_جدي اتفضلي يا ست هانم.. نورتي الناحية كلها. سامحيني على فزعتي لمن شفتك، الله في سماه كنك الست ليلى الله يرحمها.. نسخة طبق الأصل منها. أني فكرتك شبحها بس الحمد لله إنك طلعتي بنتها.. الحاج فهمي مش هتتساعه الدنيا من الفرحة لمن يشوفك. كانت تسير جواره تحاول أن لا تتعثر قائلة بمرح وقد استشعرت طيبة الغفير: مش باين يا عم مرزوق، ده مش بعيد يطوخك ويطوخني عيارين. قهقه مرزوق ثم قال بسرعة وهو يوقفها:
حاسبي يا هانم، آهنه نُجرة، بجولك إيه.. هاتي يدك أساعدك. منحته يدها مُجبرة لا تقوي على رفض المساعدة كعادتها، فلا ترغب في أن تلقي جدها لأول مرة وقد تلطخت ثيابها بالأتربة إن سقطت على وجهها. عارفة يا ست ريم، لو كان الحاج بصحته وجاله خبر إنك جيتي، كان هيستجبلك بذات نفسه. هو جدي ماله يا عم مرزوق؟ من يوم ما جاله خبر المرحومة وهو جاتله جلطة جعدته على الكرسي، مبجاش يمشي واصل. توقفت تقول بصدمة: انت بتقول إيه؟ جدي اتشل؟
قال بأسف: إيوة يا هانم.. الحمد لله إنها جت على كد إكده ومراحش فيها. الحاج كان بيحب بنته ويعدها عين من عنيه التانين، ولما جاله خبر موتها جلبه مجدرش يستحمل الصدمة ووجع منها. إحنا أياميها قولنا إنه مش هيقوم منيها الوجعة دي واصل.
سار مجدداً فسارت جواره تشعر بالحزن على هذا الرجل الذي حُرم من ابنته وقعده في ذات اليوم، وكأن خبر وفاة والدتها كان ضربة قاصمة لظهر الرجل فجعلته قعيداً. يتشابه قدرها إذاً مع قدر جدها، وقد فقدت بصرها برحيل والدها. وصلا إلى الباب فدق مرزوق جرسه، فُتح الباب بعد قليل فاستمعت ريم لصوت امرأة تبدو كبيرة في السن تقول: وه يامرزوق، عتخبط على بابنا من صباحية ربنا إكده ليه؟ معايا ضيفة يا ست نفيسة، وه ضيفة إزاي بس وهي صاحبة بيت؟
عتخرف تجول إيه ياراجل يامجذوب انت؟ البسي النضارة يا ولية وانتِ تعرفي واقفة في حضرة مين؟ ارتدت نفيسة نظارتها لتتسع عيناها بقوة وهي تقول بصدمة: ست ليلى.. بسم الله الرحمن الرحيم. ضحك مرزوق قائلاً: أني بردك ظنيتها شبح الست ليلى، لكن دي مخلوقة زيي وزيك.. تبجي الست ريم بت الست ليلى الله يرحمها. اغروقت عيناها بالدموع وهي تقول: بت الست ليلى.. يامراحب يامراحب.. اتفضلي يابتي بيتك وموطرحك. مين اللي على الباب يا ست نفيسة؟
صوته العميق حزين النبرات، واهن كوهن سنه جعلها تدرك أنه جدها الذي لابد وأنه قد تخطى الستين الآن. تنحت نفيسة جانباً فتقدم مرزوق يجذب ريم إلى الداخل، بينما تقول نفيسة باضطراب: دي.. دي... لتقول ريم بحزم وهي تقدم نفسها، يشجعها حديث مرزوق عن جدها وحبه الكبير لوالدتها وحزنه عليها: أنا ريم.. ريم بنت ليلى فهمي الشبراوي يا جدي. لتتسع عينا الجد بصدمة. _قالت سندس بعصبية: يعني هتكون راحت فين بس؟
الأرض انشقت وبلعتها، كل حاجة واقفة في غيابها.. تعرف.. مش بعيد تكون دلوقتي على ذمة الراجل اللي قالنا السواق إنه شافه معاها عند البحر ويوم ولا اتنين وألاقيني مطرودة من البيت وكل ده عشان سمعت نصيحتك، مكانتش مبسوطة، كانت متضايقة وأكيد حاسة إني غاصباها على الجوازة دي.. ياريتني ماسمعت نصيحتك. قال بسخرية: مش كانت فكرة حلوة وقتها، دلوقتي بتقولي ياريتني.
