صوت حفيف ثوب زفافها على الأرضية الرخامية، وهى تدور بالغرفة، جعل الخوف والقلق ينهش قلبها، متسائلة بغياهب عقلها عن مكان وجود زوجها الآن. فمنذ أن خرجت والدتها من الغرفة، من أجل إخبار أبيها بأن يرسل أحد للبحث عن أسباب تأخر كرم فى المجيء، وهى لم تعد ثانية، بل ظلت هى بمفردها فى الغرفة، تشعر بأن جدرانها تكاد تطبق عليها من شدة شعورها بالضيق والإختناق. فما معنى تصرفه هذا؟ هل عاد لعناده، وسيتركها بهذا الوقت الحرج؟
فبالحديقة جمع غفير من المدعوين، بإنتظار خروج العروسان، اللذان تأخرا بالخروج عن الوقت المعتاد لمدة زمنية تقدر بساعتين كاملتين. فبعد أن يأست من زرع الغرفة ذهاباً وإياباً، وبعد أن شعرت بسحق باطن كفيها من كثرة فركهما ببعضهما، أرتمت على الفراش وأنخرطت بالبكاء. "ليه يا كرم؟ ليه تعمل فيا كده يا حبيبى؟
قالتها هند ونشبت أظافرها بأغطية الفراش البيضاء، والتى أصرت والدتها على تزيين السرير بها من أجل الليلة. فخدشت قماشها الحريرى الرقيق، وعلقت الخيوط بأظافرها المطلية بلون يشبه لون الذهب، فهى كانت تمنى نفسها بأن الليلة لن تلتحف بتلك الأغطية فقط، بل ستلتحف بساعديه القويتين، وستغنيهما حرارة عواطفهما عن الحاجة للأغطية، التى ستقيهما الشعور بالنسمات الباردة. "كرم...
نادت إسمه همساً وبلوعة. فلما هى التى ليس مقدرًا لها بأن تنعم بحبه؟ فكلما إجتازت عقبة للوصول إليه، تجد العديد من العقبات الأخرى. ولكنهما لم ينشأ بينهما خلافاً، فأمورهما كانت على خير ما يرام حتى البارحة، فلما فعل ذلك؟
أجفلت قليلاً عندما شعرت بيد تلمس ذراعها من فوق القماش الملتصق به كإنه جلد ثانِ لها، وهى مستلقية على الفراش ودافنة وجهها بين طيات أغطيته. فربما والدها ووالدتها جاءا من أجل مواساتها بعدما عصفت بكيانها رياح الخيبة والخذلان. فـسرعان ما رفعت رأسها، لتسألهما إذا كانا علما أى شئ عن زوجها المفقود.
ولكنها فغرت فاها عندما أبصرت كرم جالساً بجوارها على حافة الفراش. فقفزت على قدميها ووقفت قريباً منه تحدجه بنظراتها المستاءة قليلاً، ولكن لم يكن إستياءها بقدر شعورها بالسعادة كونها تراه أمامها سليم معافى، ولم يمسه سوء أو مكروه. "أنت اتأخرت ليه كده يا كرم رد عليا؟ قالت هند بنبرة مستاءة، لعله يفصح عن أسباب تأخره كل هذا الوقت.
ولكن لم يرد جواباً على سؤالها، بل أنه ترك مكانه، وأقترب منها وعانقها بحرارة، كادت تذيبها بين يديه. فكلما فصل العناق بينهما، يمسح وجهها بكفيه من آثر بكاءها، ويعود ليعانقها مرة أخرى. فما أن إبتعد عنها وأسند جبينه لجبينها، قال بصوت هامس مرتجف: "أنا أسف لو كنت أتأخرت عليكى يا حبيبتى."
شعرت بإرتجاف جسده أسفل يديها الموضوعتان على صدره. فعلى الرغم من حرارة عناقه العاطفى، وعبارة إعتذاره التى ختمها بتلك الكلمة "حبيبتى" التى طالما تمنت سماعها منه، إلا أن كل هذا لم يجعلها تشعر بأنه بخير، بل ربما هو يخفى عنها أمراً. رفعت عيناها لعينيه ترنو إليه بقلق وهى تقول بصوت خافت: "مالك يا حبيبى؟ حاسة زى ما يكون فى حاجة مخبيها عليا؟ وليه إنت أتأخرت عليا ده كله، قولى يا حبيبى إيه اللى مضايقك؟
تبعت حديثها بتمسيد كفها الرقيق والناعم على وجنته، لعل يعلم صدق إهتمامها به. فنظراتها الحانية ملؤها العديد من الأسئلة عن سر أفعاله اليوم، أو إذا صح القول منذ الأمس. فشروده زاد عن الحد، الذى يجعلها تقنع عقلها بأنه بخير، وأنه ربما ذلك عائد لشعوره بالتوتر أو الإرتباك من أجل حفل الزفاف أو إتمامه لزو اجه منها. ولكن كيف يكون ذلك صحيحاً، وهو الذى عانقها منذ برهة بشوق، كإنه لم يعد بمقدوره الإنتظار أن ينتهى حفل الزفاف ويصبحا بمفردهما.
أمعن كرم النظر بها، فتنفس بعمق محاولاً التخفيف من حدة تلك المشاعر، التى أثقلت قلبه، فغمغم بنبرة هادئة: "هند أنا... لم يكن الوقت لصالحه ليكمل عبارته، إذ صدحت صوت الزغاريد على باب الغرفة من خالته، التى رافقها عدد من النسوة، من أجل مرافقتهما من باب الغرفة إلى حيث يقام حفل الزفاف بحديقة المنزل. فأقتربت منه خالته وقـــبلته على وجنتيه وهى تقول بسعادة:
"مليون مبروك يا حبيبتى، ربنا يتمم بخير. يلا يا عرسان علشان الناس قلقت من تأخيركم." رافقتها دموعها من أنها اليوم ستضع إبنتها الوحيدة بين يـ ـدين من أحبته كولدها، والذى تقاسم حبها وحنانها مع إبنتها المدللة. فرفعت يـ ـد هند ووضعتها بين كف كرم العريض، وإحتضنت كفيهما معاً بين كفيها، كأنها بذلك تعبر عن مدى مباركتها لتلك الزيجة.
بلل كرم شـ ـفته السفلى بطرف لسانه، فشـ ـفتيه أصابهما الجفاف، كأنه أرتوى من ماء البحر المالح، الذى لا يجعل المرء يشعر بالإرتواء، بل يزيد من شعوره بالظمأ ولهفته للماء. فهاتان الساعتان الماضيتان، كان يصارع قلبه وعقله. فعقله وكبرياؤه ما أنفكا عن جلده بسياط التأنيب على أنه سيرضخ لأن يكون لعبة بيـ ـد زوج خالته اشتراها من أجل الترفيه عن إبنته المدللة. ولكن غلبته عاطفته كالعادة، ولم يشأ أن يتسبب لهم بفضيحة تتغنى بها ألسن الجميع، من أن العريس فر ليلة الزفاف.
