أراد أن يستجلب العطف واللين منها، لعلها تكون رحيمة بمطلبها الذي لم يسمعه منها بعد، ولكنه يفعل ذلك ليأخذ احتياطه اللازم قبل أن يسمع منها ما لم يكن في حسبانه. رفع يده الأخرى وجذب تلك الخصلة الملتفة التي تحط قريباً من وجنتها اليمنى. لف خصلتها حول إصبعه وابتسم لها برفق لا يخلو من الدهاء المحبب.
فعلم مدى نجاحه بمخططه عندما وجدها تأخذ أنفاسها بقوة وتحملق به هائمة. وانفرجت شفتيها الورديتين بانفراجة بسيطة لتسمح بمرور ذلك الهواء الدافئ الذي أرسلته رئتيها، لعلها تخفف من شعورها بانقباض أنفاسها وهو قريباً منها. شعرت بدنو وجهه منها حتى بعدما أغمضت عينيها، تاركة له زمام أمرها. فها هو عمران، الذي نجح بإيصالها لأقصى درجات العشق ومن هوى بها إلى غياهب ودياجير اليأس والشعور بالخوف منه.
فجانبها الأنثوي الضعيف منها، دائماً ما كان بحاجة للأمان، والذي استمدته من تلك الأيام التي كان بها عمران زوجاً لها، يفعل المستحيل ليجعلها تشعر بمدى عشقه ولم يكن يدخر جهداً بتدليلها. ما أن انتهت موجة الضعف العذبة التي اجتاحتهما سوياً، أرادت ميس العودة لحديثها. فشدت على ذراعيه وابتعدت بوجهها عنه. ازدردت لعابها وقالت بجدية بعدما نأت بنفسها قليلاً عنه: "أنا كنت عايزة نعمل عملية حقن مجهري."
رفّت جفونه وقطّب عمران حاجبيه متسائلاً بدهشة وتعجب: "نعم! حقن مجهري إزاي يعني مش فاهم يا ميس؟ حتى وإن حمل حديثه طابع الدهشة، إلا أنه ما أن حدق بوجهها ورأى معالم الجدية، علم أنها لم تكن تمزح بل هي جادة بحديثها معه. فحمحم مستطرداً ومن ثم فغر فاه من غرابة اقتراحها الذي لم يضعه بباله يوماً: "ميس، أنتي بتتكلمي جد؟ حقن مجهري إيه ده كمان، أكيد أنتي بتهزري صح؟
لوّت ميس فمها جانباً لعلمها بأنه يحاول تضليلها بادعائه الجهل بمطلبها. فذكاؤه المعهود يجعلها تعلم أنه فهم مغزى حديثها منذ أن تفوهت به. وربما هو محقاً في رد فعله، فإن سمع أحد اقتراحها لن تقل دهشته عن دهشة زوجها، وربما دهشتها هي الأخرى في تقدمها باقتراح كهذا. ولكن عمران يفعل ذلك لكسب المزيد من الوقت معها، حتى لا يعلن عن موافقته ويجدها تنصرف على الفور لبدء ما اتفقا عليه. وضعت سبابتها أسفل ذقنه ورفعت
وجهه لها وهي تقول بدهاء: "بقى أنت مش فاهم يا عمران ولا بتستعبط؟ قبض على سبابتها وقبّل طرفه برقة أربكتها وقال بحنان: "طب وليه يا قلب عمران نعمل كده وإحنا في إمكاننا نخلف بيبي عادي من غير اللفة دي كلها؟ إيه الطلب الغريب ده؟ أنا افتكرت أنك هتطلبي نروح لدكتور أو دكتورة عشان نحل مشاكلنا، مش أنك تطلبي مني طلب زي ده. لأ طبعاً أنا مش موافق." وهجت وجنتاها بلهيب الخجل وردت قائلة بحيرة:
"متفتكرش إن أنا محاولتش أتعالج نفسي عشان أنسى اللي حصل. فاكر صاحبتي اللي شوفتها معايا في المطعم بتاعك يوم ما شوفتك أنت وليالي. دي مامتها دكتورة نفسية وكنت بروحلها. بس لحد دلوقتي مش قادرة أتجاوز الليلة اللي هدت كل حاجة بينا. عشان كده فكرت طالما أنا لسه مش قادرة أرجع لطبيعتي معاك، أن نعمل حقن مجهري وترجع الفرحة اللي مكملتش. جايز لما أحس إن جوايا حتة منك وأشوف فرحتك بالبيبي وأنك تهتم بينا، جايز أقدر أنسى اللي حصل. عايزة نبدأ تاني من وقت ما كنت حامل."
يعلم مدى رقتها وهشاشتها وأنها لا بد لها من أن تأمن جانبه قبل أن تفكر بالعودة إليه. ولكن كيف له بالموافقة وهو من يتحرق شوقاً لأن تعود معه لمنزله وأن تعود ليالي الحب بينهما. فأثر تلك الليالي ما زال عابقاً بنفسه المشتاقة إليها أشد الاشتياق. ولكنه علم الآن مدى خوفها من الخوض بعلاقتها مرة أخرى. زفر قائلاً بيأس وقلة حيلة: "ماشي يا ميس موافق عشان خاطرك بس، ولو إن أنا مستغرب الموضوع. بس ماشي."
وافق على مضض واعداً إياها بأنه سيفعل المستحيل من أجل عودتها إليه. ولا ينكر شعوره الطفيف بالسعادة من كونه سيمنح بعض الامتيازات، كأن تعود إلى منزله، أو أن يحصل منها على عناق وقتما يريد. فربما تلك مغامرة مثيرة سيحلو له أن يخوضها معها، حتى تعود إليه زوجة عاشقة مثلما كانت. تركت مكانها ونظرت لمرآة طاولة الزينة لتعيد ترتيب خصيلاتها وهندامها قبل الخروج. فعادت وتذكرت ليالي، فاستدارت برأسها إليه قائلة بجدية:
"في حاجة كمان يا عمران. ليالي مش عايزك تعرفها تاني ولا هي تقرب منك، لأن أنا مش حابة وجودها قريبة منك، حتى لو كنت عارفة إنك مش ممكن تفكر فيها. بس ابعد عنها وخلاص." ترك عمران مكانه واقترب منها مطوقاً إياها بتملك، واضعاً رأسه على كتفها. ونظر لانعكاس صورتهما سوياً في المرآة. فهمس لها قائلاً بحب:
"الجميل يأمر. بس هتملها صفقة المطعم لأن أنا اتفقت مع صاحبه مش عايز أطلع قدامه إن مش قد كلمتي. وأوعدك تتم البيعة وخلاص مش هيبقى بيني وبينها أي صلة، وهي عارفة إني متجوز وبحب مراتي وبموت فيها كمان اللي مجننانى دي."
قضم وجنتها بخفة ومداعبة، فضحكت ميس على فعلته. ولا تصدق أنها الآن بين ذراعيه، وهي من كانت منذ أيام، كانت لا تطيق رؤية وجهه ولا سماع صوته ولا تفكر بالعودة إليه. ولكن جاء أمر عودة ليالي كشرارة أشعلت لهيب غيرتها وعشقها له من جديد. لذلك لم ترغب بأن تتشدد برأيها وتخسره للأبد. لأن حتى وإن كانت أخذت قرارها بالانفصال عنه سابقاً، إلا أن من داخلها وأعماق قلبها ما زال عشقها له موجود كحقيقة راسخة لا تقبل الشك أو الجدل. وربما ما حدث لراسل وحياء ساهم بأن تعيد تفكيرها في أمر الانفصال، فهي تراهما يعانيان مر الألم والوجع وكل منهما بعيداً عن الآخر.
