الفصل 12 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
18
كلمة
6,081
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

لا يمكنها أخذ قوله إلا على محمل المزاح ليس أكثر. ورغم ذلك توترت تلك العضلة قرب فمها بعدما أمعنت النظر بوجهه ورأت معالم الجدية تكتنفه قاطعة أي شك لديها بأنه يمزح معها. حاولت استجلاب ما ترطب به جوفها بعد ذلك الشعور بالدهشة الذي ساهم بجعلها تشعر بذلك الجفاف بفمها وحلقها. ولكن كأن توترها وارتباكها ساهما بأن تفشل بفعل ذلك. أغلقت عينيها وفتحتهما عدة مرات، لعلها تعيد التركيز والتمعن بما قاله. ولم تحصل على إجابة، سوى أن أدم

ربما يفعل ذلك من أجل غرض الاستيلاء على بعض الأموال الخاصة بتلك العائلة العريقة والثرية. فالثراء الفاحش لتلك العائلة جعلها مطمع للكثير من الناس. ولكن حتى لو كان ذلك غرضه، فبإمكانه كشف الحقيقة بأتفه الطرق. حتى إن كان أفراد العائلة أثرياء ولا يشكل خسارة بعض الأموال فارق لديهم، إلا أنهم ليسوا حمقى ليصدقوا أدم أو غيره.

رفعت راحتيها ومسحت وجهها ولكن علقت أصابعها قريبًا من ثغرها، ربما لتستطيع إخفاء فمها الذي فغرته بدهشة، بعدما عادت لتفكر في الأمر بجدية. ولم تأتها تلك اللمحة من أن ربما أدم محق بما قاله، إلا عندما تذكرت تلك القصة التي قصها عليها راسل من أن عاصم وقع ذات مرة بشرك امرأة أجنبية وساهمت بتحطيم علاقته بغزل. وكان ذلك أحد الأسباب لفراق عاصم وغزل طوال أعوام طويلة. وتأكدت من الأمر عندما سمعت هذا الحديث من غزل بإحدى الجلسات النسائية بحديقة القصر. فلو صح ذلك، ستندلع حرب أخرى غير تلك الحرب التي اندلعت بعودة راسل.

سهوًا قضمت ظفرها وقالت بنبرة متقطعة: –إزاي ابن عاصم النعماني يعني؟ أكيد أنت بتهزر يا أدم. أمعن أدم النظر بها ورفع حاجبه، دلالة على أنه لم يأخذ بدهشتها المزيفة. إلا أنه رد قائلاً بهدوء: –أنا عارف إنك متأكدة إن مبهزرش يا حياء. وأكيد سمعتي عن اللي حصل زمان بين عاصم النعماني والست الأجنبية اللي قضت معاه ليلة في فندق. وكانت السبب في إن جوازته تبوظ من البنت اللي كان بيحبها واسمها غزل الزناتي.

تعالت وتيرة أنفاسها المضطربة، والتي راحت تنخر برئتيها كالخناجر. إلا أنها عززت الأمر إلى أن ما حدث من خلاف بين العائلتين يعلم به الكثير من الناس. وربما علم هو أيضًا من حديثه مع أحد لرغبته في معرفة كل شيء عن محيط تلك العائلة التي تنتمي إليها. واستطاع حبك قصته متذرعًا بأنه هو نتاج تلك الخطيئة التي حدثت بالماضي. ولم يغفل عن شيء كون أن عمره الذي ربما تخطى الخامسة والعشرين ببضعة شهور كان الأنسب لأن يكون العمر المفترض لابن عاصم النعماني من تلك المرأة الأجنبية.

تسلحت حياء بقوتها وعدم تصديقها لذلك الهراء الذي تفوه به. فردت قائلة بتهكم: –ما اللي أنت بتقوله ده أكيد في ناس كتير عرفاه لأن حصل خلاف كبير وقتها بين العيلتين. يعني اللي بتقوله ده مش دليل ولا كافي إن أصدق اللي قولته يا أدم.

هو متيقن من أن لا أحد سيصدقه. ولن يقبل أحد من أفراد تلك العائلة بأن ينتمي إليهم بحكم تلك الدماء والنسب المجهول الذي يحمله. ولكنه لم يشي ويفشي بأمره لها، إلا لأن تعلم بأنه ليس غريبًا. بل بحكم العادات والتقاليد الشرقية فهي زوجة عمه. ولا ينكر أنها راقته كثيرًا أول مرة رآها بها ولم يكن يعلم من تكون. ولكن ما أن علم أن زوجها والذي من المفترض أنه عمه كونه ابن عم والده الحقيقي، استمات بالتقرب منها. لعلها تكون هي خطوته الأولى بأن يدخل ذلك القصر العريق. والذي يحكمه رجل سمع عن سلطانه ورده الحقوق لأصحابها. فهو صاحب حق حتى وإن كان لم يعلم به إلا من وقت قريب.

زفر أدم زفرة مطولة ورد قائلاً بهدوء وهو يحدق بتلك الصخرة الكبيرة والقريبة منهما:

–أنا عارف إنك مش هتصدقيني. ولا أنا قولتلك علشان عايز منكم حاجة. أنا مش عارف ليه قولتلك. مع أن كنت ناوى أسافر فرنسا بعد يومين. وأحاول أنسى أن شوفتك أو عرفت أن جوزك المفروض يبقى عمي. أنا ماما قالتلي على اللي حصل زمان وأن في واحد هو اللي طلب منها تعمل كده في عاصم النعماني مقابل أنها تاخد منه مبلغ مالي. وفعلاً عملت اللي طلبه منها. رجعت فرنسا وبدأ مشروعها الخاص للعطور. بس معملتش حساب أنها تحمل في طفل من ليلة قضتها مع واحد

مكنش في وعيه ولا حاسس بحاجة. كبرت وأنا أعرف أن والدي مات بعد ما اتولدت بكام شهر. لحد ما ماما تعبت وقبل ما تموت قالتلي على الحقيقة كلها. وأن والدي الحقيقي مصري وإسمه عاصم النعماني بس هو ميعرفش إن له ابن ولا كان له ذنب في اللي أمي عملته. علشان كده فكرت أسافر من غير ما أقابله ولا أعرفه إن أنا ابنه. لأن مش حابب أعمله مشاكل زي ما حصل زمان.

إن حاولت مهاجمته والطعن بحديثه ستكون ظالمة. لأنه لم يحاول أن يبدي لها نوايا سيئة من تصريحه بنسبه لعائلة النعماني. حتى ذلك الأمر المتعلق بالمال. عادت وتذكر أنه شاب ثري ومطرب مشهور ويربح أموالاً طائلة. لذلك لن يكون المال همه الأول. ولكن خشيت التفكير بذلك الاحتمال. الذي سيضفي على معرفته بها شرعية. ترى أنها بغنى عنها. فإن علم الجميع بمن يكون. فربما لن تجد لدى عاصم أو رياض مانعاً لأن يقيم معهم بالمنزل. خاصة أن عاصم ربما سيبتهج قليلاً لعلمه بأن لديه ابناً شاباً كأدم. وهو من يعيش حالياً بدون أولاد.