كنت غلطانة ياسيدي وأهي البنت طفشت والمصيبة إننا مش عارفين طفشت مع مين وراحت فين؟ سيبك منها دلوقتي واديني ٢٠٠٠ جنيه. اتسعت عيناها استنكاراً تقول: انت مسمعتش ولا كلمة من اللي لسه قايلاهم.. طيب مش عايش معايا الفترة دي وشايف الوضع اللي بقيت فيه؟ بقولك الدنيا واقفة من غير ريم، ماهي كل حاجة باسمها وخصوصاً الفلوس اللي في البنك، أنا لولا كنت محوشة قرشين من مصروف البيت كنت دلوقتي أكيد بشحت. تشحتي!
هي وصلت لكدة.. يعني لا مال ولا حتى راضية نريح جوة شوية.. قوليلي بقى أنا قاعد هنا ليه؟ رمقته بحنق قائلة: والله انت فايق ورايق يا عزت، وهو فيه حد دلوقتي باله فاضي ولا ليه نفس للكلام الفارغ ده؟ وميجيليش نفس ليه؟ ناقص إيد ولا رجل، بقولك إيه أنا مبحبش النكد وبجد اتخنقت وقايم ماشي. هتروح فين؟ يعني هروح فين دلوقتي؟ هقعد مع كريم ونجيب على القهوة نلعب دومينو شوية زي زمان ولا نسيتي أيام زمان؟
لما تبقي تروقي ابقي اتصلي بيا.. سلام يا سندس.. أشوفك بخير. تابعه يغادر بعيون حانقة قبل أن تزفر بقوة وهي تنهض تدلف إلى حجرة ريم للمرة التي لا تدري عددها تبحث عن أي شيء يدلها على مكان الأخيرة، فلم تجد كالعادة حتى أنها شارفت على الجنون تتساءل إلى أين ذهبت هذه البلهاء وكيف استطاعت أن تختفي هكذا..... دون أثر؟ _مالك بس ياحبيبتي، سرحانة في إيه؟
في ريم يا يحيي، مش مرتاحة وقلقانة عليها قوي.. من ساعة ما سابتلي الرسالة الغريبة دي وهي تليفونها مقفول، أنا خايفة تكون عملت في نفسها حاجة. ليه بس التشاؤم ده يا ديجا؟ هي مش قالتلك إنها مسافرة وإنها أول ما تستقر هتكلمك.. يبقى ليه نقدر البلا قبل وقوعه. صوتها مكنش طبيعي، كان جواه ألف وجع، دي صاحبتي وأنا عارفاها، اللي مزعلني إني مكنتش جنبها عشان أعرف بيها إيه، انشغلت عنها بالشقة وده محسسني بذنب كبير قوي.
ربت على يدها بحنان يقول: هوني عليكِ يا قلبي، وكوني واثقة إنها كانت هتلجألك لو الموضوع كبير زي ما بتقولي، هي بس كانت مضغوطة بسبب ماجد وأكيد بعد ما فسخت خطوبتها اكتأبت شوية وحبت تاخد بريك، تلاقيها سافرت يومين تغير جو وأول ما تروق هتكلمك. قالت بلهفة: تفتكر؟ اختفت اللهفة من ملامحها وحل الاحباط وهي تتذكر صوت ريم المفعم بالألم لتردف بحزن:
مش عارفة، إحساسي بيقولي إن فيه حاجة كبيرة حصلت معاها ووصلتها للحالة اللي تخليها تسيبلي رسالة زي دي وده عشان بس بتحبني وعارفة إن اختفائها مرة واحدة كدة هيقلقني، بس الظاهر مش عايزة حد يقرب منها وهي في الحالة دي والدليل على كدة إنها سافرت من غير ما تعرفني راحت فين ومن غير ما تعرف طنط سندس اللي قالبة عليها الدنيا ومش قادرة توصلها زي ما قالتلي ودي أول مرة تعملها.. ربنا يستر وميكونش السبب اللي بفكر فيه، عشان وقتها هقلق بجد عليها.. لأن كسرة القلب ملهاش جبر يا يحيي.