"يلا بينا يا هند."
قالها كرم وهو يمد ذراعه لها قليلاً لتتأبطه. فإحتضنت ذراعه بكفها برقة ونعومة، تكاد تشعر بسريان الدماء بذراعه المفتول العضلات. ولكن إنزلقت يدها سريعاً حتى وصلت لكفه وتشابكت إيديهما سوياً، مفضلة أن تشعر بدفء يـ ـده، لعله يخفف من شعورها بالبرد المفاجئ، ولا تعلم هل شعورها بتلك الرجفة الخفيفة عائد للطقس المائل للبرودة، وكونها ترتدى ثوب زفاف أكمامه ذات قماش ناعم وخفيف، أم أن هناك سبباً أخر جعل البرودة تسكن أوصالها.
"يلا بينا يا حبيبى بس كلامنا لسه مخلصش." قالت هند وهى تهمس قريباً من أذنه. فخرجا من الغرفة يتبعهما والدتها والنسوة، يلقين عليهما أوراق الورد وحبيبات الملح الناعمة، وصوت الزغاريد يصدح بأذنيهما. هبطا الدرج بحرص وكرم يساعدها برفع ثوبها الثقيل، لكى لا تتعثر به أثناء هبوطها الدرج. فوصلا للحديقة فتعالت الصيحات والتصفيق الحار، كأن المدعوين يعبرون عن سعادتهم برؤية العروسان أخيراً.
أقترب منهما والد هند وسيمات وجهه تطفح بالبشر والسرور، من رؤية إبنته صارت اليوم عروساً، وأن من تزوج بها شاب لم يجد خصاله الحسنة، بأى شاب من شباب تلك الفئة المسماة بالأثرياء. فضم إليه إبنته بحنان وهو يقول بصوت أصابته الحشرجة من تلك الغصة العالقة به، والناتجة عن تجمع الدموع بمقلتيه: "حبيبة قلب باباكى أنتى يا هند مليون مبروك وتعيشى العمر كله فى سعادة وهنا."
رفعت هند ذراعيها وطوقت أبيها، وردت قائلة وهى تحاول جاهدة السيطرة على تلك العبرات التى أحرقت جفنيها: "الله يبارك فيك يا بابا وربنا ما يحرمنى منك أبداً يارب." تركها أبيها وأقترب من كرم يقدم له تهانيه ومباركاته، فضمه إليه وربت على ظهره وهو يقول بخوف والد على إبنته:
"خلى بالك منها يا كرم أنا معنديش أغلى منها فى حياتى. عارف أنك هتحافظ عليها، مش عايز دمعة واحدة تنزل من عينيها يا كرم لأن دموعها غالية عليا أوى، لدرجة أن ممكن أعمل أى حاجة فى الدنيا علشانها." "متقلقش يا عمى على هند، هى فى عينيا."
قالها كرم وتصنمت ملامح وجهه وتحجرت عيناه. هل والد زوجته يقدم تصريحًا مبطنًا لخداعه له، أم أن حديثه يندرج تحت بند خوف والد على إبنته، التى لم يكن له أبناء غيرها، ولذلك يشدد من رجاءه له بأن لا يجعل أى مكروه يصيبها، ويستدعي بكاءها. فربت على ظهر زوج خالته بألية وسرعان ما أنفض المشهد العاطفى بين والد العروس وبين زوج إبنته.
توافد العديد من المدعوين لمصافحة العروسان وتقديم التهانى والمباركات، وما أن جلسا بالمكان المخصص لهما، همس كرم بشئ من السخط لكثرة الأعين الراصدة له: "الواحد إيده وجعته من كتر الناس اللى سلم عليها."
فهو صافح العديد من الرجال والنساء. فمن الرجال من نظر له بحسد كونه استطاع الزواج من إبنة رجل ثرى، يعلم الجميع مدى ثراءه وأعماله ومركزه الإجتماعى والسياسى، كأنه فاز بجائزة اليانصيب الكبرى. فكم من شاب تنافس على الزواج منها، ولكن باءت محاولتهم بالفشل. ليأتي الآن ذلك الشاب الفقير والشبه معدم بالنسبة لتلك الطبقة المخملية، ويتزوج من إحدى ربيباتها.
وصل صوت همساته الساخطة لأذني هند، ولكنها لم تفهم ما يهمهم به لنفسه. فلمست ذراعه بأطراف أنامها قائلة بإهتمام: "فى إيه يا كرم بالظبط؟ مالك مش على بعضك ليه كده؟ حاول إيهامها بأن كل شئ على ما يرام، فأخذ يدها بين إحدى يديه وتشابكت أصابعهما سوياً، فرد قائلاً بإبتسامة، لم يحسن أن يسكن بها شئ من الدفء أو البهجة: "أبداً يا حبيبتى مفيش حاجة، جايز بس علشان مش واخد على جو الناس الأغنياء ونجوم المجتمع، فحاسس أن غريب وسطكم."
"غريب وسطنا؟ قالتها هند وهى تقطب حاجبيها. فما دلالة حديثه هذا، وعن أي ناس يتحدث، ولما يقلل من شأنه. فهى لا يعنيها شئ سواه هو، سواء كان ثرياً أو معدماً، ولا تريد سوى أن تكون الحياة بينهما قائمة على الأخذ والعطاء من مبدأ الحب ولا شئ أخر. فأكملت حديثها وهى تمعن النظر برماديتيه، لعلها تستخلص سر ذلك الجفاء والبرود، اللذان تلبساه فجأة: "كرم أنا ليه حاسة أنك من إمبارح وأنت متغير، ومش على طبيعتك؟
حتى تصرفك النهاردة غريب وكلامك أغرب." أسدل كرم جفنيه وندت عنه زفرة حارة، وما أن فتح عيناه وهم بالرد عليها، رآى وجه مألوف له، فقال بعفوية: "نورهان."
إنتبهت هند على لفظه لذلك الاسم، الذى لم تعلم لمن يكون، ولكن ما أن تتبعت نظرات عينيه، حتى رآته ينظر لفتاة تقف على مقربة منهما تضع حول عنقها كاميرا وتلتقط لهم العديد من الصور. فأنزعجت هند من إبتسامة الفتاة لزوجها، ولكن زاد أمر إقترابها منهما أن جعل الغيرة تعصف بقلبها، خاصة بعدما رآتها تمد يدها لكرم. "ألف مبروك يا كرم." صافحته قائلة بإبتسامة هادئة. "الله يبارك فيكى. أنتى بتعملى إيه هنا يا نورهان؟
صافحها كرم ونظر إليها متسائلاً بفضول. إبتسمت نورهان إبتسامة عفوية وهى ترفع الكاميرا بين يديها، فقالت وهى تمد يدها لتصافح هند: "ما أنا قولتلك قبل كده إن أنا بشتغل فى جرنال، وطبعاً النهاردة فرح مش عادى علشان العروسة بنت راجل أعمال وسياسى معروف، فطبعاً الجرنال بعتنى علشان أعمل مقال عن الفرح. ألف مبروك يا عروسة."