حدقت به لثوانٍ وما لبثت أن تساءلت بفضول: –طب إيه اللي خلاك تقول لي على حقيقتك ده طالما كنت ناوي تسافر من غير ما حد يعرف الحقيقة إذا كان اللي قولته حقيقة فعلاً؟ ركل أدم الأرض الرملية بحذائه وتنهد بعمق ورد قائلاً بحيرة: –مش عارف حياء ليه قولتلك. جايز أرتحتلك. أو جايز أنا…

رفعت يدها دلالة على أنها لا تريد سماع سبب آخر سيساهم بتعقيد أمورها. فبتر أدم حديثه على الفور والتزم الصمت الذي نما بينهما وارتفعت أسواره حتى ظن كل منهما أنه يقف على الشاطئ بمفرده دون أن يرى الآخر. وكل منهما يحاول إعادة التفكير بما سمعه. ولكن كان النصيب الأكبر من الحيرة من نصيب حياء. التي لم تكتفِ بالتفكير في مغزى حديثه. بل رأت أن انصرافها خير حل لها. فلو ظلت وقتًا أكثر. سيصبح ذهولها مما سمعته لا يصدق. ومن الممكن أن تحاول أن تطلق تلك الصرخة الخفيفة التي اختزنتها ولم تستطع إطلاقها بوقتها.

سارت على الرمال الذهبية والتي تركت الشمس لهيبها بين طياتها. ونظرت لمكان سيارتها وكأن يستلزمها وقتًا طويلاً وجهدًا لتصل إليها. وقدميها تسعفها بالسير كطفلة صغيرة بدأت أولى خطواتها حديثًا. أخيرًا وصلت للسيارة ولا تعلم هل هي قادرة على قيادتها لتعود للمنزل. أم هي بحاجة للمساعدة؟ جاءتها الإجابة محمولة على نسمات الهواء وقت المغيب. إذ سمعت صوت عاصم متسائلاً: –حياء أنتي كنت بتعملي إيه على الشط دلوقتي ومين اللي كان معاكي ده؟

شهقت حياء بخوف بعد سماع صوته. إذ أنها لم تراه قادمًا ولم تنتبه على وجوده إلا بعدما سمعت صوته. رفت جفونها عدة مرات وكأنها مازالت واقعة تحت تأثير صدمتها بما سمعته من أدم. فرفعت ذراعها وأشارت حيث يقف أدم قائلة بتلعثم: –دا دا يبقى… بيقول إنه… هناك واقف. لم يفهم عاصم شيئًا من حديثها المتلعثم. فهي تهذي كأنها أصيبت بضربة شمس. فسألها بصدق نابع من خوفه أن تكون مريضة: –حياء أنتي تعبانة ولا إيه؟ أوديكي المستشفى؟

حركت حياء رأسها نفيًا على أنها تشعر بالمرض. وحاولت إيهامه بأنها تشعر بألم طفيف بالرأس سرعان ما تبرأ منه بتناول أحد أقراص الدواء. فعرض عاصم عليها أن يجعل أحد رجاله يقود سيارتها لغياب سائقها اليوم. ولكنها رفضت عرضه وأخبرته بأنها على ما يرام وستعود للبيت على أن يتبعها هو ورجاله بسياراتهم. جلست خلف المقود ونظرت من النافذة لترى هل أدم مازال واقفًا عند الشاطئ أم رحل برحيلها؟

ولكنها لم تجد له أثرًا. فمن السخرية أن يكون الابن والوالد بمكان واحد ولكن لا يعرف عاصم بوجوده. ولكن باتت هي همزة الوصل بتلك القصة. التي أقحمها بها أدم باعتراف بسيط منه أنه يحمل دماء أحد رجال عائلة النعماني. حتى إن فكرت ألا تخبر عاصم بالأمر. فكيف يمكنها إخفاء الأمر عن رياض؟

والذي لا تعلم كيف ستكون حالته بعد سماع ما لديها. خاصة أنه بتلك الأونة مشغول البال بولده راسل. ولا ينقصه أن تأتيه كارثة جديدة يجب عليه أن يجد لها حلاً. كون أن رجال تلك العائلة مجتمعون على صفة واحدة وهي أن أبناءهم لابد لهم من حمل كنية العائلة حتى لو تم إنجابهم عن طريق غير مشروع.

يكاد يطير فرحًا وهو يصف سيارته أمام منزل حبيبته. فالصدفة لعبت معه دورًا هامًا. إذ وجد هاتف والدة ياسمين بسيارته بعد أن قام بتوصيلهما من المشفى. ولم يكتشف الأمر إلا بمحض الصدفة عندما سمع رنين الهاتف المتكرر. فوجده أسفل المقاعد الخلفية لسيارته. وعندما فتح الهاتف وقتها سمع صوت رجل يخبره بأن ذلك الهاتف خاص بزوجته ويريد منه إعادته. مناشدًا به طباع الطيبة والشهامة ولن ينسى مكافأته إذا أعاده إليهما.

لم يتوانى ديفيد عن إخباره بأنه سيعيد الهاتف له عندما تسنح له الفرصة. إذ جاء أمر إعادة تلك الفتاة لإيطاليا معرقلًا لرغبته في أن يذهب لبيت ياسمين. وما أن أوصلها للمطار وتأكد من إقلاع الطائرة. أخذ سيارته وذهب لمنزل الإمام يحدوه الشوق لرؤية ياسمين مرة أخرى.

خرج من السيارة ولم ينس تعديل هندامه كأنه ذاهبًا لخطبتها. ولكن ما أن تذكر أنها لن يكون بإمكانها أن تراه. انقبضت ملامحه بألم. ولكن سريعًا ما فكر أن تلك الخطوة ربما تساهم بتقربه من أسرتها. خاصة إذا أظهر لهم مدى شهامته وأمانته. ولج للداخل ودق الجرس. وانتظر بضع لحظات قبل أن يرى صاحب المنزل يفتح له الباب. ابتسم الإمام قائلاً ببشاشة كعادته: –أيوه يا ابني خير. بادله ديفيد الابتسامة بأخرى أشد صفاء ونقاء ورد قائلاً

بتهذيب غير معتاد: –حضرتك أنا اللي وصلت المدام وبنتك والتليفون وقع في عربيتي. أنا آسف أن اتأخرت عليكم بس كان عندي مشاوير ضرورية وعلى ما فضيت وجبت على طول علشان أرجع لكم التليفون اتفضل حضرتك.

