منحته ملعقة الدواء فتناولها منها يبتسم بحب. فلم يعد يتعجب من قدرتها على القيام بأشياء كثيرة يفعلها المبصرون. يدرك أنها تواجه ضعفها بالتحدي، بقدراتها التي تكتسبها بجلد وصبر. تمسح عن العيون الشفقة وتجني كل الاحترام. "تعرفي ياريم قبل ما تيجي هنا كنت عايش إزاي؟ "إزاي يا جدي؟
"كنت فاكر إني عايش مبسوط وراضي. كنت شايف في العزلة دواء لروحي. مدريتش إنها كانت هتأخد روحي وتدفنها بالحياة. كنت بقوم من السرير لأجل إنه لازم أقوم، كنت باكل لأجل إنه لازم آكل. بس دلوقتي عرفت إن الجنة من غير ناس ماتنداس، وإنتي مش ناس، إنتي أغلى الناس. النور اللي هينور عتمة قلبي. إنتي اللي دبّيتي فيا الحياة كيف المطر لما يحيي أرض مهجورة دبل زرعها ومات. وإنتي الشمس اللي دفّت قلبي بعد برد السنين. إنتي السبب اللي بقوم من النوم لأجلها، وإنتي اللي باكل وأشرب لأجلها برديك. لأجل ربنا يطول في عمري هبقى أعيشها معاكي يا غالية.. يا بنت الغالية. وه وه، عتبكي ليه دلوقتي؟
أمسكت يده تقول بحب غمر ملامحها ونبرات صوتها: "عايز تقولي كل الكلام الحلو ده يا جدي ومابكيش. دي دموع السعادة يا جدي. دموع مبتخرجش غير مع الناس اللي بنحبهم وبس. تعرف بعد وفاة والدي محسيتش بالأمان وحضن العيلة غير هنا. في بيتك وفي حضنك. لو تعرف قد إيه بحبك كنت اتأكدت إن زي ما إنت عايش عشاني، فأنا عايشة عشانك يا جدي." "تعالي يا بتي، تعالي في حضن جدك خلينا نبكي سوا."
سحبها لحضنه فنامت جواره، يضمها لصدره. تغمض عيناها بينما يحكي لها عن والدتها وكيف كانت لا تنام حتى يقص عليها القصص. ليبتسم الجد بحنان وقد انتظمت أنفاس حفيدته ليدرك أنها كوالدتها تماماً. وهي لديه عزيزة مثلها بل أعز كما قال السلف. ***
أغمضت عيناها تتعمق في ألحان معزفتها. تراه بين النغمة والأخرى. لا تستطيع نفض صورته أو إحساس بالفقد ملك حواسها. فما بين جرح الغدر العميق وحنين يجتاح الوجدان للحظات شعرت فيها بلذة الحياة وهي حده. يتمزق فؤادها. لا تدري كيف ظل القلب يتوق له رغم جرح أصاب القلب مازال ينزف حتى هذه اللحظة؟ لماذا جعلها تتعلق به وملك عليها جوارحها ثم طعنها بخنجر حاد في صميم قلبها؟
صارت حياتها دونه فارغة الأركان، يسود الصمت جوانبها. بهتت ألوانها ثم صار اللون الأسود الشبيه بظلمات عينيها ظلاً لحياتها. قاتمة دونه ليس بها بصيص أمل. تذرف الدمع على أوقات سعادة لم تعد في متناول يدها بعد أن ذبلت أوراق الحب وتوقف الوقت حين استوطن الحزن القلوب.