بُهتت هند من حديث نورهان العفوى، فهى لا تعلم من تكون، ولا تعلم ما سر معرفة زوجها، الذى اختفت من وجهه معالم الإنزعاج فجأة ما أن رأى تلك الفتاة. ولكن رغم شعورها المميت بالغيرة، إلا أنها صافحتها بهدوء، حتى لا تنفعل وتجذب الأنظار إليهم. إرتدت نورهان بخطواتها قليلاً للخلف وهى تقول بلطف: "ممكن بقى أخدلكم كام صورة حلوين بس وأنتوا واقفين مش قاعدين؟
نهض كرم من مكانه وأخذ يد هند، وأخذت نورهان تملى عليهما تلك الوضعيات الملائمة لإلتقاط الصور، حتى شعرت هند بالسأم وردت قائلة بفظاظة، ليس لشئ سوى أن تلك الفتاة تتحدث وتمزح مع زوجها: "مش كفاية كده ولا إيه؟ أصل الصراحة زهقت يا آنسة." أزدردت نورهان لعابها وردت قائلة بإبتسامة مرتجفة من أثر شعورها بالإحراج: "أه تمام وأسفة لو كنت أخدت من وقتكم كتير."
إبتعدت نورهان عن مكان وجودهما. فقبل أن يعرب كرم عن إستياءه من أسلوب هند الفظ فى صرفها، كانت الموسيقى الخاصة برقصة العروسان تصدح بالمكان. إسودت رماديتيه وهو يطالع وجه زوجته المحتفن بدماء الغضب والغيرة. إلا أنه فضل الصمت حتى تنتهى رقصتهما. ولكن لم يكن لديها الصبر الكافى للإنتظار، فحدقت فى عينيه بقوة وتساءلت: "مين دى يا كرم وتعرفها منين؟ باين عليكم أنكم تعرفوا بعض كويس." رد كرم بصوت لامبالى، وكأن الأمر لا يعنيه:
"علشان أريحك يا هند دى نورهان اللى رجعت إسكندرية علشان أخطبها ورفضت لما عرفت إن أنا متجوز." أرتعشت يـ ـديها اللتان تحط بهما على كتفيه. فنظرتها إليه آلمته، فحاول تخفيف وطأة تلك الضغوط التى إكتنفتهما معاً. فأبتلع ما أمكنه من لعابه الذى شعر بمرارته فجأة. فاستأنف قوله بنبرة هادئة لينة وعطوفة:
"هند مفيش داعى أنك تحسى بالغيرة منها، واللى باينة فى عينيكى. اللى بينى وبين نورهان متعداش صداقة عابرة وأنا من ساعة ما هى رفضتنى مشوفتهاش إلا النهاردة وبمحض الصدفة." بعد إنتهاء رقصتهما، تجمع حول هند العديد من الفتيات، ففضل كرم الإبتعاد قليلاً عن مكان تواجدهن. ولكن حظه العثر جعله يقف على مقربة من مجموعة مؤلفة من رجال ونساء تتعالى أصوات ضحكاتهم ولم ينتبهوا على وجوده. ولكن ما سمعه منهم كان كنصال الخناجر المسـ ـمومة.
فمن بينهم قالت سيدة وهى تدنى برأسها وتضع يدها على فمها لتكتم صوت ضحكاتها المترافقة مع حديثها: "انتوا عارفين العريس شغال إيه؟ بيقولوا كان شغال مدرس فى مدرسة هنا وأتنقل الصعيد. دا غير أنه محلتوش أى حاجة دا حتى ساكن فى حارة. يا خبيتها هند الصاوى أتجوزت واحد هيعيشها فى فقر. دا تلاقى مرتبه ميجيبش حق جزمة واحدة من اللى بتلبسهم. وهى اللى كانت عايشة فى عز وهنا وباباها معيشها فى نعيم." رد أحد الرجال قائلاً بإبتسامة هازئة:
"ماهم بيقولوا مراية الحب عمية. أصل العريس يبقى إبن خالتها. ومتخافيش بكرة اللى أنتى شيفاه محلتوش حاجة ده هيعبى جيوبه من فلوس حماه. بس طلع واد شاطر قدر ياكل عقل هند الصاوى، اللى مفيش شاب قدر إنه يخليها توافق على جوازها منه. دا واد لعيب على حق، لعبها صح وحط الكورة فى الجون. وهنياله عروسة مال وجمال."
الإستمر الحديث بينهم على هذا المنوال، حتى شعر كرم بتمزيق نياط قلبه على سماعه إساءتهم له وظنهم السئ به. فكز على أسنانه ليكبح جمـ ـاح دمعاته التى ألحت عليه كسبيل لأن يعتق عينيه من ذلك الشعور الذى يشبه الحـ ـرق، من تجمع العبرات بمقلتيه. فما أن وصل للحد، الذى لم يكن لديه متسع لسماع المزيد من حديثهم الساخر والمؤلم. إبتعد بهدوء من المكان. ولم يشعروا به، فرآى هند تلتفت برأسها بحثاً عنه، فخطى بخطواته تجاهها.
"معلش لو كنت خليتك تقلقى أو تدورى عليا."
قالها ما أن عاد لزوجته وشد على شفتيه ليرسم تلك الإبتسامة المتكلفة، وكأنه صار متحجر الشعور والقلب، لا يفعل شئ سوى أن يبادل الجميع إبتساماتهم المزيفة، بإبتسامة أشد زيفًا، ويتمنى لو أن تنتهى الساعات المتبقية لهذا الحفل، الذى شعر فيه بغربته كإنه إحدى الدمى، التى تتراقص على أنغام الفلوت، سعيدة بتقديم دورها على أكمل وجه، فى حين أنها لا تتعدى كونها كومة من الخشب أو البلاستيك، تقف على مسرح الحياة، يتناوبون على مشاهدتها و النظر إليها، وأحياناً يصفقون لها على أنها إجتهدت وإستطاعت الترويح عنهم. فما أن ينتهى دورها، سيتم وضعها بمكانها لحين الحاجة إليها بوقت أخر.
فأستطرد قائلاً بآلية: "أنا تحت أمرك."
فذلك هو دوره بأن يبهج نفس إحدى فتيات المجتمع المخملى، بأن تتخذه زوجًا يغدقها بتلك العاطفة التى خلقها الله بين الرجل والمرأة. فهو حتى يخشى لفظ تلك الكلمة التى تفسر وضعه الحالى حسبما ما رآه من زيف وخداع. ولكن ما فتأت نفسه توسوس له بأن لا يتعدى كونه عاهرًا سيتم شراءه مقابل المال من أجل قضاء وقت لطيف مع تلك الفتاة المسماة زوجته، حتى وإن كان كل شئ سيتم بمشروعية تامة وموثق برابط الزواج المشروع.
