بعد عدة أيام، لم تتغير الأمور كثيراً. جاد لازال مقيماً في مصر واستمر في تجاهل سيليا والأولاد. زين يفكر في تلك الفتاة التي خطفت عقله وقلبه. رائد لم يفاتح والدته بأمر خطوبته من كارما. تميم يرهق نفسه بالعمل. عائلة البحيري، كل واحد مشغول بأعماله، ولكن سيليا لم تخرج من بالهم أبداً. *** في مكان آخر نذهب إليه لأول مرة، تجلس تلك الشابة التي يبدو عليها الحقد والكره.
سمر: لازم أخطط كويس عشان أرجع لأحمد، مش هفضل طول عمري في الفقر. شاهي: وأنتي فاكرة إنه هياخدك بالحضن بعد اللي عملتيه؟ سمر: عيلة وغلطت يا شاهي، مش مستاهلة كل ده. أحمد عبيط وأنا هضحك عليه بكلمتين حلوين، متشغليش بالك إنتي.
شاهي: ودي أشوفك بتضحكي عليه فعلاً، سمر. بس لازم تكوني ذكية، ما تجيبيش على نفسك شبهة العاطفة. أحمد مش غبي. هو صح طيب، وأنا بحب لما حد يوقعه في فخه. لو لعبتي صح، هتلاقيه في حضنك بسرعة، لكن خلي بالك من الخطوات الجاية... الدنيا كلها في يدك لو عرفتي تتلاعبين صح. سمر: ومش سمر اللي بتخاف، أنا عارفة إزاي هخليه زي الخاتم في صباعي، ووقتها هتصير كل أملاك البحيري ليا أنا وبس.
لتكمل سمر وشاهي ضحكاتهما الخبيثة، غافلتين عن الذي كان يستمع لكل شيء. *** في فيلا ليلى الألفي، كانت سيليا تحاول الاتصال بجاد للمرة المليون، لكنه كنسل عليها في المرة الأخيرة، مما أثار غضب سيليا. سيليا: أنا هوريك يا جاد، هوريك مين هي سيليا البحيري، سامع يا جاااااااد! ارتعب الأولاد من صراخ والدتهم، في حين جاءت ليلى مسرعة نحوها بعد أن سمعت صراخها. ليلى: حصل إيه يا بنتي؟ انطقي، في إيه يا سيليا؟
سيليا: أنا هخلع جاد يا عمتو، وهسيب الأولاد. من حقي إني أعيش حياتي، أنا لسه صغيرة ومش هدفن نفسي بالحيا. ليلى: استهدي بالله يا بنتي، المشاكل متتحلش كده. عندك ثريا هانم وكريم بيه واقفين بصفك. سيليا: اها، أظهري على حقيقتك يا عمتو، عايزة تبعتيني لجاد عشان الفلوس مش كده؟ ليلى: سيليا، مش معقول كلامك ده!
أنا مش عايزة أبيعك لحد عشان فلوس، بس عايزة مصلحتك، وده مش معناه إني ضدك. جاد مش كل حاجة، والأولاد مش مجرد أداة للانتقام. لو كنتِ بتفكري كويس، كنتِ فهمتي إن الحياة مش بتقف عنده، ولا عند فلوسه. الفوضى دي هتأذيك أكتر من أي حاجة تانية. سيليا: وأنا مش هوقف حياتي عند جاد ده، هخلعه وأسيب الأولاد وأرجع للجزائر، أنا تعبت حقيقي. كادت سيليا أن تذهب، لكن استوقتها ليلى قائلة بخبث. ليلى: استني عندك يا سيليا. سيليا: في إيه تاني؟
ليلى: فكري كويس، إنتي دلوقتي لو سبتي ولادك لجاد، واتطلقتي منه، هياخد ولاده ويسافر لدبي، ويتجوز واحدة حرباية، تاخد ولادك وتكرههم فيكي، وإنتي أولدي واتعبي وادفني نفسك بالحيا عشان خاطر اللورد جاد، والسنيورة تاخد كل حاجة عالجاهز كده. ثم أكملت قائلة بجدية.