مد ديفيد يده بجيب بنطاله وأخرج الهاتف وناوله له وهو مازال مبتسمًا. إلا أن عينيه رغماً عنه راحت تبحث عنها من خلف أبيها الذي سد الباب بقامته الطويلة نسبيًا. يتمنى لو أن يراها قبل رحيله. فربما والدها لن يدعه يلج للمنزل. ولكن لدهشته رأى والد ياسمين يتنحى جانبًا. يدعوه للدخول. بالبداية لم يصدق دعوته الصريحة له. ولكن اندفع برغبة قلبه في أن يقبل الدعوة بكل سرور. وصلا للصالة فقال الإمام بابتسامة بشوشة:

–اتفضل أقعد يا ابني على ما جبلك حاجة تشربها. جلس ديفيد على الأريكة وضم كفيه وأطرق برأسه. يظهر حسن نواياه باتباع الآداب اللازمة للزيارة وأن لا يرفع وجهه ولا يتلصص على ساكني البيت.

ما أن ابتعد الإمام عن الصالة ويبدو أنه ولج للمطبخ. تمنى لو أن يراها تخرج من غرفتها أو يسمع صوتها قبل مغادرته. انتظر دقيقة وثلاثة وخمسة ولم تظهر بعد. فتملكه الإحباط الشديد. ولكن استطاع رسم تلك الابتسامة وهو يرى الإمام يعود إليه حاملاً صينية عليها كوبان من المشروبات الغازية. وضع الإمام الصينية من يده على الطاولة الصغيرة. وناول ديفيد كوبه وجلس على مقعد قريب منه وهو يقول بهدوئه المعتاد:

–منور البيت يا ابني. وشكراً على أمانتك ودي حاجة بسيطة نظير أنك رجعتلنا الموبايل. أخرج الإمام نقودًا من جيب جلبابه ودسها بيده. تعجب ديفيد من فعلته. وأعاد إليه النقود وهو يقول برفض واندفاع: –حضرتك أنا مش عايز فلوس. أنا عايز بنتك. جحظت عينا الإمام. وانتفض واقفًا وصاح بوجهه قائلاً باستنكار: –بتقول إيه أنت؟ إيه عايز بنتي دي كمان؟ أنت مجنون؟ أدرك ديفيد حماقته ورعونته بما تفوه به. فنهض عن مكانه قائلاً بتوضيح:

–حضرتك فهمتني غلط. أنا مقصدش حاجة وحشة. بس أنا من ساعة ما شوفت بنتك ومكدبش عليك وأنا أرتحتلها وكنت عايز أتجوزها. حملق به الإمام مشدوهًا. كيف يريد الزواج من ابنته وهي عمياء؟ غير أنه لم يراها سوى مرة واحدة. فسكن الشك بقلبه ورد قائلاً بحذر: –أنت إيه حكايتك بالظبط؟ أنا مش فاهم منك حاجة.

أشار ديفيد إليه بالجلوس ولم يجد مفرًا سوى أن يخبره بتلك القصة القديمة والهوية المزيفة. التي من خلالها قابل ياسمين أول مرة. فبدأ يسرد له القصة حسبما يريد هواه مكتفيًا بعدم ذكر أنه هو المتسبب بما حدث لها:

–أنا مش هكدب عليك بنتك أنا شوفتها من أكتر من سنتين لما كانت بتشتغل في مجال الديكورات. كنت لسه راجع من بلاد برا وكنت هفتح مكتب للشحن البحري. عجبتني بس عرفت أنها مخطوبة. فنسيت الموضوع وسافرت. ولما رجعت تاني قابلتها بالصدفة هي ومامتها في المستشفى. فالصراحة كذبت عليهم وقولتلهم إن أنا بشتغل على عربية أوبر علشان أوصلهم لأن مكانش في عربية توصلهم. ولما عرفت أنها سابت خطيبها. رجع لي الأمل تاني أنها تكون من نصيبي. وحضرتك أنا مستعد أتجوزها. فياريت توافق.

مسد الإمام على لحيته الكثيفة وهو يفكر فيما سمعه منه. فما معنى أن يستميت للزواج من ابنته وهي بتلك الحالة الصحية؟ نظر لمسبحته ورد قائلاً بهدوء: –بنتي زي ما أنت شوفت كده. ومظنش أنها توافق على الجواز وهي بحالتها دي. لأنها رفضت قبل كده أنها تتجوز. قالت أنها مش عايزة تبقى عبء على جوزها. فأسف يا ابني معنديش بنات للجواز. شرفتنا. رمقه ديفيد برجاء قائلاً بنبرة متوسلة: –ليه بس حضرتك بترفض؟

أنا مستعد أتجوزها بظروفها وعلى فكرة أنا غني وممكن أعالجها في أحسن مستشفيات أنا بجد بحبها ومش فارق معايا أي حاجة غيرها هي بس. ظل الإمام على رفضه. بل أنه رفع يده يشير له بالانصراف. وضع ديفيد الكوب من يده. وهو يشعر بمهانة رفض الإمام له. حتى وإن كان رفضه لم يحمل طابع الإهانة أو التعنت. ولم يظهر به سوى أنه لا يريد أن تكون ابنته زوجة وهي تعاني من فقدان البصر.

خرج ديفيد من منزل الإمام وهو لا يلوى على شيء. سوى أنه يريد ياسمين بأي وسيلة أو طريقة سواء كانت ممكنة أو غير ممكنة. وصل لسيارته وحاول تفريغ شحنة غضبه. فظل يركل إطار السيارة حتى شعر بالألم في قدمه. وضع يديه بخصره وظل يزفر أنفاسه تباعًا. فنظر للشرفة وعقله لا ينفك عن التفكير في إيجاد حل للحصول على معشوقته. فحتى وإن كان بنيته أن يتبع الدين الإسلامي من أجلها وأن يحصل على اسم وكنية جديدة. إلا أن والدها وضع النهاية لتلك

القصة قبل بدايتها ورفض أمر زواج ابنته من أي شاب كان بحجة أنها هي التي لا تريد الزواج. ولكن هو لن يكون كأي رجل أو شاب آخر. وسيعمل على دلالها ورعايتها وأن يقدم لها حياة رغيدة. وأن يجعلها منعمة بتلك الأموال الطائلة التي يمتلكها. فالحل الوحيد الذي اهتدى إليه عقله. أنه سيتزوجها سواء تم الأمر بموافقتها أو إنه سيستخدم الحيلة لأن يجعلها توافق بالأخير. متذرعًا بأن كل شيء مباح في سبيل الحصول على حبه الأول. وبعد أن أخذ ذلك

القرار صعد للسيارة وقادها وهو يضع أولى خططه التي سيبدأ بها على أن تكون ياسمين بالنهاية هي الغنيمة.

لم يشعر عمران برغبة في تناول العشاء. لذلك أصر على شقيقه معتصم أن يتركه بحاله وألا يحاول إزعاجه أثناء وجوده بغرفة المكتب لدراسة بعض الأوراق الخاصة بالعمل. وسيكتفي بوجود مراد الصغير معه بالغرفة ولا يريد شيئًا آخر. فكلما نظر بالأوراق عاد وتطلع للصغير الذي يفترش الأرض أمام المكتب الخشبي. وتراصت أمامه العديد من الألعاب والدمى والتي حصل على نصفها تقريبًا منه.