ظلت ميس تحدق بشرود فى سقف الغرفة، التى تمكث بها بالمشفى، تزامناً مع مرور يدها على بطنها صعوداً وهبوطاً. فذلك الخواء الذى تشعر به بداخلها، لم يكن فقط لفقدانها جنينها، والذى فقدته بذات اليوم الذى علمت بوجوده داخل أحشاءها، ولكن هناك خواء من نوع أخر. ذلك الخواء الذى سكن قلبها، ما أن رآت ذلك الجانب المتوحش والعنـ ـيف من زوجها، الذى تخلى عن أى أسلوب متحضر بالتعامل معها، بل بدا كإنسان بدائى شرس، من تلك العصور التى لم يكن بها أى مظهر من مظاهر الحضارة، سوى استعمال القوة البدنية فى إخضاع الطرف الأخر.
أخرجها من شرودها سماعها صوت إدارة مقبض الباب. فلعل الطبيب جاء من أجل الإطمئنان على أحوالها الصحية، التى ساءت منذ الأمس، بعد علمها بشأن إجهاضها ورؤيتها لعمران. فهو ما أن خرج من الغرفة بوقتها، ظلت تبكى وتصرخ وتنوح، حتى جاء الطبيب وحقنها بإبرة مهدئة حتى تكف عن حركتها المفرطة وإهتياجها الغير معتاد. فحتى الآن لا يعلم جدها أو خالها أو والدتها بشأن ما حدث لها، وربما كان هذا أفضل، فهى لا تريد أن يراها أحد وهى بتلك الحالة.
أنفتح الباب ولكن القادم لم يكن الطبيب، بل زوجها عمران، والذى ما أن رآته حتى صاحت به بحنق: "أنت جاى ليه يا عمران؟ أغلق عمران الباب خلفه، وخطى بقدميه عدة خطوات، حتى وقف على مقربة من سرير المشفى، فرد قائلاً بصوت حمل بين طياته الندم: "جيت علشان أشوفك وأطمن عليكى يا حبيبتى، عاملة ايه دلوقتى يا ماسة؟ وضعت يـ ـديها على أذنيها، وصاحت فى وجهه برفض لحديثه الناعم أو لمناداته لها باسمها التحببى:
"بس إسكت يا عمران، أنا مش طايقة أسمع صوتك ولا حتى عايزة إسمع منك كلمة تانية. أرجوك سيبنى وأخرج."
ولكن لم يستمع عمران لرجاءها، فهى لا تعلم بأي حال صار منذ ما حدث بينهما. فلو شقت قلبه أو جسده لنصفين، ربما لن تجد منه اعتراض أو صرخة احتجاج. فهو كان يمنى نفسه دائماً بأن يرزقه الله بطفل ويمنحه اسم والده "مراد" ليعود اسم "مراد الزناتي" يصدح ثانية بين أرجاء المنزل. ولكن بحماقته استطاع ضياع تلك الأمنية، والتى كانت تحملها زوجته بأحشاءها، التى لم يعشق قلبه سواها هي، ولم يستطع التفريط به لأنثى غيرها. ولكن ها هي الآن لم تعد تطيق رؤية وجهه، فما أن تراه حتى تظل تبكي وتنوح، كأنها رأت وحشًا أو مسخًا دميمًا.
تجـ ـاهل إحتجاجها لرؤيته ورجاءها له، فأقترب أكثر من فراشها ودنا منها حتى كادت تختلط أنفاسهما سوياً. فإلتـ ـعمت الدموع بعينيه وهو يقول بصوت نائح و يـ ـداه تمسد على رأسها: "أنا أسف يا حبيبتى أسف ألف مرة أن عملت فيكى كده وضيعت الحاجة الحلوة اللى كنت مستنيها."
بخيانة إحدى عبراته لعينيه، سقطت على وجنتها اليمنى. فجعدت جبينها بعد شعورها بتلك الدمعة الساخنة تلامس بشرتها. مدت يدها وأزالتها بطرف إصبعها بجمود وبرود. فهى حتى غير قادرة على كراهيته، ولم تعد قادرة على الشعور بأي من تلك المشاعر التى كانت تفيض حلاوة وعذوبة بينهما. فهذا هو عمران، الذى اشتهت نفسها قربه منها، وكانت تتحين الفرصة من وقت لأخر بأن تقضي برفقته أوقاتاً حالمة خاصة بهما. فلما الآن تشعر بكل هذا البرود واللامبالاة، كأن تم فصل قلبها عن جسدها ولم يعد به أي شعور إنسانى يمكن أن تشعر به تجاهه.
مدت يـ ـديها ودفعته عنها وهى تقول بنبرة خالية من الحياة:
"خلاص يا عمران مبقاش ينفع أسفك ولا ندمك، خلاص كل حاجة راحت حتى الحب اللى كان ليك فى قلبى مات ساعة ما عرفت أن خسرت إبنى ولا بنتى فى اليوم اللى عرفت فيه بموضوع الحمل. حتى ملحقتش أفرح بحملى زي أي واحدة بتحب جوزها ومبسوطة أنها هتخلف منه. مكنتش أتخيل في يوم أنك معدوم الإحساس والإنسانية لدرجة أنك تعتدي عليها بالوحشية اللي عملتها. أنت قبل ما تأذي جسمي أنت أذيت قلبي ونفسي وكسرتني، ومبروك عليك كده تبقى حققت إنتقامك. أنا خلاص أتكسرت يا عمران، كسرت قلب بنت النعماني يابن الزناتي."
وضعت كفيها على فمها، حتى لا يعلو صوت بكاءها أكثر. ولكن ما أن سمع عمران قولها بشأن أنها لم تعد تكن له أي حب بقلبها، كأنه أصيب بضربة قوية على رأسه. وعن أي انتقام تتحدث، فهو انتقم من ذاته ومن قلبه أبشع انتقام، بأن أضاع فرصته الأولى لإنجاب وريث له. رمشت عيناه عدة مرات، قبل أن يقول بتيه: "إنتـ ـقام إيه يا ميس؟ ليه مش عايزة تصدقي أن حبي ليكي اتغلب على فكرة الإنتـ ـقام؟
ومن أول ما بقينا لبعض، أنا مكنتش بفكر في حاجة إلا إزاي أسعدك. بس أنتي اللي فهمتي كلامي مع غزل غلط ومش عايزة تصدقيني وعنادك هو اللي وصلنا لكده." إبتسمت ميس بسخرية وقالت وهى تمسح عينيها: "دلوقتي الغلط بقى عليا أنا، وإن أنا السبب في اللي وصلنا ليه. فعلاً عندك حق وعلشان كده بقولك إحنا مننفعش مع بعض تاني يا عمران وكل واحد فينا يروح في طريق، لأن الحياة بينا مش هينفع تستمر، فطلقني يا عمران."