ليلى: سيليا، إنتي بنتي اللي مخلفتهاش، اللي أنقذتها من الموت في آخر لحظة. صدقيني لو كنت أعرف حقيقة جاد مكنتش وافقت على الجوازة دي من الأساس حتى لو كلفني ده خسارة صديقتي الوحيدة ثريا. بس لسه عندنا وقت عشان نصلح اللي فات. خدي ولادك في حضنك واتطلقي من جاد وعيشي حياتك، إنتي لسه مكملتيش 22 سنة يا بنتي، ولسه عمر طويل قدامك عشان تعيشيه. اسمعي الكلام يا سيليا، وأنا ورائد مش هنسيبك أبداً. سيليا: عمتو...
أنا حقيقي تعبت، ومش قادرة أستحمل أكتر من كده. جاد دمرني، خلاني أحس إني مجرد لعبة، ودايماً محسسني إني مش مهمة. بس كلامك صح... مش هقدر أسيب ولادي، مش هقدر أسيبهم لواحدة تانية تربّيهم وتكرههم فيّ. سيليا: بس أنا مش هفضل مستسلمة. هسمع كلامك يا عمتو، هاخد ولادي وأبدأ من جديد. أنا مش ضعيفة، ولازم أفكر في مستقبلي ومستقبلهم. شكراً إنك دايماً جنبي... ما كنتش هعرف أعمل ده لوحدي.
ليلى: يا حبيبتي، أنا معاك دايماً، مش هسيبك أبداً. إنتي أقوى بكتير مما بتتصوري، وده أول خطوة إنك ترجعي لنفسك وتعيشي حياتك زي ما تستحقي. ولادك محتاجينك، وأنا ورائد جنبك في كل خطوة. ليلى: إحنا عيلة، والعيلة مش بتتخلى عن بعضها. هتعدي الأزمة دي، وهتبدأي صفحة جديدة، وصدقيني الأيام الجاية هتكون أحسن بكتير.
في غرفة الأطفال، جلس زياد ومازن معاً على السرير، يحدقان في بعضهما البعض بحيرة. كانت لينا نائمة بجانبهما، بينما كان الصمت يعم المكان، إلا من صوت أنفاسهما. زياد: ليه بابا مش بيحبنا زي ما رائد بيحبنا؟ مازن: ما بعرفش يا زياد... رائد دايمًا بيضحك معانا، بيلعب معانا، بس بابا مش كده. هو مش دايمًا بيكون هنا. زياد: يعني هو مش بيحبنا زي رائد؟
مازن: بابا مبيجيش إلا لما يبقى عنده وقت، بس رائد كان دايمًا موجود، بيلعب معانا، بيحكي لنا قصص... بابا مبيعملش كده. زياد: ليه بابا كده؟ هو مش مهتم بينا؟ ليه مبيشوفناش زي رائد؟ مازن: مفيش حد زي رائد يا زياد. رائد دايمًا معانا، بيحسسنا إننا ولاده، لكن بابا مش بيحس بينا زي كده. زياد: إحنا مش غلطنا في حاجة، صح؟ رائد مش بابا، بس هو دايمًا معانا. مازن: عارف...
بس أنا مش فاهم ليه بابا مش بيقعد معانا زي رائد. رائد يعاملنا كأننا أولاده، لكن بابا مش بيبقى معانا كده. زياد: مش هنسكت. أنا هحاول مع بابا، عشان هو لازم يحس بينا زي ما رائد بيحس بينا. مازن: وأنا معاك يا زياد. يمكن لو حاولنا مع بعض، بابا يغير رأيه. كانت الكلمات بين زياد ومازن مليئة بحزنهما وبراءتهما، وتوضح الفرق بين المعاملة الدافئة التي كانا يحصلان عليها من رائد، وبين تجاهل والدهما جاد.
في هذه اللحظات كان رائد يستمع لكلام الأطفال وشعر بالحزن على حالتهم. رائد: هم دول مش أولادك، جاد... هما مش أولادك. إزاي تقدر تتجاهلهم كده؟ إزاي تقدر تتركهم في حالة من الحيرة والضياع؟ رائد: أنا مش هسمح لك تضرهم تاني يا جاد. مهما حاولت، مهما عملت، أنا مش هسيبك تبقى بعيد عنهم...
