الفصل 1 | من 17 فصل

رواية لا تشبهين احدا الفصل الأول 1 - بقلم شاهنده سمير

المشاهدات
24
كلمة
2,796
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

أمسكت ريم حفنة من الرمال الذهبية ثم تركت ذراتها تنسدل من بين أنامل يديها. أخذت نفساً عميقاً قبل أن تنهض ببطء وتقترب أكثر من الشاطئ. توقفت تغمض عيناها وهي تستمع إلى صوت الأمواج المتلاطمة فترتسم الصورة واضحة داخل أهدابها المغلقة. شمس مشرقة في كبد السماء تطل على زرقة المياه الصافية، قطراتها تصل حدها على هذه الضفاف الفضية فتلامس أنامل قدميها العارية بعد أن تخلت عن حذائها.

تمنحها هذه المياه شعوراً لا يوصف من السكينة والهدوء. إنه البحر الجميل، عشقها وعشق والدها رحمة الله عليه. المؤتمن على حديث القلب وأسراره، صديقها الذي تحضر إليه في كل صباح تشعر فيه بالحاجة إلى البوح. حين تشعر بالحنين والاشتياق لأوقات قضتها في صحبة أبيها، أوقات من السعادة والطمأنينة سرقتها من الزمن ثم رحلت مع رحيل الأب والصديق. فتحت عيناها وقد شعرت بحرقة الدموع تغزو مقلتيها.

لم يمضِ على وجودهما بالإسكندرية أكثر من ثلاثة أعوام بعد أن عادا من مدينة الإمارات التي عاشت فيها مع والدها طيلة عمرها. وها هي حياتها قد تغيرت في هذه الأعوام المنصرمة حتى باتت لا تتعرف عليها. كانت هناك في المدينة الغريبة فتاة والدها المدللة ووحيدته، يتشاركان كل شيء ويكتفي كل منهما بالآخر. حتى عادا إلى الإسكندرية في ليلة قرر فيها والدها أنه اكتفى من الغربة وأراد العودة لموطنه رغم أنه لا أهل له فيها ولا أصحاب.

ولكن الوطن هو الوطن، يظل في القلب كعنوان للسكن والأمان وأصالة الجذر حتى وإن طاف الإنسان حول العالم ورأى أجمل بقاع الأرض. عادت معه مشتاقة لرؤية هذا الوطن من حديث والدها عنه، وقد وقعت في عشقه ما إن مست قدماها أرضه. لم تخشَ قط عشق والدها لوطنه أو أن يأخذه منها. ولكن ما لم تضعه في الحسبان هو عشق من نوع آخر. تعلق والدها بجارتهما الجميلة ثم تزوج منها بسرعة. فوجدت ريم نفسها فجأة وحدها في بلد لم تألف بعد سكانه ولم تعتد عليه.

فوجدت في الموسيقى كعادتها ملاذاً. صار الخروج الصباحي بكمانها عادة تسعد يومها وتنير لحظاته. تأتي باكراً إلى هذا الشاطئ القريب منها تطالع جمال صنع الخالق في ملكوته ثم تمسك كمانها وتعزف فتستشعر كل نغمة وكأنها أحرف وكلمات تصل بها من الشغف منتهاه. وكما ابتعد عنها والدها ببطء عاد إليها بعد فترة ببطء كما كان قبل زواجه من سندس. وأصبح يشاركها هذه اللحظات بعد أن اكتشف تسللها ذات يوم وأدرك كم صار بعيداً عنها.

حاول والدها مشاركة زوجته معهما في رحلتهما الصباحية ولكنها لم تكن من النساء اللاتي يحببن الصباح الباكر واستنشاق الهواء العليل. بل كانت من عشاق الليل، يبدأ يومها مع قرب غروب الشمس. هذا الشيء البسيط وأشياء أخرى صغيرة جعلت والدها ولأول مرة يشرع في الحديث معها عن والدتها المتوفية بعد أن كان الحديث عنها محرماً لما يجلبه من ألم لقلبه. وقد كانت توأم الروح وعشق لا يُنسى كما اعتاد أن يقول عنها.

اختلاف والدتها عن سندس جعل والدها يبوح بالكثير. كانت ذكريات ريم عن والدتها تكاد أن تكون معدومة وقد توفيت وعمر ريم لم يتجاوز الخمس سنوات. ولكن أباها ومنذ تزوج العمة سندس، جعل والدتها حية في مخيلتها بكثير من القصص عنها. أخبرها كم تشبهها وكم تحمل من طيب قلبها ونقاء سريرتها ورقة إحساسها وجمالها الكثير. تشبه والدتها في الشكل والطباع حد التماثل.

