مرت عدة أيام والحال كما هو عليه. ذهبت سمر وسلمى إلى شقة الأولى حتى لا تجتمع سلمى مع مروان. لم يعترض على ذلك حتى لا تشعر أنه يجبرها على شيء. أرادها أن تأتي إليه دون أن تشعر سوى بحبه إليها فقط، وخوفه عليها الذي لا ينتهي. أراد أن يدخلها إلى أعماقه ويخبرها كم يحبها، كم اشتاق إليها، كم افتقد رؤية حبها إليه بعينيها. أراد أن يرى تلك النظرة بعينيها مرة ثانية، حتى وإن كانت تلك النظرة لمدة دقيقة واحدة. بينما على الجانب الآخر.
تحسنت حالة سعد الصحية كثيراً، وكانت دائماً أمل ما تعرف أخباره هو طريق مروان. شعرت بالاطمئنان ولو قليلاً. كانت تعد الأيام والليالي حتى تراه أمامها. لا تعلم لم شعرت بضيق بصدرها منذ اليوم الماضي. كانت تدعو ربها بداخلها ألا يحدث أي سوء. استيقظت سلمى وهي تشعر بأنها ليست على ما يرام. لا تستطيع رفع رأسها، تشعر بدوخة تجعلها تريد النوم ثانية. تحاملت على نفسها ووقفت، ولكن فجأة تذكرت أن عادتها الشهرية قد تأخرت.
عدت أيام بل أكثر من عشرة أيام. انقبض قلبها بقوة وسريعاً قامت بدخول الحمام وارتدت ملابسها. لم توقظ سمر، وإنما نزلت سريعاً وذهبت إلى الصيدلية وقامت بشراء اختبار للحمل. سريعاً رجعت إلى الشقة وذهبت إلى الحمام وقامت بعمل الإرشادات الموجودة عليه. وها هي تنتظر النتيجة. شعرت بصدمة كبيرة جداً حين رأت أن الظاهر باختبار الحمل شرطتين، أي معناه أنها حامل بالفعل.
لم تستطع الوقوف، جلست على أرضية الحمام تبكي بصمت وهي تضع يدها على بطنها. لم الآن، فقد تمنت كثيراً أن تحمل بطفل منه منذ أول يوم بزواجهم. كانت كل شهر تنتظر وتعد الأيام وتتمنى أن يحدث وأن تحمل طفل منه، ولكن لم يحدث. والآن حينما تقرر الابتعاد عنه تكون حامل. جلست تفكر، ماذا لو علموا أنها حامل؟ بالطبع سيجبرونها على أن تعود إليه. فأي منهم سيقول جملتهم المعهودة: "عودي إلى زوجك من أجل طفلك. كيف تبتعدين عنه وأنت حامل بطفل منه؟
هل تريدين أن يشعر الطفل باليتم بحياة أبيه؟ فقط من أجل بضع كلمات قالها زوجك. لن يشعر أي منهم بها، وبما انكسر بداخلها. لن يشعروا أبداً كم أنه أهان كرامتها فقط لأنها تحبه. لن يشعروا يا بني. أخذت نفس عميق وقالت وهي تقف على قدميها ومازالت تضع يدها على بطنها: "سلمى... أنا آسفة يا حبيبي بس مضطرة مقولش لحد وأخبي إني حامل فيك." مسحت دموعها بسرعة وابتسمت وهي تنظر إلى يدها الموضوعة على بطنها. "سلمى...
أنت عارف أنا استنيتك كتير وأنا بحبك أوي لأنك حتة مني، ووعدك إني هحافظ عليك." قامت سلمى بغسل وجهها وقامت بإخفاء اختبار الحمل داخل حقيبتها. وخرجت من غرفتها وجدت سمر قد استيقظت من النوم. سمر وهي يبدو عليها آثار النوم: "صباح الخير." سلمي: "صباح الخير." سمر وهي تنظر لها بتركيز: "مالك وشك أحمر كده ليه؟ انتي معيطة." سلمي بتوتر: "لا خالص." وقالت بكذب: "بس بصراحة كنت بكلم ماما وصعب عليا نفسي لأنها واحشني، فعيطت." سمر وهي
تقترب منها وتمسك بيدها: "متزعليش يا سلمى، انتي بس أعصابك تعبانة. وبعدين أنا شايفه إن مروان اتغير وبيحبك. أنا كنت بقول تربية في الأول، بس بصراحة صعبان عليا ده مش مروان أخويا. أنا حاسة مكسور. بيحاول يكلمك من يوم ما رجع وانتي مش مدياه وش يا حبيبي. كل يوم يتصل ولا عشر مرات يسأل عليكي ويقولي نفسي أسمع صوتها، نفسي أروح ألاقيها مستننياني. ماما بتقولي إنه بقى يبات في الشغل كتير وتقعد باليومين متشوفوش وخس."
سلمي وهي تأخذ نفس عميق وترد. كانت تتألم من حديث سمر تتخيله أمامها، ولكن ألمها منه كبير. "أنا مش قادرة أتعامل معاه. كل ما أشوفه أفتكر كلامه، أحس إن اللي بيعمله كل ده كدب. عارفه إنه اتغير، بس أنا كل ما أجي أصدق وأحاول أصفى، أفتكر كلامه ومعاملته ليا. بحس إني هموت. أنا لسه لحد دلوقتي كلامه في وداني. ساعات باجي أنام أسمع صوته وهو بيقولي إنه مبيحبنيش. أفتكر إزاي كسرني، والله ما قادرة يا سمر، فعلاً مش قادرة."
