الفصل 31 | من 33 فصل

رواية لا تلتمس مني حبا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
17
كلمة
3,480
وقت القراءة
18 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

شعرت من نظراته ما يود فعله، لكن رغم رغبتها هي أيضاً في ذلك إلا أنها غير مستعدة بعد. نعم، كل شيء حولها يؤكد بأنه زوجها، لكن الأهم أن تتيقن هي بذلك. ما زال الخوف من القادم مسيطراً عليها، وشبح الماضي الخفي لا تعرف ما يخبئ له. لن تتسرع في شيء ربما يجعلها تندم عليه لاحقاً. لا تنكر أن حبه الذي دُفن في ذكرياتها بدأ بالخروج رويداً، لكن عليها التمهل حتى لا تندم فيما بعد. وضعت يدها على فمه تمنعه من الاقتراب، وانسلت

من بين يديه قائلة بإحراج: _مينفعش نقف كده ونسيب زهرة لوحدها. همت بالخروج، لكنه وقف أمامها يمنعها قائلاً: _بتهربي مني ليه؟ عاد يقربها منه ثانية، ونظر في عينيها التي كانت وما زالت هي منبع عشقه، وتابع: _حنين، انتي مراتي. أخفضت عينيها إحراجاً منه، لكنه أمسك ذقنها يجبرها على النظر إليه وقال: _متهربيش مني واحكي اللي جواكي. عايز أعرف إذا لسه بتحبيني ولا قلبك كمان فقد مشاعره.

تاهت الحروف في حلقها لفرط اضطرابها من نظراته التي لا ترحمها، وكأنه يعلم جيداً أن تلك العيون قادرة على أن تحطم ذلك الجدار الذي تخبئ مشاعرها خلفه. أشار لها بعينيه أن تخرج ما بداخلها، فتقول دون إرادة منها: _مش عارفة أحكم على شعوري نحيتك، بس كل اللي أقدر أقوله إنك بقيت شيء أساسي في حياتي. مش من ذكريات القلب، لأ، دا شيء جديد بيتولد جوايا.

أسرعت بالخروج من المطبخ قبل أن يوقفها، وأخذت ابنتها وزهبت بها الغرفة، وتترك هو في حيرة من أمره، هل يسعد بأن الماضي أغلق تماماً وهما الآن في طريقهم لحياة جديدة أفضل، أم أن الماضي سيظل يطاردهم أينما ذهبوا. ***

ظلت حتى الآن تنكوي بنار غضبها، توعد لمن أذلها أمام الجميع، وطرد والدها من أرضه وبلده كما فعل مع أخيه لأجلها هي. لم تنجح مرة واحدة في التخلص منها، وخطتها التي دبرتها بمهارة لكي يتخلص منها بيده، ضعف أمامها واكتفى بعزلها عن الجميع. وهو الآن ينعم بفرصة جديدة أتيحت له. لكن إلى أين؟ ستظل خلفهم وتتخذ علتها ضربة أخيرة تدمر بها كل شيء، وبعد ذلك ستسافر هي دون عودة بعد أن تقتص لكرامتها. ***

سافر قاسم تاركاً فراغاً كبيراً يزداد كل دقيقة تمر عليها، وكأن قلبها كان ينتظر ذهابه حتى يدق بذلك العنف يطالب بعودته. طال غيابه الذي استمر أسبوعاً كاملاً. كان يحدثها كل يوم، وفي كل مرة تريد أن تخبره بما تعانيه بدونه، لكنها تتراجع كعادتها. أخرجها من شرودها أمجد الذي جلس بجوارها وهو يحمل كراسة الرسم خاصته، فيقدمها إليها قائلاً: _ماما، أنا رسمتك انتي وبابا قاسم. نظرت إليها حنين بحب وقالت:

_جميلة يا حبيبي، وبابا لما ييجي هيفرح قوي بيه. بس ليه مرسمتش زهرة؟ ومالك؟ مش المفروض نرسم كل اللي بنحبهم؟ أومأ أمجد وقال: _خلاص، أنا هرسمنا كلنا مع بعض، وهنرسم بابا سالم وطنط زهرة عشان هما كمان بحبهم. رددت حنين تلك الأسماء وشعرت برجفة تنتابها عندما ظهرت بمخيلتها بعض الصور لأشخاص لا تعرفهم. شعرت بألم شديد في رأسها، حتى أنها لم تشعر بدخول والدتها، التي ما أن رأتها بتلك الحالة حتى أسرعت إليها بخوف:

_حنين، مالك يا حبيبتي؟ نظرت إليها حنين باستنجاد كي تخرجها من تلك الدوامة، وقالت: _مفيش يا ماما، أنا كويسة. بس حاسة بصداع شديد. قالت هالة بخوف: _تحبي أتصّل على باسم؟ هزت رأسها بالرفض، وقالت: _لأ، أنا كويسة. متقلقيش، أنا هاخد حبّة مسكّن وهكون كويسة. نهضت حنين فتشعر الأرض تميل بها قبل أن يلفها الظلام. *** فتحت حنين عينيها بتثاقل، فيقع نظرها على باسم، الذي ما أن فتحت عينيها حتى قال بلهفة: _حنين، انتي كويسة؟

هزت حنين رأسها دون أن تقوى على التحدث. فعاد يسألها: _حاسة بأي ألم؟ أومأت حنين وقالت بصوت واهن: _صداع. _طيب، ارتاحي دلوقتي وأنا هفضل جنبك. عادت حنين للنوم، وأشار باسم إلى والدته بالخروج معه، وسألها: _إيه اللي حصل؟ شرحت له والدتها ما حدث، فبدأ القلق يساوره، فقال: _فين جوزها؟ _لسه مرجعش. _طيب، أنا راجع المستشفى دلوقتي، ولما تصحى كلميني عشان أعملها شوية فحوصات. أومأت والدته بقلق، ثم عادت إليها. ***

انتهى باسم من عمل الفحوصات اللازمة، وجلست حنين مع روان تنتظر باسم أن يعيدها. وبعد انتهائه، دخل ليجدهم يتسامرون معاً، فقال بمرحه المعتاد: _بتنموا على مين؟ ردت حنين بضحك: _عليك انت، هو في غيرك. قال باسم وهو ينظر إلى روان: _بتوصيكي عليا، مش كده؟ ردت روان: _أكيد طبعاً، متقلقش. المهم، عملت إيه؟ رد باسم بجدية: _الحمد لله، الفحوصات كلها زي الفل. وبالنسبة للي حصل ده، ضغط نفسي مش أكتر. قالت حنين بضجر: _هفضل كده لحد أمتى؟

ردت روان: _يا حبيبتي، دا فقدان ذاكرة جزئي. في ناس بتعود عليها بعد يومين، وناس تانية بعد شهور. بس في الآخر بترجع عادي. أكد باسم: _بالظبط كده، وإن شاء الله هترجع قريب، بس انتي متضغطيش على نفسك، سيبى نفسك خالص وكل حاجة هترجع لطبيعتها.

عادت حنين إلى المنزل، وشوقها له يزداد أكثر وأكثر، تنتظر مكالمته على أحر من الجمر. طال غيابه وكأنه يتعمد ذلك كي يخرج عشقها المكبوت بداخلها. فليعود إذا، فقد نجح مخططه وجعل قلبها يأن عشقاً وشوقاً إليه. عشرة أيام لم تذق فيهم طعم الراحة. اليوم ستعترف له، ستطلب منه العودة دون خجل أو حياء. لم تعد تستطيع صبراً.