حول عمران بصره عن ابن شقيقه ونظر لتلك الدمية التي وضعها على أحد الأرفف الموجودة بغرفة المكتب. فتلك الدمية اشتراها منذ ما حدث بينه وبين زوجته. ووضعها بمنأى عن الجميع. يحدوه الأمل بأن تعود إليه ميس وأن ينجبا ثانية طفلاً وتكون تلك الدمية هي لعبته الأولى التي يحصل عليها منه. ولكن ها قد مرت الأيام والشهور ومازالت الدمية موضوعة بمكانها ولا تقربها يد سوى يداه. نفخ بضيق قائلاً وهو يضع رأسه بين راحتيه:

–أنا هفضل كده لحد ما أتجنن ولا إيه. شعر بالاختناق فجأة. ففتح أحد أزرار قميصه. ولم يكن ذاك الاختناق ناتجًا إلا من ذلك الشعور بالاشتياق لزوجته. فإلى مدى سيظل يحارب اشتياقه إليها. أو إذا صح القول لمتى ستظل على عنادها وتتركه هكذا يتلظى بنيران الهجر والاشتياق. وكيف طاوعها قلبها أن تتركه كل هذه المدة؟

فهو يقسم أن ما رآه منها من حب وتعلق بوجوده وهي ما كانت تزال زوجته وتقيم معه بمنزله. إنها كانت ستعود إليه بصباح اليوم التالي لتلك الليلة التي قام فيها بإيصالها لمنزل عائلتها. ولكن ها هي تقيم هناك منذ أكثر من عامين. دون إدراك ووعي كافٍ منه. كان يلتقط هاتفه من على سطح المكتب. فتح الهاتف وأجرى اتصالاً بميس وتمنى أن تجيبه. فجاءه الرد بعد بضع لحظات وهي تقول بصوتها العذب: –ألو أيوه يا عمران في حاجة؟

–وحشتيني أوي يا ماسة ومحتاجاكِ. لسه مش عايزة تسامحيني. قال جملته همسًا. مدفوعًا بذلك الشعور من الاحتراق الذي عاث بفؤاده اضطرابًا. لم يسمع منها ردًا. حتى ظن أنه فقد اتصاله بها. وعندما طال صمتها. ضم شفتيه وما لبث أن قال بمرارة: –شكلي عطلتك عن شغلك يا ميس مع السلامة.

كادت تجيبه ميس أنها مازالت تسمعه. ولكن انقطع الاتصال بينهما. بعدما عمل عمران على إغلاق هاتفه. ولكنها لم تشأ أن تنهي حوارهما تلك المرة كسابقيها. فمنذ رؤيتها لليالي معه بالمطعم وهي كأنها بقفير نحل من شعورها العارم بالغيرة. لذلك أجرت به اتصالاً مدفوعة برغبتها بأن تعلم ما بينه وبين تلك المرأة المدعوة ليالي. ما أن علمت أنه الآن بإمكانه سماعها بعدما أجاب على اتصالها. قالت بلهجة غيورة:

–أنت ما صدقت وقفت التليفون ولا يكونش أنت مشغول بمكالمة تانية من مدام ليالي؟ رد عمران قائلاً بنبرة حانية هامسة: –وحشتيني يا ميس. تساقطت حروف عبارته على مسامعها كقطرات الغيث التي أطفأت تلك النيران المشتعلة بغابات خضراوتيها. ارتجفت شفتيها بعدما سكنتها حروف اسمه الملازمة لتلك العبارة التي يتردد صداها بقلبها “وأنت كمان وحشتني أوي يا عمران”. ولكن خانت العهد كعادتها وردت قائلة بامتعاض:

–باين أوي إن وحشتك. بدليل أنها كانت بتشوفلك الكف في المطعم مش كده يا عمران بيه. تناهى إلى مسامعها صوت ضحكته المكبوتة. فها هو ينجح للمرة الثانية في استغلال غيرتها أسوأ استغلال. وقبل أن تعرب عن سخطها لما يفعله. سمعته يقول بدهاء كعادته معها: –أنتي لسه بتغيري عليا يا ماسة؟ يبقى لسه بتحبيني صح؟

أنا بس عايز أقولك أن لا ليالي ولا غيرها تقدر تاخد مكانك أنتي في قلبي يا ماسة عمران. مش هتحني عليا بقى يا جميل ولا هبقى على رأي معتصم هنتقابل على المعاش. أفلتت منها ضحكة بعفوية. لتذكرها أمور المزاح الخاصة بمعتصم. فردت قائلة بابتسامة: –ابقى سلم لي على ولاء ومعتصم ومراد سلام يا عمران.

أنهت المكالمة قبل أن يتخذ الحديث بينهما منحنى آخر. كذلك المنحنى الخطر. الذي سيجعلها بالأخير تغفر له ما حدث منه بحقها. ولكنها حقًا لا تريد منحه الغفران إلا إذا استطاع التخلص من تلك الطباع الهمجية التي تشعر بالنفور منها. فلما لا يكون دائمًا عمران ذلك الرجل الذي وقعت بعشقه لتمتعه بخصال الرفق واللين معها. فهي لا تريد رؤية ذلك الجانب غير الآدمي به مرة أخرى. وإلا لن يعود بإمكانهما أن يعودا لما كان عليه من حب ووئام.

خرجت لشرفتها ونظرت للأسفل وجدت حياء تسير بحديقة المنزل على غير هدى كأنها شاردة. فقررت الذهاب إليها. لعلهما يتحدثان سوياً وتعلم ما يشغل بالها. خرجت من غرفتها وآثناء مرورها بتلك الردهة الجامعة بين غرف الطابق الثاني. سمعت صوت أنين صادر من إحدى الغرف. ففتحت الباب على الفور وجدت ساندرا متسطحة على الأرض وتضم ركبتيها لصدرها ويرتجف جسدها كأنها أصيبت بماس كهربائي وتشنجت أعضاؤها.

هرعت إليها ميس وجثت على ركبتيها بجوارها. رفعت رأس ساندرا عن الأرض ونظرت إليها وتساءلت بخوف وهي تسمع صوت أنينها وأسنانها التي راحت تصطك ببعضها كأنها تشعر بالبرد الشديد: –ساندرا في إيه ومال جسمك عمال يترعش ليه كده في إيه ردي عليا. ولكن لم يأتها ردًا منها ومازالت على حالها. فتركتها ميس وهرولت خارجة من الغرفة ووقفت أعلى الدرج وهي تصيح منادية: –رااااسل ألحق ساندرا مش عارفة مالها واقعة على الأرض وجسمها بيرتعش جامد.

سمعت حياء قول ميس وهي تلج للداخل ورأت راسل وكل من كان جالسًا بالصالة يصعد الدرج بسرعة لرؤية ما أصاب ساندرا فجأة. صعدت حياء خلفهم ووقفت على عتبة الباب. بينما رأت راسل جاثيًا بجوار ساندرا وسرعان ما قفز على قدميه وراح يفتش بالغرفة حتى عثر على إبرة المحقن. التي قام بملئها وغرزها بذراعها على الفور. وما هي إلا دقائق حتى هدأ جسد ساندرا المرتجف. بل ويبدو عليها أنها غطت بنوم عميق. حملها راسل عن الأرض ووضعها بالفراش. وجلس بجوارها ورفع يدها بمهنية لقياس مستوى نبضها.

