الفصل 11 | من 17 فصل

رواية لا تشبهين احدا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم شاهنده سمير

المشاهدات
19
كلمة
1,377
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

تتجه بخطى مترددة نحو غرفته التي أرشدتها إليها عاملة الاستقبال، تتلمس طريقها ببطء على عكس تسارع خفقات قلبها لهفة لرؤيته. تعدّ الأبواب التي تصادفها، باباً تلو الآخر، حتى تصل للباب المنشود. تجمدت أناملها على مقبض الباب وهي تسمع صوت رجل آخر يقول: _ولحد امتى بس هتفضل تخدعها وتكدب عليها؟ _مش عارف. إنه صوت جهاد. هل يخدعها هو بدوره؟ يا الله. هل جمعت كل محتالي الأرض ثم ألقتهم في طريقي؟ لماذا وأنا لم أؤذِ مخلوقاً في حياتي قط؟

_أنا شايف إن كفاية لحد كده، انت مش قلت لي... قاطعه جهاد قائلاً: _يا سعيد مش هينفع صدقني. على الأقل دلوقتي. لسه شوية أنا لسه معملتش كل اللي مخطط له من البداية ولسه مش متأكد. تراجعت ريم، تضع يدها على فمها، لا ترغب في سماع المزيد. اغرورقت عيناها بالدموع قبل أن تستدير وتسرع بالمغادرة. ارتطمت بأحدهم فاعتذرت على عجالة وهي تبتعد، وكأن شياطين الدنيا تجري خلفها.

تذهب بأرجلها تجاه شياطين أخرى، ولكنها على الأقل تستطيع التعامل مع هؤلاء. أما هذا الشيطان الذي سلبها قلبها ثم حطمه إلى أشلاء، لن تستطيع معه فعلاً سوى الدعاء له بكسرة قلب تضاهي كسرة قلبها، ولكن لسانها عجز عن الدعاء عليه. لتدرك كم كانت حمقاء، ولازالت. ***

كان لابد وأن أوقن من أن السعادة هي وهم سيؤول إلى سراب. كم من أحلام رسمتها معك تحملني فيها إلى أحلام الشوق، فصارت كوابيس حين تكسرت أجنحتي وسقطت في هوة الألم. كل ما أردته أن تبقى بحياتي للأبد. فأصبحت ألعن قلبي الذي أرادك بكل خفقة من خفقاته التائقة للحب.

أسكنتك خافقي وجعلتك تتغلغل في روحي، فجلبت الشقاء إلى نفسي البريئة من كل إثم. انتظر. لست بريئة بهذا القدر. آثمة كنت حين سمحت لك بجرحي، فلو لم أجعلك قريباً مني ما جرؤت. لم أتخذ الماضي درساً فأمشي وبيدي درع، أخبر ذاتي أن السعادة وهم، وحين تزول لا يبقى منها سوى أعراض الانسحاب القاتلة. وها أنا أعافر كي لا تذوي روحي كما يذوي قلبي، أقاوم بكل قوة ضعف يعتريني، فلا مجال الآن للضعف. وما زال لدي واجب تجاه أبي وأمي، ونفسي.

كانت تبكي في حجرتها، تفرغ أحزانها على صدر وسادتها بألم عجزت عن مواراته. وقد أنهك الجرح ذاتها وجعلها عاجزة عن فعل شيء سوى ذرف الدموع. ليس من السهل أن ينجبر القلب بعد كسر، فحتى وإن حاولت تجميعه، ستظل الشروخ بارزة تذكرها بكم كانت ساذجة حين سمحت لجهاد بأن يحتل قلبها دون أن توقن من أنه الرجل المناسب لها. طرقات على الباب جعلتها تستقيم وتمسح دموعها بسرعة، فلا طاقة لها الآن لأن تجد مبررات للعقربة سندس، التي فتحت

الباب تتطلع إليها قائلة: _لسه ملبستيش يا ريم، أنا مش قلت لك جايلنا ضيف يا بنتي. _معلش مش هقدر أقابل حد، خليها مرة. قاطعتها سندس قائلة بحزم: _مش هينفع ده جاي مخصوص عشانك، قومي البسي بقي وحصليني، ومتتأخريش وإلا بجد هزعل منك. الضيف قد جاء من أجلها؟ ترددت الكلمات في رأسها. وقبل أن تحللها، قالت سندس بفراغ صبر: _انتِ لسه هتفكري، قومي وإلبسي علطول.