استدارت بين ذراعيه وتنهدت بصوت مسموع. ولم تكتف بذلك، بل أحنت رأسها على كتفه وهي تقول بهمس حائر: "أنا لازم أمشي دلوقتي. ولما أكلم الدكتور اللي هيعمل العملية هأتصل عليك وهقولك. بس مش عارفة أروح أقولهم ايه في البيت وأصلاً جدو عنده هموم كفاية." مسد على خصيلاتها الشقراء وطمأنها بقوله: "أنا هروح ليه وهقوله. واظن إنهم هيبقوا فرحانين عشان هنرجع لبعض. بس متغيريش أنتي رأيك. خايف أجي ألاقيكي أتحولتي."
رفعت ميس رأسها عن كتفه ونظرت إليه باسمة وقالت وهي تعبث بياقة قميصه: "لأ متروحش أنت وسيبني أقولهم أنا. ومتخافش مش هتحول ومش هغير رأيي. سلام بقى."
تركته وبحثت عن حقيبتها. وقبل أن تصل للباب، قبض عمران على ذراعها. إلا أنها تملصت منه حتى لا يعودان لنقطة البداية مرة أخرى. فعلمها بأنه يريدها قريبة منه على وجه السرعة، يجعلها تخشى إخفاقها بخوض الأمر معه. لأنها حتى الآن لم تستطع التخلص من رواسب تلك الذكرى الأليمة. ولا تريده أن يحنث بوعده لها، الذي وعدها إياه منذ دقائق.
جذبت ذراعها من يده برفق وابتسمت له ابتسامة أخفت بين طياتها توترها البادي بملامحها الغضة. وأسرعت بفتح الباب وهرولت بخطواتها خارجة من الفندق. بينما عاد عمران لغرفة مكتبه، ووجد ليالي كما هي بانتظاره، جالسة على المقعد أمام المكتب الخشبي. فابتسم بتهذيب قائلاً باعتذار: "آسف يا ليالي إن اتأخرت عليكي. يلا بينا عشان نلحق ميعادنا مع صاحب المطعم." هبّت ليالي واقفة وتساءلت بفضول: "هي مين دي اللي أنت جريت وراها؟
وضع عمران يديه بجيبيه بنطاله قائلاً بابتسامة شغوفة: "دي تبقى ميس مراتي، حفيدة رياض النعماني لو تسمعي عنه." رفعت ليالي حاجبيها بعد سماع كنية عائلة زوجته وقالت بدهشة طفيفة: "رياض النعماني نفسه؟ أغنى أغنياء إسكندرية، واللي صيته مسمع في كل حتة؟
هز عمران رأسه تأكيداً على صحة ما تفوهت به. ولا يعلم هل صرح بهوية زوجته من أجل أن تلتزم بالآداب المتعارف عليها بينهما، أو لتعلم أن المنافسة بينهما خاسرة وستصب بمصلحة زوجته في المقام الأول.
ابتسمت ليالي ابتسامة لا تخلو من الارتباك وضرورة أن تتوخى الحذر. حتى لا ترى عالمها ينقلب رأساً على عقب وتكون هي الخاسرة بالنهاية. فحتى وإن بلغ مقدار ثراءها الآن، إلا أنه لن يصل لمعشار ثراء تلك العائلة، والتي يهابها الجميع، سواء الغني أو الفقير. نظرت ليالي بشاشة هاتفها وقالت وهي تسبقه بمشيتها: "طب يلا بينا لأن كده اتأخرنا. وشكراً على مساعدتك."
ياسار خلفها حتى وصلا أمام الفندق. فصعد كل منهما لسيارته. وأمرت ليالي سائقها بأن يتبع سيارة عمران. وما أن وصلا لذلك المطعم الفاخر، ترجلت ليالي من السيارة وهي تنظر بإعجاب لموقعه واستحسنت اختيار عمران له. فيبدو على المطعم أنه لا يرتاده إلا ذوات الطبقة الثرية والمخملية. لذلك سيدر عليها ربحاً ومالاً وفيراً. ووقتها تستطيع تبرير ثراءها المفاجئ.
اقترب منها عمران وأشار لها بأن تتقدمه بالدخول. فولجا للداخل وقابلا صاحب المطعم، الذي رحب بقدوم عمران ترحيباً حاراً. وبعدما جلس ثلاثتهم، نظر صاحب المطعم لليالي قائلاً بتهذيب: "أهلاً بيكي يا مدام ليالي. لو حابة تتفرجي على المطعم اتفضلي حضرتك خدي جولة فيه وبعدين نتكلم." رفع الرجل يده وأشار لفتاة تعمل نادلة بالمطعم بأن ترافق ليالي لتتفقد المطعم قبل الاتفاق على السعر النهائي. نهضت عن مقعدها ورافقت الفتاة.
وما أن ابتعدتا، نظر الرجل لعمران متسائلاً بصوت منخفض: "عمران، طب إيه اللي هيحصل لو عجبها المطعم؟ ابتسم عمران ورد قائلاً بمزاح: "هتبعولها طبعاً. هي دي محتاجة تفكير؟ فغر الرجل فاه ورد قائلاً بدهشة: "يا حلاوتك يا عمران. يعني عايزني أبيع مطعمي؟ طب ما كنت تبعلها مطعم ولا فندق من بتوعك بتدبسني أنا في الموضوع ده ليه؟ أشار له عمران بالصمت ما أن رأى ليالي بمكان قريب منهما. وما أن ابتعدت هتف به قائلاً بتحذير:
"وطّي صوتك يا مجنون. هتبوظلنا الحكاية بصوتك ده. ثم مش قولتلك إن مينفعش أبيعلها مطعم أو فندق من بتوعي عشان ميبقاش عندها شك من ناحيتي. وأخرس بقى خلي الموضوع يمشي كويس. وقلتلك لا هتبيع مطعمك ولا نيلة. أنا بس عايزك لما تقولها على السعر تضرب في العالي لحد ما تعجزها عن الدفع والباقي عليا أنا. فهمت؟ قطع عمران استرساله في حديثه بعدما رآها تعود إليهما. فجلست ليالي ويبدو على وجهها أنها أحبت المكان وستنوي شراءه.
وضعت نظارتها من يدها ونظرت لصاحب المطعم وهي تقول برقة تجيد دائماً استخدامها عندما تتحدث مع الرجال: "هو المطعم جميل جداً وفخم كمان، عجبني جداً وأنا على استعداد أشتريه. حضرتك طالب فيه كام؟ ضم الرجل كفيه ونظر لعمران ومن ثم نظر إليها قائلاً بجدية مصطنعة: "أنا عايز 10 مليون جنيه." فغرت ليالي فاها من سماع السعر. فهل مطعم واحد يتطلب هذا الثمن كله؟ رفعت شفتها العليا وردت قائلة بعدم اقتناع: "عشرة مليون في مطعم؟ ليه يعني؟
أسند الرجل ظهره لمقعده ورد قائلاً بهدوء:
"حضرتك ده مش مطعم بس، مشوفتيش القاعة اللي جمبه دي تبعُه والفرح الواحد فيها بس بيتعمل بمبالغ عالية. لأن مش أي حد بيعمل فرحه فيها. يعني العشرة مليون دول في مدة بسيطة جداً، تكوني رجعتيهم من ربح المطعم والقاعة. وأنتي شايفة موقعه في أفخم مكان في إسكندرية وعمران أكيد فاهم وعارف شغل المطاعم والقاعات والفنادق والحاجات دي بتكسب إزاي، خصوصاً لو كان الزباين من الناس الأغنياء أوي والفاتورة الواحدة بس بآلاف."
