في أحد أحياء القاهرة القديمة، وتحديداً حي المعز لدين الله الفاطمي، تجلس تلك الفتاة ضامة ساقيها إلى جسدها، وهي تنظر بشغف ولهفة إلى شاشة العرض، تشاهد برنامجاً خاصاً برجال الأعمال. مقتربة بجسدها نحو صورته، ذلك الرجل الذي عشقته لشهور طويلة. إنه رجل الأعمال الأكثر شهرة على الإطلاق. تنهدت بحزن، وما زالت تدقق النظر إليه وإلى وسامته الطاغية وملامحه الباردة. لتردف بسخرية لنفسها: "عز الدين الرواي...
مليكة فوقي يا حبيبتي، ده واحد من أهم رجال الأعمال، انتي فين وهو فين؟ ثوانٍ قليلة وانتهى البرنامج. تنهدت بحنق وضيق وهي تغلق التلفاز، لتلتقط مجلة وهي تجلس على فراشها. ظلت تنظر لملامحه الباردة بعشق. ليقسم من يراها أنها متيمة بعشق ذلك الشاب، لكن لا تعرف ما يخبئه القدر لها. ضمت تلك المجلة إلى صدرها، تحتضنها وهي تبتسم بسخرية من أفكارها. فهي الآن واقعة في فخ العشق، لا تعلم السبب.
جل ما سبب أن تعشق شخصاً لم تره ولو لمرة واحدة. هي حتى لا تعرف أي شيء عنه. كل ما تعلمه أنها حين تراه، تشعر بأن جسدها يرتجف، وكأنها مقتربة منه. نفضت كل تلك الأفكار من رأسها وهي تتذكر واقع حياتها الأليم. بدا على ملامحها الحزن والغضب. أغلقت عينيها وهي تحاول النوم، حتى لا تتأخر على عملها في الصباح الباكر.
لأنها تعلم أن تأخرت، سيقوم مديرها بافتعال المشاكل معها، وهي تحاول أن تتجنب القيل والقال، وخصوصاً أنها فتاة تعيش وحدها في ذلك المنزل البالي. ليس لديها أي شخص أو صديق يؤنس وحدتها. *** في الصباح. تململت في الفراش بكسل وضيق من أشعة الشمس التي تنصب على وجهها الأبيض تزعجها، لكن لا مفر. قامت بثقل وملل، وتوجهت نحو الحمام. في وقت لاحق.
كانت تقف أمام المرآة وهي تثبت حجابها فوق رأسها بإحكام، بعد أن جمعت شعرها الأسود الحريري في كحكة فوضوية. نظرت بيأس لنفسها، فهي تبدو جميلة، وهذا ما يزعجها. لأنها تتعرض للمشاكل بسبب جمالها، فالجميع يطمع بها. بالرغم أنها لا تضع أي من مساحيق التجميل. أخذت حقيبتها بغضب، ولكن قبل أن تخرج، عادت مسرعة والتقطت المجلة وهي تبتسم. مليكة بدلال للمجلة: "عارفة إني جميلة وزي القمر، بس إنت بس اللي تشوف جمالي وإحنا سوا."
أردفت بتلك الكلمات وهي تطبع قبلة على صورة ذلك الشاب في المجلة، لتضعها باهتمام على الأريكة كأنها شيء غالٍ جداً تخاف أن ينجرح. ابتسمت بعفوية، وهي تعلم أنها تعيش في عالم الخيال الخاص بها، لكن ربما هذا العالم هو كل ما تتمناه. ثوانٍ وتحولت تلك الابتسامة إلى الهلع والرعب وهي ترى الساعة تدق السابعة والنصف صباحاً. ولّت مسرعة إلى عملها، وهي تدعو الله أن يمر اليوم بسلام. بعد مرور دقائق.
دخلت مليكة إلى محل الملابس ذلك الذي تعمل به، فقد كان قريباً من منزلها. لكن توقفت وبدا على ملامحها الضيق وهي ترى ذلك الشاب (صاحب المحل) يقف أمامه. ليردف بتساؤل: "السينيو ريتا متأخرة على الشغل النهاردة ليه؟ ولا يكون وراها ديون؟ أخذت نفساً عميقاً، تحاول السيطرة على غضبها حتى لا تتسبب في طردها من العمل. مليكة: "اتأخرت إيه بس يا مستر عماد، الساعة تمانية."