قطب يحيي جبينه قائلاً: قصدك إيه؟ وهو إيه اللي ممكن يكسر قلب ريم؟ انتِ مش قولتيلي إنها عمرها ما حبت ماجد وإنها اتخطبتله بس عشان دي وصية والدها الله يرحمه. كادت أن تفصح عن سر صديقتها ولكنها تذكرت الوعد الذي قطعته لها لتقول بارتباك: آه.. فعلاً.. عمرها ما حبته، بس أنا قصدي يعني تكون طنط سندس ضايقتها وكسرت قلبها وعشان كده سابت البيت.
تأملها يحيي يدرك من خلجاتها المضطربة والتي يحفظها عن ظهر قلب أن حبيبته تواري عنه أمراً، يدرك أن هذا الأمر يخص صديقتها ويبدو كسر لن تستطيع البوح به. لم يلح عليها لتخبره، فمن أكثر الأشياء التي جعلته متعلقاً بمحبوبته هو وفائها النادر في زمن قل به الوفاء. _حضرتك الآنسة خديجة صاحبة ريم.. مش كده؟ أيوة مين معايا؟ أنا.. أنا جهاد.. جهاد ال.... قاطعته قائلة بلهفة: أيوة أيوة ريم كلمتني عنك يا أستاذ جهاد؟ هي ريم معاك؟
قطب جبينه قائلاً: معايا؟ لأ مش معايا.. هو فيه إيه يا آنسة خديجة؟ أرجوك اتكلمي بسرعة.. ريم فين؟ القلق بصوته جعلها تدرك أنه حقاً يهوى صديقتها وأن لا علاقة له باختفائها لتقول بحزن: مش عارفة يا أستاذ جهاد، فجأة اختفت من غير ما تعرف أي حد هي رايحة فين أو حتى تقولنا على سبب سفرها. سفرها!
كل اللي سابته رسالة ليا بتقولي إنها مضطرة تسافر عشان تريح أعصابها وإنها أول ما تستقر هتكلمني.. لكن لحد دلوقتي لا كلمتني ولا فتحت تليفونها وأنا هموت من قلقي عليها. صمت طويل من جانبه جعلها تقول باضطراب: أستاذ جهاد.. انت معايا؟ معاكِ بس بفكر هي ممكن تكون راحت فين. صوته المتحشرج جعلها تدرك صدمته لسماعه خبر رحيلها الغامض ذاك. أنا فكرت الحقيقة يعني إن حصل مشكلة بينك وبينها لكن واضح إنك متعرفش حاجة عن الموضوع.
آخر مرة كنا كويسين جداً، حتى إني كدت أبوح بمشاعري تجاهها.. قالها في سره بينما يردف: لكن جاله تليفون من الأستاذ حسن المحامي قاطعنا ومن بعدها مقدرتش أوصلها. حسن المحامي.. آه قصدك آنكل حسن، على الأغلب اتخانق مع مراته وهي راحت تصالحهم كالعادة. هي قالت كده برضه. طب تفتكر إيه اللي خلاها تسيبنا وتسافر بالشكل ده؟
مش عارف بس الأكيد إني مش هخلي مكان في إسكندرية مش هدور فيه ولو بجد سافرت فهدور في كل المطارات ومش هرتاح غير لما ألاقيها. شعرت خديجة بالتفاؤل لتقول بحماس: وأنا كمان هسأل في كل حتة يمكن نلاقي حد شافها ويا ريت نبقى على اتصال.. وبإذن الله نلاقيها في أقرب وقت. بإذن الله. كاد أن يغلق الهاتف ولكنها استوقفته تقول: أستاذ جهاد.. آفندم. هو حضرتك جبت رقم تليفوني منين؟
كنت مرة قاعد مع ريم وانتِ رنيتي عليها وأنا مبنساش الأرقام أبداً، اعذريني لو اديت لنفسي الحق وكلمتك بس صدقيني أنا معملتش كده غير لما يئست من إنها ترد عليا أو إني ألاقيها. ولا يهمك.. بالعكس اتصالك جه في وقته على الأقل اطمنت إن قلبها منكسرش لإن ده كان أكبر مخاوفي، سلام يا أستاذ جهاد.
أغلقت الهاتف قبل أن يسألها عن معنى جملتها الأخيرة. تري هل يتعلق بأمل نطقت به أحرفها أم أنها ظنون من قبلها لم تؤكدها صاحبتها كما هي ظنونه التي ذهبت أدراج الرياح مع رحيل غامض تركه يضرب أخماس في أسداس يتساءل هل كان يعني لها يوماً شيئاً أم أنها أوهام صنعها خياله ليرضي قلبه المغرم؟ _ياااه يابنتي.. اللي مريتي بيه مش قليل؟ إزاي قدرتي تتحمليه رغم صغر سنك؟ ربنا ودعوات والدي ووالدتي كانوا معايا في كل لحظة. ونعم بالله.
