الفصل 7 | من 17 فصل

رواية لا تشبهين احدا الفصل السابع 7 - بقلم شاهنده سمير

المشاهدات
20
كلمة
3,849
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

هل من الممكن أن يتعلق المرء بأحدهم من صوته، يتوسم فيه الخير وطيب القلب وشفافية الروح، يراه وكأنه يستطيع الإبصار. لا يحول الظلام بينه وبين هذا الشخص بل يستطيع دون جهد أن يصف ملامحه، ينسج له صورة تشبهه حد التماثل وتشوقه بقوة لأن يمنحه الله البصر للحظات حتى يوقن من أنه استطاع رسم خطوط وجهه وببراعة.

هكذا شعرت ريم وهي تجلس أمام هذه السيدة الكريمة التي أحبتها منذ اللحظة الأولى. استقبلتها السيدة حورية بحفاوة أنستها ظلام دنياها وهي تشرق بابتسامة هذه السيدة الطيبة وحماسها. لم تشعر للحظة بأنها سيدة مقعدة كما أخبرها جهاد، بل كانت تتنقل حولها كفراشة جميلة تحضر لها ما بالمنزل من ضيافة وتُعد لها الشاي. يشاركها جهاد في جو عائلي جميل افتقدته ريم كثيراً حتى كادت أن تنساه. أفاقت من أفكارها على صوت السيدة حورية وهي تقول:

"ايه يابنتي مبتاكليش ليه؟ لو الرز واللبن بتاعي مش عاجبك متتكسفيش.. سيبيه من ايدك علطول." "مش عاجبني ازاي بس؟ ده يجنن.. تسلم ايدك يا طنط." "ربنا يجبر خاطرك ياريم، مش ناوية بقي تسمعيني حاجة من عزفك؟ جهاد بيقول انك بتعزفي حلو قوي." كان جهاد قد عاد في هذه اللحظة بعد أن أحضر العصير. لاحظ انقباض أسارير ريم فقال بسرعة: "مرة تانية بقي يا ست الكل، ريم يادوب تشرب العصير ونمشي عشان متتأخرش." ناولها كوب العصير في يدها مردفاً:

"ده عصير الفراولة اللي بتحبيه." لمسة يده يدها وهو يناولها الكوب ويحيط به أناملها أصابتها برعشة حاولت نفضها وهي تتساءل كيف عرف بعصيرها المفضل؟ هل طلبته حين كانت تتردد على الكافيه الذي كان يعمل به؟ لا تتذكر حقاً. نفضت أفكارها مجدداً وهي تعيد الكوب للطاولة قائلة: "مش هقدر أشربه الوقت فعلاً اتأخر... قطعت كلماتها والكوب يفلت من يدها ويقع على الأرض متحطماً بصوت مدوي. انتفضت تقول باضطراب وخجل: "أنا آسفة مكنتش أقصد...

قاطعها جهاد قائلاً: "ولا يهمك بس خليكي في مكانك متتحركيش عشان متتإذيش، أنا جاي حالاً." تمنت في هذه اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها حين سمعت كرسي السيدة حورية يقترب منها قبل أن تمتد يدها وتمسك بها يدها تقول بحنان:

"كلنا ممكن نوقع كوباية العصير ياريم، مش مشكلة على فكرة ولا تستاهل عيونك الجميلة دي تتدمع بسببهم. أنا عايزة أقولك حاجة، ربنا لما بياخد مننا حاجة بيعوضنا بحاجات تانية أجمل وأحسن بكتير لأن اللي عند ربنا أجمل وأحلى من أي شيء."

"لما ربنا خد مني رجلي في الحادثة اللي حصلتلي بعد جوازي علطول، عوضني بجهاد وكان نعم العوض.. زي ما كان باباه أكبر عوض ليا بعد عذابي قبل ما أشوفه ودي حكاية طويلة في يوم من الأيام هحكيهالك.. أنا قصدي أقولك ان ربنا لو خد منك نعمة فليه حكمة والحكمة هتعرفيها لما هيرزقك ربنا بنعمة أكبر منها، وقتها مش هتحسي بالقهر ولا الزعل بالعكس كل ما تفكري في ضعفك هتفتكري نعمه التانية وتحمديه عليها.. ربنا خيره كتير ولو آمنتي ان في كل شيء بيصيبك خير.. هترتاحي يابنتي."