أردفت بتلك الكلمات من بين أسنانها، وهي تحاول أن تكون هادئة، فهو دائماً ما يختلق المشاكل. عماد بسخرية: "الساعة تمانية وخمسة، متأخرة خمس دقايق يا مليكة هانم." لم تستطع التحكم في نفسها، فهي كبركان الغضب، دائماً مستعدة للانفجار. مليكة: "هو حضرتك عايز إيه يا مستر؟ ده باقي البنات بيتأخروا بالساعة والنص وحضرتك مش بتتكلم." ثم تابعت باشمئزاز وهي تنظر له: "ولا يكونش في سبب تاني مخليك راضي عنهم؟
انفرجت شفتيه عن ابتسامة خبيثة وهو ينظر لجسدها، نظرات تملؤها الرغبة. لتجعلها تشعر بارتجاف غريب واشمئزاز من نفسها، وهي تجذب حجابها بأقصى درجة. لتردف بغضب وعصبية: "إيه يا أخويا؟ ما تحترم نفسك، وإلا قسماً بالله هتلاقي الشبشب معلم على قفاك." أجابها عماد بخبث وهو يفكر كيف يكسر غرورها: "خالص يا ستي، ادخلي، خلينا نخلص. صحيح، النهاردة هنروح المخزن نفرز البضاعة." سحب وجهها كالأموات، وهي تعلم نواياه بخصوص الذهاب للمخزن وحدهم.
فإن كانت هي مجرد فتاة، فقط تستخدم قناع القوة حتى يخاف الناس من الاقتراب منها. لا تحاول جاهدة أن تجد حجة حتى لا تذهب معه. مليكة: "بس يا مستر، النهاردة في شغل عليا كتير في المحل، إيه رأيك تاخد البت سميحة؟ لتتابع بسخرية وازدراء: "على الأقل سميحة فاهمة حضرتك عايز إيه وهتيجي معاك سكة ودغري." عماد وقد بدأ عليه الارتباك: "تقصدي إيه يا مليكة؟ مليكة بلامبالاة: "مقصديش حاجة، بعد إذن حضرتك."
أردفت بتلك الكلمات وهي تتجه إلى البروفايل. في وقت آخر. دخلت فتاتان إلى المحل، كانتا يمضغان العلكة (اللبان) بشيء من الدلال المفرط. لتتجه واحدة منهم ناحية مليكة التي تقف وتبدو كأنها ستنفجر من الغضب. سميحة: "اتأخرنا عليكي معلش، انتي على... لتقاطعها مليكة بنظرات استحقار: "سميحة، ابعدي عن خلقتي، مش ناقصة على الصبح، مش كفاية بوز الأخص اللي اسمه عماد ده...
وبعدين يا حبيبتي، عارفة إنك كنتي سهرانة في الكباريه امبارح، فأكيد نموسيتك كحلي يا عينيا." أجابتها سميحة ووجهها مشتعل من الغضب: "جرى إيه يا مليكة؟ ما تقفي معوج وتتكلمي عدل، وبعدين يا حبيبتي، هو أنا يعني في الكباريه ليه؟ دا أكل عيش يا حبيبتي." شهقت مليكة بغضب وسخرية: "أكل عيش إيه يا بنت الـ... أكل عيش من هز الوسط وتفرجي الناس عليكي وعلى جسمك." أردفت الأخرى بخبث وغيره من مليكة: "يا بت، شغلي دماغك معايا، ده أحلى شغل...
