لا أريد أن أشتاق حنين إلى صوتك جعلني أمسك هاتفي بإشتياق يدق قلبي مع كل رقم تتسارع خفقاته في سباق فجأة تجمدت يداي.. وأوقفتني ذكريات انبثقت من الأعماق كلمات أصابتني بغصة في حلقي.. ومرارة لا تطاق كلمات جعلتني أرحل.. وقد حان وقت الفراق ذاهلة كنت .. غاضبة.. تفوح من قلبي رائحة الاحتراق ابتعدت مجبرة أصون كرامتي وأبحث لجرحي عن ترياق لأعود وأشتاق.. فأمسك هاتفي ولحنيني أنساق أطلب رقمك .. أسمع صوتك.. ثم أغلقه بدمع يراق
أضم هاتفي إلى جوارحي.. أصرخ بإنسحاق ياالله.. لا أريد أن أضعف .. لا أريد أن أشتاق معزوفة حزينة انبعثت من كمانها فتركت الجميع في حالة سكون تام، يشعرون بأنين الأوتار ولوعة النغمات، يتعجبون كيف لملاك رقيق كهذه العازفة أن تقدم مقطوعة بهذا الإبداع؟ بهذه المشاعر التي تدفقت بداخلهم؟ بهذا الكم من الحزن الذي مس شغاف نفوسهم؟
خرت القلوب لمرأي العازفة قد تبللت أهدابها الجميلة تلبية لرغبة مقلتيها في مشاركة صاحبتها مشاعرها فعجزت الأهداب عن حبس الدموع بالمقلتين، تتسلل العبرات على وجنتي صاحبتهما الرقيقتين بتتابع بطيء، وحين انتهت المعزوفة لم تبدو المقلتين هما الوحيدتين المتأثرتين بحزن المقطوعة بل بدا الجميع كذلك وهم يقفون بإجلال للعازفة يصفقون بقوة بينما تزرف العيون الدموع، لتفتح العازفة عيناها الجميلتين تتطلع إلى الجمهور وكأنها تراهم وهم
يصفقون ويهتفون باسمها لتتحول دموع الحزن إلى فرح، تبتسم فتخطف القلوب بجمالها يطالبونها بالمزيد فتنحني قبل أن تمسك كمانها وتبدأ العزف فتطرب القلوب مجدداً بسعادة بعد حزن، لا يدرون أن معزوفتها الأولى كانت رثاء لروحها بينما معزوفتها الثانية هي بعث بعد رد.
*** جلس على الشاطئ.. هذا الذي جامعه يوماً بها، هو أكثر الأماكن التي يرتاح فيها، يحيطه طيفها فيغرق في ثناياه لا يشعر أبداً بالزمن. تغيب الشمس ويسدل الليل ستاره فلا يشعر.. قد بات نهاره ليله وقد غابت شمسه عن السماء فأصبح الكون ظلاماً في غيابها. لم تكن شمسه فقط بل كانت أيضاً قمراً ينير ظلماء ليله فصار ليله داهماً بدوره لا يستطيع أن يسير في أي درب، توقفت خطاه وتجمدت روحه. يتساءل بلوعة.. تُرى أين هي الآن وكيف حالها؟
لقد بحث عنها كثيراً.. في كل مكان توقع أن يجدها فيه.. لا أثر لها في أي مكان، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها. ما الذي حدث لتبتعد عنه هكذا؟ لقد أخبرته زميلته نجاة أنها ارتطمت بفتاة بمواصفات حبيبته تغادر مكتبه باكية؟ لماذا جاءت إلى المكتب ولماذا غادرت دون أن تراه؟ ولماذا كانت تبكي؟ مر بيده على شعره، يكاد أن يُجن.. لقد تجرع في فراقها كؤوساً من الحنظل مريرة جداً لا تحتمل، وتبعثرت ثناياه وتشتت لا يدري كيف يجمع شتاتها.
رحلت أفراحه وسعادته مع رحيلها وسيرحل الشتاء بدوره يوماً كما رحلت ويرحل مطر عشقه لأجلها هي. سيبقي الجرح والحزن والمرارة والأسى والدموع.. أسماء عديدة والمعنى واحد، هو _أسيرها للأبد حنايا القلب تبكي لوعة فراق كان دون وداع.. دون كلمة.. وربما دون أمل. رن هاتفه ليخرجه من ظلمات أفكاره كاد أن لا يجيبه ولكنه أجاب بملل دون أن ينظر للرقم، لتتسع عيناه بصدمة حين وصلته بضع كلمات أطارت صوابه وجعلته يقفز واقفاً ويسرع في خطواته...
"ريم في مسرح الأوبرا بتعزف.. تعالي حالاً." *** أمسكت قلب السلسال الملتف حول جيدها بيدها تدعو الله أن يقر قلب ولدها مع حبيبته التي أهدتها هذا السلسال وسكنت بجمال قلبها قلوبهم: "إهدي ياابني، متعملش في نفسك كدة." كان يجول كليث جريح يمرر يده في رأسه بعصبية يقول بمرارة: "أهدي إزاي بس ياأمي؟ بقولك ملحقتهاش، كان بيني وبينها ربع ساعة بس، لو كنت لحقتها كنت لحقت روحي." "طب مسألتش المايسترو؟ أو أي حد معاها في الفرقة؟
أكيد فيه حد يعرف مكانها." جلس جوارها يزفر بقوة: "مفيش حد يعرف عنها حاجة، زي ماظهرت فجأة اختفت فجأة وبرضه مسابتش أثر وكأنها قاصدة تبعدني عنها، أنا لحد آخر لحظة كان عندي أمل تكون بتبعد شوية لأي سبب بس في النهاية مش هتقدر تبعد كتير، هوحشها زي ماهي وحشتني، بس الظاهر اني كنت غلطان واني اتوهمت مشاعر في قلبها ليا مكنتش موجودة أساساً."