كلماتها كانت كنبع ماء مر على فؤادها الحار فأطفأ لهيبه وأعاد تجديد خلاياه. شعرت بهدوء وطمأنينة لم تشعر بهما منذ أن كان هو حدها والدها رحمه الله يطيب بكلماته جروحها ويشفي بحنانه الألم. ابتسمت بحب تردد هامسة: "اللهم لك الحمد والشكر." *** "مش عارفة يا خديجة، من زمان محسيتش براحة نفسية زي اللي حسيتها وأنا بينهم، وكأني في بيتي.. وسط أهلي.. احساس محستوش غير مع بابا الله يرحمه ومعاكي."

"سامعة في صوتك قلق غريب ياريم، ايه المشكلة لما تحسي الاحساس ده معاهم؟ هل تخبرها أنها تخشى التعلق بهم ثم الرحيل مجبرة عنهم؟ لقد شعرت اليوم وهي تغادر منزلهم يُوصلها جهاد إلى أقرب سيارة أجرة أنها تترك روحها هناك، معهم داخل جدران هذا المنزل. فماذا لو اقتربت أكثر؟ لاحترقت بلهيب الفراق. ثم ما الذي قد يربطها بهم في يوم من الأيام؟ أقصى ما تستطيع تقديمه إليهما هي صداقة لا أكثر؟ ترى هل سيتقبلها ماجد بعد زواجها منه؟ بالطبع لا.

زواجها منه...... نفور عجيب في روحها ينبثق ما إن تخطر الفكرة على بالها. هل يجب عليها أن تمعن التفكير مرة أخرى في قرارها الزواج من ماجد أم ترضخ لرغبة والدها قبل أن يذهب لمثواه الأخير؟ أفاقت من أفكارها على صوت خديجة تقول بقلق: "ريم.. روحتي فين؟ قوليلي بس ايه اللي قلقك بالشكل ده؟ حاولت ريم أن تُبعد خديجة عن الخوض في هذا الأمر وليس لديها حتى الآن أي تفسير لمشاعرها الجديدة عليها، لتقول بمرح مصطنع:

"سيبك مني وقوليلي فين الباشمهندس.. اتأخر كده ليه؟ أوعي يكون عامل فيكِ مقلب ومش هييجي.. وقتها هيعلقك باباكي من رجليكي ويمدك زي مستر فوزي، مدرس الرياضة في ابتدائي.. فاكرة ولا نسيتي؟ "بس ورحمة باباكي ياريم.. ده نفس كلام ماما اللي بتقولهولي، طبعاً عمي صفوت الجواهرجي بتاعنا قالها عن اللي عملته ومن وقتها وهي بتقولي هياخد دهبك ومش هتشوفيه تاني يافالحة ووقتها باباكي مش هيرحمك لما يعرف."

"ما انتِ هبلة.. حد برضه لما يحب يغير دهبه يروح للجواهرجي بتاعهم؟ ما الطبعي انه يبلغ أهلك." أشاحت بيدها قائلة: "أهو اللي حصل بقي.. مندفعة و متهورة و مبفكرش عارفة بس بتعلم وواحدة واحدة تصرفاتي هتظبط، ما انا مش هفضل هبلة طول عمري." "لأ هتفضلي." "ريم! "خلاص ياستي متتعصبيش هنسيب الهزار ونتكلم جد حبة." لتعتدل قائلة بجدية: "هسألك سؤال وتجاوبيني عليه بصراحة.. انتِ من جواكي مقتنعة بكلام والدتك؟

"لأ طبعاً يحيي مستحيل يعمل كده.. معنديش ذرة شك فيه، بالعكس انا واثقة فيه ثقة من غير حدود." "يبقى اهدي واستني والغايب حجته معاه زي ما بيقولوا." "عارفة إنه أكيد معذور وان تأخيره بسبب لكن برضه متغاظة، مفيش تليفون يعتذر بيه عن التأخير ويقول أسبابه." "ما جايز مفيش عنده شبكة أو تليفونك اللي فاصل شبكة، وبعدين متصلتيش انتِ بيه ليه؟ "خفت يقول مش واثقة فيه وبتأكد انه جاي ومش هيهرب بدهبي."

"خايبة.. زي ما ثقتك في يحيي من غير حدود أكيد ثقته فيكي من غير حدود ومستحيل يفكر بالطريقة دي.. أكيد لما حبك عرفك وفهمك زي ما انتِ فهمتيه ومستحيل يشك انك بتفكري بالأسلوب ده، وبعدين اللي تآمن واحد على روحها وتقف جنبه زي ما وقفتي معاه مستحيل هتبص لشوية دهب وتخاف عليهم منه.. مستحيل طبعاً ولا إيه؟ "معاكِ حق ياريم.. أنا هتصل بيه حالاً." لتمسك هاتفها وتفتحه ثم تضرب رأسها بخفة قائلة: "الموبايل فاصل شحن." "مش قلتلك."