نظرت إليه ميس قائلة باهتمام: –هي مالها يا راسل بيحصلها ليه كده هي مريضة إيه بالظبط؟ أزدرد راسل لعابه ورد قائلاً وهو يترك مكانه: –دي حالة عادية بتجيلها لما بتهمل في أكلها. شوية وهتفوق وتبقى كويسة إن شاء الله. عقدت ميس جبينها وردت قائلة بعدم اقتناع: –بس الحقنة اللي أنت اديتهالها دي حقنة مهدئة ومفعولها شديد كمان. أنت ناسي إن أنا دكتورة. –مش وقت فضولك يا ميس هي بقت كويسة واتفضلوا وسبوها تنام وترتاح.

قال راسل وهو يشير إليهم بالخروج. خرجوا جميعهم من الغرفة. على أن يعودوا لمجلسهم حتى يخبروا رياض بما آل إليه أمر ساندرا كونه لم يستطع صعود الدرج وانتظر عودتهم ليخبروه بما حدث. تنحت حياء عن الباب. لتسمح بمرورهم ولكن التقت عيناها بعيني وفاء. التي مرت من جوارها ورمقتها حياء بنظرات معاتبة. ولكن ما أن ابتعدت عنها خطوتين عادت إليها وهي تقول بنبرة مبهمة: –سامحيني يا حياء. أنا آسفة على كل اللي حصل.

ضمت حياء شفتيها وما لبثت أن قالت بعدما أطلقت تنهيدة عميقة: –وحضرتك ليه بتطلبي مني السماح وبتتأسفي هو أنتي عملتي فيا حاجة يا ماما وفاء؟ عن إذنك تصبحي على خير. استدارت حياء وذهبت لغرفتها ولكن قبل أن تغلق الباب وجدت وفاء تقف أمامها. فلم تستطع إغلاق الباب بوجهها. فرمقتها بنظرة متألمة وتساءلت: –حضرتك عايزة مني إيه؟

صدقيني أنا لا زعلانة منك ولا زعلانة من حد. أنا زعلانة على أن كنت مغفلة مش أكتر. زعلانة على إن اشتريت بالغالى اللي باعني بالرخيص. مدت وفاء يدها ومسحت تلك العبرة التي انزلقت من عينيها. وقالت بصوت متحشرج:

–متقوليش على نفسك كده يا حياء. دا أنتي مقامك وغلاوتك عندنا متتقدرش. والغلاوة زادت لما عرفنا أنتي عملتي إيه علشان تحافظي على راسل وسجود. وأنك كنتي بتضحي علشانهم. عارفة أنك دلوقتي مفكرة أن أنا مكنتش باقية عليكي وأن أكيد الكل بيفكر إن أنا سايبة راسل يعمل اللي في دماغه من غير ما أتكلم علشان إن أنا محدش يهمني غيره. بس والله يا حياء ربنا يشهد أنا حاولت كتير أخليه يرجع عن اللي في دماغه بس مقدرتش. وأنتي عارفاه لما يحكم رأيه ويمشي اللي في راسه وشايفه صح. بس صدقيني هو بيحبك ومفيش واحدة في قلبه غيرك حتى إن مش…

–ماما. تلك الصيحة التي وصلت إليها بإلحاح. جعلتها تتوقف عن إكمال حديثها. فوصل إليها راسل وجذبها من ذراعها حتى وصل بها لغرفتها. وما أن أغلق الباب نظر إليها قائلاً بامتعاض: –في إيه يا ماما؟ كنتي عايزة تقولي إيه لحياء؟ أنا مش قولتي خلاص حكايتي معاها خلصت وإن هننفصل. ومش هرجع في رأيي خلاص. يعني ما تحاوليش تصلحي الأمور بينا لأن زي ما قولتيلي حياء تستاهل واحد أحسن مني. هي لازم تبعد عني وتشوف حياتها.

مسحت وفاء وجهها ولأول مرة رفعت يدها وصفعته على وجهه ومن ثم قبضت على ثيابه وهي تصرخ بوجهه: –خلاص مبقتش باقية عليها. شايفاها بتموت قدام عينيك في اليوم ألف مرة وأنت مكمل في عندك. وده كله ليه؟ علشان اللي عمله أخوها فيك؟ وهي ذنبها إيه؟

طول عمرك كنت بتعمل اللي بتعمله وأنا كنت بسكت. لكن المرة دي مش هسيبك تهدم حياتك وحياتها علشان وهم أنك مش عايزها علشان أهلها وحاجات متدخلش العقل من أساسه. علشان أنا أكتر واحدة عرفاك. لأن أنت لو كنت بتاخد حد بذنب حد تاني. كان زمانك بتكره بنتك من اللي عملته أمها. بس أنت بتحب بنتك أكتر من روحك ومخلتش اللي حصلك من صوفيا يأثر على علاقتك بيها. حتى خلافك مع أبوك مخلكش تتخلى عن بنت أخوك وفضلت جمبها تراعيها. إشمعنا حياء دلوقتي اللي عايز تاخدها بذنب أهلها؟

ما أنت ممكن ببساطة أوي تعيش معاها من غير ما يكون ليك علاقة بأخوها. وحتى عمها مات. بعدت عنها سنتين. أظن خلاص خدت وقتك كفاية علشان تراجع نفسك. وهي كانت قاعدة ومستنياك ترجع. ليه تبوظ الدنيا أكتر وتوهمها وتوهم أهلك أن ساندرا مراتك وساجد ابنك اللي هو أساسًا مسموش ساجد. وأن أنت اللي ناديته بالاسم ده بعد ما اتولد وخليتنا كلنا نناديه بيه. ليه عايز تكرهها فيك وتطلقها؟

ما ترمي كل اللي حصل زمان ورا ضهرك وكمل حياتك مع مراتك وحبيبتك اللي لو لفيت الدنيا كلها مش هتلاقي ضفرها. صمتت لهنيهة لتلتقط أنفاسها اللاهثة من فرط شعورها بالغضب والغيظ من أفعاله. ومن ثم عادت تستأنف حديثها: –كل ما أحاول أفتح بوقي وأتكلم تحلفني إن أسكت. قولت جايز أنك بتدور على طريقة تعتذر بيها على أنك سبتها من غير ما تواجهها. بس أنت عمال تبوظ الدنيا أكتر. بس لحد أمتى اللي بتعمله ده؟

رد عليا. أنت جنانك مبقاش له آخر. الحمد لله أن أبوك حبسنا هنا علشان منقدرش نسافر. وأعمل في حسابك لو سبت إسكندرية تاني وسافرت لا أنت ابني ولا أعرفك وأنا هفضل هنا في إسكندرية حتى لو هروح أعيش جنب جوزي في المقابر يا ابن أختي. كفاية وأنا شايفة نظرات اللوم والعتاب في عيون كل اللي حواليا. خلتني أبين قدامهم الأم اللي ماشية على هوى ابنها من غير ما تنصحه. وميعرفوش أن أنا غلبت معاك لحد ما تعبت. ولو محاولتش تصلح كل اللي عملته ده

أنا اللي هروح لأبوك وأقوله على الحقيقة وأن ساندرا مش مراتك ولا ابنها اسمه ساجد. ولا أقولك هو زمانه عرف الحقيقة من جوازات السفر وعرف إن ابنها اسمه جون مش ساجد وهو لا يبقى ابنك ولا من دمك ولا في أي صلة بينكم غير إنك بتربيه وبتراعيه. وجايز رياض النعماني يعرف إيه سبب عمايلك السودة دي.

