ومنذ ذلك اليوم وهي تناشد الموت الذي سيرحمها من عذابها، لكن كأن لعنة سقطت عليها منعتها من راحة الموت، لتبقى تتعذب بضميرها الذي يؤلمها أكثر من مرضها. لم يمض وقت طويل حتى دلف إليها مراد، ابن أختها وزوج ابنتها. اقترب منها مراد وهو يقول بقلق: خير يا مرات عمي، آمريني. ردت المرأة بتعب وهي تشير له أن يقترب منها: خير يا ولدي، قرب مني، بدك أخبرك باللي كتمته جواي السنين دي كلها، قبل ما أقابل رب كريم. رد عليها مراد بصدق:
بعد الشر عليكي يا مرات عمي، متقوليش كده. قالت حسنة بتعب: متجاطعنيش يا ولدي، اسمعني مليح. مدت يدها أسفل الوسادة وأخرجت ورقة مدون بها عنوان وأعطته لمراد، واردفت: عايزاك تدلني على مصر وعلى العنوان اللي في يدك ده. نظر مراد إلى العنوان باستغراب وقال: عنوان مين ده يا خالة؟ ردت بتعب: ده عنوان مرات سالم ابن عمك، الله يرحمه. عقد مراد حاجبيه مندهشاً من قولها، سالم مين؟ وعن أي زوجة تتحدث؟
فما يعرفه عن سالم ابن عمه أنه توفى وهو طفل صغير، هل ما تقوله الآن مجرد تخيلات آثار ذلك المرض الذي أنهكها أم ماذا؟ فسألها قائلاً: سالم مين اللي بتجولي عليه؟ سالم مات وهو لسه صغير. هزت حسنة رأسها بالنفي لترد قائلة: سالم مماتش، أنا هقولك الحقيقة كلها.
سالم ابن عمك، أنا هربته من تلاتين سنة ووديته دار أيتام عشان محدش يعرف طريقه ويقدر يوصله. ومدير الملجأ رأف بحالي لما حكيتله على القصة كلها، كنت رايدة أبعده عن الثأر لأني خابرة زين إن الرفاعية مش هيسيبوه وهياخدوا تارهم منه، وعشان كده هربته بعيد. ولما عمك الله يرحمه عرف الحقيقة، دور عليه كتير بس وقتها كان كبر وخرج من الملجأ ودخل الجامعة. ولما انتهى الثأر بموت عمك الله يرحمه، روحت بنفسي عشان أجابله وأخبره بكل شيء وأطلب منه يسامحني، بس الراجل اللي كان بيجيبلي أخباره قالي إنه مات في حادثة، ومن وقتها وأنا بموت كل يوم. وده كان عقاب ربنا على اللي عملته.
ده عنوان مراته وابنه، عايزاك تدلني على مصر وتجيبهم، أملي عيني منهم قبل ما أموت، أرجوك يا ولدي. عقد مراد حاجبيه مندهشاً مما سمعه منها وقال: مات إزاي وامتى؟ ردت حسنة وهي على وشك البكاء: أنا عرفت الخبر ده من بعد موت عمك الله يرحمه. لم يستطع مراد السيطرة على حريق قلبه الذي اشتعل بما أخبرته به؛ سالم ابن عمه الذي ظن أنه مات وهو طفل صغير وظل يبكي عليه حتى الآن كان حي يرزق وفي ملجأ!
سالم المنشاوي بما يملكه يلقى في دار ويعيش على مساعدة الآخرين؟! وعند وفاته من قام بدفنه؟ من قام بأخذ عزاه؟ نظر إلى زوجة عمه وهو يصيح بها قائلاً: وعايزاني أروح لمراته أقولها إيه؟ نقولها إحنا أهل جوزك اللي رميناه وحرمناه من أهله وعيلته وعزته وجايين دلوقتي نطالب بابنه؟!! إزاي بس يا ناس. دلف والدته التي سمعت صوته وأسرعت حتى تهدئه كي لا يسمعهم أحد، وقالت وهي تغلق الباب خلفها: اهدأ يا ولدي لحد يسمعكم.