وكما رحلت عنها والدتها، فعل هو في ليلة اختفى فيها القمر وكأنه أبى أن يشهد على فاجعتها. كان والدها قد اصطحبها إلى إحدى الحفلات الموسيقية والتي لم ترغب سندس، زوجة أباها، حضورها وآثرت البقاء في المنزل لإن مثل هذه الحفلات تصيبها بالملل. وفي طريق العودة أفلت المقود من أبيها فجأة وحين حاول التحكم في سيارته لم يستطع. فجاءت مقطورة واصطدمت بهم تدفع السيارة إلى الأمام لتنقلب مرتين ثم تستقيم بعد أن تحطمت.

آخر شيء شعرت به ريم عند الاصطدام هو وجع كبير في رأسها وعينيها وقدمها اليسرى قبل أن يسحبها سواد سحيق. استيقظت منه في المشفى تدرك بكل صدمة أن أباها قد توفي على الفور في الحادثة. بينما أصيبت هي بكسر في قدمها وجرح في رأسها أدى إلى تضرر العصب البصري مما أدى بدوره لإصابتها بالعمى. لم تأبه لفقدانها البصر ولم تتألم بسببه قدر ألمها لفقدان والدها.

أصيبت بانهيار عصبي تعافت منه بعد فترة كبيرة حاولت فيها قتل نفسها مرة بقطع شرايينها ولكنهم استطاعوا إنقاذها. لترى بعدها طيف والدها في المنام يطلب منها الحياة يخبرها أن الفرح قدرها وأنها إن أرادته سعيداً فعليها أن تكون سعيدة. يعلم الله أنها حاولت كثيراً، تبحث عن الأمل دوماً في جوف الظلام. تبتسم فقط لكي يشعر بها ويدرك أنها سعيدة فيسعد في لحده.

حتى أنها وافقت على خطبتها من ماجد، ابن أخت سندس، فقط لإنها علمت أن هذه كانت رغبته الأخيرة وأنه أخبر بها زوجته قبيل موته بأيام. فعلت المستحيل لتنفذ وصيته. نعم واصلت حياتها في الظاهر ولكنها متوقفة في الحقيقة عند آخر لحظات قضياها معاً، هي وأباها. تمثلت صورته أمامها فجأة، كان يبتسم لها بحنان. رفعت أناملها تجاهه ولكنه اختفى كما ظهر من العدم ليصرخ قلبها. لماذا ذهبت بهذه السرعة؟

تترك لي فقط الذكريات المتلاحقة تخشى البقاء حتى تقصر لحظات الألم. حياتي صارت فارغة دونك يجثم الألم على أنقاض الفؤاد. وعدتك بالاستمرار.. بالبقاء حية.. وعدتك بأن أعيش السعادة التي تمنيتها لي. قاومت عجزي وضعفي، عدت للحياة وعزفي، حاولت أن أكون سعيدة حقاً، حاولت أبي كثيراً وفشلت. الظلام يحيطني، إنه ظلام دامس لا تنيره القناديل ولو كانت ممتدة على طول البصر.

أعيش في خضم ليل داهم لا أمل في شمس تمحي ظلمائه يقبع فيه السكون وتنتشر وحدة بغيضة وأعصاب تشارف الحافة فتترك الظلمة تفعل بالقلوب والعقول ما تشاء. تجعلني أوقن أنه من المستحيل أن أكمل حياتي دونك يا من كنت سندي وعضدي ورفيقي، يا من كنت لي كل شيء. ولكن تنقذني كلماتك وذكرياتي معك.. تُبعد عني كل الأشباح وتمنحني السكينة. لقد رحلت دون عودة ولكن روحك ستظل دوماً قربي تمنحني الصبر والأمل.

عدني فقط أن تزورني بين الحين والآخر.. ستجدنا هنا دوماً، أنا وأوتاري، نعزف ألحاناً تُحيي الروح فقط لإنها تذكرني بك. مالت تسحب كمانها وتعزف على أوتاره معزوفة أباها المفضلة. تغمض عيناها فتتسلل النغمات إلى قلبها وكأنها يد والدها الحانية تربت على خافقها برفق. تعالت وتيرة المعزوفة تعلن عن حنين صارخ ما لبث أن شابه الشجن ووتيرة المعزوفة تهدأ رويداً رويداً فترق لها القلوب وتبكي ألماً إن استمعت إليها.