لم تدري أنها كانت تبكي، تشاركها نغماتها ألم الفراق ولوعة الحنين حتى تذوقت الطعم المالح للعبرات. فتوقفت فجأة عن العزف لتسمع تصفيقاً حاداً لم يفعل بقلبها ما فعلته ذكرى تصفيق آخر مر بخاطرها للتو فأثار كل ذرة بكيانها. تتذكر تصفيق الجمهور لها أيضاً يوم الحفل وكم أثار مشاعرها وأسعدها. ولكن أيضاً لم يكن له نفس تأثير تصفيق رجل احتل وجدانها وتسلل إلى قلبها فصار يسري بروحها مسرى الدم في الشرايين. استمعت إلى
صوت العم مرزوق يقول بحماس: "الله أكبر عليكي يا ست ريم. كني بسمع صوت المزمار أو الربابة حدانا في البلد. عتفكّريني بيها وعتشوقيني ليها يا بنت الناس. أني لازم ولابد أسافر لها وأطل على داري هناك والساجية القديمة كماني وأرجع الذكريات." ابتسمت برقة تقول: "صحيح يا عم مرزوق مقلتليش إيه اللي خلاك ترضى تسيب دارك والبلد وتيجي مع جدي مرسي مطروح؟
"أني اتولدت واتربيت في بيت جدك الكبير. كنت ضل الحاج فهمي من صغري سني. وين ما يروح عروح. ولما ماتوا أهله ووجعه وجوده في المكان اللي مليان بذكرياته معاهم وجال لازم يفارجه جيت إمعاه. وإنه لجي نصه التاني كيف ما لجيته. لكن حظه كان أحسن من حظي هبابة.. اتجوز حبيبته وجاب الست ليلي الله يرحمها. لكن أنا نصي التاني ماتت الله يرحمها هي كماني.. كان عندها المرض الخبيث ربنا يحفظك منه. خطفها في عز شبابها ومن ياميها وأني عايش على ذكراها لحد ما ألاقيها عند رب كريم."
"الله يرحمها.. لسة فيه ناس بتحب وبتخلص بالشكل ده؟ والله حيّت فيا الأمل من تاني بعد ما ماتت أمل محروقة يا عم مرزوق." ضحك مرزوق قائلاً: "الله يحفظك يا ست ريم وما يحرمناش منك ولا من صوت البتاع اللي في يدك ده." "اسمه كمان يا عم مرزوق.. متقلقش هتسمعني بعزف على طول.. بتدرب بقى عشان حفلة عيد الحب وانت وجدي والست نفيسة هتكونوا جمهوري الوحيد لحد ما أسافر مصر."
"الظاهر مش إحنا بس اللي حنكون جمهورك.. أني لسه شايف سي جواد واقف هناك كيف التمثال عيتطلع فيكي كنه مسحور بأنغامك." قطبت جبينها تردد بحيرة: "انت قصدك جواد الجمال.. جارنا؟ كان واقف يسمعني وأنا بعزف؟
"آه والله زي ما بقولك كده. الواد محروس الجنايني بتاعه جالي إنه جه من كام ساعة والظاهر إنه كان قاعد في الجنينة وسمعك وإنتِ بتعزفي لإني لقيته جاي اليمة دي وأول ما شافك عيونه كانت عتفرط من وشه. وجف كيف التمثال عيطلع ليكي وبعدين مسك تلفونه ورمح ناحية بيته رمح. الظاهر جاله مكالمة مهمة فملحقش يهنيكي على عزفك." هزت رأسها بهدوء تحمد الله أنه لم يفعل. يكفيها ما لاقته من الذين يستمعون لنغماتها خلسة. نفضت أفكارها تقول:
"بالمناسبة يا عم مرزوق أخبار شجرة الريحان إيه؟ أوعى تكون رويتها.. انت مش قلتلي هتخليني أرويها بنفسي." "مرزوق لا يمكن يرجع في كلمته أصل. شجرة الريحان عتستناكي يا ست ريم ترويها بالمي كيف ما بتروي روحنا بروحك وأنغامك الحلوة." ابتسمت تقول: "والله انتوا مدلعيني قوي بكلامكم واهتمامكم.. أنا خايفة أتعود على الدلع ده." "وتخافي ليه يا ست ريم؟ إنتي بين أهلك وعزوتك واللي بين أهله وعزوته عمره ما يخاف أصل."