وضعت الهاتف على الشاحن بسرعة وفتحته وما إن فعلت حتي جاءها اتصالاً منه على الفور لتهتف بحماس وقد علت خفقات قلبها وتسارعت بقوة: "يحيي ياريم.. يحيي." ابتسمت ريم بينما تردف خديجة بلهفة: "أيوة يايحيي.. انت فين؟

"معلش ياقلبي اتأخرت عليكي، العربية عملتها معايا وبقالي ساعتين بحاول أشغلها، كنت خلاص قربت أيأس وأسيبها وأركب تاكسي بس الحمد لله اشتغلت أهي وانا في السكة.. حاولت أكلمك كتير بس الشبكة مكنتش بتجمع وفي الآخر لقيت تليفونك مقفول وتليفون والدك برضه خارج التغطية." "ديجا." "عيون ديجا." "عاملك مفاجأة حلوة قوي.. ثواني وأكون عندك.. بحبك ياديجا.. بحبببببك." "أنا كمان بحبك ومستنياك.. سلام ياحبيبي." "سلام ياقلب حبيبك."

أغلقت الهاتف تضمه إلى صدرها بقوة قائلة بسعادة: "يحيي جاي ياريم.. جاي." اتسعت ابتسامة ريم تسعد لسعادة صديقتها وتدعو لها في سرها بأن يتم سعادتها ويزيد من أفراحها دائماً وأبداً. ***

"كانوا معي.. يشاركوني أمواج بحر الحياة، يرشدوني سبيل النجاة ويمسكون بيدي وكأنهم طوق يحميني من الغرق، ثم رحلوا فصرت أتخبط بين أمواج البحر العاتية، أعافر كي لا يجذبني التيار.. أحاول الصمود بكل قوة ولكن البحر هائج وقواي تخور أمام قسوته وظلماته التي لا تتخللها الأنوار."

"لقد أصبحت هزيلة بعد رحيل أحبتي وصارت الحياة لا معنى لها ولا لذة، وفي حنايا القلب استقرت لوعة طالبتني بالاستسلام فكدت أستسلم وأرحل بدوري إلى حيث ألقى الأحبة، وما كدت أفعل حتى ظهر فجأة أمامي شعاع من نور انتشلني من يأسي ومنحني بعض الأمل، خشيت أن يكون وهماً فلم أحاول الاقتراب ولكنه هو من اقترب وأضاء ليلي الداهم فانبثق الأمل بالقلب ساطعاً وتسرب في شراييني، يتبدد الحزن من قلبي رويداً رويداً ويحل محله شعوراً بالطمأنينة والثقة في النجاة أرفض أن أرفع راية الاستسلام وأطالب روحي بالحياة."

"ربما أخشي هذا الأمل ولكني رغما عني أتمسك به، ينساق قلبي له وكأنه قدري الذي خلقت لأجله.. وكأنه كُتب علي الخوض بين أيام الحياة ولياليها أعيش كل مشاعرها.. فحياة تنبض بالمشاعر أفضل ألف مرة من حياة فقدت النبض تحتضر دون شعاع من أمل." أفاقت من أفكارها على صوت مدربها وهو يقول: "لأ ياريم.. انتِ مش معايا خالص النهاردة.. مش مركزة بالمرة.. ياتري ايه اللي شاغلك بالشكل ده؟ قالت بارتباك:

"آسفة يا آنكل هادي.. أنا فعلاً مش مركزة وياريت نأجل التدريب ليوم تاني بعد اذنك.. لو يعني مش هيسببلك تأجيلي أي تعب." "تعب ايه يابنتي؟ ده انتِ بنت صديق عمري ورفيق الغربة.. صادق الله يرحمه.. يعني بنتي.. تقدري تأجليه طبعاً زي ما انتِ عايزة، المهم انك تراجعي قرارك وتفكري بجدية تعزفي في الحفلة الجاية، بجد هنبسط قوي لو غيرتي رأيك.. انتِ موهبة جميلة وقوية وحقيقي خسارة متظهرش للنور." ظهر الأسف على ملامحها الجميلة وهي تقول:

"كان بودي والله يا عمي بس غصب عني.. مش هقدر اعزف قصاد الجمهور وأنا..... تركت جملتها معلقة فربت هادي على يدها قائلاً بحنان: "مفيش حاجة في الدنيا تمنع عازف انه يعزف قصاد جمهوره ويخرج موهبته للنور، الحواجز احنا اللي بنحطها بينا وبين الجمهور ياريم، واحنا بس اللي نقدر نشيلها لو آمنا انها مش لازم تكون موجودة." نهضت تقول بتوتر: "من فضلك يا آنكل، لو بجد بتحبني زي بنتك يبقي بلاش نتكلم في الموضوع ده.. على الأقل في الفترة دي."

طالعها هادي للحظات قبل أن يهز كتفيه بقلة حيلة، يقول بهدوء: "أنا هسكت بس هدعيلك تخطي حواجزك وتقدري تخرجي من الدايرة اللي قفلتيها على نفسك لإنك لو مقدرتيش هتبقي خسارة كبيرة للناس وليكِ انتِ كمان ياريم." "أنا.. أنا مضطرة أمشي.. عن إذنك." غادرت بسرعة تحمل آلتها الموسيقية تتخبط قليلاً وهو يتابعها بعينيه حتى غابت عن ناظريه قبل أن يهز رأسه بيأس ويعود لنوتته الموسيقية.

بينما جلست هي في السيارة تلتقط أنفاسها بصعوبة، تشعر بالإختناق، ترغب من كل قلبها أن تلبي طلب مدربها بل تلبي رغبة قلبها بالعزف أمام الجميع ففي العزف أمام جمهور لذة لا تضاهيها لذة، ولكن يمنعها عجزها الذي ولد بداخلها ضعف وخوف من تنمر الناس عليها كما فعل هذا الرجل بالنادي وغيره ممن شاهدت منذ إصابتها بالعمى، فنفوس البشر مريضة كما اكتشفت وهي لن تسمح لهم بأن يمارسوا عقدهم عليها.. لن تسمح لهم بجرحها مجدداً كما فعلوا في السنة المنصرمة أكثر من مرة.

وجدت نفسها تمسك هاتفها وتبحث صوتياً عن رقمه.. تترك له رسالة حتى يلاقيها عند الشاطئ ثم تغلق الهاتف وتطلب من العم مصطفى أن يوصلها إليه بأقصى سرعة لديه. *** "هل اختلف المكان باختلاف الصحبة؟ "نعم بكل تأكيد.." "فقد عبق المكان بجمال حضورك وكأنني في عالم أسطوري صفت سماؤه بعد خريف عاصف وتجملت أركانه حتى صار جنة الله في الأرض." "دعيني أخبرك عن شعوري وأنتِ حدي.. ولكن في البداية دعي عيناي تصفك؟

"كيف أصف جمالاً تعجز عن استيعابه خلاياي؟ "انتظري قليلاً.. سأحاول... "لا.. لن أستطيع.." "لا يمكنني وصف روعة تفاصيلك.." "أقولها بيقين قلبي.. لا تشبهين أحداً.." "أكتفي بها وصفاً وتعبيراً." تأمل جهاد ملامحها الجميلة يتحدث قلبه بما عجز عنه لسانه.. "هل أخبرك جميلتي عن مشاعري نحوك؟

"من نغماتك بدأت قصتي وثورة أحاسيسي وسحر خلب لبي حتى صار عشقاً.. وحين تطلعتي إليّ بمقلتيكِ الحائرتين المضطربتين صرت لكِ عبداً لن يتزحزح عن محرابك أبداً.." "ظلك الذي يخشي عليكِ من نسمات الهواء وقطرات المطر.." "مجنونك الذي لن يهدأ حتى تصبحين ليلاه.." "أما أنتِ فصرتي لي زهرة لن تذبل قط أوراقها أرشف منها حد الإنتشاء.." "وليل عشقته أشاركك فيه ظلمائه بنور من لهيب قلبي يشعله دون احتراق فيصير الليل نهاراً لازوال له.."

"أتعلمين؟ "في قربك أتمنى أن أضمك بين أضلعي ثم يتوقف الزمن فأحتفظ بك بين جوارحي حية حتى تقوم الساعة فأطالب بكِ عروساً لي وأكتفي." "نعم أكتفي.. لا تتعجبين.. إنه اليقين.." "خلقك ربي أجمل من حور العين.. وزرع بروحك طيب الأصل والنقاء وحب الخير والمساكين.. خلقك ربي من نور كالملائكة.. فصرتي حبيبتي في قلبي وعيني.." "لا تشبهين أحداً."