توقف قلبها عن النبض عندما سمعت صوت إغلاق الباب، فأسرعت بالخروج لتتأكد بنفسها. فوجدت قاسم جالساً على المقعد بتعب. نظرت إليه باشتياق ونطقت اسمه بهمس، سمعه هو فنظر إليها باشتياق أقوى، وخاصة عندما سمعها تقول بحياء: _حمد لله على السلامة. اتسعت ابتسامته وهو يرد بسعادة: _الله يسلمك. تقدمت منه حنين بحياء وقالت: _أحضرلك العشا؟ رفع حاجبيه بلؤم، وقد شعر ببادرة أمل، وقال: _يا ريت، من زمان أوي ما أكلتش من يدك.

_طيب، غير هدومك لحد ما أجهز العشا. أومأ له قاسم بسعادة، ودلف غرفته ليأخذ حماماً دافئاً، لعله يريحه ولو قليلاً. فقد ضغط على نفسه في العمل حتى يستطيع العودة إليها بأسرع وقت. فقد قام بتغيير أساس المنزل وكل شيء يذكرها بالماضي، مقرراً العودة إلى البلدة التي لا يستطيع البعد عنها أكثر من ذلك. وقفت حنين تحضر الطعام، ولم تنتبه لذلك الذي وقف يراقبها بحب وشوق، حتى شعرت به يقف خلفها هامساً بجوار أذنها: _وحشتيني.

تصلبت حنين بين يديه، وأرادت الهرب من حصاره، لكنه لفها لينظر إليها ويقول بهمس قاتل وانفاسه تلفح وجهها: _وحشتيني أوي يا حنين. رمشت بعينيها مرات متتالية تحاول السيطرة على تلك الرجفة التي انتابتها، وقالت بخجل: _وانت كمان. رفع حاجبيه مستفسراً: _انت كمان إيه؟ أخفضت عينيها إحراجاً منه، لكنه لم يرحمها وقال بلؤم: _مش كفاية بقى؟ ازدادت وتيرة تنفسها من همسه الذي يسحرها، وردت بهمس مماثل: _كفاية إيه؟ قبل قاسم وجنتيها بعشق جارف،

وقال: _كفاية بعد. أنا خلاص مبقتش قادر أتحمل أكتر من كده. أغمضت حنين عينيها كي تحاول مقاومة تلك المشاعر التي تواجهها، فنظرة واحدة منه قادرة على إسقاط ذلك الجدار الذي تتدارى خلفه. _افتحي عينيكي. فتحت حنين عينيها لتواجه تلك العيون التي لا ترحم، وياليتها لم تفعل... "كفاية كده، ملناش دعوة بيهم." ***

استيقظت حنين صباحاً لتجد نفسها بين ذراعيه. تسللت بهدوء من جواره، وذهبت إلى غرفتها كي تحاول استرجاع تلك اللقطات التي دارت بمخيلتها وهي معه. أحداث مماثلة، لكن مع شخص آخر، شخص أكثر حدة في تعامله، وهي كانت مستسلمة لا حيلة له. ماذا يحدث؟ من هذا الشخص؟ ماذا حدث لها؟ هل كانت متزوجة من قبل؟ تريد إجابة لتلك الأسئلة. شعرت بألم حاد في رأسها، وأرادت أن تذهب إليه تسأله، لكن كيف ذلك؟ كيف تضغط على رجولته وتخبره بذلك؟

تلاعبت بها الظنون حتى ظنت أنها ربما تكون خائنة. أخرجها من ذلك العذاب صوت طرقات على باب المنزل. نظرت إلى ساعتها، فوجدتها السادسة صباحاً. ذهبت لتفتح الباب، فتجد فتاة لم تعرفها تنظر إليها بابتسامة باهتة، وهي تقول: _ازيك يا حنين؟ رحبت بها حنين بجهل، قائلة: _أهلاً بيكي، اتفضلي. دَلفت ياسمين وهي تنظر إلى الشقة باستهزاء، وقالت: _أومال قاسم فين؟ أشارت لها حنين بالجلوس، وردت: _قاسم نايم، عايزاه في حاجة مهمة؟