"ياابني صدقني، ريم فيها حاجة زي ماقولت ويمكن الحاجة دي خليتها تعتزل الكل، انت بنفسك قولت انها مقالتش لأعز صاحباتها علي مكانها، مش انت المقصود بالبعد وأكيد لما هتروق هترجع من نفسها، لو شوفتها وهي بتعزف هتتأكد من كلامي." تطلع إليها قاطباً جبينه وهو يقول: "قصدك إيه؟ أمسكت الريموت تقول بإصرار: "أنا مش هقولك، هخليك تشوف بنفسك أصلي سجلت الحفلة كاملة."
وجه كامل انتباهه إلى التلفاز خاصة حين ظهرت حبيبته تتوجه إلى مكانها على المسرح تتعلق عيناه بملامحها الجميلة لتعود الحياة إلى قلبه لمرآها، يخفق بقوة كما لم يخفق منذ غيابها، لتبدأ العزف ومع كل نغمة يسمعها يجد لأنينها صدى في نفسه وللوعتها غصة في حلقه فلم يشعر بأنه يشاركها عبراتها حتى وجد الرؤية ضبابية أمامه ليمد يده إلى عينيه يبغي إجلاء نظره فوجدهما مندتين بالعبرات. ***
كانت تحصي النقود التي معها فوجدتها بالكاد تسد أجرة الحجرة التي تعيش فيها لليوم فقط، نظرت في حسرة ليديها الخالية من المجوهرات بعد أن باعت آخر قطعة لديها لتعيش منها في الأيام القليلة الماضية، تندم لبيعها المجوهرات التي أهداها إياها صادق قطعة تلو الأخرى لأجل الخائن عزت ولأجل الفاشل ماجد، حين خطر الأخير ببالها ترددت للحظة، يبدو أنه لا مناص من أن تطأ كرامتها وتلجأ إليه وقد ضاقت بها السبل رغم أنه نذل حقير سيتلذذ بإذلالها
ولكنه بالنهاية من دمها ولن يرتضي بقائها بالشارع، منعها كبرياؤها من أن تفعل، تنوي أن تنزل اليوم في جولة أخيرة للبحث عن ابنة زوجها الغبية، من يعلم فقد يحالفها الحظ وتجدها وحينها ستزرف سندس أمامها الدموع وستصدق هذه الساذجة طيبة القلب دموع التماسيح خاصتها وتعيدها سيرتها الأولى، أما إن لم تفعل فستلجأ للحل الأخير وليذهب وقتها كبرياؤها إلى الجحيم.
*** كان يجمع ثيابه ويضعها في حقيبته.. طرقات على الباب يعرفها جيداً جعلته يأذن لصاحبتها بالدخول، دلفت والدته فوجدته يغلق حقيبة السفر، قطبت جبينها تقول بحيرة: "انت رايح فين ياابني؟ وضع حقيبة السفر أرضاً يقول بضيق: "مسافر ياأمي." "هتروح فين؟ "متقلقيش، مش مسافر برة البلد المرة دي." "تفتكر لما تغير المكان هتنساها." زفر يجلس على السرير قائلاً: "ومين قالك اني عايز أنساها؟ اللي زي ريم مستحيل تتنسي." اقتربت منه تقول بحزن:
"معاك حق.. لسة مفيش خبر عنها؟ "من يوم ما اختفت من الحفلة قبل وصولي وأنا بحاول أوصلها، سألت الكل عنها مرة واتنين وتلاتة بس محدش عارف مكانها أو يمكن رافضين يقولولي، أكيد منبهة عليهم." "وليه بس هتعمل كدة؟ "مش عارف ياأمي وده اللي هيجنني، أنا كنت خلاص هصارحها بكل حاجة وأعرض عليها الجواز بس القدر ما استناش وبعدها عني." "لو نصيبكم مع بعض هتتجمعوا من تاني ياابني."
"ادعيلي ياأمي.. ادعيلي تكون ريم نصيبي لإني محبتش قبلها ولا يمكن بعد ماحبيتها أحب واحدة بعدها.. هي غير ياأمي.. هي غير." أمسكت بقلب سلسالها مجدداً وهي تقول: "بدعيلك ياابني والله بدعيلك وبدعيلها ليل ونهار." قبل يدها قبل أن يقول مبتسماً بحزن: "يبقي أكيد هلاقيها بفضل دعواتك ليا." ربتت على يده فنهض يمسك حقيبته قائلاً: "أنا مضطر أمشي عشان متأخرش.. انتِ عارفة اني مبحبش أسافر بالليل.. ايه رأيك تيجي معايا؟
"مش هينفع.. انت عارف اللي ورايا.. لو خلصت بدري جايز أحصلك." "هستناكي." هزت رأسها فقبل جبينها قائلاً: "سلام ياأمي." تابعه يغادر تقول بحنان: "سلام ياحبيبي.. ربنا يوفقك ياابني ويجعل لك في كل خطوة سلامة ويجعل ريم بنت حوا وآدم من نصيبك ويبرد قلبك ويريحك...... يارب."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!