تعرفي انتي لو معايا، أقسم بالله لتؤشي الكباريه كله عبك، يا بت، ده انتي عليكي رسمة جسم مش على واحدة، فما بالك لو وقفتي على الخشب وهزيتي وسطك شوية، هتاخدي أضعاف اللي عماد بيدهولك... ويا ستي، هو أنا بقولك انزلي اقعدي مع الزباين؟ لأ، خلصي نمرتك وامشي." كانت مليكة تقترب منها وعينيها تحولت إلى الاحمر من شدة الغضب، لتنهي تجذب حذائها. لتقبض فجأة على شعر سميحة بين يديها. تهتف بشراسة وغضب وهي تجذبها منه بقسوة حتى
كادت أن تقتلعه من رأسها: "اسمعيني كدا، قالتي إيه يا عينيا؟ شكلك نسيتي العلاقة اللي ادتهالك أول ما جيت المحل هنا... بس وماله، أفكرك يا بنت أشجان." أردفت بتلك الكلمات بسراشة وهي تدفع سميحة لترتمي على الأرض بقسوة وهي تصرخ بألم. ولكن ازداد صراخها عندما انقضت عليها مليكة تضربها بحذائها بقوة. مليكة بغضب: "بقى أنا مليكة فايد اللي كل المنطقة بتحلف بسمعتي أشتغل رقاصة يا بنت الـ... ليه فاكراني شمال زيك؟
ولا عيلة صغيرة هتضحكي عليها؟ لا، فوقي يا عينيا، الكلام ده تعمليه على حد غيري... يا بت، أي حال أم كنت عارفة تاريخك الأسود كله مع كل واحد ماشية شوية، وآخرهم عماد بيه، هههه." أما سميحة فكانت تبكي بعنف وهي تحاول إبعاد تلك المتهورة عنها. لم يستطع عماد الوقوف صامداً مكانه وهو يرى جنون مليكة. ليجذبها من ذراعها بقوة وغضب. عماد بصوت عالٍ: "مليكة! بطلوا هبل انتوا الاتنين." ابتعدت مليكة عنها أخيراً وهي تعدل من وضع حجابها،
لتردف بهدوء تام: "خليكي فاكرة العلاقة دي يا عينيا، عشان أوعدك إن اللي جاي مرار طافح لو اتكلمتي معايا بالأسلوب ده تاني." أما عماد، كانت نظراته لها حارقة لها. أراد أن يكسر غرورها هذا حتى لا تختلق المشاكل مع باقي البنات، وأيضاً لأنها جميلة. حتى إن حاولت إخفاء جمالها بتلك النظارة الكبيرة التي تضعها، رغم أن نظرها سليم، وأيضاً حجابها الطويل، كانت دائماً تحاول إخفاء ذلك الجمال، لكن تفشل دائماً. ليردف
عماد بخبث وغضب مصطنع: "مليكة، هاتي شنطتك وتعالي ورايا، عايزين نفرز البضاعة اللي في المخزن. انجزي. وانتوا ظبطوا المكان. الزباين لو جو وشافوا الأتيليه كدا مش هيشتروا." مليكة بسخرية لنفسها: "أتيليه إيه يا معفن؟ أعوذ بالله من دا صنف." ......................... في وقت آخر. في شقة بسيطة مليئة بصناديق من الكرتون تحتوي على الكثير من الملابس. كانت تقف مليكة وهي تتنهد بضيق. أخذت نوت تدون بها ما تراه وهي تفرز كل الصناديق.
بعد قليل، سمعت صوت فتح وغلق الباب. لتنتفض وهي ترى مستر عماد يدخل وهو ممسك بأكياس كثيرة. لتردف بسرعة وشك والخوف يتغلغل لقلبها: "افتح الباب، مينفعش نفضل سوا لوحدنا." أجابها بخبث وهدوء مصطنع: "إنتي خايفة من إيه يا مليكة؟ هو أنا هاكلك يعني؟ المهم خلصتي." مليكة بحنق وضيق: "أديني بشتغل أهو." عماد: "طب سيبي الشغل ده وتعالي بقى نتغدى سوا، واهو يبقى عيش وملح." مليكة بصوت غاضب: "لا شكراً، مش عايزة."
لتشهق برعب وخوف عندما شعرت بيد تلتف حول خصرها. حاولت نفض يديه لكن لم يبالي وهو يقترب منها أكثر. لكن دفعته بكل قوتها بعيداً عنها، لتجيب بغضب وعصبية: "إنت مجنون؟ قسماً بالله لأروح فيك في داهية." أردفت بتلك الكلمات وهي تضربه بغضب. ولكن كيف لفتاة مثالاً أن تقدر على رجل بهذه الضخامة؟ فعماد يمتاز بجسده الضخم. ليكتف يديها بقوة وراء ظهرها، ويديه تنساب على جسدها، يحاول تجريدها من ثيابها.
لكن استطاعت أخيراً أن تفلت يديها منه وأبعدت قليلاً عنه. وهي تجلب تلك الزهرية لتضربه بقوة على رأسه. سقط أرضاً ممسكاً رأسه وهو يلعنها. أما مليكة، كانت تقف ووجهها شاحب وعينيها متسعة من الصدمة. كان جسدها يرتجف من الصدمة وهي ترى الدماء. لكن أجبرت نفسها على مغادرة ذلك المكان في الحال، فهي تعرفه جيداً، لن يتركها بعد ما فعل. كانت الدماء قد تجمدت بداخل قلبها، تشعر حتى أنها لا تستطيع التحرك.