الأطفال دول، زي أولادي تماماً، وأنا مش هخلي حد يفرّق بينهم وبين الحق اللي هما عايشين فيه. أنت مش هتعرف تحس بيهم إلا لما تفقدهم، ومش هتقدر تقرب منهم تاني. رائد: أنت مش هتقدر تسيطر عليهم زي ما كنت فاكر. ليك يوم، يا جاد، يوم هتشوف فيه من معاملة الناس ليك قد إيه كانت فارغة. يوم هتندم على كل لحظة تجاهلت فيها العائلة دي، وخصوصاً أولادك. هخليك تدفع الثمن.
رائد: مش هتخليهم يعيشوا في ظل شخص مش قادر يكون أب حقيقي. أنا هخليهم يعرفوا مين اللي كان موجود ليهم وقت ما كنت إنت غايب. لو كان فيه حد يستحق التقدير والاحترام، فهو الناس دول. وأنا مش هسمح لأي حد يحطمهم. هتبقى أسوأ لحظة في حياتك لما تعرف إنك فقدت كل حاجة لأنك مش قادر تكون الأب اللي المفروض تكونه. ***
كانت الساعة قربت على منتصف الليل، والفيلا هادية جداً ما عدا صوت خطوات زين وهو داخل من الباب الكبير. النور الضعيف في الصالة كان بيخلي الظلال تظهر على الحيطان البيضا. كانت هناء، والدته، قاعدة على الكنبة، عينيها شاردة في الفراغ، مستنياه زي كل مرة. لما شافها، وقف في المدخل لحظة صمت طويلة قبل ما يتكلم. زين: إنتِ هنا؟ مستنياه في الوقت ده؟ عايزة مني إيه؟ هناء: كنت مستنيك ترجع... اتأخرت كتير. كنت عايزة أتكلم معاك.
زين: بتتكلمي؟ بعد كل السنين دي؟ هتقوليلي إيه؟ في مبرر للي عملتيه؟ بتفتكري الكلام ده هيرجع حاجة؟ هناء: زين، أنا عارفة اللي حصل، وعارفة إن اللي عملته كان غلط. لكن كنت لسه صغير وقتها... كان عندك عشر سنين، ومش عايزة تفضل الذكرى دي بتمشي وراك. زين: ما تستخفّيش بيا. عشت كل يوم في حياتي وأنا شايف صورتك في دماغي، فاكر كيف خنتِ أبويا قدامي. وإنتِ بتقولي لي كنت صغير؟ كنت عايز أبويا في اللحظة دي، وإنتِ قتلتيه. أيوة، قتلتيه!
مات بسببك. هناء: أنا... أنا غلطت. مش بطلب منك تسامحني، لكن عايزة تعرف إنني ندمانة على كل حاجة. زين: ندمتِ؟ والندم ده هيرجع أبويا؟ هيرجع السنين اللي راحت من حياتي؟ هيرجع لي كرامتي اللي أهنتيها؟ هناء: أرجوك يا زين، أنا أمك. مش قادرة أعيش في الصمت ده أكتر. عارفة إنك بتكرهني، لكن مش قادرة أعيش وأنا حاسة إنك بترفضني. زين: إنتِ مش أمي!
أمي كانت حاجة تانية، كانت واحدة بتحبنا وتحترمنا. إنتِ مجرد واحدة مش تستاهل تتسمى أم. لو كنتي فاكرة إن كل حاجة هترجع زي ما كانت، إنتِ غلطانة. اللي بينا خلص من زمان. وقف شوية، خد نفس عميق، وبعدين قال وهو ملتفت ناحية الباب. زين: مش عايز أشوفك تاني. مفيش مكان ليكِ في حياتي. هاجي هنا بس عشان أطمن على البيت... ده كل حاجة. قفل الباب وراءه ببطء، وتركها في الصالة، لوحدها، مع ذكرياتها المظلمة اللي مش هتقدر تتخلص منها أبداً.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!