ولد الإنسان ومصيره بين يدي الله. أحيانًا تجبرنا الظروف على أشياء قد تكون خطأ، وأحيانًا أخرى تكون صحيحة. الأمر اليقين أننا نتعلم من كل تجربة نمر بها. في بعض الأحيان نرى الأشياء من خارجها فنظنها سيئة وبشعة، ولكن العجيب أنه عندما نقترب منها نراها أجمل ما يكون. وكذلك هي العلاقات، لا تحكم على شخص قبل أن تعاشره. فصدق من قال: هل تعرف فلان؟ قال: نعم. قال له: هل عاصرته؟ قال: لا. قال له: إذن فأنت لا تعرف.
لذلك لا تحكم على شخص بظواهر الأمور. في إحدى محافظات مصر، وبالتحديد محافظة الدقهلية، وفي إحدى قُرى مراكزها، يسير بسيارته وسط الطرقات الزراعية. فكعادتهم كل عام في عيد الأضحى المبارك، يذهبون إلى قريتهم الصغيرة من أجل صلة الرحم، وأيضًا من أجل الأضحية. فاليوم هو يوم وقفة عرفات. كان يتصبب عرقًا، فالجو حار للغاية، ولا يستطيع أن يقوم بتشغيل مكيف السيارة من أجل والدته. لذلك كان يشعر بالضيق الشديد.
إنه مروان الحداد، شاب في حوالي الثلاثين من العمر، يعمل ضابط شرطة برتبة نقيب. كان ما يميزه ويزيده جمالًا ذلك الشارب الذي كان يحتفظ به منذ الثانوية العامة، فقد كان يقول دائمًا أنه سيصبح ضابط شرطة، وأن من أهم صفات ضابط الشرطة هو الشارب.
كان مروان طويل القامة، عريض المنكبين، ذو شعر أسود قصير للغاية، وعيون بنية يحيطها رموش ثقيلة، وحواجب كثيفة إلى حد ما. ولكن كان دائمًا ما يشعر بالغيظ من أنفه، فهو كبير إلى حد ما، ولكن يناسبه. كان صاحب شخصية قوية منذ بلوغه، وصاحب قرار، ودائمًا ما يتحمل نتيجة قراره سواء كانت صحيحة أو خاطئة. لم يجبره أي من والديه على شيء، وأعطوه حرية التعبير والاختيار. وكان ونعم رجال الشرطة، نزيه وينصر الحق مهما كان.
يعمل مروان بمكتب مكافحة المخدرات بالمنصورة، ومعروف عنه النزاهة والشفافية، وهو من رجال الشرطة الشرفاء، لذلك كان محبوبًا لدى رؤسائه كثيرًا. ولكن الغريب أنه لا يهتم سوى بعمله فقط، ولا يفكر بشيء سواه. من الممكن أن يسهر بالأيام دون نوم من أجل عمله. ولكن والديه كل ما يتمنونه أن يتزوج ويرزق بطفل قبل وفاتهم، حالهم كحال كل الآباء والأمهات.
الأب وهو ياسين الحداد، ضابط بالقوات المسلحة المصرية ولكنه متقاعد، كان يجلس إلى جانب ابنه بالسيارة، والأم بالخلف، وهي تدعى صفية الحداد، ابنة عم زوجها، وهي ربة منزل، لا يهمها سوى عائلتها. الأب: مالك يا مروان، أنت مضايق؟ مروان وهو يحاول إخفاء ضيقه: مفيش يا بابا، بس تعبان. أنت عارف إني منمتش وصايم والجو حر، ومش عارف إيه لازمتها نروح النهارده، ما كنا نطلع بكرة بدري في التراويح نيجي على الدبح على طول.