هزت ريم رأسها لتغادر سندس، فنهضت ريم لتبديل ثيابها وهي تتساءل عن هذا الضيف القادم لأجلها. ليخفق قلبها وفكرة تخطر ببالها. تري هل هو جدها؟ هل حن قلبه وجاء من أجلها؟ جعلتها هذه الفكرة تسرع في تبديل ملابسها وهي تشعر أنها قاربت على الخلاص من كل ألم يعتريها. ***

كانت تشعر بالتيه، وقد اكتشفت أن ضيف العقربة هو هذا المدعو عزت، والذي يدعي كونه ابن صديق لوالدها رحمه الله. تشعر بنفاذ صبرها. وزوجة أبيها تخبرها أنه تقدم لخطبتها، وأن سندس وافقت وقد توسمت فيه طيب الأصل والقلب ورغبته الصادقة في الارتباط بريم.

تسمع بعض الكلمات اللزجة من هذا المدعو عزت عن مدى إعجابه بها وكيف سحرت لبه منذ النظرة الأولى. لتشعر بالاشمئزاز حين ضغط على أناملها عندما مد يده للسلام عليها، وقاربت حد التقيؤ حين مال على أذنها هامساً: "انتي أجمل بنوتة شافتها عينيها".

كانت تسايرهم حتى هذه اللحظة. توقن أنها لابد وأن ترحل عن هذه العصابة التي تنسج خيوطها حولها لتوقع بها في شباكها. ما إن تتخلص من خيوطهم حتى ينسجون المزيد منها، حتى سأمت وضاق ذرعها، وباتت تخشاهم حقاً. ربما لابد وأن تستمع لأبيها وتذهب إلى جدها. ربما تجد هناك حماية ورحمة ودواءً لقلبها، وربما لا. ستجرب وترى. إن وجدت قسوة تعادل قسوة محيطيها، سترحل وتعود مجدداً إلى الإمارات، حيث كانت سعيدة ورحلت سعادتها مع رحيلها عنها.

أمسكت رأسها بكلتا يديها فقالت سندس: _مالك يا ريم؟ _صداع جامد قوي يا طنط، الظاهر إني خدت ضربة شمس. لو تسمحولي أرتاح ونكمل كلامنا بكرة لإني بجد تعبانة قوي ومحتاجة أنام. _آه طبعاً اتفضلي يا ريم، مش تسمحيلي أقولك يا ريم كده من غير ألقاب. رسمت ابتسامة باهتة على شفتيها قبل أن تنهض قائلة: _عن إذنكم. غادرت الحجرة ووقفت جوارها تستمع إليهم، فوجدت سندس تقول: _قلبي مش مطمن، حاسة إنها مش موافقة وبتتهرب.

_بالعكس، شخصية زي شخصية ريم لو مش موافقة كانت رفضت علطول، لكن هي أجلت الكلام لبكرة. البت وقعت فيا خلاص يا سوسو، بس هي تبان فعلاً تعبانة وشكلك انتِ اللي مش موافقة وعايزة تلاقي أي حجة عشان تفركشي الجوازة. _وأفركشها ليه يا أخويا؟ انت مش وعدتني تتجوزها لحد ما تاخد فلوسها وبعدين تتجوزني؟ _وده كلام يتقال هنا برضه. الحيطان ليها ودان هتفضحينا.

_ما انت اللي بدأت. وبعدين البت شكلها تعبان بجد وأكيد اتنيلت نامت. المهم هتعمل إيه دلوقتي؟ هترجع على الشقة ولا هتقابل أصحابك؟ قال بعيون تلمع: _لو هتيجي معايا الشقة يبقي هرجع الشقة يا روحي. شعرت ريم بالرغبة في التقيؤ، وقد بدا لها كل ما يحدث فوق طاقتها، لتسرع إلى الحجرة تتظاهر بالنوم حتى يرحل المحتال وتنام الأفعى أو ترحل معه إلى الجحيم، ثم تبدأ هي رحلتها... إلى المجهول. ***

توقفت أمام البحر تودعه لآخر مرة، تشعر به هائجاً كمشاعرها، يلفظ أمواجه كما يلفظ قلبها الحب ويلعنه. يهاب الجميع الآن الاقتراب منه وإلا صار ضحيته، فكما يبتلع البحر في غضبه البشر والسفن وكأنه يريد أن يظل وحيداً دون صحبة. كان قلبها الآن مثله، فجل ما يريده وحدة تجعله قادراً على تجديد خلاياه وتنظيفه من بقايا العشق.

أمسكت الهاتف تترك لصديقتها رسالة مختصرة، ثم عاودت الاستماع للبحر. لا تدري كم لبثت حتى سمعت حمحمة من خلفها جعلتها تستدير بخوف، قبل أن تسمع صوت سائقها يقول بأسف: _معلش خوفتك، بس الحقيقة الوقت اتأخر ولازم نمشي. هزت رأسها قائلة بحزم: _توكلنا على الله.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...