كانت تروي الزرع حين التفت ذراعين حول رقبتها، يرتكز صاحبهما بذقنه على كتفها وهو يقول: صباح الفل يا ست الكل. ابتسمت قائلة: صباح الهنا على عيونك يا حبيبي، صاحي من بدري قوي كده ليه؟ مبسوط حبتين. استدارت تتطلع إليه بحنان قائلة: يسعد أيامك كلها يا ابني، أخلي فاطمة تجيب لنا الفطار في الجنينة؟ ابتسم قائلاً: خليكي مرتاحة، قولتلها تحضره وتجيبهولنا الجنينة.. على فكرة نفسي النهاردة مفتوحة على الآخر. حدجته
بنظرة متفحصة قبل أن تقول: وياترى هتقول لماما السر ورا جمال الصباح ده كله ولا هتخبي عليا؟ وأنا أقدر أخبي برضه؟ بس المهم لما أحكيلك متقوليش عليا مجنون. مش هقول، احكي بقى.. شوقتني. تعالي نفطر وهحكيلك على الحلم الجميل اللي طير النوم من عينيا. حلم! أكيد حلم، ماهو في الحقيقة الملايكة مستحيل تعيش على الأرض. اتسعت عينا ريم باستنكار قائلة: معقول يا طنط عايزاني أعمل الفرح وبابا لسه متوفي مكملش سنة؟
لأ طبعاً مستحيل أوافق على الكلام ده. ليه بس يا بنتي.. صحيح الحزن على صادق هيفضل في قلوبنا طول العمر، لكن بصراحة أنا خايفة عليكي، حالك مبقاش عاجبني، دايماً وحيدة وسرحانة وحزينة.. أنا شايفة إن الجواز هو الحل، ماجد بيحبك ولما هتتجوزوا ويجمعكم بيت واحد هتلاقي في وجوده جنبك العوض عن غياب والدك.. اهتمامه وحبه ليكي هيشيلوا الحزن من قلبك ويزرعوا الفرحة بدلهم.
يا طنط افهميني، أنا قبلت أتخطب عشان دي كانت رغبة بابا الله يرحمه قبل ما يموت، لكن جواز دلوقتي مش مستعدة ليه نفسياً ولا قادرة أتقبله، ولو قبلت يبقى هظلم ماجد معايا لإني حقيقي مش قادرة أفرح.. وبعدين ماجد أصلاً مش فاضي للجواز زي ما انتِ شايفة.. طول الوقت مشغول، ده إحنا فين وفين على ما بنشوفه.. عموماً، لما تعدي سنة على وفاة بابا على الأقل نبقى نتكلم. كادت سندس أن تتكلم ولكن ريم نهضت تردف بسرعة:
عن إذنك بقى مضطرة أمشي لإني اتأخرت عن الحفلة. غادرت ريم، تتابعها سندس بحنق قبل أن تتصل بابن أختها الذي لم يجب هاتفه من أول مرة، ولكنه أجاب حين عاودت الاتصال به لتبادره بغضب: طبعاً، نايم ولا على بالك.. ما أنا غلطانة اللي بعتمد على واحد مستهتر زيك. تثاءب ماجد قائلاً: طب قولي مساء الخير يا سوسو الأول، خير متعصبة كده ليه بس؟ بعيد الشر عنك.. مالك بس فيه إيه؟ قالبة عليا ليه بالشكل ده؟
هو أنا مش قعدت معاك من يومين وفهمتك إزاي تتعامل مع ريم عشان تكسب قلبها. حصل. أمال نايم وسايبها تروح الحفلة لوحدها ليه يا سي ماجد؟ أعمل إيه بس يا طنط؟ ما حفلات الموسيقى بتاعتها دي مملة قوي وبتخنقني. تستحمل يا قلب طنط عشان خاطرها، تيجي على نفسك شوية بدل ما تضيع منك أو حد يلعب بعقلها وياخدها منك. حد مين ده اللي ياخدها مني؟ ده أنا كنت أقتله وأشرب من دمه.
ياواد يا جامد.. اتكلم يا موكوس على قدك، ده أنا خالتك مش حد غريب وعارفة اللي فيها. يوه بقى يا خالتي، خليكي دايماً كده تحبطيني وتكسري مجاديفي. مجاديفك! معلش يا سيدي.. عايزة مصلحتك يا ابن أختي، وعشان كده بنصحك.. قوم خد شاور وحصل ريم على الحفلة ومن هنا ورايح خليك جنبها.. خليك ضلها.. اشغلها بيك يا خايب خليها ترضى نعمل الفرح ونخلص بدل ما هي كده قافلة دماغها ومش راضية تلين. هو انتِ كلمتيها عن الفرح؟
أيوة يا أخويا.. ورفضت طبعاً عشان لسه ما فاتش سنة على موت صادق، ولما قلتلها إن الجواز هيمحي الحزن اللي جواها قالتلي إنك أصلاً مش فاضيلها، فضي نفسك يا ماجد واتلم حبتين خلينا نخلص. حاضر يا سوسو.. عيوني. تسلملي عيونك يا حبيبي.. عارف هتعمل إيه دلوقتي؟ قال بملل: هقوم آخد شاور وألبس وأروح لها الحفلة، ومن بكرة هكون زي ضلها.. ملازم ليها في كل حتة.