لتكون الخاتمة نغمات رقيقة حالمة تحمل نداءً ووعداً أو ربما.. أملاً. ما إن توقفت عن العزف حتى انتفضت على صوت تصفيق حار يأتي من خلفها. استدارت بسرعة فتلبكت وكادت أن تسقط ولكن يد امتدت إليها حالت دون سقوطها. ظهر الارتباك والألم على ملامحها تنظر تجاه صاحب الصوت ذو النبرات الرجولية العميقة التي حملت ندماً وهو يقول:

أنا آسف بجد مقصدتش أفزعك بالشكل ده، أنا كنت بس ببدي إعجابي بعزفك.. لما جيت كنت فاكر إني هكون لوحدي ومتوقعتش أبداً إني ألاقي حد هنا في الوقت ده ولا أسمع اللحن الجميل ده.. اللحن ده اسمه إيه؟ استقامت تبتعد عنه فتركها على الفور تتجاهل سؤاله وهي تقول باضطراب: محصلش حاجة.. أنا.. أنا كنت لسة همشي حالاً وأسيب لحضرتك المكان.. عن إذنك.

انحنت تبحث عن حذائها ترتديه بسرعة ثم تبحث عن حقيبتها بدورها تشعر بالحنق وقد أدركت أن نظرات هذا الغريب الآن مسلطة عليها. لابد وأنه أدرك الآن أنها لا تبصر وربما يسخر منها في نفسه. أمسكت حقيبتها في نفس الوقت الذي امتدت فيه يد الغريب وأمسكت الحقيبة وهو يقول بصوت ظهرت الصدمة في نبراته: هو انتِ....

ترك سؤاله معلقاً فرفعت عيناها مباشرة إليه ليشعر بعينيها تنفذ إلى نفسه فتصيبه برعشة في جسده وغصة في قلبه اعتصرته بقوة حين قالت بصوت حاد لكنه متشعب بمرارة لم تخفِ عليه: عامية.. أيوه عامية.. فيها حاجة دي؟ نهضت فنهض بدوره يقول بأسف: أنا مقصدتش أجرحك..... قاطعته قائلة بنفاذ صبر: وأنا منجرحتش ممكن بقي تديني الشنطة عشان أمشي. ناوله الحقيبة قائلاً: آه طبعاً اتفضلي وبعتذر لتاني مرة لو كنت ضايقتك من غير قصد.

هزت رأسها تغادر المكان دون كلمة أخرى بينما يتابعها بعينيه وهي تمشي حتى الطريق دون أن تتعثر، تتخطي العقبات وكأنها تألف المكان وتحفظه عن ظهر قلب لتصعد إلى سيارة تنتظرها، توقظ السائق فينطلق بها. وما إن ابتعدت سيارتها حتى استدار بجسده يطالع البحر الذي كانت تعزف أمامه، يتساءل عن هذه الفتاة والقصة ورائها. يدرك أنها لا تشبه غيرها من الفتيات.. بها شيء يجذبه إليها.

يوقن أنه لولا هذا المحبس الذي زين إصبعها لبذل قصارى جهده لمعرفة كل شيء عنها ولكن للأسف لا يملك الآن سوى أن يحتفظ بذكرى اليوم في خاطره يعلن أنه في هذا اليوم رأى أجمل عيون لفتاة حملت كل سحر الدنيا بين طياتهما، عيون رغم فقدانهما البصر إلا أنه موقن من أنه لن ينسى نظرة صاحبتهما قط ولا عزفها الذي يسحر الألباب. ملست على تنورة فستانها بتوتر تقول بارتباك: إيه رأيك يا ماجد؟ ها.. رأيي في إيه؟

وكزته خالته فترك الهاتف يتطلع إليها متسائلاً. أشارت إلى ريم بحنق فنهض يقترب من الأخيرة يقول: إيه الجمال ده كله ياريم! الفستان يجنن عليكي ياحبيبتي.. انتِ أصلاً بتحلي أي حاجة بتلبسيها. اكتفت بابتسامة رقيقة فأردف قائلاً: ها.. جاهزة خلاص نمشي ولا لسة؟ مررت يدها على شعرها المنسدل باضطراب تقول: لأ أنا جاهزة هو شعري مش مظبوط ولا إيه؟ أسرعت سندس تقول: مظبوط ياقلبي. بينما قال ماجد:

أنا كان قصدي يعني لو هتحطي ميكب زي باقي البنات. مبحبوش وانت عارف. ليه بس؟ ده بيبقى حلو قوي عليكي، عموماً أنا بس قلت أتأكد لإننا رايحين حفلة. فركت يدها بتوتر وهي تقول: أنا قلت إني كدة جاهزة ياماجد وياريت نمشي لإننا متأخرين.. بعد إذنك ياطنط. اتفضلي ياحبيبتي. استدارت ريم تغادر المكان بينما تطلع ماجد إلى خالته بحيرة يتساءل عما فعل كي تزول الابتسامة عن ثغر ريم ويحل محلها التوتر. بينما أشارت له خالته بالرحيل وقد نفذ صبرها.

