروح لهم، أنا حاسة إنه زعلان... بس هو محتاجنا، خاصة سيليا والعيال."
كريم:
(بهدوء)
"أنا متأكد يا ثريا. إحنا ماينفعش نسيبه يكمل كده. لازم نروح علشان نوريه إن العيلة أهم من أي حاجة تانية. سيليا والعيال محتاجيننا، ومش هنسيبهم في الظروف دي."
ثريا:
(بتنهدة)
"عارفة... بس جاد مش فاهم ده. هو ماعاملش سيليا زي ما لازم، ومش مهتم بالعيال ولا فيهم. لحد دلوقتي مش ظهر منه إنه عايز يشوفهم زي ما لازم."
كريم:
(بابتسامة حزينة)
"أوقات الراجل بيكون محتاج دفعة، أو يمكن بس تذكير بحاجة مهمة. سيليا طيبة جدًا، وأنتِ عارفة قد إيه بنحبها زي بنتنا. جاد محتاج يراجع نفسه، دي فرصة علشان نوريه إننا لسه هنا علشانه، رغم كل حاجة."
ثريا:
(بتفكر)
"إنت عندك حق. بس أنا خايفة إن السفر بتاعنا يسبب مشاكل أكتر. جاد وجيسي هيكونوا مزعوجين. خصوصًا جاد، هو مش بيحب إننا نوري اهتمامنا لسيليا والعيال، بس إحنا مش هنقدر نسيبهم لوحدهم."
كريم:
(بحزم)
"سيليا والعيال مش هيبقوا لوحدهم. وأنا هنا علشان أساندهم. الموضوع مش عن جاد بس، ده عن العيلة. لازم نكون مع بعض، خصوصًا في الأوقات دي."
ثريا:
(بتنهدة)
"إنت دايمًا بتشجعني أكون قوية. طيب، لو ده اللي لازم نعمله، يبقى نأخذ الخطوة دي. يمكن ده يخليه يفكر."
كريم:
(بيقرب منها ويحط إيده على كتفها)
"مش هيتغير حاجة لو ما فعلناش القرار ده، وكل اللي نقدر نعمله هو إننا نساعدهم. يلا نروح ونوريهم إننا معاهم. وهنحاول نصلح الأمور واحدة واحدة."
ثريا:
(بتبتسم برقة)
"إنت عندك حق. يلا نروح."
كريم:
(وهو بياخد شنطته)
"يلا بينا. هنتحمل ده مع بعض."
ثريا:
(بتنهض وبتاخد شنطتها)
"تمام، يلا بينا. يمكن نلاقي الطريق الصح لكل حاجة."
(كريم وثريا بيخرجوا من الغرفة في طريقهم للمطار، مستعدين للسفر لمصر وفتح صفحة جديدة من الأمل في عيلتهم.)
***
في المطار، كريم وثريا واقفين جنب منطقة الانتظار، بينما جيسي قاعدة على الكرسي بتتفرج عليهم بنظرات مليئة بالحقد.
جيسي:
(تتكلم مع نفسها بس بصوت مسموع، تسخر)
"بجد! سيليا دي هي اللي هتمثل العيلة؟ يعني فين الأدب وفين الأصول؟ مش عارفة إزاي جاد صبر عليها كل السنين دي."
كريم:
(يتغير بصوت حاد وهو يبص لجيسي، غضبه ظاهر)
"إنتِ لسه عايشة في وهم؟ بتتكلمي كده ليه؟ سيليا دي زي بنتنا، ولا يمكن تسمحي لنفسك تسخري منها أو تستهزئي بيها بأي شكل. سيليا أفضل منك بكتير، وأنتِ مفروض تكوني شاكرة لها، بدل ما تحقدي عليها."
جيسي:
(تتراجع وتبص للأرض، وبعدها ترفع راسها بصوت متوتر)
"أنا مش حاقدة، بس مش قادرة أفهم ليه لازم نركز عليها. هي مش قدنا ولا بتستاهل كل ده. جاد كان مفروض ما يتجوزهاش."
ثريا:
(تنهي جيسي بحزم، معبرة عن استيائها)
"جيسي، اسكتي! كفاية كده! سيليا مينفعش تتقال عنها كده. لو كانت عندك مشكلة معاها، خليها بينك وبين جاد. مش من حقك تهاجميها قدامنا. دي عيلة، والمفروض نتعامل مع بعض بمحبة واحترام."
كريم:
(يطلع غضبه مرة تانية، بيبص لجيسي بعيون مليئة بالتأنيب)
"إنتِ كده بتدمريني، جيسي. سيليا دي هي اللي ممكن تكون السبب في إصلاح حاجات كتير ضاعت بسببك وبسبب جاد بسبب استهتاركم واهمالكم وتبذيركم للفلوس، لو عايزين تعيشوا في سلام، هتحتاجوا تحترموا العيلة وتفهموا إن في حاجات أهم من كده. خلي بالك، إنتِ دلوقتي مش بنت صغيرة، إنتِ لازم تبقي ناضجة أكتر."
جيسي:
(تكتئب وتبص للأرض، مش قادرة ترد)
"آسفة يا بابا... بس مش قادرة أتقبل الموضوع ده."
كريم:
(بهدوء، لكن بتأثير حاد)
"الحقد مش هيفيدك، يا جيسي. لو مش قادرة تفرحي لسيليا ولا أولادها، على الأقل خليكي محترمة. لو عندك مشاكل مع جاد، دي حاجة بينكم، لكن ما تخلينيش أسمع كلام زي ده تاني."
جيسي (تقول لنفسها بحقد):
"حتى ماما وبابا كسبتيهم لصفك، ماشي يا سيليا مبقاش جيسي لو ما خليتهم يكرهوكي زي جاد بالضبط."