وانفجرت في بكاء مرير. احتضنتها سمر بقوة وهي تربت على ظهرها. سمر: "هش، خلاص اللي انتي عايزاه. بطلي عياط زي العيال." وقالت بمزاح: "ايه ده؟ هو أنا هلاقيها منك ولا من بنتي." ابتسمت سلمي وابتعدت عنها وهي تمسح وجهها. سلمي: "حظك بقى، هتعملي إيه." سمر بحب: "أحلى حظ. المهم قومي يله عشان نحضر فطار، أنا هموت من الجوع." سلمي بابتسامة: "يله، أنا كمان جعانة." كان مروان يجلس بمكتبه وهو يغلي من الغضب. كان يجلس معه زميله ويدعى منصور.
مروان: "أنا مش عارف الجحود ده جالهم إزاي." منصور بجدية: "المخدرات ضيعت الشباب يا مروان." مروان بحدة: "يا أخي أنا هاين عليا أقطع من لحمهم." كان مروان يشعر بالغضب، فمنذ عدة ساعات تم الأخبار عن جريمة قتل بأحدي الأماكن التابعة له. وصل مروان وجد أمامه أم تبكي وتتحسر على ولديها اللذين تم قتلهم أمامها دون شفقة ولا رحمة.
تم إخباره بالواقعة أنه منذ يومين حدث شجار بين المجني عليهم والقتلة بسبب أنهم قاموا بالتحرش بشقيقتهم، ولكن لم ينته الأمر على ذلك. فاليوم وجدت الأم أربعة أشخاص يقتحمون المنزل ويتشاجرون مع ولديها وانتهى الشجار بتكتيف ولديها أمامها وهي تصرخ. وبسرعة كبيرة وجدتهم يذبحون أولادها أمامها وكأنهم عصفور صغير، وجدتهم يسقطون على وجههم أمامها سائحة دماؤهم أبنائها.
تحجرت الدموع بعينيها واقتربت منهم وهي ترتعش، وجلست أمام رؤوسهم على قدميها ولمست كل منهم بيد مرتعشة وعلمت أن أطفالها لن يعودوا ثانية. حسرة أصابت قلبها، خنجر طعن بقلبها، لن تنسى ذلك المنظر طوال حياتها. ذبح أطفالها كما تذبح الشاة. شعر مروان بالشفقة على الأم على ما حدث، ولم ينتظر ساعات وتم القبض عليهم. كان مروان يتمنى لو بيده محاكمتهم على ما فعلوا، كان مزقهم إرباً. مروان: "يا أخي أنا مش عارف الدنيا دي بقت وحشة كده ليه؟
أنا بقيت أحس إن خلاص كل الناس بقت وحشة." منصور بجدية: "زي ما في الحلو في الوحش، وزي ما في الصالح في الطالح. كل حاجة موجودة. جايز الجرايم دي ميتسمعش عنها، بس في جرايم أبشع. إنت وانت مسافر جالنا قضية طفل كان سايق توكتوك، ولاد الحرام خدوه على أنه رايح معاهم مشوار ويقوموا عشان ياخدوا التوكتوك يدبحوه." مروان بتكشيرة: "كام سنة الواد ده؟ منصور: "تقريباً عشر أو تسع سنين." مروان: "وجبتوا العيال؟ منصور: "آه جبناهم، الحمد لله."
مروان وهو يقول يتعب: "أنا هروح أنام، تعبان أوي، مش قادر." منصور: "تمام، وأنا هقوم أكمل شغل." خرج منصور. وقف مروان وكان يلملم أشياءه، ولكنه فجأة توقف وهو يفكر أن يذهب إلى منزل شقيقته حتى يراها. فرؤيتها تذهب الحزن والتعب عنه. وبالفعل جمع أشياءه سريعاً ونزل إلى سيارته وذهب مسرعاً إلى منزل شقيقته، فقد كان المنزل قريباً منه. كان يقود سيارته مسرعاً وبداخله لهفة لا توصف. على الجانب الآخر.
كانت أمل تجلس بغرفة سعد التي أصبحت غرفتها منذ أن انتقلت للعيش بمنزله. كانت تذاكر حين رن هاتفها برقم زوجة أبيها. فتحت أمل الخط وهي تشعر بالاستغراب، فمنذ وفاة والدها ليس بينهم أي اتصال. أمل: "الزوجة الأب؟ أمل: "ألو، ازيك يا أمل، عاملة إيه." أمل: "الحمد لله." زوجة الأب: "يستاهل الحمد يا حبيبتي." صمتت زوجة الأب لثواني وقالت: "بقولك إيه يا أمل." أمل: "أيوه يا طنط، معاكي، اتفضلي." زوجة الأب:
"بصراحة كده يا حبيبتي، انتي عارفه إن مبعرفش أقرأ وأكتب، وانهارده جالي واحد من بتوع الكهرباء عاوز يمضيني على وصلات مش عارفه بتاعت إيه، وأنا قلتله بكرة. وعاوزني أدفع ربعميت جنيه ٤٠٠. فأنا كنت عاوزاكي تيجي تشوفي إيه ده. هو قال هيجي تاني بكرة الصبح على عشرة كده." أمل: "ماشي يا طنط، أنا كده كده عندي درس جنبك الساعة ١١، هجيلك وأشوف إيه ده." زوجة الأب بامتنان: "ماشي يا حبيبتي، تسلميلي." أغلقت أمل الخط وهي تشعر بقلق غريب.
وقالت: "يارب استرها معايا."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!