وصدقني أنا مش زعلانة على اللي هيعمله فيك هو وحياء جايز يقدروا يرجعولك عقلك. لأن أنا خلاص تعبت منك.

تلك هي المرة الأولى التي تمتد يدها إليه وتصفعه على وجهه. فهي لم تفعلها عندما كان طفلاً. لتأتي الآن وتخرج عن أطوارها وتصفعه وهو بمثل هذا العمر. حتى أنها أعلنتها صراحة أنها ستتخلى عن كل الروابط بينهما لو فكر بأن يعود لكندا. خرج من غرفتها ومازال واضعًا يده على وجنته وعيناه ترجوه أن يعتق دمعاتها التي باتت كجمر محترق بين جفنيه. ولكن لن يسمع لها بأن تسيل قبل أن يصل لغرفته. وهذا ما كان فما أن وصل للغرفة التي يقيم بها وأغلق بابها. راح يطيح بكل ما يقابله في الغرفة.

صرخ صرخة متألمة دوى صداها بأرجاء الغرفة وربما وصلت لمسامع من يقيمون بالغرف المجاورة: –آااااااااااااااه.

ما أن انتهى سقط جاثيًا على ركبتيه وهو يبكي وينوح. فأموره تعقدت دون تدخل منه وجاءت نكباته تباعًا. حتى لم يعد يجد سبيل للخروج من تلك المتاهة التي تتقاذفه من عذاب لعذاب أشد وأقوى صعوبة على التحمل. فلا أحد يعلم أنه مثلما طعنها بخنجر الوهم والخداع. كان طاعنًا قلبه هو الآخر. حتى وإن كان يعشقها. لن يجعل عشقه لها قيودًا وأصفادًا تقيدها. وسيترك الجميع على جهلهم وعدم درايتهم بأسبابه الحقيقية التي لم يخبر بها أحد وتدفعه رغماً عنه أن يضع نهاية لقصة عشقهما.

منذ تلك المكالمة الهاتفية التي جاءتها أثناء وجودها بالمطعم الخاص بعمران. وهي باتت كالأرنب المذعور. الذي يخشى أن تأتيه النهاية بغفلة منه. لذلك التزمت البيت وفضلت عدم الخروج منه حتى تجد حلاً لذلك المأزق الذي وقعت فيه بإرادتها الحرة. كون أن تلك اللعبة التي استهمت على غنائمها. أثارت أعصاب ذلك الذي توعدها بالجحيم إذا فكرت أن تخدعه. ولكنها لم تأبه لكل ذلك عندما لمع بريق تلك الماسات بعينيها. وكأن ضوئها البراق أعمى بصرها

وجعلها تجازف بحياتها وبكل شيء من أجل الحصول على تلك الغنيمة وحدها. مستغلة بذلك وجود شريكها بالسجن. ولكن ها هو عاد ويبدو أنه لن يتركها إلا إذا أخذ حقه منه كاملاً دون نقصان. حتى لو وصل به الأمر لأن يقتلها. فهو لا يأبه لخسارة أرواح الآخرين. ولكنها هي من بدأت بعرضها لصداقة ذلك الشيطان. لذلك عليها تحمل نتائج أفعالها وحدها.

تركت فراشها ودارت حول نفسها وقالت بتفكير: –طب أكلمه وأحل معاه الموضوع بالتفاهم أحسن ما يتغابى ويقتلني. كادت تقتنع أن تقابله وتسوي الأمر بينهما وديًا دون خسارة أحد منهما لحياته. ولكن ما أن فتحت تلك العلبة المخملية وبرقت الماسات ببريق سلبها أنفاسها الجشعة. حتى عادت ونفضت فكرة أن تتقاسمها معه. فهي من حصلت عليها بمهارتها ولم يفعل هو شيئًا. لذلك ترى أنها هي الأحق بها كلها. ولن تتقاسم غنيمتها معه. فقالت بتصميم وجشع:

–لأ مش هديله حاجة من الألماظ ده. هو متعبش في حاجة. أنا اللي قمت بالعملية كلها وهو عايز ياخد الغلة على الجاهز. قطع عليها أفكارها رنين هاتفها، وقبل أن تنظر بشاشته لتعلم من يهاتفها، أنبأها حدسها أنه هو. وتحققت ظنونها عندما وجدت رقم هاتف دون بيانات تدل على صاحبه. فتحت الهاتف وردت قائلة ببرود:

إسمع بقى يا قمور، أنت لو مبعدتش عن طريقي أنا بقى اللي هخلص عليك وكمان الألماظ إنساه خالص مش هديك منه حاجة. ما هو مش أنا أشقى وأتعب وأخلص العملية كلها لوحدي وأنت عايز تاخد الجمل بما حمل. هو مين ده يا ليالي اللي هياخد الجمل بما حمل وألماظ إيه. قالها عمران بهدوء ينافي ذلك الغضب الذي نهش عقله من أن ليالي عادت تحمل سرا. وربما هناك كارثة ستحل به قريبا.

لطمت ليالي خدها بعدما سمعت صوت عمران. فها هي قد أفشت بحديث لم يكن يصح لها أن تبوح به لأحد خاصة هو. وأرادت أن تصلح ما أفسده اعترافها الغبي. فردت قائلة بضحكة متوترة: معلش يا عمران ده أنا كنت بسمع فيلم وبردد الحوار بين الأبطال. كنت بشوف نفسي أنفع أمثل ولا لأ. بس دخلت عليك صح.