جلست ياسمين على الأريكة، وقالت: _لأ، أنا أصلاً مسافرة، وقولت أعدي أسلم عليكم قبل ما أمشي. انتي طبعاً مش فكراني. هزت حنين رأسها بصمت، لتردف ياسمين: _أنا ياسمين، بنت عم قاسم، وأخت زهرة مراته الله يرحمها. قبضت جبينها بعدم فهم، وقالت: _زهرة! مراته! تصنعت ياسمين الدهشة، وقالت: _إيه ده؟ هو انتي متعرفيش؟ ضيقت حنين عينيها تحاول عصر ذاكرتها، فتتابع ياسمين:

_أنا سمعت إنه سمى بنتكم على اسمها. حبيبتي يا زهرة، أصله كان بيحبها أوي، ملحقتش تفرح بمالك، وماتت بحسرتها لما اتجوزك عليه. رمشت بعينيها مرات متتالية تحاول استيعاب ما تقوله. من هذه الفتاة؟ ومن زهرة؟ ومن مالك؟ أليس هو ابنها؟ يكفي حتى الآن، لن تستطيع تحمل المزيد. أخذ الصداع يشتد عليها، حتى وضعت يدها على رأسها، ولم ترحمها تلك البغيضة لتتابع ببث سمها:

_أنا كنت واثقة من كده، كنت عارفة كويس إن قاسم هياخد اللي حصلك ده فرصة عشان... صاحت بها حنين: _كفااااية! نظرت إليها بسخرية لاذعة، وقالت: _قاسم اللي كنتي نايمة في حضنه ده هو السبب في موت أبو ابنك اللي هو أمجد. ولما عرفتي الحقيقة، ضربتيه بالنار في صدره. زدادت وتيرة تنفسها عندما تذكرت تلك الندبة الموجودة فوق قلبه.

_أنا شايفه إن كفاية عليكي لحد كده، لأنك مش هتتحملي الباقي، وخاصة لو عرفتي إنه كان هيقتلك لما عرف علاقتك بفهد أخوه. نهضت ياسمين وتابعت: _يبقى سلميلي عليه لما يصحى.

خرجت من المنزل لتترك حنين في صدمة جعلت تنفسها يضيق، والرؤية أمامها أصبحت باهتة. رمت على المقعد وهي تعصر عينيها التي ترى أحداث متقطعة لا تستطيع جمعها. سقوط قاسم إثر طلقة نارية أصابت صدره، لكن لا ترى الفاعل. ولقطات أخرى تتلقى فيها ضربات موجعة منه. هزت رأسها تريد نفض تلك الأحداث من رأسها، لكنها تتزايد، وهي على الفراش تصرخ من الألم، وهو واقفاً أمامها بجمود قاتل. يكفي، لن تستطيع تحمل المزيد. يكفي حتى الآن. ***

استيقظ قاسم من نومه ليجد نفسه وحيداً دونها. بحث عنها بعينيه المتلهفة لرؤيتها، لكنه لم يجدها. خرج من الغرفة يبحث عنها، حتى وجدها جالسة على الأريكة في وجوم. تقدم منها ليجلس بجوارها محيطاً إياها بذراعه، قائلاً: _مالك يا حبيبتي قاعدة لوحدك إيه؟ لم تجبه، وظلت صامتة تنظر أمامها في صمت مطبق، مما جعله يشعر بالقلق عليها. فعاد يسألها: _حنين، انتي كويسة؟

نظرت إليه حنين بجمود، وقد تذكرت كل شيء. عادت إليها ذكرياتها، وياليتها لم تعد. _لا، مش كويسة. من وقت ما دخلتوا حياتي وأنا مش كويسة. اهتزت نظرات قاسم وانخفق قلبه خوفاً، وقال: _حبيبتي، مش فاهم. في إيه؟ نظرت إليه حنين بازدراء، وصاحت به قائلة: _في إني للأسف افتكرت كل حاجة.