تهدل فمه وكست خطوط الإجهاد جانبيه. فهو على علم ودراية بما تشعر به، ولن يأخذ حديثها الآن على محمل الجد، فربما حزنها لفقدانها جنينها وما عانته من آثار اعتدائه الوحشي عليها، جعلها تفكر من منطلق أن الفراق بينهما سيكون الحل الأنسب. فـنـدت عنه نهـ ـدة عميقة ورد قائلاً بهدوء بعدما جلس على طرف الفراش مواجهًا لها، ولم يكتف بالجلوس، بل أخذ كفها الأيسر بين يديه، وربت عليه بحنان وهدوء:
"حبيبتي أنا عارف إن أعصابك تعبانة وأن اللي حصل مش سهل عليكي، بس بلاش تهددي كل حاجة في لحظة غضب." "ومقولتش الكلام ده ليه لنفسك، قبل ما تعمل اللي عملته؟ قالت ميس وهى تحاول سحب يدها من بين كفيه، ولكن فشلت في سحبها، وذلك عائد لإحكام قبضتيه عليها، فكفت عن محاولة جذبها، حتى لا تشعر بالإنهاك والإرهاق أكثر. "عارف إن غلطت يا ميس، وأنك مجروحة مني، ومش لاقي كلام أدافع بيه عن نفسي، غير أن أقولك سامحيني."
قالها وترك يدها بعهدة إحدى كفيه، بينما راح بكفه الأخر يمرره على وجهها، لعله يستجلب عطفها، أو أن يرى إلتماع خضراوتيها، مثلما كان معتاد أن يرى بريقهما الملتمع ما أن تشعر بإقترابه منها. ولكن لم يرى بعينيها الغائرتان سوى الشعور بالخذلان، بل إنها أطبقت جفنيها حتى لا تراه. فاستطرد قائلاً بلين ورفق وصوت ملتاع بنيران عشقها: "سامحيني يا ماسة عمران."
بشعورها بتمرر إبهامه على شـ ـفتيها ليمحى عنهما تلك الرطوبة، التى نتجت عن تدفق عبراتها الغزيرة والتى بللت وجهها بأكمله، قبضت بيـ ـدها الحرة على ملأة السرير البيضاء، تخشى أن تضربها موجة ضعف من الحنين إليه، والتى مازال أثره متراكماً بغياهب عقلها. فهى حاولت طرد كل مشاعر الحنين والإشتياق وكل ما كانت تشعر به تجاهه، ولكن يبدو ما زال تأثيره عليها حاضراً. فأزدرت لعابها وقالت بضعف لم تحسن إخفاءه بنبرة صوتها المرتجفة:
"عمران أرجوك أخرج." بر يهب لنجدتها بهذا الوقت سوى عقلها، الذى استطاع حرق تلك المشاعر التى زارتها بلحظة من الضعف. فما أن فتحت عيناها ورآت إبتسامته، التى ملأت وجهه، من أنه متيقن بأنها لا تقصد كل ما تفوهت به وأنه ما زال يملك تأثير على عواطفها، جذبت يدها من يده بإصرار وألحت عليه بضرورة الخروج. فلم يتشدد عمران برأيه في البقاء وخرج وهو لديه اقتناع بأنه ما أن يفرط في تقديم اعتذاره وأسفه، سيجدها تعود إليه سريعاً.
ولكن ما أن خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه، قالت ميس بإصرار: "مش هخليك تضحك عليا يا عمران ولا أنك تأثر عليها بعمايلك دي وندمك."
فهو واهم ولا يعلم بأنها أخذت قرارها الذي لا رجعة فيه حتى وإن ما زالت تشعر بالحب نحوه. فالفراق بينهما سيحدث سواء شاء بذلك أم أبى. فهى لن ترتضى بأن تكون زوجة مهدورة الكرامة والكبرياء حتى وإن كان هذا تحت مسمى الحب. فلا حب ولا عشق بين زوجان إلا إذا كان قائمًا على المودة والاحترام وأن يحترم كل منهما مشاعر الآخر. فإن كانت هي أخطأت بأنها سلكت مسلك العناد، فخطأه هو لا يغتفر، خاصة وأنها ذهبت إليه رافعة راية السلام، وقبلها كانت تمهد الطريق لعودتهما ولكن هو من تجاهل الأمر. فهما عنيدان وكل منهما معتز بكبريائه ولا يقبل خضوعه للآخر، وربما ستظل تلك هي مشكلتهما الأزلية.
لم يدوم طويلاً توسلها للحارس بأن يجلب لها الماء. فعلى الرغم من إقامتها الجبرية بتلك الغرفة التى تشبه القبو، إلا أنها لم تلقى مهانة من أحد أو سوء معاملة. فهى تظن أن ربما قاطني القصر اكتشفوا حقيقة أمرها، وإلا ما كان أمر رياض النعماني بأن يتم احتجازها بهذا القبو، حتى يبت بأمرها لاحقًا. فتلك الحالة من الهرج والمرج السائدة بالقصر منذ اختفاء راسل وابنته ووفاء، لا يبدو أنها ستنتهي بوقت قريب. بل سيظل رياض النعماني يتحرى
الدقة حتى يكتشف سر اختفاء ولده وحفيدته. ولم يكن اختفاء راسل هو الأمر الوحيد الذي يستدعي القلق والاهتمام، بل تلك الحالة من الإغماء التي أصابت حياء بعد علمها باختفاء أحبائها دفعة واحدة، وصارت غرفتها كأنها غرفة للفحص الطبي، من دخول وخروج الأطباء، الذين يوصي رياض النعماني بجلبهم من أجل زوجة ابنه. فجميع الأطباء أجمعوا وأجزموا على أن تلك الحالة من الإغماء ما هي إلا وسيلة اتبعتها حياء للهروب من واقعها الأليم.
قالت إيلين بغيظ وكزت على أسنانها بتذكرها حياء وذلك الاهتمام المنصب عليها من الجميع: "حياء حياء، كأنها بقت مركز الكون فجأة والكل لازم يدور حواليها."
فلولاها ما كانت هي هنا بتلك الغرفة القذرة، وكأن رياض النعماني، يلقي اللوم بأكمله على عاتقها لما حدث لزوجة ولده، واختفاء راسل. ولكنها لا تعلم أي شئ بشأن اختفائهم، فهي تفاجأت مثل الجميع، بتلك الرسالة التي تركها راسل لأباه قبل رحيله. فحتى زوجته لم تكن على علم بما ينوي فعله، وما أن سمعت نص تلك الرسالة التي تركها، سقطت مغشياً عليها فاقدة الوعى. ولكن ما هو سر احتجاز رياض النعماني لها هنا؟
فهو ما أن علم بشأن رحيل ولده وحفيدته، كان أمره الأول الذي أصدره لرجاله بأن يأخذوها ويضعوها بهذا القبو، خاصة أنها هي آخر من رآها تتحدث مع راسل قبل اختفاءه. ولكنها تكاد تصاب بالجنون لتعلم أين ذهب؟ فإن كانوا يظنون بأنها تعلم مكان تواجده ولا تريد الإفصاح عنه، فهي تقسم أنها لو كانت تعلم أين ذهب لكانت رافقته دون تردد.
