شئت أم أبيت لا تأخذ من الدنيا سوى ما كتب لك. قد يرى البعض أنها ليست عادلة، لكنه أيضاً لا يعلم أنها تأخذ القليل لتعطي الكثير دون أن نرى ذلك. تفاجأ الجميع بدخول فهد إلى المجلس بنظرة منكسرة لم يراها أحد من قبل، ليرد عليهم قائلاً: _أنا اللي قتلته. تسمر الجميع في أماكنهم وكأن على رؤوسهم الطير من هول الصدمة، ما عدا قاسم الذي كان يعلم بمجيئه.
وأول من خرج من صدمته هو مراد، الذي تراقصت الشياطين أمام عينيه وهو يرى قاتل ابن عمه يقف أمامه متبجحاً. فتسيطر عليه أشباح الغضب مخرجاً سلاحه، موجهاً إلى صدر فهد وهو يقول بغضب هادر: _يا… لكن يد حسن رفعتها لتنطلق الطلقة في سقف الغرفة، ويصيح به: _أنت بتعمل إيه؟ رد مراد بغضب: _هجتله زي ما جتل ولد عمي. تقدم قاسم منه ليأخذ السلاح قائلاً: _اهدى يا مراد وخلينا نتكلموا بالعجل. صاح به مراد ليقول بازدراء:
_معدش في عجل بعد اللي جولتوه ده يا ولد الرفاعي، ولازم ناخدوا بتارنا. رد قاسم بتعقل: _والآخر؟ هتوصلوا لحد فين؟ أنت خابر زين إن الثأر ملوش آخر وهيفضل لحد ما يطول عيالنا. أنا جايبكم النهارده عشان فهد أخويا رايد يكفر عن ذنبه، هيخرج الدية ويقدم كفنه. همهم الجميع بالرفض، لكن حسن أوقفهم قائلاً: _ومين جالك إننا هنجبله؟ اقترب منه قاسم ليقول بحكمة:
_العجل اللي بيجول مش إحنا. ولدك لو قتل أخويا هيقضي باقي عمره في السجن زي ما حصل مع أخوك. وفي نفس الوقت أنا مش هقف أتفرج على أخويا وهو بيتقتل قدام عيني حتى لو يستاهل. يبقى نقصر الشر ونتصالحوا. قال فهد بانكسار: _أنا تحت أمركم في اللي تقولوا عليه. نظر إليه قاسم، أمراً إياه بالصمت، وقال لمراد: _فهد قدم أرضه كلها لولد سالم، والصبح إن شاء الله هيقدم كفنه ونفضوا الثأر ده. قال حسن بحده: _أنت كده مش بتطلب منينا، أنت بتأمر.
نفى قاسم قائلاً: _الحكمة هي اللي بتأمر مش أنا. ها، جولتوا إيه؟ قالها قاسم وهو يجلس على مقعده ينتظر إجابة، حتى قال حسن: _سيبنا نتشاوروا ونرد عليكم. بس في حاجة مهما لازم تعرف. نظر قاسم إليه بترقب، ليتابع حسن: _سواء وافقنا أو رفضنا، إحنا بدنا ابن سالم. هيتربى وسط عيلته مش وسط الناس اللي قتلوا أبوه. ضرب قاسم بعصاه الأرض وهو يقول بحزم:
_ابن سالم مش هيفارق حضن أمه مهما حصل. وأي حد هيفتح الموضوع ده مرة تانية، أنا بنفسي اللي هخلف الاتفاق. قال حسن بغضب: _بس ده ولادنا. رد قاسم بلهجة حادة لا تقبل النقاش: _ولدكم ده ما يعرفش في الدنيا غيرها، ومش من حقكم ولا من حق أي مخلوق على وجه الأرض إنه يحرمه منها. وطول ما أنا عايش على وش الدنيا، محدش هيقدر يقرب منه. لم يستطع مراد التحكم في أعصابه أكثر من ذلك، فدنى من قاسم ليقول بحده:
_يبقى ناوي تكمل اللي عمك ما قدرش يعمله. رفع قاسم حاجبيه وهو يقول بصوت، رغم هدوءه، إلا أنه يحمل تعبيراً قاتلاً: _أنا لو رايد الأرض دي زي ما بتجول، ما كنتش في قوة في الأرض تقدر تاخدها مني. بالعقد القديم والعقد اللي سالم مضى عليه. بس وقت ما عرفت الحقيقة، رجعت الحق لصاحبه، وأخدت أرملة سالم وولده في حمايتي وتحت جناحي، وعاملتهم زي ولدي وأكتر كمان. قال قاسم كلمته الأخيرة وهو يخرج عقد التنازل الذي مضى عليه فهد،
ثم قدمه لحسن وقال: _ده عقد التنازل اللي مضى عليه فهد، أظن كده عملت اللي عليا وزيادة. القرار قراركم. _بتشتري سكاتنا بالأرض؟ قالها مراد الذي ما زال رافضاً ذلك الصلح. فيرد قاسم بغضب:
_أنا مش خايف منيكم عشان أشتري سكاتكم. ابنكم اللي خان وقبض تمن خيانته ليكم، ولولا غدره بينا كان زمانه دلوقتي بيتمتع بتمن خيانته. فهد أخويا ما عملش كده إلا لما ولدكم هرب بالعقد والفلوس، ولما فهد عرف مكانه وطلب منه فلوسنا رفض، وبدأت الخناقة بينهم وصلت إن فهد هدد بالسلاح، واللي حصل حصل. بس وقتها عاقبته وطردته من بيت أبوه وفرضت عليه إنه يطلع ديته ويبني مسجد.
كانت تستمع لكل ذلك وهي تبكي بصمت، تعاتب زمانها الغادر الذي يأبى أن يتركهم هانئين بعيداً عن الأحقاد التي تتربص لهم أينما كانوا. إلى متى سيظل يطاردهم بقسوته التي لا ترحم، حتى أصبحوا هم من يقسوا على بعضهم بعضاً. أحبها بكل جوارحه ووقف كأسد ثائر لحمايتها، وكان أباً لابنها الذي لا يعرف شيئاً عن والده سوى بعض الصور، واكتفى بقاسم أباً له. وبعد كل ذلك، تسقط في براثينهم وتحكم عليه دون أن تسمعه.
ليعاد المشهد مرة أخرى، لكن بضربة قاتلة أصابت رجولته. نعم، لم يسمعها عندما أقسمت أنها لم تفعل، لكنه أيضاً لم يستطع قتلها كما فعلت هي. واكتفى بعزلها عن الجميع. لم يطاوعه قلبه على فعلها. ولو كان سالم لقتلها دون شفقة ولا رحمة، دون أيضاً أن يستمع لها. حتى عندما نزفت وسارعت الموت، تناسى كل شيء وحملها مسرعاً كي ينقذها من موت محقق. حنين.