كنت بين أهلي وكان الخوف مصاحباً لي كظلي حتى فارقتهم فزال الخوف عني وأدركت أن القرابة ليست بالدم أو العشرة ولكنها بصفاء القلوب. الأهل هم قلوب أحبوك من أول وهلة واهتموا بك لوجه الله لا يبغون جزاءً ثم تمنوا لك الخير وذكروك دائماً في أنفسهم وعلى الملأ وفي دعواهم. *** "يا يحيى قولتلك بهزر، وحياة ربنا بهزر.. ما إنت عارف إنك ساكن في قلبي ومفيش غيرك، ليه بس اتعصبت وزعلت مني؟ انت معندكش ثقة فيا ولا إيه؟ طالعها بعتاب قائلاً:
"مكنتش أدّيتك اسمي يا خديجة. فيه فرق بين الثقة وإني أطالبك بالحفاظ على كرامتي." قالت باضطراب: "وأنا عملت إيه يعني يمس كرامتك؟
كل اللي قولته لريم في التليفون دلوقتي لما قالتلي إن جواد الجمال جه الفيلا اللي جنبهم "يابختك هتقابليه". ماهو جواد بالنسبة لي زي ممثلين السينما أو المطربين كده، وده زي مطرب الكل بيحبه وبيحترمه لكن دايماً يغني في الراديو والكل حابب يشوف صورته. الناس اللي من النوعية دي بنحب نسمع أخبارهم، نعرف أشكالهم نتصور حتى معاهم لكن مبيسكنوش القلب بالطريقة اللي ممكن تزعلك."
"مجرد كلامك عن راجل غيري يجرحني ويزعلني يا خديجة حتى لو كان مجرد إعجاب بسيط بفنه أو بموقف عمله. بدلي الأدوار وخلينا بنتفرج على فيلم مثلاً وأبديت اهتمام بفنانة من الكرو، إنتِ وقتها مش هتغيري؟ ياريت متتسرعيش لإن لو صارحتِ نفسك ومكدبتيش عليها هتعترفي إن عندي حق." طالعته بعيون أدرك من خلالها أنها قامت بالفعل بتبديل الأدوار ووجدت أنه على حق. فقد اغرورقت عيناها بالدموع وهي تقول بصوت هامس: "آسفة."
لم يسمعها فقبض جبينه قائلاً: "بتقولي إيه؟ وجدت نفسها تغمره بسرعة دون إرادة منها وقد شعرت بحماقتها التي جعلته غاضباً منها كما لم تره من قبل، تقول بندم: "آسفة آسفة آسفة، سامحني عشان خاطري، مكنتش آخدة بالي بس دلوقتي عرفت قد إيه جرحتك من غير ما أقصد.. من حقك تزعل مني بس...... ضمها وهو يقول:
"هشششش، خلاص.. مادام فهمتي واعتذرتي زعلي كله راح في ثواني وبصراحة لو كان فاضل في قلبي أي حاجة فضمتك ليا محتها ومخلتش غير الحب في قلبي وبس."
تجمدت بين ذراعيه تدرك للمرة الأولى أنها بينهما وأنها وحدها معه في المنزل لا تخشاه قدر خشيتها ضعفها وهي بين يديه. لا تبغي خطأ قد يفسد حياتهما فحتى وإن كانا متزوجين بعقد قران تعترف به الدولة والقانون، فهما خطيبان حتى يسلمها والدها ليحيي في عرس يشهده الجميع. انسحبت من ذراعيه فتركها على الفور يدرك أفكارها التي راودته بدورها. ليقول بهدوء لا يعكس خفقاته التي جُنّت لقربها: "إيه رأيك أعمل اتنين لمون يروقوا أعصابنا؟
إحنا لسه ورانا كتير في الفرش.. ها.. هنبدأ بأوضة النوم." ارتبك واتسعت عيناه لدي ذكره الحجرة ليردف بتوتر: "أقولك افرشي الأوضة دي على ما أنزل أجيب لنا لقمة ناكلها. حاولي تخلصي بسرعة قبل ما آجي.. ماشي.. سلام يا ديجا."