حدقت ليالي بعمران لعلها تسمع رأيه بما تفوه به ذلك الرجل. فوجدته ينهض عن مقعده قائلاً وهو يشير لها بالنهوض: "مدام ليالي هتاخد وقتها في التفكير وهنرد عليك إن شاء الله." نهض الرجل وصافحهما وهو يقول بتهذيب: "خدوا راحتكم خالص في التفكير وأنا موجود وتحت أمركم." خرجا عمران وليالي من المطعم ونظر إليها وجدها شاردة. فهتف بها بمكر:
"متفكريش كتير يا ليالي. لو السعر مش عاجبك نشوف مطعم تاني. هو مكدبش عليكي تقريباً، ده أقل سعره معروض للمطاعم والفنادق اللي من النوع ده. لأن لو عايزة مطعم أو فندق تكوني ضامنة إنها ترجعلك الفلوس اللي هتدفعيها فيها، يبقى لازم يكون له صيت ومعروف إن زباينه من الطبقة الراقية." حكت ليالي جبهتها بتفكير. فهي على ثقة عمياء بمدى ذكائه أو صيته في عالم الأعمال الخاصة بإدارة الفنادق أو المطاعم الفاخرة. لذلك ردت
قائلة بشعور من الإحباط: "هو المبلغ فعلاً كبير. لأن حالياً مش معايا سيولة كافية تغطي المبلغ ده. لأن الفلوس اللي كانت معايا اشتريت البيت والعربية. بس أنا ممكن أدبر المبلغ بس عايزة شوية وقت. فلو ممكن يستنى وميبيعش المطعم لحد تاني على ما جهزله المبلغ." رد عمران قائلاً دون محاولة منه أن يظهر مدى سعادته في نجاح أولى خططه: "مفيش مشكلة. هو صاحب المطعم أنا أعرفه كويس وممكن أضمنك عنده." بغمرة سعادتها مدت راحتيها وقبضت
على كفيه قائلة بامتنان: "أنا متشكرة جداً يا عمران." ابتسم عمران ابتسامة متكلفة، واهماً إياها بأن ما يفعله من أجلها يأخذه على الرحب والسعة. وبعد أن استقلت سيارتها، رفع يده يلوح لها بابتسامة عريضة. بادلته إياها بابتسامة أخرى.
وما أن غادرت اختفت ابتسامته وحل محلها العبوس. فهي لا تعلم أنه يعد لها مفاجأة على الأغلب لن تكون سارة بالنسبة لها. ولكنها تستحق ما ستناله، كونها أرادت توريطه بأمر هو بغنى عنه. لولا أن أراد الله إنقاذه من كارثة كانت ستحل عليه بعودتها. لذلك أراد تلقينها درساً لن تنساه بعمرها. متأسفاً على تلك الوعود والعهود التي وعدتها إياه سابقاً بأنها ستتخلى عن أي سلوك سيئ. ولكن ما أن غادرت عادت لما كانت عليه. وعادت من جديد وأخبرته قصة
زواجها التي استطاعت حبكها بدقة، حتى أنه صدقها بالبداية، ليعلم فيما بعد بأن زوجها ذلك الرجل الثري حامت الشكوك حول وفاته. وأن تلك النقود التي تملكها حصلت عليها من إرث زوجها المزعوم بطرق ملتوية. ولم يوافق عمران على أن يسايرها بكذبتها إلا من أجل أنه لا يريد أن يظهر بمظهر الأبله أو الذي تم خداعه من امرأة مثلها. فتلك آفة لديه من أنه لا يريد أن يشكك أحد بذكائه ودهاءه. ولا بد لها أن تنال جزاءها جراء أفعالها وأنها أرادت العبث
معه وجره إلى شباكها المغرية والتي لا تقتصر على علاقة رجل وامرأة فقط. ولكن كانت تريد أن تتخذ من صداقتهما غطاء لحقيقتها.
صاحت بيرى في وجه ذلك الرجل الذي وضع باقات الزهور على الطاولات بتلك القاعة التي سيقام بها اليوم حفل زفاف تم تكليفها بتصميمه. معنفة إياه برقة على أنه جلب نوع آخر غير تلك الورود التي تم الاتفاق عليها. ولكن قدم الرجل اعتذاره بأنه حدث خطأ وتم تبديل باقات الورود والزهور مع القاعة الأخرى بذلك الفندق والتي سيقام بها حفل زفاف آخر تابع لإحدى مصممات حفلات الأعراس. فلملم الورود وذهب بها للقاعة الأخرى وتبعته بيرى لتتأكد من أنها ستحصل على الورود والزهور التي كلفته بجلبها.
وصلا للقاعة الأخرى وقابلت المصممة التي ابتسمت على ذلك الخطأ اللطيف. وحصلت كل منهما على الورود خاصتها. حملت بيرى باقة من الورود واشتمتها بتلذذ. ولم تنتبه وهي تسير بتلك الردهة الفاصلة بين القاعتين، فاصطدمت بأحدهم وسقطت الورود من يدها. نظرت للورود على الأرض ورفعت وجهها وكادت تعرب عن ضيقها وغضبها لما فعله ذلك الذي اصطدم بها. ولكن علقت حروفها بجوفها عندما علمت من هو صاحب ذلك الطول الفارع.
لا تعلم كيف غزت تلك الدموع عينيها وهي تتلفظ باسمه بتلك الغصة القوية والتي كادت تقضي على صوتها وأنفاسها: "عبد الرحمن! هو أنت؟ انحنى عبد الرحمن والتقط الورود بذراعه السليمة. ورفعها إليها وهو يقول بصوت بارد: "الورد بتاعك يا آنسة." دققت النظر بذراعه الآخر، ووجدته يضع طرفاً صناعياً وليس مثل تلك المرة الأولى التي رأته بها وعلمت بعاهته. ودون وعي منها مدت يدها ولمست الذراع الصناعية ومن ثم نظرت بوجهه وهي تسأله
بدموعها الحارة قبل حروفها: "أنت هنا في إسكندرية من امتى؟ وبتعمل إيه هنا؟ أنا قابلت أختك من سنتين وعرفت إنك كنت بتضحك عليا يا عبد الرحمن وإنك مش متجوز. ليه كذبت عليا؟ جمدت ملامحه وأشاح بوجهه عنها ونظر بعيداً ورد قائلاً ببرود: "عن إذنك يا آنسة عشان أنا مش فاضي، لأن النهاردة خطوبتي في القاعة اللي هناك دي."
استدارت برأسها ونظرت حيث أشار بيده السليمة. فوجدته يشير لتلك القاعة التي خرجت منها منذ قليل وتم تبديل الورود والزهور بها. وما لبثت أن عادت ببصرها إليه وهي تقول بنبرة تفيض بالحزن: "النهاردة خطوبتك؟ ولا بتضحك عليا زي ما ضحكت عليا قبل كده؟ قال وهو يتجاوزها ليكمل سيره: "لو مش مصدقة ممكن تيجي تحضري الخطوبة. أنا عازمك يا آنسة بيرى."