نست كل شيء في تلك اللحظة عند سماع صوته الذي أعاد إليها الحياة بعد أن فارقتها فور سماع صوت الرصاص. لم تعد تشعر بشيء سوى حضنه الذي تناست كل شيء بداخله. لا تعرف كيف وصلت إليه، لكن الأهم الآن أنها بين ذراعيه القويتين اللتين تصبحان ناعمتين عندما تحيطان بها، وكأنه يخشى عليها من حدتهما. أخفت وجهها في صدره وهي تعاتبه قائلة: _ليه عملت كده؟ كان ممكن يقتلوك. أبعدها قاسم عنه قليلاً كي ينظر إلى عينيها ويقول:
_حمل تقيل وقررت أخلص منه مهما كانت النتايج. مش عايز أمجد يعيش معايا ويتربى في حضني وأنا مخبي قاتل أبوه ومداري عليه. كان لازم أعترف بالحقيقة كلها عشان ضميري يرتاح. قالت حنين وعبراتها تتدفق بغزارة: _خفت عليك قوي. ابتسم قاسم بسعادة وقال:
_متخفيش يا قلبي. والصبح إن شاء الله هاخد فهد والرفاعية كلهم، وأخلي فهد يقدم كفنه وعقد التنازل. إذا قبلوه يبقى نكمل حياتنا مع أولادنا من غير خوف ولا جلج. وإن رفضوا، مش هقدر أسيبهم يقتلوا أخويا. قطبت حنين حاجبيها بعدم استيعاب. كيف يقف بجوار من حاول قتله والتخلص منه بكل الطرق حتى وصلت إلى قتلها هي. هل هي طيبة مفرطة، أو أصالة نادرة وجودها في عالمنا هذا. هي فتساءلت بحيرة:
_بس ده فهد اللي حاول يتخلص منك وكررها معايا. إزاي تسامحه بسهولة كده وكمان تدافع عنه؟ رد قاسم بحيادية:
_أنا مش بدافع عنه بس، أنا كمان بدافع عن أولادنا اللي نار الثأر هتطولهم. وممكن في يوم تلاقي أمجد ومالك وجفين قصاد بعض، كل واحد فيهم بيطالب بالقصاص من الثاني. وبعدين فهد أخد جزاته وزيادة، ورجع فعلاً ندمان. وأكبر دليل على كده إنه اتنازل عن أرضه لأمجد وهمل البلد كلها. أشد عذاب يا حنين هو عذاب الضمير. صدقيني ما بيرحمش. وبعدين عمر الدم ما يبقى مايه. وضعت رأسها على صدره وقالت بخوف:
_بس أنا خايفة أوي يا قاسم. مراد رغم طيبته إلا إنه زيك مش بيسامح بسهولة. ابتسم قاسم وقال: _مراد ده أنا أكتر واحد خابره، وخابر زين إنه حكيم وحكمته سابقة عجله. مش هيقدر واصل يخاطر بأجيال جاية عشان عرف وثأر. صدقيني مش هيقدر. قبل قاسم رأسها بحب وقال: _جلتلك طول ما أنا عايش، متخفيش من أي حاجة. مسحت وجهها في صدره كالقطة تعاتبه على ما فعله بها وقالت: _خفت يا قاسم، خفت أوي كمان. على قد طبطبك، على قد قسوتك.
رفع قاسم وجهها إليه لينظر في عينيها بندم قائلاً: _غلطت وندمت، بس الغلط الأكبر عليكي. أنتِ اللي شكيتي فيا، وشكك ده خلاني أنا كمان أشك. جلتلك قبل كده بلاش تخبي عليا حاجة، لأني خابرهم زين وخابر لاعيبهم. بس للأسف أنتِ اللي زرعتي الشك جوايا. بعدك عني، رفضك إني أقرب منك، التليفون اللي ما كانش بيفارقك، لونك اللي بيتخطف لما بتوصلك رسالة. لو كنتِ وثقتي فيا وواجهتيني، ما كانش كل ده حصل. تهربت بعينيها منه وقالت بندم مماثل:
_كنت عايزة أتأكد الأول وبعدين أواجهك. قال قاسم بعتاب: _وأنتِ تصدقي إني أعمل كده؟ رفعت نظرها إليه وأرادت أن تخبره أنها لم تصدق ذلك، لكنها أرادت التأكد عندما قدمت إليها الدلائل. كانت تود أن تواجهه بذلك، لكنها كانت تخشى من غضبه وما قد يفعله حينها، فقالت: _خفت منك يا قاسم، وخفت من رد فعلك. أنت مبقتش بتتحكم في أعصابك ومن أقل موقف بتثور من غير ما تفهم. عشان كده استنيت لما اتأكد. تنهد قاسم بتعب وقال:
_أنا فعلاً خطفته، بس مش عشان أعاقبه زي ما أنتِ فاهمة. لأ، عشان باسم دماغه ناشفة و متهور ومش هيرضى يسمعني. فكان لازم أعمل كده عشان أقوله على جوايا. تنهد بتعب وقال:
_غلطنا والتمن كان قاسي أوي علينا، بس صدقيني أنا لما مديت إيدي عليكي، كانت بتنزل بسوط من نار تجوي قلبي ومقدرتش أعمل حاجة غير إني أحبسك معايا في نفس المكان. كنت مجروح في كرامتي ورجولتي، ومع ذلك مجدرتش آذايكِ. ولما شوفتك بتتألمي، صرخاتك كانت سكاكين بتمزع في قلبي، بس كنت بقاوم لأني لسه مجروح. بس وقت ما شوفتك بتضيعي مني، نسيت كل حاجة وكل همي إنك تعيشي، حتى لو هتجرحي على إيدي، بس المهم تعيشي.