لم ينتظر ليسمع منها أي شيء وهو يسحب مفاتيحه وهاتفه، يغادر الشقة بسرعة بينما تتابعه خديجة بابتسامة محبة. قبل أن تهز رأسها وهي تتجه لحجرة النوم كي تنهيها بسرعة. تتمنى لو أغمضت عيناها وفتحتها لتجد نفسها تدلف الشقة معه بفستانها الأبيض ووقتها ستدع كل ما يحول بينهما على عتبة الباب وتمنحه نفسها بسخاء كسخاء مشاعره تجاهها. ***
"حتى إنت كمان بتطردني من بيتك يا ماجد، ده أنا سندس خالتك اللي كان بيتها مفتوح لك ليل ونهار.. خالتك اللي ياما حميتك واديتك فلوسها ودهبها." "مكنتيش بتعملي كده لوجه الله يا سندس، كانت دايماً ليكي مصلحة معايا.. ريم.. ولا نسيتي؟
قبل ريم كنتي فين وفين لما تسألي عليا وبرضه كان سؤالك للمصلحة. ولما احتجتيني عشان تسيطري على بنت جوزك بقيت حبيبك فجأة وابن أختك وكل مالك ودهبك تحت أمري. وأول ما انتهت المصلحة وملقتيش فيا رجا بعتيني واشتريتي سي عزت بتاعك.. مش كده ولا إيه؟ اتسعت عيناها على آخرها تقول: "انت عرفت؟ قال بسخرية:
"آه عرفت.. قابلت خديجة صاحبة ريم وكانت شماتة فيا وقالتلي.. قالتلي الحمد لله إن ربنا نجى ريم منك ومن خالتك ومن عزت اللي كانت عايزة تغصبها عليه.. عزت اللي كنتِ عشمانة يقدر على ريم، أهو طفشها وباعك إنتِ كمان وراح اتجوز ونفضلك مش كده ولا إيه؟ قالت بانكسار: "انت كمان عرفت دي؟
"قلتلك يا سندس إني مش هسيبك في حالك، كنت ناوي أعلم عليكي بس جه اللي شال الشيلة عني وعلم.. بس علم قوي لدرجة إن الجرح هيفضل ينزف ومش هيلحم أبداً لحد ما يقضي عليكي." "انت شماتان فيا يا ابن...... قاطعه قائلاً بحدة: "لمي نفسك أحسن لك يا إما والله لا هراعي كبر سنك ولا كسرة نفسك وهفرّج الناس عليكي." "والله وطلع لك صوت يا ملطشة الفتوات.. فاتح صدرك قوي عليا.. انت ناسي الشيكات اللي معايا؟ انت ناسي أقدر أعمل بيهم إيه؟
قال بسخرية: "قصدك الشيكات اللي كانت معاكي قبل الساكن الجديد ما ييجي يتمكن من الشقة ويطردك منها من غير حتى شنطة هدومك وأكيد رمى كل حاجتك في الزبالة. المكان الطبيعي ليكِ ولأمثالك." رفعت يدها تصفعه فأوقفها قبل أن تمس وجهه قائلاً بغضب: "قلت لك لمي نفسك يا سندس أحسن لك وامشي من هنا بدل ما أجيب لك البوليس." دفعها فسقطت أرضاً تطالعه بقهر فأشاح بوجهه عنها. نهضت ببطء وقد اغروقت عيناها بالدموع قبل أن تستدير وتغادر بخطوات
سريعة فقال ماجد ببرود: "في ستين داهية." قبل أن يصفع الباب خلفها بقوة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!