تابع سيره حتى وصل للقاعة. استدارت تنظر إليه وجدته يتحدث مع تلك المصممة التي تعرفت إليها منذ قليل. فعلمت أن ربما هو صادقاً بقوله. ولا تعلم لما انتفض قلبها بين أضلعها، رافضاً ذلك القرار المجحف بحقه. حتى وإن كانت من قبل لم تفكر بشأن البحث عنه ومحاولة أن تعيده إليها، إلا أنها شعرت باحتراق قلبها من أنه بصدد إتمام خطبته من فتاة أخرى. "ماشي يا عبد الرحمن هتشوف أنا هعمل إيه."
قالتها بيرى ومسحت دموعها بإصرار وهي تفكر بإيجاد حل. فإن كان هو هنا فلن تجعل فتاة أخرى تحوز عليه أو تناله. خاصة أنها الآن حرة ولم يعد أباها على قيد الحياة ليمنعها من أن تصير له زوجة. لذلك عادت للقاعة التي تتم بها الاستعدادات من أجل حفل الزفاف المكلفة به.
وبالمساء كان كل شيء بأبهى صورة بالقاعة وبدأ حفل الزفاف. وكلفت أحد العاملين لديها بأن يراقب القاعة الأخرى ويخبرها عندما يقوم عبد الرحمن بوضع خاتم الخطبة بيد تلك الفتاة التي من المفترض أنها ستصبح خطيبته. أقترب منها الشاب المكلف بمراقبة القاعة. وأدنى برأسه منها وهو يقول بهمس: "آنسة بيرى، فاضل هناك في القاعة التانية خمس دقايق ويلبسوا الدبل." أماءت بيرى برأسها وردت قائلة بصوت خفيض:
"تمام. خليك أنت هنا تابع المصور وكل حاجة وأنا عشر دقايق وراجعة، ماشي؟ هز الشاب رأسه بطاعة، وخرجت بيرى متجهة للقاعة الأخرى. وما أن ولجت اتجهت لذلك الشاب المختص بتشغيل الموسيقى. فأخذت ميكروفون ووقفت بمنتصف القاعة. حدقت بعبد الرحمن ومن ثم بتلك الفتاة الواقفة بجواره. فابتسمت وقالت ونظراتها تطوف بوجوه الحاضرين:
"معلش لو كنت قطعت عليكم حفلة الخطوبة، بس مقدرتش أشوف جوزي حبيبي وأبو ابني اللي في بطني بيخطب ومجيش عشان أباركله وأقوله ألف مبروك." شهق الجميع بصوت واحد تقريباً، وجحظت عينيّ عبد الرحمن من قولها وكذبتها التي قالتها دون خوف أو وجل. بل زادت بالأمر ووضعت يدها على بطنها تمررها بحنان، كأنها تربت على جنينها الوهمي. ترك عبد الرحمن مكانه واقترب منها جاذباً ذراعها حتى كاد يفصله عن باقي جسدها. فصاح بوجهها قائلاً بحنق:
"أنتي إيه اللي بتعمليه وبتقوليه ده؟ أنتي مجنونة؟ طافت عينيها بقسمات وجهه المليحة وردت قائلة بإصرار: "أنا أبقى مجنونة لو سبتك لواحدة تانية تاخدك مني وأنا واقفة أتفرج." اقتربت منهما العروس وجذبت ذراع عبد الرحمن وتساءلت بإلحاح: "هي إيه الحكاية؟ أنت فعلاً متجوزها وهي حامل؟ مدت بيرى يدها وأزاحت يد الفتاة عنه وهي تقول بعبوس: "شيلي إيدك من عليه يا آنسة."
وقف عبد الرحمن بالمنتصف وتلبسته حالة من البلادة والبلاهة وهو يرى بيرى تتشاجر مع الفتاة الأخرى. ولم ينته الأمر لهذا الحد بل تدخل أقارب العروس. وكانوا على وشك بدء مشادة كلامية ومشاجرة معه، لولا تقدم رجل عجوز ولم يكن سوى عمه ويبدو أن الجميع سيبدي احترامه له، لعله هو يتكفل بحل الأمر. تقدم الرجل العجوز من عبد الرحمن متسائلاً: "قولنا يا عبد الرحمن إيه الحكاية بالظبط وتبقى مين دي؟ قضمت بيرى شفتها السفلى وسرعان ما ردت
قائلة بتأثر وانفعال مزيف: "أكيد هينكر إنه يعرفني ويقول عليا كدابة. بس أروح فين أنا وابنه اللي في بطني؟ ولا عشان هو راجل ميتحاسبش وأنا اللي ست حقي يضيع. أنا مش عايزة حاجة غير إنه يرجع لعقله وبيته ويتجوزني رسمي عشان إحنا كنا متجوزين عرفي. أكيد حضرتك عندك بنات ومترضاش لهم بالفضيحة. ولا عشان أنا مش مسلمة زيكم هترضوا إن يعمل فيا كده ويسيبني؟ لطمت والدة العروس خديها ونظرت لابنتها قائلة بتأنيب على سوء اختيارها:
"يعني هو ده اللي أصرتي تتخطبي ليه وتتجوزيه؟ مش كفاية إن دراعه مقطوع، لأ كمان متجوز عرفي ومراته حامل؟ اومال لو مكنش مؤدب ومحترم زي ما قولتي كان عمل إيه أكتر من كده؟ أثارت والدة العروس بنفسه الضيق لإتيانها على ذكر عاهته. إلا أنه لم يبق بكلمة. ولكن بيرى هي من تولت الأمر دون أن تنتظر منه السماح لها بفعل ذلك. فجذبت ذراع والدة العروس وطالعتها بعينان تنذرانها بالشر وهي تقول بدفاع عن حبيبها: "وأنتي مين عشان تتكلمي عليه كده؟
دا ضفره برقبتك أنتي وبنتك، دا... جذبها عبد الرحمن من ذراعها لتكف عن حديثها، فيكفيها إثارة اللغط وتلك البلبلة بين المدعوين. وكل منهم ينظر إليه على أنه ارتكب جريمة شنعاء. حتى عائلته المؤلفة من شقيقته الوحيدة وزوجها وعمه وبعض الأقارب، باتت أعينهم تحمل له اتهاماً على أنه فعل ذلك حقاً دون علمهم. تأزم الأمر أكثر عندما هم شقيق العروس بالشجار معه. ولكن تولى زوج شقيقته أمره. وكادت القاعة تتحول لساحة معركة حامية بين العائلتين.
ولكن صاح بهم عمه المسن قدر سماح أحباله الصوتية بفعل ذلك: "خلاص اهدوا كلكم. أولاً إحنا بنتأسف وبنعتذر عن اللي حصل وإحنا زينا زيكم مكناش نعرف باللي عمله ابن أخويا. وإحنا مستعدين ندفع التعويض اللازم على اللي حصل وأسفين على إن حفلة الخطوبة مش هتم."
سكتت الألسنة وساد الصمت. ورمقه عمه بنظرة مأنبة على أن يجعله يتأسف لمن هم أصغر منه سناً. وبدقائق معدودة كان المدعوين يغادرون القاعة ولحق بهم العروس وعائلتها. ولم يتبقى إلا هو وعمه وشقيقته وزوجها وبيري. تظاهرت بيرى بالإرهاق وسحبت مقعد وجلست عليه وهي تقول بادعاء الوهن: "آه مش قادرة أقف على رجلي. الحمل في أوله صعب جداً، ودماغي لفت والنفس في القاعة كان كتير. أنا شوية وكان هيغمى عليا."