تساقطت عبراتها بحزن من كلماته التي لامست شغاف القلب والروح. فهو سيظل معشوقها مهما فعل ومهما حدث. مسحت عبراتها التي تدفقت بغزارة على وجنتيها وقال: _كفانا بكى لحد كده، وخلينا نحذف اللي فات من حياتنا ونبدأ صفحة جديدة مع أولادنا. ابتعد عنها قاسم عندما سمع صوت عمران يناديه، فنظر إليها قائلاً: _اطلعِ فوق دلوقت وأنا جايلك. تمسكت حنين بملابسه وقالت بخوف: _متسبنيش. ابتسم لها قاسم بحب وقال: _جلتلك متخفيش.
أومأت له حنين وتركته ليذهب، وهمت هي بالصعود. لكن ذلك الصوت الغادر لاحقها قائلاً: _إني آسف. تسمرت حنين في مكانها عندما علمت بهويته، وأرادت الهرب إلى أحضان قاسم تحتمي به. لكن عليها أن تكون أقوى من ذلك وتواجه مخاوفها، حتى لا يظل خوفها عبئاً على كاهله. فألتفتت ناحيته لتجده خافضاً عينيه بخزي وقال: _خابر زين إني مهما أتأسف مش هيشفعلي عندكِ، بس ربنا انتقم لكِ مني أنا وعمي. لم تتعاطف حنين مع انكساره، بل شعرت بالاشمئزاز منه
يزداد أكثر وقالت بازدراء: _إيه؟ مسلسل تاني عايز تعمله عليا؟ هز فهد رأسه بانكسار وقال: _حقك يا بنت الناس، متصدقنيش. بس أنا خلاص لو انكتب لي عمر جديد، هرحل من هنا ومش هعاود تاني. بس كنت رايدك تسامحيني. هزت حنين رأسها برفض وقالت: _مستحيل أسامحك. وبالنسبة للأرض اللي اتنزلت عنها لابني، أنا مش عايزاها وهرجعها لك تاني. ابتسم فهد بحزن وقال: _وأنتِ صدقتي جاسم؟ ضيقت عينيها تستفهم منه معنى كلماته، فيردف هو:
_لسه زي ما هو، ما اتغيرش. تنهد بتعب وأكمل:
_قاسم اشترى مني الأرض دي بيع وشراء وخلاني كتبت التنازل عنها باسم أمجد ابنك. زي بردوا ما عمل مع عمي وكتبها باسمكِ. وأجبره إنه يسيب البلد عشان يكون انتقامكِ بحق مننا. أما بالنسبة لسكوته على حقيقة سالم لحد دلوقتي، لأنه ما قبلش يشوه صورة سالم قدام ابنه لما يكبر ويعرف الحقيقة. بس لما قرر يعترف، كان عشان يهدّي نار المنشاوية وما يصروش على الثأر. ولولا كده، كان زماني أنا وجاسم مقتولين دلوقتي.