توقف قلبه عن النبض لحظات، وشعر بانتهاء كل شيء حاول التماسك به قدر الإمكان، لكن القدر يلعب دوره بمهارة. حاول التحدث والدفاع عن نفسه، لكن الكلمات توقفت في حلقه، فلم يجد ما يدافع به عن نفسه. كانت عينيها قاسية لا ترحم، والنظرة الازدراء التي تملؤها تمزق قلبه. ولا يلومها على ذلك، تلك المرة هي محقة في كل شيء. وإن أرادت الابتعاد، لن يستطيع منعها. _حنين، أنا... قاطعته حنين بحدة:

_متقولش حاجة. سكوتك أنسب حاجة دلوقتي، لأن كلامك مش هيزود شيء. نهضت من جواره، وقفت أمامه بتحدٍّ، وقالت: _طلقني يا قاسم. سقطت تلك الكلمة كالصاعقة على قلبه، وأراد أن يعاقبها بطريقته على نطقها، لكنه تماسك قائلاً برجاء: _حنين، خلينا ننسى كل شيء ونبدأ مع بعض صفحة جديدة. أنا انتقمت لكم منهم وأخدت حقك... قاطعته حنين بحدة: _وأنا انتقامي وحقي منك مين يجبهولي؟ وقف قاسم أمامها، وقال:

_اللي حصلك كان أشد انتقام مني. ارجوكى متدمرّيش كل حاجة عشان خطأ سبق ووقعتي فيه. هزت رأسها بالرفض، وقالت: _مستحيل أسامحك. مستحيل أنسى إنك اتهمتني بشرفي ومدتنيش فرصة أدافع حتى عن نفسي. مستحيل أنسى إنك أجبرتني أعيش مع اللي قتلوا أبو ابني. مستحيل أنسى إنك أوهمتني إن جوازي منك بدافع حمايتي، ومع إنه كان غرض لنفسك وبس. ابتزتني بأولادي وخطفتهم من حضني عشان أرجعلك تنتقم مني زي ما انت عايز. أنا بكرهك. بكرهكم كلكم.

قالت كلماتها الأخيرة وهو يتلقى ضرباتها على صدره برحابة صدر، حتى ارتخت بين يديه. أثر ضغطه على العرق النابض بعنقها جعلها تغيب عن الوعي. فيقول بأسف: _حقك عليا، بس مفيش طريقة تانية غير كده. ***

استيقظت حنين لتجد نفسها وحيدة في مكان مجهول. نهضت مسرعة وهي تتلفت حولها تتأكد من المكان، حتى عرفته. نفس الغرفة ونفس المكان، لكن باختلاف الأثاث. خرجت من الغرفة كي تتأكد أكثر، لتتفاجأ بأنها حقاً داخل المنزل. أخذت تبحث عن أولادها، لكنها لم تجدهم. ظلت تبحث حتى وصلت إلى مكتب. دفعت الباب بغضب، فتجد قاسم واقفاً مع عمران، الذي ما أن رآها حتى غض بصره، واستأذن من قاسم وخرج مسرعاً.

تراقصت الشياطين أمام قاسم عندما رآها تندفع داخل الغرفة بدون حجابها، فصاح بها بغضب: _انتي إزاي تدخلي كده من غير ما تستأذني، وكمان مش مغطية شعرك؟ لم تنتبه حنين لعدم ارتدائها الحجاب من شدة غضبها، وصاحت بغضب مماثل: _انت جبتني هنا إزاي؟ جذبها قاسم من ذراعها وخرج بها من المكتب وهو يقول بحده: _اطلعي دلوقتي أوضتك، وبعدين نتحدث. جذبت حنين ذراعها منه بعنف، وقالت بعناد: _مش هطلع قبل ما أعرف انت جبتني هنا إزاي، وفين ولادي.