تعرف يا جدي.. لما جيت هنا أول مرة كنت خايفة. خايفة؟ أيوة خايفة.. خفت تطردني برة حياتك ومتتقبلش وجودي، ماهو احنا مكناش نعرف إنك يعني.. تعبت.. وعشان كده محاولتش تتصل بينا ولا تقرب مني، تعرف مين اللي شجعني؟ مين؟ بابا الله يرحمه، بعتلي رسالة وصلتني بعد موته تقريباً بسنة يقولي فيها إن عندي جد صعيدي وشهم مستحيل هيتخلي عني لو عرف إني بمر بأزمة. أطرق الجد برأسه قائلاً بحزن: الله يرحمه ويرحم ليلى وأمواتنا كلهم. يارب.
انتِ متعرفيش الروح ردت فيا إزاي اليوم اللي وقفتي فيه قدامي وشفت فيكي شبه بنتي وروحها ودمها وكل حاجة فيها، رجع بيا الزمن أكتر من خمسة وعشرين سنة وحسيت إني اتولدت من جديد. أنا كمان اتولدت من جديد في المكان ده؟ متتخيلش أنا سعيدة إزاي هنا.. معاك ومع الست نفيسة وعم مرزوق. الحمد لله ياحبيبتي إن ربنا جمعنا من تاني.. بس قوليلي هتعملي إيه دلوقتي مع المحروقة سندس؟ قست عيناها رغم خلوهما من الحياة وهي تقول:
هرجعها تشحت زي ما كانت قبل بابا، هبيع كل حاجة وأسيبها كده.. لا حيطان تلمها ولا فلوس تسد جوعها.. هضربها ضربة في مقتل تخليها تحرم تتلاعب بمصاير الناس وحياتهم. جدعة يابتي، طالعة كيف جدك معتسيبيش حقك واصل. صحيح يا جدي.. انت ليه مبتتكلمش صعيدي؟ يعني جملة هنا وهناك.. مش علطول زي الست نفيسة وعم مرزوق. عشانك يا ريم.. بخاف متفهميش لهجتنا. على فكرة بجي يا حاج، أني بعرف أتحدت صعيدي كيف أجدعها بت صعيدية حداكم في الصعيد.
وه وه، صوح الحديت ده؟ أومال بابا كان دايماً حريص يعلمني اللهجة الصعيدية لإنها لهجة أمي الله يرحمها، كان بيحب ماما قوي.. صحيح مكنش بيتكلم عنها كتير لأن الكلام عنها كان بيوجعه ويخليها توحشه لكن كل تصرفاته كانت هي جواها منقوش اسمها على كل أفعاله وتصرفاته. الله يرحمهم يابتي، ياريتني ما كابرت ورضيت أجوزهم لبعض يمكن..... قاطعته قائلة:
متندمش يا جدي، كل شيء في الدنيا دي قسمة ونصيب، قدر والحمد لله إنهم قدروا يكونوا مع بعض في الدنيا وأكيد هيكونوا مع بعض في الآخرة. يارب. بالمناسبة هو عم مرزوق مختفي فين النهاردة؟ لا جه صبح علينا زي عادته ولا حتى جه عشان ياخدني أرش الزرع معاه زي كل يوم.
عند جاري من الفجر.. النهاردة أول الشهر وبيروح يساعد الجنايني اللي حداهم في توضيب الجنينة أصل مفيش مخلوق بيعرف يظبط الجنينة كيف مرزوق، صوح جواد بجاله فترة مبيجيش بس لازمن لما ييجي تكون الجنينة بتلمع أصله بيحب الزرع جوي. جواد؟! جواد الجمال.. صاحب مصانع البن.. أكيد سمعتي عنه، مش إكده؟ جواد الجمال يبقى جارك يا جدي.. اممم. لتردف هامسة: آه يا خديجة لو عرفتي؟
خديجة.. خدتني الحياة هنا ونسيت إني لازم أكلمك وأطمنك عليا.. سامحيني ياحبيبتي. عتجولي حاجة يابتي؟ قالت بمرح: لع مبجولش حاجة يا جدي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!