إن ظنت أن حيلتها أنطلت على عمران فهي واهمة. كونها لم تدرك بعد مدى ذكاءه الحاد. وأن لا أحد يستطيع خداعه بسهولة. وإلا ما كان وصل لما وصل إليه من مكانة رفيعة بوسط رجال الأعمال. فالكل يشيد بذكاءه وقدرته على تيسير الأمور دائمًا لصالحه. مثلما سيفعل الآن ويقنعها أنه صدق حديثها. عمران قائلا بضحكة عالية:

دا أنتي هايلة يا ليالي. دا أنا صدقت فعلا أنك بتتكلمي جد. لاء أنتي بقى تبقي ممثلة هتكسري الدنيا وسيبك من حكاية المطاعم اللي عايزة تفتحيها دي. واللي بالمناسبة كنت بكلمك علشان في مطعم مشهور هنا في إسكندرية صاحبه هيصفيه ويبيعه فكنت بكلمك لو حابة تشوفيه ولو عجبك تشتريه. أسرعت ليالي بالرد قائلة بإبتهاج: بجد يا عمران ده خبر كويس. وشكرا أنك بتفكر في مصلحتي. طب أنا هجيلك على الفندق بتاعك حالا ونروح شوفه مش هتأخر عليك سلام.

أغلقت الهاتف وألقته على الفراش. ومن ثم وضعت يدها على صدرها وهي تتنفس براحة. بعدما ظنت أنها استطاعت تدارك الأمر.

أسرعت بالذهاب لغرفة ثيابها وأنتقت ثوبا لا يختلف كثيرا عن شاكلة تلك الثياب السافرة التي ترتديها. وضعت الثوب عليها ووضعت عطرها وأخذت أغراضها وخرجت من الغرفة. هبطت الدرج ووجدت ثلاثة من الرجال ضخام الجثة الذين وظفتهم حديثا حراسا لها بعد تلقيها مكالمة التهديد الأولى. لذلك أخذت كافة احتياطاتها حتى لا يستطيع ذلك الرجل الوصول إليها. أشارت إليهم بأن يتبعوها وهي تقول بأمر:

خلوا عينيكم في وسط راسكم فاهمين. أنا مش مشغلاكم ودفعالكم فلوس قد كده علشان حد فيكم يكسل في شغله ماشي. حركوا رؤوسهم بطاعة لسيدتهم الجديدة. والتي لم ينكر أحد منهم أنها حقا امرأة فاتنة وربما فتنتها تسيل لها اللعاب. خاصة بتلك الثياب الفاضحة كالتي ترتديها الآن. كأنها علمت بما يفكرون به. فصاحت بهم بصوت مستاء: أنتوا هتفضلوا تبصولي ومبحلقين فيا كده. نزل عينك منك ليه. إيه عمركم ما شوفتوا ست حلوة قبل كده.

أحدهم دون التروي بحديثه: الصراحة أنا كنت متعود أشتغل عند رجال أعمال لكن واحدة ست بتنسى تلبس هدومها لاء محصليش الشرف قبل كده. اتسعت حدقتي ليالي من قول ذلك الحارس. فنظرت لثيابها ومن ثم عادت تنظر إليه نظرة نارية وهي تقول بوجوم: أنت جاي تشتغل عندي مش جاي تخطبني ماشي. خليك في شغلك أحسن النهاردة يكون أخر يوم ليك في الشغل عندي. كل عيش وحط لسانك جوا بوقك وأنت ساكت فاهم ويلا ورايا.

سبقتهم بمشيتها على أن يوافيها الحراس عند سيارتها التي ستصعد إليها مع أحدهم ويجلس بجوار السائق. ويتبعهم الاثنان الآخران بتلك السيارة الأخرى المصفوفة خلف سيارتها. صعدت للسيارة بعدما فتح لها السائق كما تجري العادة لكي تشعر بأنها امرأة ثرية تجد من حولها يتهافتون لتقديم الطاعة والمساعدة لها بتلك الأمور التي لا تكلف نفسها عناء فعلها.

وصلت السيارة أمام الفندق الخاص بعمران وترجلت منها وهي تشير برأسها للحراس أن ينتظروا بأماكنهم حتى يحين موعد خروجها. ولجت للداخل ولكن لم تكن هي الوحيدة التي جاءت من أجل رؤية عمران. بل أن ميس التي وصلت بسيارتها للفندق جاءت بعد إلحاح شديد من قلبها على أن تراه بعد تلك المكالمة الهاتفية بينهما والتي اتسمت بالهدوء دون التطرق للمشادات الكلامية بينهما كعادتهما. وصلت ليالي لغرفة مكتب عمران ودقت الباب وولجت على وجه السرعة. نهض

من خلف مكتبه قائلا بترحيب: أهلا يا ليالي كويس أنك جيتي في وقت لأن الميعاد اللي أخدته من صاحب المطعم بعد حوالي ربع ساعة. ثواني بس هخلص الورق اللي في إيدي ده ونروحله. خلعت ليالي حقيبتها عن ذراعها ووضعتها على الطاولة الصغيرة الفاصلة بين المقعدين أمام مكتبه الخشبي الأنيق وردت قائلة بإبتسامتها المغرية: براحتك خالص يا عمران أنا أستناك العمر كله.

لم يستحب عبارة الإطراء خاصتها ولكنه لم يظهر لها ذلك. إذ عاد يجلس على مقعده خلف المكتب لينهي توقيع تلك الأوراق الموضوعة أمامه. بعد انتهائه نهض عمران عن مقعده وهو يقول بآلية: يلا بينا يا ليالي. نهضت عن مقعدها هي الأخرى وأخذت حقيبتها. وبحماقة منها مدت يدها وتأبطت ذراعه وهو يفتح باب الغرفة. وقبل أن يسألها عن فعلتها وجد ميس تقف أمام الباب رافعة يدها كأنها كانت على وشك دق الباب.

تسمرت ميس بمكانها ومازالت يدها عالقة بالهواء. ولم تتحجر حواسها هكذا إلا من رؤية تلك المرأة وهي تتأبط ذراعه بتملك سافر. كسرت دمعة كبيرة حاجز جفنها الأيمن وانزلقت على وجنتها. كتمثال لم يعد به شيء حي سوى عينان امتلأت بالدمعات التي كانت خير دليل أنها تظن به السوء.

أخفضت ذراعها ولكنها لم تتفوه بكلمة. بل استدارت وأطلقت لساقيها الريح. فترك عمران ليالي وأخبرها بأن تنتظره حتى يعود. وركض خلف زوجته وكلما ناداه تحث قدميها على الركض بسرعة أكبر حتى تخرج من الفندق وتصل لسيارتها ولا يستطيع اللحاق بها. صاح مناديا لها برجاء أقرب للتوسل: ميس استني أرجوكي اسمعيني.

لم تكن سعيدة الحظ إذ قبض على ذراعها قبل أن تبتعد أكثر. وقبل أن ينتبه أحد من العاملين بالمكان أخذها لتلك الغرفة التي جعلها حكرا له إذا سأم من المكوث بالمنزل. أغلق الباب خلفه وما أن استدار إليها حتى يجلي سوء التفاهم بينهما وجدها تعقد ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بإنفعال:

مكنتش أعرف أن ذوقك انحدر للدرجة دي يا عمران. طب كنت استنضف مش ماشي مع واحدة أنت اتعرفت عليها أساسا بعد ما شقطتها من مطعم وجات معاك بكل سهولة. هي دي اللي هتخفف من وجع قلبك؟ لا تعلم كم تلك السعادة التي تسري بعروقه من مجرد سماع نبرة صوتها المعاتبة والمحملة بالغيرة القاتلة والتي دلت عليها دمعاتها الفياضة التي أغرقت وجنتيها.