ضغط قاسم على أسنانه يحاول بصعوبة ضبط أعصابه، وقال: _جولتلك اطلعي، لأن في ناس جايه دلوقتي. لم تهتم حنين لشيء سوى الاطمئنان على أولادها، فصاحت به: _جولتلك فين ولادي يا قاسم؟ علا صوتها حتى كاد أن يصل للخارج، فقام بجذبها رغماً عنها وصعد بها إلى غرفتهم، وأغلق الباب وهو يقول بصوته الحاد: _جولتلك قبل سابج صوتك ميعلاش عليا، عشان ميطليكيش عقاب. نظرت إليه حنين بتحدٍّ، وقالت: _هتعمل إيه؟ إيه هتضربني زي ما عملتها قبل كده؟

ولا هتحبسني وتحرمني من ولادي مرة تانية؟ اقترب منها وهو يقول بهدوء قاتل: _لا ده ولا ده، بس في طرق كتير معنديش مانع أستخدمها. لا تنكر ذلك الخوف الذي هز تحديها، فقالت بارتباك لم تفز بإخفائه: _أنا... أنا... عايزة أعرف انت جبتني هنا ليه؟ _هتعرفي كل حاجة، بس مش دلوقتي.

خرج قاسم من الغرفة، ثاقفاً الباب خلفه بحده أفزعتها، ثم توجه إلى مضيفته، حيث انتظره أبناء المنشاوية، وهم لا يعلمون سبب تلك المقابلة التي أصر أن تكون في منزله. قال حسن المنشاوي بفتور: _في إيه يا جاسم؟ جايبنا أهنه ليه؟ شعر قاسم بأن ما يفعله خطأ كبير، لكنه يود أن يرتاح من ذلك الحمل الذي يجثم على صدره، فقال بهدوء: _انتوا كلكم طبعاً عرفتوا بموضوع سالم المنشاوي، وعرفتوا بالحقيقة كلها. قال مراد بغضب:

_وانت جايبنا أهنه عشان تعرفنا؟ رد قاسم: _لا، أنا جايبكم أهنه عشان أعرفكم الحقيقة. سالم قبل ما يموت كان عارف كل حاجة، وعارف إن أهله اتخلوا عنه وتركوه في ملجأ أيتام. ألجمت الصدمة الجميع، وكأن على رؤوسهم الطير، وأول من أفاق من صدمته هو مراد، الذي قال بصدمة: _انت بتقول إيه؟ أومأ قاسم قائلاً:

_أيوه، كان عارف، بس ميعرفش إنهم عملوا كده لصالحهم. يعرفش إن أمه حطت حجر على جلبها وبعدته عن حضنها لجل حمايته، وجه وساومنا بصفته وريث وطلب مننا نص مليون جنيه مقابل إنه يساعدنا ناخد الأرض. نظر مراد بصدمة إلى والده، ثم عاد يستمع إلى باقى حديثه: _وبما إننا في الوقت ده منعرفش الحقيقة، أفاجأنا وأخد الفلوس ومضى على التنازل ده. أخرج الورقة من أحد الأدراج وقدمها لمراد قائلاً: _ودا الإثبات.

نظر مراد إلى الورقة ليتأكد من صحتها، ثم نظر إلى قاسم قائلاً: _وإيه اللي يأكدلنا إنك مش بتكذب علينا؟ رد قاسم بصوت حاد نسبياً: _أنا مش جايبكم أهنه عشان أطالب بحقي، لأنه وصلني في وقته. أنا جايبكم أهنه عشان أعترف بالحقيقة. تسمرت حنين في مكانها عندما سمعت تلك الكلمة، وانقبض قلبها خوفاً عليه إذا أخبرهم الحقيقة، وخاصة عندما أردف: _وهي إن سالم مات مقتول، مش في حادثة زي ما انتوا فاكرين. وعند هذه الكلمة انتفض الجميع حوله،

وصاح به مراد: _انت بتقول إيه؟ _بقول الحقيقة. قال حسن بغضب: _ومين اللي عملها؟ ساد الصمت قليلاً، حتى توقفت حنين عن التنفس، وأرادت في تلك اللحظة أن تذهب إليه تمنعه من قول الحقيقة، لكن صوته الخادع قال: _أنا اللي قتلته. رمت حنين على الأرضية بلا حراك عندما سمعت صوت طلقة نارية لا تعرف مصدرها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...