رفعت أناملها تعيد خصلة من شعرها خلف أذنها باضطراب أثار خفقاته ولهًا وهو يتأمل تفاصيلها الرائعة، تقول بتوتر: "جهاد.. ساكت ليه؟ "عايزة الحقيقة؟ "أكيد.. ومش مستنية منك غيرها." ابتسم لثقتها فيه قبل أن يقول بصوته عميق النبرات:

"مدربك معاه حق.. أنا سمعتك.. يعني عارف قد إيه حجم موهبتك وعايز أقولك ان عزفك لما سمعته طيرني فوق هناك.. عند السحاب.. حسيت اني بسمع معزوفة من الجنة، العزف مش نوتة ونغمات وبس.. العزف روح بيحطها العازف جوة نغماته فبيديها حياة.. نبض ومشاعر بتسحر وتخلينا احنا مخلوقات ربنا عاجزين عن الحركة أو حتى الرمش بعيونا لغاية ما تخلص المعزوفة ووقتها بنقول من كل قلوبنا الله.. وبنتمنى نعيش التجربة من تاني.. انتِ في ايدك نعمة حرام

تضيعيها عشان أوهام في دماغك ملهاش أي أساس من الصحة.. الناس لما بتسمع معزوفة جميلة من عازف مبيبصوش على شكله ولا بيهتموا بطوله وقصره أو لون بشرته وملامحه قد اهتمامهم بموهبته وقد إيه بجمالها وروعتها وحجمها قدر يوصل لقلوبهم، عندك مثلاً بيتهوفن.. هل وقف صممه قدام موهبته؟

بالعكس محصلش وقدر يقدم أعظم أعماله لجمهوره رغم انه مكنش قادر يسمعها.. وليه نبعد؟ عمار الشريعي الله يرحمه.. أعظم ملحن وناقد وعازف.. هل وقف أي شيء بينه وبين تقديم موهبته للجمهور وتحقيق نجاحه؟ لأ طبعاً.. وانتِ كمان ياريم متخليش وهم في دماغك يهيأ لك ان الناس مش هتتقبل تسمع نغماتك أو حتى هتتنمر عليكي لإن ده مش هيحصل، صدقيني وقت ما هيسمعوكي مش هيشوفوا غير اللي شفته فيكي يوميها." "شفت إيه؟

"حورية بحر كانت واقفة قدامي بتعزف مقطوعة من الجنة، احترت يومها وأنا بسأل ياتري هي مين؟ حورية بحر فعلاً ولا ملاك من الجنة؟ ولحد دلوقتي لسة ملقتش لسؤالي إجابة." أعادت مجدداً خصلة شعرها الثائرة خلف أذنها وهي تمسح لسانها بشفتيها وتبتلع ريقها بصعوبة قائلة: "مش للدرجة دي ؟ مال يهمس حتى لفحت أنفاسه الحارة وجهها قائلاً: "مشكلتك انك مش شايفة نفسك بعنينا، لو حصل صدقينا هتعزفي قدام الكل من غير تردد."

تراجعت رغماً عنها تشعر بالضعف بعد أن بدأ جسدها يميل نحوه وكأن كلماته عانقتها بفيض من مشاعر فتمنت لو احتوتها ذراعيه بذات الفيض.. لتقول بارتباك: "أوعدك بعد الكلام ده أفكر بس ده لو وعدتني انت كمان بوعد." "أؤمريني ياريم."

يا الله بالله عليك لا تزد فأنا بالكاد أتمسك بكل ذرة تعقل في كياني كي لا أقر أمامك الآن وأخبرك أنك تتسلل إلى قلبي كتسلل كلماتك إلى عقلي وروحي، أخشي أنك تحتلني رويداً رويداً وتهدم دفاعاتي دون جهد لأعلنك قريباً ملكاً على قلبي.. دون منازع. "عايزاك توافق إني أخرج الست حورية من البيت وأوديها لدكتور أنا متأكدة انه هيقدر يساعدها ويخليها تمشي من تاني على رجليها." صمت طويل من جانبه جعلها تقطب جبينها باضطراب قائلة:

"جهاد.. أنا ضايقتك؟ "بالعكس." ذبذبات صوته التي نضحت بمشاعر كثيرة أثارت القشعريرة بقلبها وهو يردف: "ولو إني متأكد ان مفيش دكتور يقدر يساعد والدتي على المشي مرة تانية لإني حقيقي مسبتش دكتور مروحتلوش.. قصدي يعني مسألتوش على النت.. لكن قصاد طيبة قلبك دي وحبك للخير وخصوصاً إني وعدتك بالموافقة على طلبك قصاد تفكيرك في طلبي.. حددي اليوم وإحنا معاكي ياريم." قالت ريم بحماس:

"أنا مش عارفة أشكرك ازاي على موافقتك دي.. وصدقني هتفرق كتير بين سؤال على النت وحضور والدتك قدام الدكتور ومعاينته لحالتها." صمت مجدداً فقالت: "سكت تاني ليه؟ أوعي أكون ضايقتك.. أنا مش قصدي أقلل من مجهودك وتعبك ومحاولتك مساعدة مامتك.. أنا.... قاطعها قائلاً بنبرة حب جائتها واضحة لأول مرة خالصة لا ريب فيها: "انتِ مفيش منك ياريم ويابخت اللي هتكوني من نصيبه."

شعرت باضطراب في كل كيانها، حاولت الهرب من هذه المشاعر التي أحاطتها في هذه اللحظة إثر كلماته ونبراته المشبعة بالحب فوجدت نفسها تتصرف كطبيب وجد في بتر ساق المريض إنقاذًا له لتقول بنبرات حاولت جعلها مرحة قدر الإمكان: "مش قصدك ماجد؟ خالته داعياله بقى.. المهم هنتغدى فين لإني جوعت قوي." أتذكره بالتزامها أم تذكر نفسها؟ في كلتا الحالتين هناك مرارة بالحلق وغصة بالقلب ظهرت بنبرات صوتها رغماً عنها فوجدت صداها بصوته وهو يقول:

"صدقيني مش مهم المكان، المهم حاجة تانية خالص." لم تسأله عنها ولم يوضح أكثر والمقصد كان واضحاً كالشمس.. المهم هو أنهما معاً حتى وإن كان الوضع... مؤقتاً. *** "ريمو ياريمو.. انتِ فين يابنتي بكلمك بقالي يومين وتليفونك مقفول؟ "مواويل ياديجا لما أشوفك هحكيلك، بس قوليلي وش صوتك بيضحك وكأنك كسبتي اليانصيب." "يحيي ياريمو كان عامل لي مفاجأة إنما إيه فرحتني بشكل." "خير ياقلبي."

"خير طبعاً يا وش الخير، يحيي ورث أرض من عمه اللي مات، فاكراه اللي قولتلك عليه من أسبوعين كده." "أيوة اللي كان عايش في أمريكا ومكنش يحيي يعرف عنه حاجة."

"هو ده.. عمه ده بقى الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت راسه مكنلوش ولاد وساب لوريثه اللي هو يحيي يعني مزرعة وبيت بفلوس كتيرة والمحامي باعهم وحول له الفلوس، فيحيي راح للصايغ ورجع دهبي واشترالي فوقهم كمان، أنا مبسوطة قوي ياريم، مش عشان الدهب رجعلي، لأ.. عشان يحيي مبسوط، أول مرة ألاقيه مبسوط قوي بالشكل ده." "مبارك ياقلبي أنا، ربنا يسعدكم كمان وكمان."

"ويسعدك يا أحلى ريمو يارب، يلا بقى انتِ كمان فرحيني وقوليلي كنتِ غطسانة فين بقالك يومين.. أنا بقول تديني الموجز لإني مش هقدر أستنى لبكرة والحكاية شكلها فيها حاجة حلوة، صوتك انتِ كمان بيقولي كده." "الحكاية كبيرة قوي ياديجا مش هينفع أحكيلك عنها في التليفون." "قلقتيني، هقوم ألبس وأجيلك حالاً." أسرعت تقول: "لا لا لا.. مش هينفع هنا، أقولك قابليني في الكافيه اللي جنب البيت قدامك قد إيه؟ "نص ساعة بالكتير." "هستناكي.. سلام."

"سلام ياحب." أغلقت ريم الهاتف ثم نهضت لتبدل ملابسها لا تدري ما الحجة التي ستقولها لسندس عن سبب خروجها، لتوقن أنها ستجد واحداً ما إن تنتهي بكل تأكيد، تدرك أنها ستكذب لأول مرة في حياتها ولكن زوجة أبيها هي السبب فلا تلوم سوى حالها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...