كل هذا وعبد الرحمن ظل محملقاً بها لا يصدق أن تلك الفتاة هي بيرى بذاتها تلك الفتاة الرقيقة والهادئة ذات الطباع التي تميل للحزن والشجن قليلاً. فكأنها أصبحت فتاة أخرى تجيد تدبير المكائد وتوريط الآخرين بها. تقدمت شقيقته منها وناولتها كوب من الماء وهي تقول برفق: "خدي اشربي ميه وإهدي. الانفعال غلط عليكي."
أخذت منها بيرى كوب الماء ورفعته لفمها ولم تنسى أن تغمز لعبد الرحمن بإحدى عينيها. فقبل اقترابه منها رغبة في دق عنقها وجد عمه يعترض طريقه قائلاً بجدية: "أنت لازم تصلح غلطتك يا عبد الرحمن وتتجوزها." صاح عبد الرحمن بانفعال: "غلطة إيه يا عمي دي بتكذب عليكم. والله ما عملت حاجة ولا اتجوزتها ولا هي حامل أصلاً." وزع زوج شقيقته نظراته بينه وبين بيرى متسائلاً: "يعني أنت متعرفهاش وهي بتتبلى عليك؟
صمت عبد الرحمن. فتركت بيرى مكانها واقتربت منه قائلة بتحدي: "متحاولش تنكر يا عبد الرحمن إنك تعرفني وبتحبني. مش أنتوا بتقولوا الكذب حرام؟ اقتربت أكثر منه وهمست مستطردة: "بس الكذب عندي أنا مش حرام. وقولتلك مش هسيبك لواحدة تانية تاخدك مني. فتتجوزني كده بهدوء ولا تلاقيني ناشرة خبر جوازنا المزيف في كل مكان وبدل ما تبقى فضيحة بين عيلتين تبقى فضيحة على الملأ." كزّ عبد الرحمن على أسنانه ورد قائلاً بصوت خفيض:
"هو جنانك وصل للدرجة دي يا بيرى؟ ثم أنتي عايزة مني إيه؟ مش كفاية اللي حصلي من أبوكي؟ كسا الحزن وجهها وبدون وعي منها رفعت يديها وأحاطت وجهه قائلة باعتذار: "أنا بابا مات من سنتين، وأنا آسفة على كل اللي عمله. وصدقني أنا لسه بحبك ومش قادرة أحب حد غيرك أنت. والنهاردة لما شوفتك هتخطب واحدة تانية عقلي طار مني." حمحم عمه لينهي ذلك المشهد العاطفي بينهما. والذي أكد لهم أنهما حقاً بينهما معرفة سابقة. فنظر إليهما متسائلاً
برصانة: "أنتي يا بنتي بتقولي إنك مش مسلمة؟ أنتي مسيحية؟ التفتت بيرى إليه وحركت رأسها سلباً وردت قائلة بأنفاس تكاد تتلاشى: "لأ. أنا يهودية." دبت شقيقته على صدرها بعد سماع ما تفوهت به بيرى من حقيقة ديانتها. والتي لم تضعها ببالها. فما ظنته أنها مسيحية ولكن أن تكون يهودية لهو بالأمر المفزع لها. فتلعثمت وهي تردد: "يـ يـ يهودية؟ استطاعت بيرى أن تفطن مقصدها من ترديد تلك الكلمة بكل هذا الخوف أو التعجب. فقالت بثقة:
"أيوة. وفيها إيه؟ مش في دينكم حلال الراجل يتجوز من غير ديانته وأنا بحب عبد الرحمن وعايزاه زي ما هو كده." عادت لأمور دهاءها ومسحت على بطنها برفق وهي مستطردة: "ولما ابنه يتولد هيتبع ديانته هو مش ديانتي، متقلقوش. ومش يمكن لما ألاقي دينكم دين تسامح وأنتم كويسين أغير ديانتي أنا كمان وأبقى زيكم."
لو لم يكن سيلوم عليه أحد فيما يفعله، لكان لطم عبد الرحمن خده على كذباتها المتوالية والتي تقولها بإتقان بالغ. حتى كاد هو ذاته أن يصدقها. ولكن جاءته الطامة الكبرى، عندما سمع عمه يقول بهدوء:
"أنا الصراحة مش عارف أقول إيه ولا أصدق مين ولا أكذب مين. بس أكيد كل اللي كان هنا من المعازيم صدق الحكاية لأن مفيش واحدة هتيجي تتبلى عليك وتجيب لنفسها فضيحة بالساهل كده. فلو أنت يا عبد الرحمن شهم وراجل زي ما أنت طول عمرك، اتجوزها. ويمكن تكسب ثواب بجوازك منها. ولو فعلاً حامل منك زي ما بتقول، يبقى اتجوزها."
أشرق وجه بيرى بعد سماع قول عمه. وزادت بالأمر بأن تأبطت ذراع عبد الرحمن، دلالة على أنها ستصير له زوجة سواء شاء بذلك أم أبى. فظل يحدق في وجهها بصمت، كأنه فقد النطق ويلزمه الوقت الكافي لاستعادة رشده مما افتعلته اليوم بجنونها الذي لم يكن له حد أو رادع. ورغم رؤيتها لملامح عدم الارتياح على وجه شقيقته أو زوجها إلا أنها لم تجعل ذلك يحد من رغبتها أو سعادتها بأن تكون زوجة لحبيب دام الفراق بينهما أعواماً. وطار صوابها بلحظات عندما علمت أنه يريد أن يتخذ فتاة أخرى زوجة له. فخرجت من داخلها تلك الأنثى الشرسة، التي ستستميت بالدفاع عن من يخصها هي بالأساس.
فإن كان هو وكل من يعرفها عن ظهر قلب، لا يصدق أنها تفعل ذلك وتتخلى عن برودها بل وتفتعل فضيحة من أجل الحصول على حبها، إلا أنها فعلت ذلك حقاً. ولو كان والدها على قيد الحياة، لكانت هذه المرة لن يكتفي بعقاب عبد الرحمن بل كان سيقتله. ولكن كل هذا انتهى الآن. لعلمها بأن ديفيد لن يرفض بأن تتزوج من شاب مسلم، مثلما فعلت حياء. حتى هو علم أنه وقع بعشق فتاة مسلمة. ولن تجد مانعاً لديه من أن تنعم بقصة عشقها الذي كان محرماً عليها. لذلك ستخبره بنواياها أنها ستتزوج، حتى وإن كان هناك احتمال ضئيل من عدم موافقته، ستعمل على إتمام زواجها رغم أنفه.
كورت سهى قبضتها ووضعتها بفمها وقضمتها بغيظ، لعلها تفرغ تلك الشحنة العارمة من الغضب. فذلك الأحمق ربما سيتسبب في رسوبها بالدراسة نظراً لتفكيرها الدائم بأمر زواجها المرتقب. تتمنى لو كان ذلك حلماً أو كابوساً وتفيق منه تجد نفسها حرة ولا يوجد شاب بحياتها يدعى عمرو. فما أن تذكرت اسمه، تمنت لو كان أمامها الآن وتقوم بخلع أسنانه وأنيابه ولتجعله هو أول مرضاها وتمارس عليه مهنتها التي ما زالت بالسنة الدراسية الثانية منها. ولولا
ذكاؤها وحبها لدراستها لما كانت استطاعت تأدية اختباراتها والتي بدأت منذ بضعة أيام. فكل يوم يمر عليها ويقربها من يوم زفافها الموعود، يثير بنفسها الانقباض وتتمنى لو أن يتوقف بها الزمن، حتى لا يأتي ذلك اليوم الذي ستزف إليه وتصبح له زوجة.