نظر إلى والدته التي أبعدت نظرها عنه خجلاً من مواجهته، فعلم أنها تعلم بكل شيء أيضاً: حتى إنتي يا أماي، عارفة كل حاجة وساكتة؟ نفت حسنة قائلة بإجهاد: لا يا ولدي متظلمهاش، أنا مخبرتهاش إلا من يومين. مراد وهو يشيح بوجهه عنهما: خلاص، شوفى حد تاني. المهمة دي أنا مقدرش أروح أواجهها بعد اللي عملناه في زوجه. بعد إذنكم. خرج مراد من الغرفة، تكاد لا تحمله قدماه فما سمعه من زوجة عمه هو الخيال بحد ذاته. نظر إلى العنوان
المدون في الورقة وتساءل: لماذا يفعل؟ أو ماذا يقول لزوجته؟ وكيف لها أن تثق وتعطي الأمان لرجل يخبرها بقصة لا تنتمي للواقع بصلة، وتعد من قصص الخيال، بل ويطلب منها أن تذهب معه إلى الصعيد. عاد إلى غرفته وهو لا يعرف كيف يتعامل مع ذلك. بأي حق يذهب إليها؟ ماذا يقول لها؟ كيف يخبرها بأن لزوجها أهل تخلوا عنه وتركوه وحيداً بلا مأوى؟
لن يستطيع النظر إليها ويطلب منها أن تذهب معه لرؤية من تخلت عنه وحرمته من حنانها حتى لو بدافع الحفاظ على حياته. وفي نفس الوقت لن يستطيع تركهم بعد الآن. لابد من الذهاب إليهم وطلب السماح منها، ربما ذلك يخفف ولو قليلاً من النار المشتعلة بداخله. *** داخل المطعم. جلست حنين على المقعد بتعب شديد، وقد شعرت بألم لا يحتمل يجتاح قدميها حتى جعلها تئن من التعب.
دخلت رغدة زميلتها المطبخ كي تأخذ منها باقي المشروبات، فتجدها بتلك الحالة ليزداد بغضها لذلك الرجل، وتقترب منها قائلة بحزن: حنين، مالك ياحبيبتي؟ رفعت حنين عينيها وهي تقول بألم: خلاص مش قادرة يا رغدة، تعبت، حاسة إني هقع من طولي. جلست بجوارها وهي تملس على ظهرها قائلة: حسبي الله ونعم الوكيل فيه، راجل مفترى ميعرفش ربنا، بس هنقول إيه؟ ربنا على الظالم. بس خلاص الشيفت بتاعنا خلص، الهي تخلص روحه.
يا بنتي قولتلك بلاش تدعي على حد، ادعيله بالهداية. ادعيله؟ طب يلا يا أم قلب أبيض إنتي خلينا نمشي قبل ما ييجي يعملنا عفريت. لاهي يتعفرت من عفريت أزرق ميعرفوش يخرجوه من جثته، قادر يا كريم. قومي يا فالح. دلفوا إلى غرفة تبديل الملابس، ولم تنتبه لتلك الكاميرات التي وضعها في الغرفة...
عادت حنين إلى شقتها تكاد لا تحملها قدماها، فقد ضغط عليها اليوم حتى تمل وتترك العمل عنده ليجد أخرى ربما تكون أفضل منه. لكن عليها التحمل قدر الإمكان، فهذا هو العمل المناسب لها ولن تغامر بتركه. مرت على شقة الشيخ صالح لتأخذ ابنها. فتحت الحاجة آمال الباب لتجد حنين وقد ظهر الإرهاق واضحًا عليها، فقالت بقلق: مالك يا حنين؟ شكلك تعبانة أوي. أفسحت لها الطريق لتدلف معها إلى الداخل وهي تقول: متقلقيش يا طنط، أنا كويسة.
تلفتت حولها ثم قالت: أمال أمجد فين؟ جلست الحاجة آمال بجوارها: أمجد اتعشى ونام على طول، هقوم بقى عشان أحضرلك العشا. رفضت حنين قائلة: لا متتعبيش نفسك، أنا اتعشيت في المطعم، النهارده، كان شغل كتير ومقدرتش أستنى لما أرجع. قالت آمال بامتعاض: هو لسه حاطك في دماغه؟ ردت حنين بقلة حيلة: هعمل إيه؟ لازم أتحمل لحد ما ألاقي شغل مناسب. أنا هقوم بقى عشان أنام لأني تعبانة جدًا.
ربنا يقويكي يا بنتي، وينتقم منه قادر يا كريم، سيبي أمجد يبات معانا النهارده وروحي إنتي ارتاحي. عادت حنين إلى شقتها أو إلى أحزانها. فما أن تختلي بنفسها حتى تهاجمها ذكريات الماضي، ومنذ أن توفى والدها وتركها لعمها الذي أصبح المتحكم في كل شيء، حتى والدتها لم تستطع الوقوف أمامه وتركته يتحكم في أبنائها، وباسم أخيها الذي كان دائمًا حضن دافئ، وقف يشاهدها وهي تخرج مطرودة من المنزل ولم يستطع فعل شيء. فلاش باك.