الأب: يا ابني، أنت مش بتيجي غير في المناسبات هنا بس، وأنا بصراحة بحب وبرتاح في الجو هنا جدًا، وأنت عارف إن كل الناس هنا بتحبنا، وكمان عمك حلف لازم نفطر معاهم. الأم: والله عندك حق يا حج، أنا بصراحة ببقى مبسوطة أوي في الوقت اللي بقضيه هنا يا مروان يا حبيبي، لازم تود أهلك. وبعدين مش جايز تشوف واحدة وتعجبك. مروان بسخرية: آه فعلًا. الأب: محدش عالم يا ابني نصيبه فين.
مروان بضيق: انتوا رايحين تعيدوا هناك وتدبحوا الضحية ولا رايحين تخطبوا؟ الأم: خلاص يا ابني، اللي انت عاوزه، بس متضايقش. وبعدين من امتى احنا جبرناك على حاجة. مروان حتى يقوم بتغيير الموضوع: هي سمر مش هتيجي؟ الأم: لا، سمر أختك هتيجي هي وجوزها بكرة. محمد عنده شغل، ما أنت عارف حياة الدكاترة، وخصوصًا النسا والتوليد مش بيفضوا أبدًا. الأب: ربنا يسعدهم يا رب ويهديهم لبعض. مروان: آمين.
على الجانب الآخر، بمنزل جميل الحداد، كانت الزوجة وزوجة ابنها تقومان بإعداد الإفطار للضيوف. بينما هي بالأعلى بغرفتها، تبحث في ثيابها عما ترتديه. فسوف تراه اليوم، كم اشتاقت إليه. إنها هي سلمى الحداد، فتاة في الحادية والعشرين من العمر، جميلة إلى حد ما. ما يميزها عن غيرها تلك الغمازات بوجهها حين تضحك. تمتلك عيون سوداء كحيلة تشبه عيون والدتها، وبشرتها حنطية، وذو شعر أسود ناعم يصل إلى كتفيها، وفك صغير يعلوه شفتيها، وحسنة سوداء جميلة، وأنفها يناسب وجهها البيضاوي. الابتسامة لا تفارق وجهها، وذو دم خفيف للغاية، تعشق المزاح والضحك، وتعشق ابن عمها مروان.
ولكن ما يجعلها تشعر بالحزن أنها لم تكن تعشق الدراسة. لذلك دخلت مدرسة الثانوية التجارية وحصلت على دبلوم تجارة، فتعليمها متوسط. لذلك كانت دائمًا ما تقول لنفسها: كيف له أن يحبها وهو ضابط شرطة، بينما هي حاصلة على دبلوم متوسط؟
إنها سلمى الحداد يا سادة، مدللة أبيها وابنته الوحيدة، ليس لها سوى شقيق واحد. وكانت هي مصدر الفرحة لوالدها، تنشر الفرح والسعادة في أي مكان. لديها شخصية قوية، ولكن دائمًا ما كانت تشعر بالضعف حين تراه. تشعر وكأنها لوح من الزجاج، ولكن فليحذر لملمتها إن انكسرت، فإنها بالطبع سوف تجرحها.
أخيرًا ارتدت ملابسها وحجابها، ووضعت القليل من المكياج. وحين انتهت، سمعت صوت والدها ووالدتها المرحب بعمها وزوجته وحبيبها مروان. سمعت صوته، فخفق قلبها بقوة. فنظرت لنفسها بالمِرآة، وخرجت من غرفتها سريعًا حتى تراه. وأخيرًا، ها هي تقف أمامه وجهًا لوجه. احمر وجهها بقوة وهي تقترب منهم، وكانت تشعر بقدميها لا تستطيع حملها، وكأن المسافة بينهم طويلة، وهي بالكاد لا تتعدى خطوات قليلة.