بسطت ذراعيها على مكتبها الصغير وألقت برأسها عليهما وحدقت بأحد جدران غرفتها. ولكن سمعت رنين هاتفها الموضوع على حافة المكتب. بالبداية تأففت من سماع رنينه المتكرر، ولم تشأ أن تعتدل لترى من يهاتفها. ولكن الرنين المستمر جعلها بالأخير ترفع رأسها المثقل ورفعت الهاتف بفتور. ولكن ما أن رأت اسم من يهاتفها، انتفضت من مكانها حتى كاد يسقط الهاتف من يدها. فتحت الهاتف ووضعته على أذنها وهي تصيح بانفعال:
"أخيراً افتكرت واتصلت عليا يا عمرو بيه! دا أنا لو شوفتك هقتلك! حاول الحد من انفعالها وصياحها، فهتف بها برفق: "اهدّي يا سهى وبطّلي زعيق بليز خلينا نتكلم بهدوء، وبلاش طولة لسان إذا سمحتي." كزّت سهى على أسنانها وردت قائلة بغيظ: "أنت إيه البرود اللي أنت فيه ده؟ يعني تدبسني في الجوازة وأنت عارف إن أنا مش عايزة أتجوزك، وإن خطوبتنا كانت لعبة. ثم مش يمكن أنا بحب واحد تاني؟
نضبت الدماء من وجهها بعدما أنهت جملتها. فما كان الداعي لها بأن تقول ما قالته، خاصة أنه ليس بحقيقة. ولكنها تريد قول أي شيء يستطيع إنقاذها من تلك الزيجة. فتمتم عمرو بحدة ودهشة خفيفة: "بتحبي واحد تاني! ويبقى مين ده؟ يبقى زميلك اللي شوفته في الكلية؟ جاءها سؤاله بإطار الإلحاح وأن تجيبه بسرعة. ولكن استطاعت لمس حدته ودهشته بحديثه، بعدما علا صوته قليلاً عن تلك النبرة الهادئة التي كان يتحدث بها. تسلحت بعنفوان
مزيف وردت قائلة بكذب: "آه هو زميلي ده. والصراحة هو كويس جداً، يعني على ما نخلص دراسة هنكون مناسبين لبعض، وهكون اتأكدت من مشاعري ناحيته." استطاعت زعزعة هدوئه بتلك الأكاذيب التي أخبرته بها. وظنت أنه سيبدي أسفه وينسحب من حياتها بهدوء. ولكن قوله الذي اخترق مسامعها هدم آمالها، إذ سمعته يقول بإصرار لا مثيل له:
"طب اسمعيني أنتي بقى، فرحنا في ميعاده ومش هرجع في كلامي ولا إن أقولك آه أنا آسف على اللي عملته وربنا يسعدك مع اللي قلبك اختاره. دا في المشمش الكلام ده، ماشي يا سهى." صاحت بانتفاضة قوية بعد سماعها لحديثه: "لأ اسمعني أنت بقى يا قمور. مفكرني هخاف منك وإنك تتجوزني غصب عني وجو الأفلام والروايات السايكو دي؟
لأ يا بابا دا أنا أهد الدنيا على دماغك قبل ما تفكر إنك بس تمشي كلامك عليا وأتقي شرّي أحسن ليك. أنا بس اللي مسكني إن مش عايزة بابا يتصدم فيا وإنه يرجع يفكر يجوزني لحاتم ابن عمي أو أي حد تاني. لكن شغل البنت الضعيفة والشاب اللي بيمسكها من دراعها اللي بيوجعها ده مبياكلش معايا. دا أنا ممكن أبقى زي العضمة في زورك متبلعش ولما تبلعها متتهضمش. فاهم يا عمور القمور أنت." "سهى أنا بحبك."
قالها عمرو بعفوية رافقها تنهيدة قوية. ولا يعلم كيف انطلقت العبارة من بين شفتيه، أو لم قالها الآن وهو لم يصرح بها بينه وبين ذاته التي ما زالت تتخبط بين نيران الماضي، ووهج الحاضر، وبريق المستقبل الذي يأمل بأن يحمل له الدواء لكل آلامه الماضية والحاضرة.
لو كان حاضراً أمامها الآن ورآها وهي واقفة جاحظة العينين وفَاغرة فاها ومتحجرة بوقفتها، سيظن أنها تحولت لتمثال حجري بلمسة واحدة من عصا سحرية. وعندما طال صمتها، أعاد جملته يضمنها حلاوة ذلك الشعور الذي يزوره لأول مرة: "سهى أنا بحبك. أنتي مش سامعاني؟ كيف لم تسمعه وعبارته اخترقت أذنيها كصدى الطلقات النارية، جف حلقها وردت قائلة بصدمة: "بتحبني إزاي يعني؟ ولا أنت بتقول كده عشان تضحك عليا وتتجوزني بجد؟
زفر عمرو بتأفف ورد قائلاً بسماجة: "وأنا إيه اللي يغصبني أضحك عليكي؟ ما أنا بإمكاني أتجوز أجمل بنت في إسكندرية ومش إسكندرية بس في أي مكان في العالم. هو أنتي شايفاني مضحكش يعني؟
ستكون عمياء وبلهاء إذا صدقت أنها لن يكون بإمكانها أن تشعر بانجذابها إليه. خاصة أنه شاب ثري ووسيم، وبإمكانه الحصول على أي فتاة يريد. ولكن طباعه التي علمتها هي دون قصد منها، تجعل أي فتاة تتحلى بالقليل من الذكاء، ستختار الابتعاد عن محيطه الشائك والمحاط بأسوار الخوف والخطر. ردت قائلة باندفاع: "حتى لو أنت حلو وغني كفاية إنك مدمن وشغال في عصابة وبتكسب فلوسك من الحرام." صرخ عمرو عبر الهاتف وهو يقول بنزق:
"قولتلك أنا بطلت زفت مخدرات ومبقتش مدمن ولا بشتغل في عصابة خلاص كل ده انتهى. مش عايزة تصدقي ليه؟ بس أقولك أنتي أصلاً اللي واحدة عندها تخلف في كلامها ومشاعرها، وأنا اللي غبي إن ملقتش واحدة غيرك أحبها." سمعت صوت تتابع أنفاسه كمن كان يركض بطريق طويل. ورغماً عنها دمعت عيناها، ولم تعلم ما الداعي لدموعها الآن وهي من تحاول قطع حبال الود بينهما. إلا أن عاد مستطرداً حديثه بعد ثوانٍ معدودة:
"مش عارف كل ما أحاول أقربلك خطوة تبعديني عشرة. أنسي بقى عمرو القديم اللي قابلتيه أول مرة. شيلي الصورة دي من دماغك. دا ربنا غفور رحيم وبيسامح وبيدي الإنسان فرصة تانية في حياته. ليه أنتي بخيلة كده ومش عايزة تدي نفسك وتديني فرصة تانية؟ أنا مش حابب نتجوز وأنتي تكوني مغصوبة على الجوازة. أنا عايزك برضاكي. ويمكن اللي خلاني أحول موضوع خطوبتنا المزيفة لجواز حقيقي إن فعلاً حبيتك يا سهى. افهميني بقى." "أنا خايفة يا عمرو."