بعد عقد القران وذهاب الجميع، نظر عمها إلى سالم بغضب وقال: هي هتنزل دلوقتي بشنطة هدومها، يعني لو كنت فاكر إنك هتطول حاجة من وراها، أنا بقولك متحلمش، لأن كل حاجة هنا في إيدي أنا، أنا المتحكم في كل حاجة. ولو... قاطعه سالم قائلاً بصدق:
أنا لما شفت حنين مكنتش أعرف هي مين ولا بنت مين، ولا هي نفسها كلمتني عن حياتكم. وأنا أصلاً مش عايز حاجة منكم غير حنين وبس. ولو كان على الفلوس بكلمة واحدة بس هيكون عندي فيلا زي فيلتك دي. بس أنا مش عايزها لأسباب شخصية. وأنا عرفت حنين بظروفي، مخبتش عليها وهي رحبت بكده، وأنا إن شاء الله هعمل اللي عليا عشان أسعدها. كل ذلك يحدث وحنين تقف أعلى الدرج تسمع حوارهم. فنزلت إليهم وقفت بجوار سالم وهي تقول بصدق:
وأنا مش عايزة حاجة غير وجودك في حياتي ومكتفية بيك. ثم نظرت إلى عمها وقالت: قبل ما تقول أي حاجة، أنا اللي اخترت وسعيدة جداً باختياري، وأنا اللي بقولك إني مش عايزة أي حاجة، وحقي أنا هسيبه لباسم. قال عمها بتأكيد: وده اللي هيحصل من غير ما تقولي. واتفضلي بقى من غير ما تطردي. ومأت له حنين لتخرج مع سالم بقلب منكسر وهي تنظر إلى حديقة منزلهم التي شهدت على اللحظات التي قضتها برفقة والدها. *** وفي م... إنتي بتقولي إيه؟
يعني إيه طلع متجوز وعنده ولد كمان؟ قالها قاسم بذهول عندما أخبرته الخادمة التي تعمل في منزل حسين المنشاوي، التي كلفها بنقل الأخبار وكل ما يحدث في المنزل. أيوة يا جاسم بيه، أنا سمعتها وهي بتطلب من جوز بنتها إنه يدلني على مصر عشان يجيبهم. ضغط قاسم على قبضته حتى ابيضت مفاصله وقال: طيب اقفلي دلوقتي لحد ما يوعد لك.
(قاسم الرفاعي يبلغ من العمر اثنان وثلاثون عاماً، طويل القامة، عريض المنكبين، ذو بشرة خمرية ولحية خفيفة تزين وجهه) أغلق قاسم الهاتف ليلقيه بغضب على الأريكة، وهو يتوعد لأخيه لعدم إخباره بشأن زواجه. لكنه أخطأ عندما ترك الأمر في يد أخيه. ما باله بالذهاب إليه؟ لكنه توقف عندما رأى زوجته زهرة تدلف إلى الغرفة وهي تحمل طفلها الصغير بتعب شديد، فأسرع إليها قاسم يأخذه منها ويسندها بذراعه، ناهراً إياها قائلاً:
إيه اللي خرجك من أوضتك بس يا زهرة، كده غلط عليكي. أجلسها قاسم على الأريكة وقدم لها كوباً من الماء، فتقول له بصوت واهن: اتوحشت مالك قوي، وانتوا منعينه عني، واتوحشتك إنت كمان. جلس قاسم جوارها يقربها منه ليضع رأسها على كتفه وهو يحتضن ابنهم، فيقول بأسف: غصب عني، لسه واصل دلوقتي من مصر وجاتني مكالمة مهمة، خلصتها وكنت جايلك طوالي. الدكتور جالك إيه؟ بلع قاسم غصة مؤلمة في حلقه وقال بحزن استطاع إخفاءه:
الحمد لله، الدكتور طمني، وجالي إن حالتك بتتحسن بشكل ملحوظ. رفعت زهرة رأسها لتنظر إلى عينيه التي لا تستطيع الكذب، لتبتسم بشجاعة زائفة: متحاولش تخبي عني، أنا عارفة كل حاجة. حاول قاسم التحدث، لكنها منعته بأن وضعت يدها على فمه تمنعه قائلة:
صدقني، أنا مش خايفة من الموت، بالعكس، ده هيكون رحمة لي من العذاب اللي بحس بيه كل ساعة وكل دقيقة. وبالنسبة لمالك، أنا مليش وجود في حياته عشان يحس باليتم، هو أصلاً يتيم من يوم ما اتولد، بس أنا حبيت أترك ذكرى مني تفتكروني بيها، وبدعي ربنا دايماً إنه يرزقكم باللي تعوضكم عن اللي قصرت فيه معاكم بسبب مرضي. ثم نظرت إلى ابنها الذي غفى في أحضان أبيه، فتقول بابتسامة صافية:
عايزة أموت على الصورة الجميلة دي يا قاسم، أرجوك متحرمنيش منها. صحح لها قاسم قائلاً بتمني: لا، هتعيشي عليها يا زهرة، إن شاء الله هتعيشي ومش هنكتفي بمالك بس، لإني واثق بإنك هتكوني أفضل أم. عادت زهرة تضع رأسها على كتفه وهي تتمنى بداخلها أن يمد الله بعمرها حتى تكتفي بذلك الحنان الذي يغدقها به، فقاسم القاسي الذي يهابه الجميع هو نفس الشخص الذي يجلس بجوارها يغدقها بحنانه اللامتناهي. ***
دلف حنين غرفتها كي تأوي إلى الفراش، لكن أوقفها طرقات مترددة على الباب، لتظن بأنها الحاجة آمال، فتضع الحجاب على رأسها وتفتح الباب لتتفاجأ بشاب في الثلاثين من عمره بملابس صعيدية يقف: السلام عليكم، مش دي شقة الأستاذ سالم؟ أومأت له دون النطق بشيء، ليظهر الإرتباك على وجهه وهو يقول بصوت متردد:
أنا عارف إن الوقت متأخر، بس الموضوع مسألة حياة أو موت، أنا خابر إنك هتتفاجئي بالكلام اللي هقوله دلوقتي، بس في واحدة على فراش الموت ورايدة تشوف حفيدها. *** وقفت نور مع الخادمة تساعدها في إعداد الطعام لوالدتها، لتدخل عليها سلمى متظاهرة بالقلق، وهي تود أن تعلم لماذا طلبت زوجة عمها مراد بذلك الحرص؟ ولما خرج من عندها متجهاً إلى القاهرة مباشرةً؟ مرات عمي عاملة إيه دلوقتي يا نور؟ نظرت إليها نور وقد فهمت مبتغاها، لتجيبها:
يدوبك افتكرتي؟ وبعدين الأوضة مش بعيدة عنيكي لو حابة صحيح تطمني عليها، روحي شوفيها. ام طبعاً هروح أشوفها، بس كنت عايزة أسأل هو مراد فين؟ أصلي من ساعة ما خرج من عند مرات عمي وهو ملوش أثر. زمت نور شفتيها لتجيبها باستياء: لو عرفتي يبقي خبريني أنا كمان. ووضعت الطعام على طاولة صغيرة وخرجت من المطبخ. ولجت نور غرفة والدتها لتجد زوجة عمها بجوارها، اقتربت منهم لتجلس بجوار والدتها لتطعمها بيدها، لكنها أبت قائلة:
لا مش هاكل شيء إلا أما أشوف ولد سالم الأول. قالت أم مراد وشقيقتها: متجلجيش يا ختي، مراد إن شاء الله هيجيبهم معاه. تدفقت العبرات من عينيها وهي تتخيل رفض زوجة سالم للمجيء، ومن يلومها على ذلك، فبعد تلك الأعوام تذكروا أن لهم ابنًا يريدون لقاءه، مؤكد سترفض المجيء.
خايفة قوي ترفض تيجي معاه، ومحدش هيقدر يلومها، ولا يلزمها بجيتها عند ناس تركوا ولدهم ومسألوش عليه، حتى مخدوش عزاه. بس ربنا عالم إني عملت كده لصالحه وبهدف إني أنقذه من الثأر اللي انكتب عليه، مكنتش خابرة إن الموت مكتوب عليه من قبل ما يتولد، سامحني يا ولدي، سامحني يا ولدي.
وأجهشت بالبكاء، حاولوا التخفيف عنها، لكن كيف لأم حُرمت من ولدها أن تجد شيئًا يستطيع التهوين عليها سوى رؤية ولده. وبعد معاناة منهم استطاعوا تهدئتها حتى نامت من شدة الإجهاد، ولم ينتبهوا لتلك التي تسترق السمع لهم، وقد ظهر الذهول عليها مما جعلها لم تنتبه لخروج والدتها من الغرفة، لتنتفض على يد والدتها التي جذبتها من ذراعها تعنفها قائلة: إنتي واقفة عندك بتعملي إيه؟ بتتصنتي علينا؟ ما زال الذهول مسيطراً عليها، لترد بدون وعي:
هو سالم ابن عمي مماتش وهو صغير زي ما خبرتنا؟ يعني قدرت تستغفل الكل المدة دي كلها، مطلعتيش هينة واصل يا خالتي. جذبتها أم مراد من ذراعها لتدلف بها الغرفة، لتزمجر بها قائلة بوعيد: إنتي خابرة لو خبرتي حد باللي سمعتيه ده هعمل فيكي إيه؟ أقسم برب العزة لخبر أبوكي وهو اللي يصطفل معاكي، أنا نبهتك وخلاص. وتركتها وخرجت من الغرفة، لتفكر سلمى كيف تستغل تلك الفرصة لصالحها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!