وقفت تستمع إليه وهي لا تصدق ما تسمعه أذناها. هل حقاً فعل كل ذلك لأجلها ولأجل ولدها؟ هل قام بشراء تلك الأراضي كي يهديها لابنها وينتقم له ممن فعلوا ذلك بوالده؟ _حنين، أنتِ لسه واقفة مكانك؟ قاطع شرودها صوت قاسم الذي عاد إلى الداخل ليراها واقفة بشرود، فنظرت إليه قائلة عندما تأكدت من عدم رؤيته لفهد، وهي تندفع لتعانقه: _ما رضيتش أطلع من غيرك. ابتسم قاسم بسعادة وأحاطها بذراعيه قائلاً:
_على العموم، لسه بدري. تعالي بقى أفرجك على الفرش الجديد، يارب ذوقي يعجبك. ردت حنين بصدق: _أي حاجة إيدك بتلمسها، بيبقى ليها شكل تاني يا قاسم. اتسعت ابتسامته وقال: _عملت إيه بقى عشان أسمع الكلام الزين ده؟ أغرقت عيناها بالدموع وقالت: _كل حاجة يا قاسم، كل حاجة. شعر قاسم بالقلق عليها عند رؤيته لدموعها، فقام بمسحها بإبهامه وقال: _مالك يا قلبي بتعيطي ليه؟ هزت رأسها بالنفي وقالت بخوف: _خايفة من اللي ممكن يحصل بكرة.
قبل قاسم جبينها بلهجة واثقة بثّت الاطمئنان بداخلها: _متخفيش، إن شاء الله خير. مراد عاجل، والحاج حسن أعجل منه. ما تقلقيش. تذكرت حنين أمر أولادها، والأهم كيف جاءت إلى هنا. فنظرت إليه لتقول بحده: _قاسم، أنت جبتني هنا إزاي؟ وفين ولادي؟ رفع قاسم حاجبيه مندهشاً من تحولها، من تلك القطة الهادئة إلى قطة شرسة وقال: _أنتِ بتتحولي ولا إيه؟ ما تهدّي كده وتكلمي زين زي ما كنتِ. ازداد غيظها من رده وقالت بتحذير: _قاسم. رد بلؤم:
_عيونه. ضحكت حنين من مرحه الذي تعلم علم اليقين أنه يخفي قلقاً كبيراً مما يخفيه الغد. وقالت: _ما جبتش الولاد معانا ليه؟ وإزاي قدرت تسيب زهرة لوحدها؟ تنهد قاسم ليقول بجدية: _مينفعش أجيبهم إلا لما الأوضاع تهدى وأحس إنهم هيكونوا في أمان. وجتها هجيبهم. _طيب جبتني هنا إزاي؟ غمز لها قاسم بعينيه وقال: _ليا طريقي اللي محدش يعرفها. تحبي تجربيها تاني؟ ابتعدت عنه حنين بخوف وقالت: _لا، متشكره. أنا طالعة أوضتي.