إنتبهت على صوت باب الغرفة يُفتح ويلج منه رياض النعماني بمفرده، بعدما أشار لرجاله بالانتظار في الخارج. فحاولت تأدية دورها للنهاية وكأنها لا تعلم لماذا هي موجودة هنا. فأقتربت من رياض وعلى وجهها ملامح البراءة والوداعة وهى تقول بصوت خائف مرتجف: "جدو أنت خليتهم يجيبونى هنا ليه؟ أنا مليش ذنب فى إختفاء راسل ومامته وبنته ومعرفش راحوا فين."
وضعت يدها بإستعطاف على يد رياض، فسرعان ما نفضها عنه ونظر لها بجفنين حمراويين لم يذيقان طعماً للنوم أو الراحة منذ قرائته لتلك الرسالة. فهدر بها بصوت جهوري: "أخرسي بقى وكفياكي تمثيل. هو أنتي مفكراني أنا مش عارف أنتي مين وبتعملي هنا إيه وأنك أصلاً مش إيلين النعماني حفيدة إبن عمي."
شحب وجهها على الفور بعد سماعها ما قاله رياض. فصار وجهها شاحبًا باردًا كوجوه الموتى. فلا إرادياً ارتدت بخطواتها للخلف، كأنها تأمن بطشه بها بصنع مسافة آمنة بينهما. وكلما حاولت فتح فمها لتقول شيئاً، تعود وتضم شـ ـفتيها كأبواب الحصين المنيع. قالت بجهد بعدما استجمعت عقلها وشجاعتها: "حضرتك بتقول إيه؟ وأنا مش إيلين إزاي يعني؟ أنا مقدرة خوفك على إبنك بس صدقني أنا معرفش حاجة والظاهر أن حضرتك أعصابك تعبانة زينا كلنا."
دب رياض الأرض بعصاه عدة مرات، وعيناه تتفرس بها، كأنه بخلق تلك الأصوات من إرتطام العصا بالأرض، سيزيد من شعورها بالخوف منه ومما يمكن أن يفعله بها، وسيلة يتبعها من أجل خلق جو نفسي متوتر، يجعلها تشعر بالانهيار سريعاً ولا تجعله يبذل جهد زائد في جعلها تبوح بكل ما لديها. لوى رياض ثغره وقال بهدوء لا ينم على شئ سوى أن هناك عاصفة قوية بالطريق إليها: "أنتي مفكرة نفسك بتضحكي على مين يا شاطرة؟
دا أنا رياض النعماني. ولا أنتي قولتي في نفسك أنتي واللي بعتك إن خلاص دا كبر وخرف وعقله مبقاش فيه، وأن هصدق إنك من العيلة. اللي متعرفوش يا شاطرة، إن أنا أعرف مين إيلين النعماني واللي برضه متعرفوش إن أنا سافرت روسيا وأنا اللي جوزتها لجوزها لأن والدها متوفى وهي بعتتلي عشان أكون جنبها في اليوم ده. بس الظاهر الغبي اللي بعتك معملش حسابه ولا عرف معلومة زي دي، اعتمد بس على إن إيلين سابت إسكندرية من عشرين سنة وأن العلاقات بينا مقطوعة."
جحظت مقلتيها وهي تنظر لوجهه، ورغم ذلك تساءلت بدهشة: "بس إزاي وكل اللي هنا صدقوا إن أنا إيلين؟ حتى ولاد أخوك عاصم وسوزانا؟ رد رياض قائلاً وهو ينظر إليها بطرف عينيه:
"أينعم مليش طولة بال أرغي معاكي، بس هقولك إيه السبب في أن محدش فيهم شك فيكي. عشان هم ميعرفوش إن أنا سافرت لإيلين والوقت اللي سافرت فيه روسيا، كان عاصم وسوزانا وميس مسافرين بيقضوا إجازة في أوروبا، وجاتلي الدعوة من إيلين فجأة، فسافرتلها على طول وحضرت الفرح ورجعت، قبل هما ما يرجعوا. ومرضيتش أقولهم لأن في الوقت ده الدكاترة كان مشددين عليا مجهدش نفسي بالسفر. وأنتي شفتي ميس وولاد أخويا بيخافوا عليا قد إيه فمحبتش يعرفوا
ويفضلوا يجادلوا معايا، ريحت دماغي يعني من النقاش. فلما حضرتك جيتي وقولتي إنك إيلين بالاثباتات المزورة اللي معاكي في نفس التوقيت اللي حصل فيها البلاوي دي كلها مع راسل ومراته كان لازم أعمل نفسي مصدقك عشان أعرف إيه اللي وراكي. فعلشان كده أحسن ليكي تقولي كل اللي تعرفيه عن سبب اختفاء راسل أو ليه هو عمل كده."
صُدمت من سماع حديثه من بدايته لنهايته. فحقاً هو مثلما سمعت عنه رجل شديد الذكاء والحنكة والحكمة. ولكن سذاجتها هي وديفيد خيلت إليهما أنهما استطاعا خداعه بسهولة. فإن كانت سمعت عن شدة ذكائه، فسمعت أيضاً عن عقابه الذي ينزله بمن تخول له نفسه أن يمسه بسوء. فأين ذلك الأحمق والوغد المدعو ديفيد ليخلصها من بين براثن رياض النعماني.
انسكبت دموعها رغماً عنها بعد تخيلها لذلك المصير، الذي من الممكن أن تلقاه على يـ ـده. فقالت بعدما انحنت على يـ ـده تحاول تقـ ـبيلها لعلها يعتقها أو يخلى سبيلها:
"أحلفلك بإيه أن معرفش راسل سافر فين، وإيه اللي يخليه يسيب البلد كلها ويسافر. والله ما أعرف حاجة. أينعم أنا كنت معاه امبارح بالليل في الجنينة، بس كلامه معايا كان عادي وقالي أنه مش هيقدرى يتجوزني بس هي دي كل الحكاية. ويمكن الوحيدة اللي لازم تسألها هي حياء لأنها هي اللي كانت مقضية الليلة معاه، ليه متسألهاش هي وبتسألني أنا؟ سحب رياض يـ ـده من بين كفيها وزجرها بغضب:
"الظاهر كده إنك حابة تأنسيني شوية وشكل قاعدتك هنا مطولة. هسيبك شوية تفكري قبل ما أدي أوامري لعاصم ورجالته يتصرفوا معاكي وأنتي متتخيليش ممكن يعملوا معاكي إيه."
خرج رياض من الغرفة، في حين أن أحد رجاله أوصد الباب بإحكام. فجلست على ذلك الفراش الشبه متهالك وهي تفكر جدياً في تهديد رياض لها قبل خروجه. فإن كان حاولت استعطافه لتركها متذرعة بأنها لا تعلم شيئاً، إلا أنها ربما تعلم السبب الذي دفع راسل للرحيل. ولكنها لم تضع ببالها أنه سيأخذ بحديثها جدياً. فهي لم تفعل ما فعلته إلا من أجل إفساد علاقته بزوجته وربما يحدث بينهما الطلاق ولن يعود لحياء مكان بقلبه وحياته. وستكون فرصتها الذهبية في التقرب منه. ولكن كأنه سأم الجميع وأخذ ما يعنيه من أحباءه ورحل، غير عابئ بما تركه خلفه.