نظر العم إليها ورحب بها بقوة هو وزوجته، وهي تبتسم إليهم وترحب بهم. وأخيرًا هو. مدت يدها إليه بخجل، وقالت: سلمى: ازيك يا مروان؟ هو بابتسامة مجاملة: أهلًا، ازيك يا سلمى؟ كل سنة وانتي طيبة. سلمى بخجل وهي تسحب يدها ويحمر وجهها أكثر وأكثر: وانت طيب. والد سلمى: يله يا جماعة، ادخلوا، انتوا غيروا هدومكم عشان خلاص المغرب هيأذن. وبالفعل، بعد وقت قليل، تناول الجميع الإفطار. وها هم يجلسون جميعًا يتناولون الشاي بعد الإفطار.
جميل: وانت أخبار شغلك إيه يا مروان؟ مروان وهو ينظر إلى عمه ويتحدث بجدية: الحمد لله، ماشي الحال. جميل: ربنا يوفقك يا ابني. الجميع: يا رب. بينما نظر ياسين الحداد إلى ابن أخيه، وقال: ياسين: وانتِ يا سلمى، إيه آخر النكت عندك؟
فضحك الجميع على حديثه لها. بينما نظرت هي إلى عمها، وقالت له الكثير من المواقف والنكات، جعلت الجميع ينفجر بالضحك، حتى هو. ونسيت خجلها، ولكن بتجنب النظر إليه، فإن نظرت إليه لن تستطيع أن تقول حرفًا واحدًا. نظر لها مروان لأول مرة بدقة. فلديها روح مرحة، وتجعل الابتسامة تشق وجه من يراها. لأول مرة يستطيع أحد أن يجعله يضحك بتلك الطريقة سواها. فقال دون وعي منه:
مروان بابتسامة: أنا أول مرة حد يضحكني كده. انتي بصراحة دمك خفيف أوي. خجلت سلمى بقوة وشعرت بوجهها سوف ينفجر من شدة الخجل. سلمى بخجل: ربنا يخليك. والدة سلمى: هي كده على طول، مفيش في دماغها حاجة غير الضحك والهزار. الأب بحب وهو يضم ابنته الجالسة إلى جانبه: سلمى دي هي نور حياتي، والضحكة اللي بتنور دنيتي. والدة مروان: ربنا يخليهالك يا رب.
ولكن لا يعلم مروان، شعر بالضيق حين ضمها والدها إليه، ولكنه نفض هذا الإحساس سريعًا، فهي لا تهمه بشيء. ولكن فجأة، سمع والدها يقول: والد سلمى: انت عارف إن ابن ناصر المرسى متقدم ليها، شاب إيه ونعم الشباب، ومهندس، وهي مش راضية. سلمى بضيق: بابا. الأب بابتسامة: خلاص خلاص. العم: سيبها على راحتها يا جميل، وبكرة نصيبها يجيلها لحد عندها. الأم: لحد إمتى؟ أنا عاوزة أفرح بيها، اللي زيها اتجوزوا وخلفوا. حينها سلمى قالت بعصبية:
سلمى: وأنا قلت مش هتجوز يا ماما، ومش كل شوية نفس الموضوع. الأب بحب: وأنا يا حبيبتي عمري ما هجبرك على حاجة، اللي انتي عاوزاه. ولكن جاء سؤال مروان المفاجئ لها، فقد كان يتابع الحديث دون أن يتكلم، ولكن شعر بالفضول، وقال: مروان: وانتي مش عاوزة تتجوزي ليه يا سلمى؟ نظرت له سلمى نظرة طويلة، وقالت بكل قوة:
سلمى: زي ما انت مش عايز تتجوز ومحدش بيجبرك على الجواز، أنا كمان مش عاوزة اتجوز، وأظن موضوع الجواز ده خاص بيا أنا وبس، ومحدش له الحق إنه يجبرني فيه. حينها شعر مروان بالحرج الشديد. مروان: فعلًا، حقك. قال ياسين والد مروان حتى يلطف الجو بمزاح: ياسين: انتوا الاتنين رافضين الجواز، نجوزكم لبعض ونرتاح منكم. حينها ضحك الجميع ما عدا هي وهو. ولكن كانت المفاجأة حين قال مروان: مروان بجدية: وأنا موافق.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!