ارتمت حسنة على الأريكة ولم تعد قدماها تحملها من شدة الصدمة التي تلقتها. فالذي حرمته من حضنها لأجل حمايته من نيران الانتقام، سعى هو خلفه حتى ينتقم منها. وياليته وجد طريقة أخرى سوى ذلك. _هنعملوا إيه دلوقت يا بوي؟ تنهد حسن بتعب ونظر إلى حفيده الذي غفى بين يدي والدته، ثم إلى حسنة التي ألجمتها الصدمة وجعلتها غير مدركة لما يدور حولها. ثم قال:
_مش عارف يا ولدي. بس لو فكرنا بالعجل، هنجول إن عرضهم هو أنسب حل دلوقت. ومتنساش إنه هو اللي راحلهم برجله. صاح مراد بغضب: _يقوموا يقتلوا ببساطة كده؟ _اهدى يا مراد. الأمور اللي زي دي متتخدش كده. عايز تاخد بتارك، اتفضل اقف قدام جاسم ونعيدوا الثأر من أول وجديد لحد ما يروح فيها ولدك، ومن قبله ولد سالم، ونكمل السلسال. نهض مراد من مقعده وهو يقول بألم: _يعني نسيب دمه يروح هدر كده؟ نفى حسن قائلاً: _ومين جالك إنه راح هدر؟
هما بنفسهم اللي جايين بكفنهم لينا. وغير الأرض اللي اتنازلوا عنها لولد سالم ومرته، يبقى عايزين إيه تاني؟ كانت حسنة تستمع إليهم بقلب ممزق. وأرادت في تلك اللحظة أن تنتقم هي لولدها من قاسم وأخيه. لكن شيئاً واحداً يمنعها، وهو مواصلة الثأر، وليس منها بل سيكون مراد على أول القائمة. فقالت بتعب: _نوافقوا، بس بشرط؟ نظر إليها الجميع، لتتابع: _يرجع لنا ولد سالم يعوضني عن أبوه. نظر حسن إلى مراد بصمت، ثم قال لحسنة:
_إحنا بردك قولنا كده. بس هو رفض الشرط وقال إنه مينفعش نبعده عن حضانة أمه، وإحنا نفسنا ما نجبلهاش. ردت حسنة بإصرار: _هو ده شرطي. يا إما ولد سالم يعيش معانا، يا إما أنا بنفسي اللي هاخد تار ابني. قالت نور برفض: _لا يا أمي، حرام نحرمه من أمه وهي اللي بتجيله. مش يبقى يتيم الأب والأم. اشاحت حسنة بوجهها بعيداً عنها، فتردف نور:
_يما الله يرضى عليكِ، وافقي وخلينا نعيشوا في أمان وكفاية لحد كده. ولو رفضتي، أنا اللي هاخد جوزي وابني ونهمله البلد والنار اللي هتحرقنا كلياتنا، وأولهم ابني. ردت أم مراد مؤيدة لرأيها: _عين العجل يا بنتي. نظرت إلى حسنة موبخة إياها: _كفاية بقى يا حسنة وسيبنا ننام وإحنا مطمنين على ولادنا وكفايانا خوف وهم. قال مراد باستسلام: _صح يا مرات عمي، كفايانا لحد كده.
لم تقتنع حسنة برأيهم، لكن ما باليد حيلة، لتستسلم في النهاية وترضى بما فُرض عليها. *** استيقظت حنين صباحاً وهي تتحس مكانه، لتنتفض بخوف عندما وجدت مكانه خالياً. أسرعت لتبحث عنه في المنزل، لكن لا أثر له. فعلمت حينها أنه ذهب إلى المنشاوية كما أخبرهم أمس.
انقبض قلبها خوفاً عليه، ولم تستطع البقاء في المنزل، فتقرر الذهاب إليه، ومهما كلفها الأمر. قامت بتبديل ملابسها وخرجت مسرعة من المنزل، لتتفاجأ برجال قاسم يمنعونها من الخروج. فقالت بغضب: _أوعى من قدامي. اخفض الرجل عينيه بإحراج وقال: _معلش يا ست هانم، بس جاسم بيه محرج علينا ما نسيبكيش تخرجي من الدار. أزاحته حنين من أمامها وهي تعاند: _طيب وريني هتمنعني إزاي؟ نظر الرجل الآخر إليه وقال بخوف:
_تعالي نمشوا وراها ل قاسم بيه يقطع رجلينا. أومأ له الرجل وذهبوا خلفها. *** في منزل المنشاوية، وقف قاسم وفهد الذي يحمل كفنه بيده، وبعض رجال الرفاعية أمام منزل حسن المنشاوي. وعندما خرجوا إليهم قال قاسم: _أنا جبت أخويا عشان يقدم كفنه ويطالب بالصلح ما بين العيلتين زي ما اتفقنا. جولت إيه يا حاج؟ _بس أنا مش موافق يا ولد الرفاعي. قالتها حسنة وهي تظهر من خلفهم، لينصدم الجميع من فعلتها ويقول مراد:
_أنتِ بتعملي إيه يا مرات عمي؟ وقال حسن بحده: _اعقلي يا أم سالم وخلينا ننهي الموضوع ده. صاحت حسنة بغضب: _لو أنتوا عايزين تسامحوا، سامحوا. بس إني مستحيل أسامح في حق ولدي اللي جتلوا وحرقوا قلبي عليه. وصلت حنين لتشاهد أم سالم وهي تقف أمام قاسم بتحدٍ. فلم تتمالك نفسها واندفعت بدون وعي، ترمي في حضنه أمام الجميع، وخاصة حسنة التي صدمت لرؤيتها ترمي في أحضان قاتل زوجها لتحميه. وسمعتها تقول بخوفٍ عليه:
_جولتلك يا قاسم مش هيسكتوا. أبعدها قاسم عنه قليلاً وهو يقول بحده لكن هادئة: _إيه اللي جابك هنا؟ قالت حنين ببكاء: _مقدرتش أستنى، خفت عليك. هز رأسه بيأس منها، ثم أخذها خلفه وهو يقول لحسنة التي ازداد إصرارها على أخذ بتار ولدها:
_إحنا لو فكرنا فيها هنلاقي إن الثأر متساوي. اتنين قصاد اتنين. ومع ذلك جايين إحنا نقدم كفنا لأن إحنا اللي بدينا ولازم إحنا اللي ننهي. عايزه تاخدي تارك من أخويا، اتفضل، بس بعد ما تعدي على جثتي. ولو بعده يبقى مالك ولدي ياخد تاره من أمجد حفيدك، ومعاه ولد مراد، ويبقى بردك اتنين قصاد اتنين. أغمضت حسنة عينيها بحزن عميق من ذلك القيد الذي التف حول عنقها. فلم تجد بيدها شيئاً سوى الانتقام منهم بأخذ حفيدها. وقالت:
_يبقى تدوني ولد سالم يعوضني عن أبوه. عند تلك النقطة، لم تستطع حنين البقاء صامتة وتقف أمام قاسم تنظر إلى حسنة بتحدٍ قائلة: _أنا مستحيل أسيب ابني. نظرت إليها حسنة بسخرية وقالت: _بس أنتِ مالكيش حق بعد ما نسيتي ابني ورميتي نفسك في حضن ابن الرفاعي. هم قاسم بالدفاع عنها، لكنها منعته لتقول هي:
_ابن الرفاعي ده أنتوا اللي أجبرتوني عليه، وقولتولي إنه الوحيد اللي هيقدر يحميكي. ودي فعلاً الحقيقة. أنا ما حسيتش بالأمان غير وأنا معاه. قاسم اللي واقفة قدامه ده هو اللي أصر إنه يرجع أرضكم لما عرف الحقيقة، وهو اللي أخفى حقيقة ابنك عشان ما يجرحكيش، مع إنه كان قادر يستغلها ضدكم. بس سكت عشانك، وبعد كده عشان ابنه.
هي تعلم جيداً أنها على حق، لكن النيران التي تشتعل بداخلها وهي ترى زوجة ابنها وحفيدها في أحضان من قاموا بقتله، تجعلها ترفض ذلك الصلح وتصر على الأخذ بثأره. لكن عليها الرضوخ حتى تنقذ أحفادها من تلك النيران التي ستحرق في طريقها الأخضر واليابس. أخفضت يدها وهي تقول بانكسار: _لإني قلبي حنين لرؤيتها بهذا الشكل. فأقتربت منها لتقول بتعاطف:
_وأنا مقدرش أمنعه عن أهله وعزوته، واللي أنا وافقت إني أفضل هنا عشانهم. وقولتلك قبل كده وقت ما تحبي تشوفيه، آمرِ وأنا هبعتهولك. كأنك تاخديه مني ده مستحيل. طلقة نارية صدحت، ليتوقف قلبهم وهم يرونه يسقط أرضاً دون حراك. فأسرع…
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!