فبالطابق الثاني من المنزل وبتلك الغرفة التي كانت غرفة راسل الخاصة، وسكنتها حياء برفقته في الأونة الأخيرة، كانت مستلقية على الفراش لا حول لها ولا قوة. فبعد خروج الطبيب، الذي رافقته سوزانا وغزل، صارت حياء في الغرفة بمفردها، تتلاعب الشياطين بأحلامها، تشعر كأن جسدها مكبل بأغلال ولا تستطيع الفكاك منها. تحاول أن تصرخ فلا يصل صوتها لأحد. تركض بمتاهات ولا تجد سبيل للخروج. ولكن وسط كل تلك الأحلام المزعجة، استطاعت فتح عينيها وظلت تحدق بالفراغ. فعمل عقلها وذاكرتها على استرجاع تلك الأحداث التي حدثت بمنزل عمها "أدريانو" بعدما رأت آثار الدم.
عودة لوقت سابق. رائحة العطر النفاذة، التي اخترقت طاقتها أنفها، جعلتها تفتح عينيها على الفور وهبت جالسة بالفراش وهي تصرخ منادية باسم زوجها: "رااااسل! ولكن انتبهت أنه جالس بجانبها على الفراش. فراحت يـ ـديها تتحسس وجهه، لتتيقن من أنه بجوارها حقاً وليس طيفاً أو شبحًا يشبهه. فراحت تسأله بلهفة: "راسل إنت كنت فين؟ أنا لقيت الدم على السرير والأرض؟ كنت فين؟ عقد راسل حاجبيه قائلاً بدهشة: "دم إيه اللي على السرير والأرض يا حياء؟
مفيش حاجة. وأنا كنت برا في الجنينة مستنيكي تخلصي الشاور بتاعك، بس لقيت عمك أدريانو بيناديني أنك مغمى عليكي، فجيت عشان أفوقك وأشوف إيه اللي حصلك." فغرت حياء فاها مما سمعته منه. فهي رأت الدم على الفراش والأرض، وتتذكر تلك الابتسامة البشعة التي رأتها على وجه عمها قبل إغمائها. فما معنى كل هذا؟ فهل فعل عمها كل هذا من أجل إرهابها وأن يجعل الخوف يسكنها من أنه قادرًا على إيذاءه، أم ما هو المغزى الحقيقي خلف كل ما حدث لها؟
وضعت طرف إبهامها بين شفتيها وهي تقضم ظفرها، لتحاول إيجاد تفسير لما حدث. إلا أنها سمعت راسل يقول، بعدما ترك الفراش واتجه صوب تلك الحقيبة، التي راح يلقي بها ثيابهما بعشوائية: "يلا بينا يا حياء نمشي عشان بنتي وماما وحشوني، ومش عايز أسمع منك كلمة. لو مش عايزة ترجعي معايا خلاص خليكي أنا ماشي."
لا تعلم سر تصرفه الجاف معها، ولكن ربما هو أصابه الضيق من شقيقها وعمها. فلم تجادله بل نهضت وامتثلت لأمره، واطمأنت على بيرى وذهبا سريعاً من منزل أدريانو وعادوا لمنزل رياض النعماني. فقضيا سوياً تسعة أيام، لا تفهم سبب تصرفاته الجافة معها. وبمساء اليوم العاشر أصر على أن يقضيا سوياً ليلة حالمة ملحمية زخرت بالعشق والشوق، كأنها ليلة لم تمر بحياتهما سابقاً. ولكن ما أن استيقظت من نومها العميق، وجدت تلك الرسالة التي تركها لها ولأبيه قبل رحيله.
فما أن وصلت بذاكرتها لذلك الجزء المتعلق بالرسالة، ظلت تصرخ وتنوح بقهر. فجلست بالفراش ولفت ذراعيها حول ركبتيها. ولكن لمحت تلك الرسالة الورقية ملقاة قريباً من الكومود. فبلهفة تركت الفراش وجلست على الأرض وأخذت الرسالة لتقرأها ثانية، لعلها تتمعن بحروفها، وتفهم لما فعل راسل ذلك؟ فراحت تقرأ الرسالة بنبرة مرتعشة من أثر بكائها المكتوم: "والدي العزيز
-زوجتي العزيزة، لقد كنت أرحل دائماً دون إبداء أسباب لرحيلي، ولكن تلك المرة، لا أعلم أي شيطان وسوس لي جعلني أخط بيدي تلك الرسالة، ولكن ربما أردت جعلكما تشعران بتلك النيران التي شبت بقلبي وأحرقته، فمثلما سأعاني، ستعانيان أنتما أيضاً من رحيلي أنا وابنتي وأمي. فلم يعد لدي الصبر الكافي لأن أحيا بتلك الكذبة الجميلة التي صنعتها أنتَ وزوجتي من وهم حبكما لي، فلا تحاولان البحث عنا، فأنا أخذت كافة الاحتياطات اللازمة لرحيلي من الإسكندرية. فلو شعرت يوماً بأنك كدت تصل إلينا، سأحاول الفرار منك حتى لو رحلت لأقصى أطراف الأرض، فمن الأفضل أن تتركانى أحيا بهدوء مع ابنتي وأمي فأنا لم يعد يعنيني أمر أحد غيرهما."
ضمت حياء الرسالة لصدرها وهي تقول بصوت نائح: "طب أنا عملت فيك إيه ووهم إيه اللي عيشتك فيه؟ ذنبي إيه أنا عشان تسيبني؟ ذنبي إيه أعيش من غيرك أنت وبنتنا؟ ليه عايز تحرق قلبي يا راسل؟ صاحت بشق عبارتها الأخير، كأنها بانتظار أن يجيبها أحد على سؤالها، فهي لم تفهم شيئاً من رسالته المبهمة، سوى أنه رحل بغير عودة، وأنه رحل لظنه بها السوء. ولكن ماذا حدث جعله يفكر هكذا؟
أسندت ظهرها للسرير وهي جالسة مكانها على الأرض، فنظرت للخارج، عبر باب الشرفة المفتوح، وظلت تحدق بالسماء التي اختفت منها النجوم، وأصبحت معتمة ومظلمة، تثير بنفسها الانقباض والخوف. فعيناها جامدتان، كأنها تبحث عن بارقة أمل وسط ذلك الظلام الذي كسا السماء بثيابه السوداء. فلم عادا ثانية لتلك اللعبة المنهكة للقلوب والأعصاب؟ وما تلك الأسباب القوية التي دفعته للرحيل؟
فما تعرفه عن قوة تحمله وصموده، يجعلها متيقنة من أن ربما هناك دافع قوي وراء تصرفه هذا. فراسل ليس ذلك الرجل، الذي ينفعل سريعاً ويأخذ بظواهر الأمور، دون التمعن ببواطنها، مثلما حدث بينهما عندما حاولت إيهامه بأنها أسباب رحليها عنه كان من أجل المال. فأحبط تماديها بكذبتها ولم يصدق أقوالها وأفعالها. فهو حتى لم يكلف نفسه عناء إخبارها بما فعلته وجعله يأخذ قراره بالرحيل، كأن ذلك إحدى أدواته بتعذيبها، بأن يجعلها تظل تفكر ماهو الخطأ الفادح الذي ارتكبته بحقه وجعله يهجرها هكذا دون وخز من قلبه أو ضميره بعد تلك الليلة الحالمة التي قضتها برفقته؟
أغلق أزرار سترته وحمل صغيرته التي غفت بين ذراعي وفاء. فهو يعلم بشأن إصابتهما بالإنهاك والتعب، نتيجة تنقلهم من بلد لآخر. فبعد وصولهم من الإسكندرية للندن، لم يمكثوا سوى سويعات ومن ثم رحلوا لبلد آخر ومنه لدولة أخرى. وساعده بذلك بعض علاقاته ونفوذه. فهو يريد أن يفقد أبيه أثره ولا يعثر عليهم. فهو لا يريد العودة للإسكندرية مرة أخرى، حتى وإن كان ترك قلبه هناك، تركه بين يدي معـ ـذبته، التي ستظل دائماً وأبداً ندبة بقلبه لن تندمل.