هو ده الكلام يا حبيبي.. أسيبك بقى تجهز نفسك وافتكر دايماً إن كل شيء في إيدك وإنك وعدتني تخليها زي الخاتم في صباعك في وقت قصير.. وريني الشطارة بقى. هوريكي.. سلام يا خالتي. سلام. أغلقت الهاتف ثم وضعته جانباً فوجدت صورة زوجها الموضوعة على الطاولة جوارها، حملتها تطالعه قبل أن تتنهد قائلة بحنق: كده يا صادق.. كده تعمل المقلب ده فيا؟
تموت وتحرمني من كل حاجة.. كتبت فلوسك باسم ريم وبخلت عليا بيهم.. تستاهل بقى.. كان ممكن مصيرها يتغير وتتجوز واحد بيحبها بجد مش طمعان في فلوسها، لكن عملتك وقعتها في ابن اختي، صحيح وسيم وشبه ممثلين السينما بس موكوس وخايب.. لا شغلة ولا مشغلة.. فالح بس مع البنات، كازانوفا عصره زي ما بيقولوا.. أكيد مش الراجل اللي حلمت بيه لبنتك.. قلتلك عملتك السودا اللي هتضيع مستقبلها.. هييييه هقول إيه؟
غلطات الآباء بيدفع تمنها الأبناء.. زعلان.. لأ متزعلش.. هي بنتك بوضعها دلوقتي كانت هتلاقي حد أحسن من ماجد؟ كانت هتبور وتقعد في أرابيزي العمر كله.. يلا.. ده أنا خدمتك والله رغم إنك متستاهلش، أعمل إيه بقى؟
قلبي أبيض وبنسى الإساءة بسرعة.. طالعة لماما الله يرحمها.. لما بابا اتجوز عليها بلغت عنه الضرائب وبعدين نصحته يكتب كل حاجة باسمها عشان ما ياخدوهاش منه ولما عمل كده فعلاً خلعته.. الراجل جتله جلطة ومات.. مستحملش الحقيقة.. بس هي سامحته قبل ما يموت على جوازه من واحدة تانية غيرها، مش قلتلك قلبها أبيض.. الله يسامحه بقى جوزي الأولاني وجوز أختي.. ضيعوا كل الثروة اللي سابتهالنا أمي في القمار وبعدين دخلوا السجن وماتوا جواه
وسابونا من غير ولا مليم، أختي ماتت هي كمان بحسرتها وأنا عشت وقدرت أعوض خسارتي لما اتجوزتك بس الظاهر إنك عرفت اللي عملته ماما قبل ما تموت وجايز حسيت إن اتجوزتك عشان فلوسك وبس فاستخسرتهم فيا ودي النتيجة.. اشرب بقى.. خلي روحك تتحسر وانت شايف بنتك بتضيع بسبب غدرك بسندس يا صادق.
لتضحك ضحكة شيطانية وهي تضع الصورة على الطاولة مجدداً بينما تلتمع عيناها بقوة... وقسوة. كان ماجد يقص عليها ما حدث بالنادي ليلة البارحة وكيف استطاع هزيمة صديقه في لعبة التنس ليكسب الرهان ويحصل على سيارة الأخير حديثة الموديل ليوم كامل، بينما تكتفي هي بهزة بسيطة من رأسها وابتسامة باهتة تعقيباً على كلماته، حين حضر النادل ووضع الصينية أمامها يفرغ فنجالاً من القهوة قائلاً باحترام: القهوة السادة للبيه. القهوة السادة ليا أنا.