كانت تحبس أنفاسها والدموع تنزف من عينيها بعنف. أخيراً فاقت لنفسها وهي تجذب حقيبته لتغادر ذلك المكان بعد أن رأت تلك النظرات المليئة بالشر في عينيه. كانت تجري بسرعة وهي تفكر في محاولة التقرب منها وفيما فعلت. بعد وقت طويل، وصلت إلى منزلها. أخذ صدرها يعلو ويهبط بعنف وهي تجلس وراء الباب وتبكي. الجميع يراها أنها تلك القوية، أجل، إنها قوية. لكن قوة النساء تكمن بداخل ضعفهم. إنها أضعف وأرق مما يتخيل الجميع.
فقط ترتدي قناع القوة ليبتعدوا عنها. تتكلم من بين شهقات بكائها: "يارب، أنا تعبت، أعمل إيه دلوقتي؟ دا ممكن يجي لحد هنا... يارب، إنت دايماً معايا، متسبنيش عشان خاطر حبيبك النبي." بعد مدة. كانت تقف أمام الباب وهي تغلقه بإحكام، واتجهت نحو الشباك والشرفة تغلقهم جيداً. لتتجه نحو الحمام تغتسل وتؤدي فرضها. لتشعر بالسكينة والراحة. تنهدت بحزن وهي تجلس على الفراش وتفكر فيما ستفعل وكيف ستجد عملاً آخر.
انتهت من كل تلك الأفكار وهي تجلب تلك المجلة وتنظر لصورة ذلك الشاب بلهفة. لتتمنى أن تراه وأن يطمئنها. لا تعرف لما تشعر بهذا الشعور القوي تجاهه، أحياناً تشعر وكأنه سحر وهي مقيدة به. كانت تضم تلك المجلة إليها وهي تغلق عينيها بتعب لتنغمس في نوم عميق. في منتصف الليل تقريباً. انتفضت مليكة برعب على صوت هاتفها ذلك، لتشعر بالدماء تنسحب من جسدها. التقطت هاتفها برعب وزعر. لكن ما إن رأت المتصل، شعرت بالهدوء.
لتجيب عليه: "أيوة، إيه؟ في إيه يا مصطفى؟ حد يتصل بحد دلوقتي؟ محمد كويس؟ غمغمت بتلك الكلمات وهي تستند بظهرها على الفراش. مصطفى (صديق أخوها) : "أخوكي اتجنن يا مليكة." انتفضت من على الفراش تقف وقلبها يعتصر من الألم: "ماله محمد يا مصطفى؟ اتكلم." مصطفى: "الشلة اللي اتلم عليها دماغهم راحت منهم خالص، وأخوكي ناوي يهجم على فيلا واحد مهم أوي في البلد وهيسرقه."
مليكة وهي تضرب على صدرها: "يا مصيبتي يا مصيبتي، هيودي نفسه في داهية. أعمل إيه بس يارب؟ أنا تعبت، مش كفاية هجر وسابني لوحدي... ده هو الكبير، على الأقل يعمل حساب إني محتاجاه، يقوم يرمي نفسه في مصيبة زي دي." سليم بسرعة: "الحقيه يا مليكة، أخوكي اتجنن وصاحب القصر اللي ناوي يسرقه راجل واصل أوي، والكل بيقول عليه إنه ميعرفش الرحمة." مليكة بدموع وانهيار: "طب ابعتلي مكان، هو فين دلوقتي؟
لأني برن عليه كل يوم مش بيرد عليا ومش عارفة مختفي فين." مصطفى: "هبعتلك عنوان القصر، لأني عرفت إنه اتحرك دلوقتي، بس بسرعة يا مليكة بالله عليكي." مليكة: "طب ابعت العنوان بسرعة." غمغمت بتلك الكلمات بانهيار وهي تقع على الأرض، لا تعلم السبب وراء تلك المصائب في حياتها. لكن لا وقت لكل هذا. قامت مسرعة وهي تدلف نحو خزانة الملابس لتأخذ دريس وتبدل منامتها وتخرج في منتصف الليل، تتوجه نحو قدرها.
من تلك اللحظة تبدأ حياتها تأخذ منحنى جديد ومختلف. لنرى كيف ستحول كل القسوة والجفاء في قلبه... إلى عشق لا مثيل له.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!