زفر راسل زفرة مطولة وأغمض عينيه ريثما يمر طيفها، الذي رآه منعكساً على زجاج إحدى نوافذ تلك السيارة التي أشار إليها بالتوقف، حتى تقلهم لذلك المنزل، الذي ابتاعه بدون علم أحد. فتخطيطه لترك الإسكندرية، والاستقرار بإحدى الدول الأوروبية، لم يستلزمه سوى عشرة أيام فقط. ولا يعلم كيف بتلك المدة الزمنية القصيرة، تمكن من تنفيذ كل هذا. ولكن ربما المال قادر على فعل المعجزات ولما لا وهو الوريث لإمبراطورية النعماني.
ترجل السائق وبعد تبادل بضع كلمات مع راسل، حمل الحقائب ووضعها بصندوق السيارة، وجلست وفاء بالمقعد الخلفي، ووضع راسل سجود بين ذراعيها. فقبل ابتعاده ليجلس بجوار السائق، نظرت إليه وفاء وتساءلت بصوت منخفض، كأنها تخشى سماع السائق لسؤالها: "إحنا رايحين فين تاني يا بنى؟ إحنا عمالين نتنقل من بلد لبلد زي اللي بيهرب من حد بيجري وراه." رمقها راسل بنظرة إشفاق، ورد قائلاً وهو يمسد على خصيلات صغيرته النائمة:
"خلاص ياماما مش هنروح مكان تاني، إحنا هنوصل البيت وهترتاحوا، ومعلش لو كنت تعبتوا، بس هانت دلوقتى هنرتاح كلنا وخلاص مش هنروح لمكان تاني." قبل سحب يـ ـده شدت وفاء عليها وقالت وهي تمعن النظر به: "وأخرتها إيه يا راسل؟ ربت راسل على يدها وابتسم بوجهها قائلاً بهدوء: "لما نوصل البيت نبقى نتكلم يا ماما."
استقام بوقفته وأغلق باب السيارة الخلفي، ففتح الباب المجاور للسائق وأتخذ مقعده بجواره، وأخبره بالعنوان الذي يريد الوصول إليه. فأنطلق السائق بالسيارة يقودها بمهارة ويسر، وظل راسل ينظر من النافذة. فهنا لن يعرفه أحد، وربما لن يستطيع والده الوصول إليه، على الرغم من أنه ليس متيقنًا من ذلك، فهو يعلم إلى أي مدى يصل نفوذ أبيه.
غفت عيناه رغماً عنه من شعوره بالإرهاق. ولكنه استفاق من غفوته بعد سماع صوت السائق يخبره بشأن وصولهم. فدفع ما عليه من نقود وترجل من السيارة وساعده السائق بإخراج الحقائب. ترجلت وفاء هي الأخرى وهي تأن بصوت منخفض من شعورها بألم وتيبس عظامها. ولكن انتبهت على ذلك المنزل الذي لم يكن بضخامة منزلهم بالإسكندرية ولكن يكفيهم. فالحي بأكمله كل المنازل والبيوت به متشابهة تقريباً، وربما لا يفرق بينهما إلا ألوان الطلاء و الأرقام التي تم وضعها على باب المنزل.
حمل راسل الصغيرة عنها قائلاً وهو يشير لها بالدخول: "تعالى يا ماما يلا ادخلي." نظرت إليه وفاء وتساءلت: "هدخل إزاي؟ هو إحنا معانا مفتاح يا ابني؟ ابتسم لها راسل ورد قائلاً بهدوء: "المكتب اللي اشتريت منه البيت، قالي أن ساعة ما أوصل هيكون في حد مستنيني عشان يسلمني البيت والمفاتيح. ادخلي يا ماما متقلقيش."
ولجت وفاء وهي تجر حقيبتها وحقيبة سجود، يتبعها راسل وهو يحمل سجود التي ما زالت نائمة، ويجر حقيبته بإحدى يديه. فسرعان ما وجدوا باب المنزل يفتح وتخرج منه امرأة تبتسم لهما بترحيب. فبعد تبادلها الحديث مع راسل لمدة خمسة عشر دقيقة، أثناء اصطحابه هو ووفاء بجولة لرؤية المنزل، ناولته المفتاح والأوراق الخاصة بملكية المنزل وخرجت. فوضع راسل سجود في الفراش بتلك الغرفة التي ستكون خاصة بها. وهبط الدرج للأسفل وأرتمى على إحدى الأرائك وأغمض عينيه بإرهاق شديد. ولكن سمع صوت أقدام وفاء قادمة، ففتح عينيه على الفور.
فحدق بها متسائلاً بجدية: "حلو البيت يا ماما عجبك؟ جلست وفاء على مقعد مقابل لتلك الأريكة الجالس عليها، وردت قائلة بحيرة:
"هو حلو يا راسل، بس أنا لحد دلوقتي مش قادرة أفهم أنت ليه بتعمل كده، وليه خلينا نسيب اسكندرية. أنت لما قولتلي أنك هتسيب البلد أنت وسجود وأنا، سمعت الكلام من غير نقاش عشان أنت عارف مقدرش أعيش من غيركم، وعشان أنا كمان عرفاك وعارفة أن دماغك ناشفة. ولما سألتك ليه سبت حياء مرضيتش تقولي، فليه عملت كده وسيبت مراتك حبيبتك اللي أنا متأكدة أنك متقدرش تعيش من غيرها. دا أنت كنت بتموت لما بعدت عنك شوية."
أظلمت عيناه وأكفهرت ملامحه فرد قائلاً بنبرة وحـ ـشية: "عشان لو كنت فضلت في اسكندرية كنت قتـ ـلت حياء." يتبع..... !!!!! أنار الله دروبكم وأسعد قلوبكم وفرج كروبكم ورزقكم سعادة الدارين ❤️❤️❤️
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!