حانت من النادل نظرة تجاه محدثته فتجمد كلية وهو يراها أمامه مجدداً وكأن القدر يسوقها دائماً في طريقه، ليستفيق على صوت ماجد الغاضب وهو يقول: إيه يا بني آدم انت؟ ما تركز في شغلك، وش القهوة راح خالص ونصها اتكب برة الفنجان. طالع النادل الفنجال بصدمة قائلاً: أنا آسف يا فندم مكنش قصدي هجيب للهانم غيرها..... قاطعه ماجد وهو ينهض قائلاً بعصبية: تجيبلها غيرها إيه؟ فين مديرك؟ نهضت ريم بدورها تقول بتوتر:
خلاص يا ماجد من فضلك، محصلش حاجة.. قالك هيجيب قهوة غيرها. قال ماجد بحنق: اسكتي انتِ، أصلك مش عارفة الأشكال دي كويس.. أنا بقى عارفهم وعارف إزاي أتعامل معاهم. يا فندم ميصحش الكلام ده أنا..... قاطعه ماجد قائلاً بغضب: انت كمان هتقولي إيه اللي يصح واللي ميصحش! فين صاحب المكان ده؟ فين المدير؟ يا ماجد... قلتلك اسكتي انتِ وسيبيني أتصرف. جزت ريم على أسنانها بينما جاء إليهم في هذه اللحظة رجل في أوائل الخمسينات يرتدي بذلة
رسمية يقول بلهجة رسمية: تحت أمرك يا فندم.. أنا المدير. قال ماجد بعصبية: تعالي شوف سيادتك اللي شغالين عندكم، البيه جايب لنا القهوة وبيفرغها وعينه هتطلع على خطيبتي.. اتفرج شوف المنظر.. فين الجرسون اللي أخد طلباتنا؟ كان على الأقل محترم.. مش ده مستوى الخدمة اللي مستنيينه من كافيه مشهور زي الكافيه بتاعكم؟ وبعدين انتوا مش عارفين أنا مين؟
أنا ماجد الأسيوطي ابن المرحوم حامد الأسيوطي الصديق المقرب من عماد الجمال عم صاحب كافيهات الجمال وبتليفون مني أقطع عيشكم كلكم. قال المدير باضطراب: يا فندم إحنا آسفين ياريت تقبل اعتذارنا عن اللي حصل وبنوعدك بعدم تكرار الغلطة دي تاني، معلش ده جرسون جديد وأكيد هيتعاقب...... قاطعه ماجد قائلاً: يتعاقب؟! انت بتهزر؟ ده يترفد حالاً وقدامي دلوقتي يتطرد برة. حرام يا ماجد تقطع عيشه عشان حاجة بسيطة زي دي.. الموضوع مش مستاهل.
طالعها بقلب رق لكلماتها المدافعة عنه، يدرك أن قلبها رقيق كملامحها وعزفها، ليقرر أن يدلف إلى حياتها من خلال رقة قلبها، يقترب منها أكثر وقد ارتأى من خلال نظرته النافذة أن هذا الرجل لا يستحق فتاة كهذه، فتاة حملت روحها عبق الماضي حين كانت النساء رقيقات يتمتعن بالأصالة والرقي وطيبة القلب.. فتاة اختلفت عن كل من حوله من الفتيات، لم تكن مرفهة سطحية لا يهمها سوى مظهر فارغ ولم تكن متشبهة بالرجال مطالبة بالمساواة بينها وبينهم، حين صارت لا تشبه أي منهن تميزت في نظره وحين تميزت صار القرب منها واجباً.
عاد بتركيزه إلى الحوار الدائر بين هذا الماجد والمدير وماجد يقول: أنا قلتلك اللي عندي والقرار دلوقتي في إيدك. أكيد الزبون على حق، لم حاجتك وسلم عهدتك يا جهاد. لا يافندم أرجوك بلاش ترفدني، أنا ما صدقت ألاقي شغل، والدتي مريضة وملهاش حد غيري وأنا محتاج الوظيفة عشان أقدر أصرف على علاجها. شفت يا ماجد؟ والله حرام عليكم.. من فضلك يا حضرة المدير مترفدوش.. اخصم منه يومين بس مترفدوش. يا ريم....
كان لابد وأن يكون اسمها ريم.. جميلة كغزالة رقيقة وقعت في يد صياد ماهر، لذا وجب على أحدهم إنقاذها، ومن خير منه قد ينقذها؟ من فضلك يا ماجد لو بجد ليا خاطر عندك متقطعش عيشه، عشان خاطر مامته على الأقل. ربنا يكرمك يا هانم. نظر ماجد بحنق تجاه جهاد قبل أن يتطلع إلى ريم، يتأرجح بين رغبته في إرضائها ونيل إعجابها كما طلبت منه خالته وبين رغبته في الانتقام من هذا الذي جرؤ على التطلع لشيء يخصه، لتفوز الأولى. لذا قال بهدوء:
خلاص مترفدوش واكتفي بالخصم.. اخصمله أسبوع مش يومين وبس.. ويا ريت يمشي من قدامي دلوقتي وابعتلي جرسون تاني بالقهوة. قال المدير باحترام: تحت أمرك يا فندم، قدامي يا جهاد على المكتب.
سار جهاد يتبعه المدير، بينما عاد ماجد للجلوس مطالباً ريم بالحذو مثله، فجلست على مضض وقد أحنقها تصرف ماجد وإصراره على صرف النادل من العمل ثم إصراره على الخصم من مرتبه، تتساءل كيف سيعوض هذا المسكين المال وهو يحتاجه بشدة من أجل علاج أمه كما أخبرهم منذ قليل؟ لتلتمع عيناها وقد خطر في بالها شيء ستقوم به ما إن تستطيع.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!