تنوّي عند عودتهما أن تجلس معه وتتحدث قليلاً وإلا أضاع هذا الأبله ريم من يديه إلى الأبد. هي فتاة رقيقة حساسة وقد زادت حساسيتها منذ هذا الحادث الذي أفقدها بصرها، لذا عليه أن يكون أكثر حذراً في التعامل معها وأكثر رقة وعليه أن يبدي المزيد من الاهتمام. تتعجب منه وهو المعروف بحنكته مع النساء وبراعته في سحرهن لكن حين يكون مع ريم يظهر كغريب ساذج فقد القدرة على الحديث مع جنس النساء وجذبهن إليه.

قد يفقد خطيبته إن استمر على هذا الحال وهي لن تسمح له بذلك... أبداً. كانت تسبح بكيانها كله مع نغمات المعزوفة الموسيقية تستشعر كل نغمة تتحدث إلى روحها بأعذب الكلمات. حين أخرجها ماجد من استغراقها باللحن وهو يميل عليها يهمس في أذنها قائلاً: أنا هخرج أشرب سيجارة ومش هتأخر. هزت رأسها بهدوء فغادر لتعود هي إلى أنغامها تنسجم معها وكأنها جزء من تكوينها. تتحرك أناملها على مسند كرسيها وكأنها هناك، معهم، تعزف أحلى النغمات.

في هذه اللحظة وقعت عيناه عليها هي، فتاة الشاطئ كما أسماها. رائعة الجمال في هذا الفستان الوردي الرقيق، تبدو ملامحها حالمة وكأنها غارقة في لجة من المشاعر. لم تغب عن مخيلته منذ رآها بالشاطئ. لقد تمنى لو رآها مجدداً.. يشعر بشيء كبير يجذبه لها. وجهها الجميل الخالي من المساحيق البريء كالأطفال المثير حد الهلاك، اهتمامها بالموسيقى وعشقها لسيمفونيات موزارت، رقتها الممتزجة بصلابتها.

كل ما سبق يجبرونه على الاعتراف بأن هذه الفتاة لا تشبه أي فتاة قابلها من قبل. لهذا تمنى في هذه اللحظة أن يكون لها مكانة في حياته. ولكن كأن القدر له رأي آخر، ففي هذه اللحظة جاء رجل وجلس جوارها يميل هامساً بشيء ما في أذنها. أشاح بوجهه عنهما وقد أثار مشهدهما في قلبه غيرة وحنق. لابد وأن هذا الرجل هو خطيبها الذي نسي أمره في غمرة أمنياته وأحلامه.

وجد عيناه تعود إليهما مرة أخرى رغماً عنه فوجدها تنهض وتتبع الرجل بملامح ظهر عليها الإحباط، وكأنها مجبرة على الرحيل. انخلع قلبه حين أوشكت على الوقوع ولكنها تماسكت في اللحظة الأخيرة. يلعن رفيقها الذي يسير أمامها غير منتبه لها حتى اختفيا تماماً. فعاد بنظراته إلى المسرح حيث تعزف الفرقة الموسيقية، أغمض عيناه يستشعر النغمات فتمثلت له بين أهدابه.

كانت كما رآها آخر مرة.. تقف على الشاطئ حافية القدمين يسترسل شعرها الحريري خلف ظهرها يتطاير مع النسمات بينما تمسك كمانها وتعزف من روحها فتسحر روحه وقلبه وتصل إلى كيانه. في هذه اللوحة تركت كمانها واستدارت إليه تتطلع بعينين ساحرتين إلى عينيه ثم تبتسم برقة فتشعل وجدانه. ابتسم بدوره ليفتح عيناه منتفضاً على صوت تصفيق حار، أدرك أن المعزوفة قد انتهت ولكن أحلامه معها باقية. لن تنتهي أبداً على ما يبدو.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...