تمتمت بها سهى دون مواربة أو محاولة منها أن تداري خوفها الذي كاد يسحق قلبها. فأسرع عمرو بالرد قائلاً برفق ولين: "خايفة من إيه بس يا حبيبتي؟ لو عايزة الضمانات الكافية اللي تخليكي تطمني. أنا مستعد أكتبلك نص ثروتي." أخذت سهى نفساً عميقاً وقالت بغصة: "وهي ثروتك وفلوسك دي هتعوضني عن كسرة قلبي لو حبيتك وأنت طلعت متستاهلش الحب ده؟
ولا هتعوضني لما أرجع بيت أهلي وشايلة لقب مطلقة وأنا لسه سني صغير. وياريت هبقى راجعة زي ما خرجت من البيت. لأ راجعة مطلقة وخسرانة كل حاجة." فكر عمرو في إيجاد حل لصرف خوفها. وبعد هنيهة رد قائلاً باقتراح: "طب لو اتجوزنا وعيشنا مع بعض فترة لحد ما تتأقلمي على الوضع وتشوفي بنفسك إن أنا اتغيرت وتثقي فيا؟
يعني هنبقى كأننا لسه مخطوبين. بس هتبقي عايشة معايا وتعرفيني كويس. لأن لو قولت لباباكي نطول فترة الخطوبة تاني مظنش إنه هيوافق. لاء هيفركش الجوازة. قولتي إيه؟ لو كانت تتخلى بذرة من الذكاء لرفضت عرضه المغري. ولكن شعورها كأي فتاة تسمع كلمة الحب الأولى، وترى دفاعه المستميت عن نقاء حبه لها، جعلها تعلن موافقتها مع إبداء بعض الشروط:
"ماشي أنا موافقة بس بشرط. أنت هتقعد في أوضة وأنا في أوضة ومتقربش مني ولا تلمسني غصب عني، وتسيبني أروح الكلية وأركز في دراستي. ومش عايزك تضغط عليا عشان أحبك. يعني سيبني أنا لحد ما أعرف إذا كنت هحبك ولا لأ. يعني بلاش استعجال، ماشي؟ رد عمرو موافقاً: "ماشي يا سهى هنفذلك كل طلباتك ومتقلقيش. وزي ما قولتلك أنا برضه هأمنلك مستقبلك وهحطلك مبلغ كبير في البنك."
لم يكن المال يعنيها، قدر اهتمامها بألا تخفق بتلك الزيجة. فهي لا تريد أن تتزوجه ويعودان وينفصلان وتخرج من تلك العلاقة محطمة القلب. خاصة أن عقلها بدأ يهيئ لها كيف ستكون الحياة بقربه وستتحالف وسامته مع الظروف المحيطة وجعلها تلقي أسلحتها مبكراً. فخطر الوقوع بحبه، أكثر خطراً من إلقاء نفسها وسط النيران. حتى وإن كانت من قبل شعرت بحب المراهقة، إلا أن الأمر سيكون مختلفاً هذه المرة.
أغلق عمرو الهاتف وابتسم باتساع بعد إنهاء المكالمة على نحو مُرضٍ لكلا الطرفين. وربما اقتراحه هو الأنسب والأفضل في ذلك الوقت، حتى ينتهي من علاجه النفسي، وأن يبدي لها حسن نواياه مثلما أخبره إمام المسجد. فما زالت نصيحته ترن بأذنه، من أنه إن لم يكن على استعداد كافٍ لبدء حياته الزوجية، لابد له من أن يتريث حتى لا يتسبب بظلم لزوجته. وربما وجود سهى قريبة منه، سيساهم ذلك في أن يبرأ سريعاً ويكون لها زوجاً مثلما يريد ويتمنى. ولا
ينكر أن اقتراحه سيدر عليه بفائدة من أن يرى أنثى تشاركه حياته، يستطيع الاقتراب منها أو لمسها وقتما يريد. وسهى ربما اختياره الملائم كونها فتاة ذات طباع شرسة ولا تقبل الخضوع والخنوع بسهولة. وهذا ما بحاجة إليه. وهو أنها لن تعلن عن استسلامها السريع، بل ستأخذ وقتها الكافي، وبذلك تعود عليه المنفعة من أن يكمل علاجه النفسي، حتى يستطيع عبور أي حاجز بإمكانه أن يحول بينه وبينها.
لم يجد مفر من العودة لممارسة مهنته بمشفاه، عوضاً عن الجلوس بالقصر ويرى أباه يضيق عليه الخناق بكل غدوة وروحة. فبعدما تم احتجازه بالإسكندرية بأمر منه، ولم يكتفِ بأخذ جوازات السفر، بل زاد بالأمر وأحبط مخططاته في الحصول على جواز سفر جديد. أخبر ميس بأنه سيعود للمشفى مرة أخرى. وعلى الرغم من ضيقها منه لأفعاله بحق زوجته والجميع إلا أنها ابتهجت بذلك. حتى يكون لديها الوقت الكافي لإصلاح أمورها الخاصة مع عمران. فبوجوده تستطيع ترك مهام إدارة المشفى له مثلما كان من قبل، بل ويستطيع هو أن يديرها بقبضة من حديد، لعلمها جديته في العمل، وأن العاملين بالمشفى يخشون إثارة غضبه إذا قصر أحد منهم بتأدية مهام عمله.
وضعت أمامه كافة الأوراق الخاصة بإدارة المشفى بالعامين الماضيين، ليكون على علم ودراية بما حدث أثناء غيابه. وظلت معه بغرفة المكتب حتى تجيبه على كل أسئلته التي لم يكف عن طرحها كلما طالع ورقة من أوراق ذلك الملف الموضوع أمامه. رفع راسل حاجبيه تزامناً مع زم شفتيه دلالة على إعجابه بما أحدثته ميس من إنجازات أثناء توليها إدارة المشفى. أغلق راسل الملف وضم كفيه قائلاً بإعجاب:
"ده أنتي عملتي إنجازات في المستشفى خلال السنتين دول مكنتش عارف إنك مديرة شاطرة كده." عدّلت ميس من ياقة رداءها الطبي وقالت بزهو مصطنع: "دي أقل حاجة عندي، ده سنتين كمان وكنت دخلتلك المستشفى دي موسوعة جينيس."
ضحك راسل من مزاحها ولم يصدق أن من فعلت كل ذلك، هي بذاتها ابنة شقيقه الرقيقة والمدللة. ولكن ربما ما حدث لها وعلم هو به كان سبباً في حدوث كل هذا. فهي وحياء متشابهتان بذلك الأمر، الذي صنع من كل منهما فتاة أخرى. إحداهما كانت تدير مشفى بأكمله، وأخرى كانت تدير أعمال العائلة. رمقه راسل متسائلاً بحذر: "ميس، أنتي مش ناوية ترجعي لجوزك؟ لم تفهم ميس سر أو مغزى سؤاله خاصة الآن، إلا أنها أجابته بصدق:
"لأ ناوية بس لما أحس إن خلاص أقدر أرجع أعيش معاه زي الأول. لأن اللي حصل مكنش سهل على الأقل بالنسبة ليا. وإحنا تقريباً دلوقتي متفقين على أننا نبدأ من جديد. بس بتسأل السؤال ده ليه؟ أسند راسل ظهره لمقعده وزفر زفرة مطولة ورد قائلاً بتيه: "مش عارف سألتك ليه. جايز عشان مش عايز أكون أنا وأنتي فشلنا في جوازاتنا."