قطع المسافة الفاصلة بينهما واحتضن وجهها بين كفيه. وأسند جبينه لجبينها. تاركا لأنفاسه الدافئة مهمة تجفيف رطوبة وجنتها الملساء. خرجت حروفه بشوق وحنين كأنفاسه اللاهثة جراء قربه منها: قلب عمران مفيش غير واحدة بس تقدر تخفف من وجعه. هي انتي يا ماسة يا اللي واجعة قلبي وفي نفس الوقت دوايا في إيدك. أنت كداب يا عمران.

قالتها ميس بتوتر وارتباك. ولا تعلم ما المغزى من قول عبارتها سوى أنها تريد قول أي شيء يخفف من وطأة ذلك الشعور الذي جعل حواسها تتواطأ معه بتناغم عذب. حتى أن عينيها باتت تحمل له رجاءها بأنها راغبة بإحدى جولات عناقه. ولكنها تحكم سيطرتها على يديها ولسانها حتى لا تنطق بها صراحة. ولكن كأنه علم حاجتها دون أن تفصح عنها. إذ برع في أن يدير دفة الحديث بينهما إلى صوت همهمات مشتاقة وهو يقول بعشق خالص:

بحبك يا ماسة انتي ماستي وقلبي. رغم أن في بعض الأوقات كان عمران يحصل منها على عناق لم يكن بالود المطلوب. إذ كان هو من يسرع بأن يهبها العناق دون الحاجة لموافقتها لعلمه أنها لن تمنحه الموافقة. إلا أن ما يحدث بينهما الآن لم تقل روعته عن تلك اللحظات الثمينة التي عاشاها سويا قبل وقوع الخلافات بينهما. حاولت الإنسحاب من بين ساعديه قبل أن يأتي أحد ويراهما على تلك الحالة. فدفعته عنها وهي تقول بإستجداء رقيق:

عمران ابعد عني وبطل جنانك وهمجيتك دي. رغم أنه يبدو للناظر إليهما أن عمران هو المتحكم بمشاعرها ويوجهها كيفما يشاء. إلا أنها هي من تفرض سيطرتها عليه. كونها دائما ما كانت تحب تشبيه بذكر الذئب القيادي المغرم بأنثاه. ولا يميل قلبه لغيرها. فها هو بين ذراعيها يرتجف شوقا إليها. ولكن ما أن اشتدت العواطف بينهما ووجدته إنه ربما يفكر بإتمام الوصال بينهما. شدت على ذراعيه وقالت بتوتر: أنا عايزة أمشي. افتح الباب خليني أمشي.

لم يسمع كلمة واحدة مما تفوهت به. بل بدا منغمسا بشعوره الذي افتقده خلال أكثر من عامين وكأنه وصل لنقطة اللاعودة في نفاذ صبره ولن يعود بالإمكان أن يحكم سيطرته على جنونه بها أكثر من ذلك. رد قائلا بأنفاس متسارعة من شدة ولعه بها: خليكي معايا أنا مشتاق ليكي أوي يا حبيبتي. أكتر من سنتين يا ميس وأنا بحلم أنك ترجعلي تاني. ومش قادر تكوني معايا وأسيبك تمشي.

صارت لمساته تحمل طابع الخشونة النابعة من عدم احتماله للمزيد من الصبر. ولكن كأن ذكرى تلك الليلة المأساوية التي عاشتها معه انهالت عليها فجأة. فحاولت أن تنسل من بين ذراعيه. وكلما زادت محاولتها بالفكاك منه زاد هو من اقترابه منها ظنا منه أن ما تفعله إحدى أمور الدلال الأنثوية. اخترقت صرختها أذنيه وهي تقول برجاء: لأأأ يا عمران لاء متعملش كده أرجوك.

كف عمران عما يفعله عندما رأى الذعر البادي على وجهها. وارتجافها كأنها تقف بوسط عاصفة ثلجية. فمال برأسه إليها وهو يقول برفق: خلاص اهدى يا ميس.

لم تكن بحاجة لحديثه أكثر من حاجتها لأن يحاول أن يصرف عنها روعها. فهي حتى الآن لم تستطع التخلص من ذلك الإحساس الذي يصيبها كلما رأته يقترب منها. لم تستطع محو تلك الصورة الهمجية والغير أدمية التي رأته بها. على الرغم من أنها حقا تحبه واشتقت إليه. ولكن كأن تلك الليلة مازالت تقف حائلا بينهما ولا تعلم كيف تتخطى الأمر وتمحي تلك الذكرى الأليمة من عقلها. فحتى وإن حاولت تجاوز أمر خسارتها لطفلهما وأنهما يستطيعان إنجاب غيره. إلا أن أمر اعتداءه الوحشي عليها لم تستطيع حتى الآن أن تدرجه تحت بند محتمل النسيان والتجاوز.

جلست ميس ووضعت وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء تصريحا بأنها لم تعد تشعر بالأمان الذي من المفترض أن تشعر به من تجاهه. ولا تعلم كم ألمته بفعلتها تلك. جعلته يشعر بأنه رجل بربري لا يتحلى بأي مظهر أو سلوك حضاري. ولكن رغم ذلك جلس بجوارها وجذبها إليه جعلها تتوسد كتفه وطوقها بذراعه وقبل رأسها قائلا بقلة حيلة: طب أعمل إيه يا ميس علشان أخليكي تنسي اللي حصل. أنا مبقتش عارف أعمل إيه. رفعت ميس عينيها الدامعتين له وقالت بألم:

أنا كمان مش عارفة بس كل ما أحاول أنسى وأقول خلاص. أول ما تقرب مني بفتكر اللي حصل وبفقد سيطرتي على أعصابي. صدقني أنا والله بحبك يا عمران وبعشقك كمان بس ليه مش قادرة أنسى. عادت لبكاءها ودفنت وجهها بصدره. لعله يدلّها على سبيل أو درب للنسيان ولكنه هو الآخر عاجز عن التفكير. فظلا هكذا فريسة حزن رهيب على أيام ستضيع هباء من بين أيديهما. ورأسها المندس فوق صدره يصعد ويهبط تزامنا مع خفقات قلبه الهادرة أسفل أذنيها.

ولكن بعد برهة وجيزة أبتعدت ميس عن عمران وقالت كأنها وجدت الحل لتلك المشكلة المستعصية: أنا لقيت حل لمشكلتنا دي يا عمران. رمقها عمران بشك وقال متسائلا بترقب: حل إيه ده يا ميس وبتفكري في إيه بالضبط. أوعى يكون... لم يكمل قوله كأنه فشل في إيجاد صيغة ملائمة لما يفكر به. فرغم عنها شقت ابتسامة صغيرة شفتيها. لعلمها بأنه ربما سيثور رافضا اقتراحها الذي لم يسمعه منها بعد.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...