أعقب حديثه بابتسامة حزينة، لن يعلم دلالتها إلا من كان قادراً على قراءة تعبيرات وجهه التي اختزنت الألم كأنها جعلته حكراً عليه. نقرت ميس على سطح المكتب نقرات خفيفة وهي تقول باستياء طفيف: "طب أنا سبت عمران عشان اللي حصل كان وقتها صعب إني أسامح فيه. أنت بقى سبتها ليه؟ أو اتجوزت ليه؟ قدرت إزاي أصلاً تعمل كل ده؟
أنا لو منها مكنتش اكتفيت بقتلك. أنا ست وحاسة بيها، يعني إيه تشوف جوزها اللي بتحبه مع واحدة تانية. ده أنت جبار يا راسل. وشوف على الرغم من إني بحبك إلا إني مضايقة منك ومش قادرة أستوعب اللي أنت عملته."
أغمض عينيه وترك لأذنيه مهمة سماع حديثها المقتضب، وليس هذا بشيء جديد ولكن سمعه تقريباً من عائلته بأكملها. فكلما يراه أحد منهم يسمم أذنيه على أنه فعل ذلك بزوجته، وكأن حياء صارت تمتلك جيشاً مدافعاً عنها. في حين أنه هو فقد حتى دعمه الوحيد، الذي كان متمثلاً بخالته وفاء. فمنذ مشادتهما الكلامية وصفعها له وهي صارت تتجنبه، كأنها لم تعد تطيق رؤية وجهه قبل أن يصلح أموره مع زوجته.
بعدما سكتت ميس عن الكلام، فتح عينيه وانحنى للأمام ونظر لهاتفه يقرأ نص تلك الرسالة التي وصلت إليه ومن ثم وضع مرفقيه على حافة المكتب قائلاً ببرود واستياء كأنه تلقى نبأ غير مستحب: "أنا بقول نقوم نشوف شغلنا بدل الهري ده كله." رفعت ميس حاجبها ونظرت إليه بطرف عينيها. ومن ثم قالت وهي تترك مقعدها: "ما أنا بقول كده برضه. أحسن ما تجيبلي جلطة من برودك يا راسل. أعوذ بالله أنا مشفتش برود كده."
تمتمت ميس بجملتها ولم تكتفِ بذلك، بل أخرجت له لسانها لتغيظه. وما أن سمعت رنين هاتفها وأخرجته من جيبها ورأت اسم عمران، ابتسمت ابتسامة وضاءة وتركت غرفة المكتب لتجد مكان تتحدث فيه مع زوجها بحرية.
نقر راسل بالقلم على سطح مكتبه عدة مرات، قبل أن ينفخ بضيق ويلقيه من يده. فخرج من غرفة المكتب لعله يجد شيئاً يلهيه عن كثرة التفكير الذي سيؤدي به في النهاية لفقدان عقله. مر بين أقسام المشفى وأصدر تعليماته بشأن بعض المرضى بغرف الإفاقة. وبعدما انتهى يومه بالمشفى عاد للمنزل.
ما أن ولج للبيت لمح غرفة المعيشة الكبيرة الخاصة بمجلس أبيه الدائم بها حركة غير معتادة. بعدما رأى حياء تقترب بكوب ماء من رياض. فخشى أن يكون عاد وأصابه مكروه. فهرع ناحية الغرفة ووقف على أعتاب الغرفة متسائلاً باهتمام: "هو في حاجة؟ أنت تعبان ولا إيه؟
نظر تجاهه كل من عاصم وحياء ورياض. فتعجب راسل من تلك الملامح المشدوهة التي اعترت وجوههم، وحياء واضعة يدها على وجنتها وتنظر بالفراغ. كأنه اقتحم جلسة سرية لا يرغبون في أن يسمع أحد غيرهم ما يتم مناقشته بها. ولكن عاصم الذي حدق براسل رد قائلاً من أثر صدمته مما سمعه من حياء عندما أخبرته بشأن آدم: "أنا طلع عندي ابن شاب واسمه آدم. بيقول إنه ابني من لحمي ودمي."
أشفقت عليه حياء من صدمته مما سمعته منها، فهي لم تستطع كتمان الأمر عنه وعن رياض. لذلك أصرت على أن تخبرهما هما فقط على أن يجدا حلاً لذلك الأمر. ولم تنسى صيحات الدهشة والصدمة التي انطلقت من فمه وفم عمه بعدما سمعا بما تفوهت به. حرك راسل رأسه قائلاً بعدم فهم: "عندك ابن إزاي يعني وخلفته امتى ده؟ دي تلاقيها اشتغالة من واحد عايز ياخدله قرشين منك أو من رياض باشا." طافت حياء بنظراتها بينهم وردت قائلة ببرود كسبيل لإغاظته:
"على فكرة هو مش فقير دي غني ومشهور كمان وهو مكنش أصلاً عايزني أقول لحد. بس هو قالي أنا عشان المفروض إني أبقى مرات عمه. يعني مبروك يا راسل جالك واحد هيقولك يا عمو غير ميس. وأنت مشوفتهوش هو وسيم إزاي وشاب تقريباً ليه معجبين بالملايين. حتى لو ركزت في ملامحه هتلاقيه في شبه من بابا."
رغم علم عاصم بتلك الأهوال وأبواب الجحيم التي ستفتح بوجهه إذا صح قول حياء وكان له ابن، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يسألها بنبرة مختلجة بالفضول مع شيء قليل من الإنكار بحقيقة ما سمعه: "معقول يا حياء؟ هو آدم ده زي ما بتقولي عليه كده؟ دا على كده هو دلوقتي سنه معدي الخمسة وعشرين سنة يعني تقريباً أكبر منك بكام شهر. طب هو فين دلوقتي؟ وليه محاولش يقابلني ويقولي أنا بدل ما يقولك أنتِ؟
وليه فضل ساكت السنين دي كلها هو وأمه لو فعلاً زي ما بيقول إنه ابني؟ أجابته حياء وهي ما زالت تنظر لزوجها الذي امتقع لونه من حديثها. فردت قائلة بأسف: "للأسف هو سافر فرنسا تاني بعد ما خلصت حفلاته هنا وقالي على الموضوع. يعني لو هو زي ما راسل بيقول بيشتغلنا كان زمانه جالكوا هنا وحاول يقابلكم. بس هو قالي إنه مش حابب يسبب مشاكل لحد لأنه عارف إنك ملكش ذنب في إنه اتولد في الظروف دي. وعشان كده سافر على فرنسا تاني."
بدا كل منهما أنه يفكر بذلك الأمر حسب أهواءه وما يخدم معتقداته. إلا أنها لا تعلم سر ذلك الشعور بأنها استطاعت إفساد مزاج زوجها. ولن يعود هو الشغل الشاغل لتلك العائلة. بل ستتجه أنظار الجميع حول من يكون ذلك الشاب الذي من المفترض أنه فرد جديد ينتمي لتلك العائلة برابط دم ونتاج مكيدة وخدعة حصلت في الماضي. لعل ذلك يعيده إلى حجمه الطبيعي، عوضاً عن ممارسته بروده وغروره كطاووس تفرد بأن يستقطب فكر وأنظار الجميع إليه.
وتجلت سعادتها على وجهها بسماع قول رياض وهو يقول برصانة وحزم: "يبقى آدم لازم ييجي هنا ونعرف إذا كان ابن عاصم ولا إيه حكايته بالظبط. لأن لو طلع فعلاً شايل دم النعماني، يبقى القصر ده واسم العيلة أولى بيه. لو تعرفي توصليه يا حياء بلغيه ييجي في أقرب وقت عشان عايز أقابله وأعرف إذا كانت عيلة النعماني ليها حفيد جديد ولا لأ."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!