حجم الخط:
18
نفضت وفاء رأسها عدة مرات، ظناً منها أنها استمعت لشئ خاطئ من راسل، أو لعل تلك الساعات الطويلة التي قضتها بالترحال من مكان لآخر، جعل الإرهاق يأخذ من عقلها وجسدها كل مأخذ. لذلك توهمت أن راسل صرح بأنه لو ظل مقيماً بالإسكندرية لكان قد قدم على قتل زوجته حياء، فهي خير من تعلم مدى حبه وعشقه لزوجته، وأنه لن يفكر يوماً أن يؤذيها أو يستطيع المساس بها. فتلك الحالة الفريدة من عشقه لحياء، لم ترها تزوره يوماً. على الرغم أنه منذ أن كان طفلاً، لم تخلو حياته من وقوعه بحب الطفولة لإيلين، وعندما صار شاباً، وقع أسيراً فتنة زوجته الأولى.
ولكن كأن كل تلك المشاعر ما هي إلا عواطف وليدة اللحظة، وما أن مرت الأيام صارت بطيء النسيان. إلا زوجته حياء، فتلك الحالة التي أصابته بعد تركها له بالمرة الأولى، شهدت على انهياره، وكيف كان قاب قوسين أو أدنى من أن يصاب بالجنون من ابتعادها عنه. فلما الآن صار يفكر بذلك المنطق؟ وكيف ملأت تلك الأفكار الانتقامية قلبه وعقله؟
تلاحم حاجبا وفاء وفتحت عينيها على اتساعهما ورددت بذهول:
- كنت قتلت حياء! أنت يا راسل اللي بتقول كده وعلى مين؟ على مراتك وحبيبتك اللي أنا أكتر واحدة عارفة أنت بتحبها قد إيه. ليه ده كله؟ إيه اللي حصل خلاك تقول كده؟
نهض راسل من مكانه كالملدوغ، فتعالت صيحته محاولاً إنهاء النقاش بينهما:
- ماما أنا طالع أنام. أنا تعبان وعايز أرتاح، وأكيد أنتي كمان تعبانة، فاتفضلي ارتاحي. وأنا مش عايز أتكلم في حاجة دلوقتي. لما أبقى قادر على إني أتكلم أكيد هقولك. بس الفترة دي أرجوكي متسألينيش على حاجة. عن إذنك.
صعد الدرج بخطوات سريعة، حتى وصل لتلك الغرفة التي سيسكنها. فتح الباب بعنف، فأرتطم بالجدار. وما أن وطأ الغرفة بقدميه، أغلق الباب خلفه بحدة، كأنه لم يجد شيئاً يفرغ به غضبه سوى باب الغرفة. دار حول نفسه، كأنه يبحث عن شيء مفقود، ولكنه عزز الأمر بأنه يبحث عن حقيبته، على الرغم من أنه يراها بوضوح وهي موضوعة على طرف الفراش. ولكنه حائراً، شارداً. وتم إيقاف عقله عن التفكير بمنطق سليم. فاتخاذه ذلك القرار المصيري، كان وليد اللحظة الطارئة. ولكن على الرغم من شعوره بأنه زاد بالأمر، إلا أن ما اتضحت الصورة أمامه وعلم حقيقة عودة حياء له مثلما سمع من تنصته على حديث أدريانو وديفيد، لم يستطع بوقتها أن يستجلب الرشد والحلم والتروي للتفكير بالأمر. فأندفعت نفسه اليائسة والساخطة على اتخاذ القرار بالابتعاد عن كل ما رآه كان السبب في إلقائه بالسجن بتهمة قتل الممرض وسلبه مهنته ومشفاه وتسبب له بفضيحة ظل أثرها بنفسه حتى الآن. بل الأمر لم يقتصر على ذلك، فهو كان على وشك خسارة ابنته، مثلما علم بذلك المخطط الموضوع لقتلها، لعلمهم بمدى أهميتها وعشقه لها.
زفر من أنفه وقال بنبرة ساخطة يجادل قلبه وعقله:
- أنا مش غلطان إن سبتها وبعدت عنها. هي ضحكت عليا وخبت عليا كل حاجة مكنتش حابة أعرف حقيقتها وحقيقة أهلها. وأنها رجعتلي علشان تنتقم مني ومن بنتي علشان خاطر أهلها اللي ماتوا. بس كله إلا سجود بنتي. دي لو كان جرالها حاجة، مكنش هيكفيني أصفّي دمهم نقطة نقطة.
فهتف به صوت القلب العاشق:
- بس أنت مشوفتش منها حاجة وحشة. بالعكس دي كانت بتحبك وبتحب بنتك وبتخاف عليكم.
فعاد يغمغم باستنكار:
- خايفة علينا!
قمت بعمل كل اللي عملته ده، حتى كمان شفتها لما خرجت من البيت عشان تقابل راجل غريب. وألاقيه الظابط اللي قبض عليا بتهمة قتل سعيد الممرض. ليه محاولتش تقولي وتفهمني اللي بيحصل؟ ليه خبيت عليا وخلتني مش فاهم ولا عارف حاجة عن أسباب تصرفاتها؟ لكن تسيبني مغفل ومش عارف اللي بتخططله. وكمان أعرف أن رياض النعماني كان عارف أن البنت اللي معانا في البيت مش إيلين وسابها تضحك عليا هي كمان. فده اللي مش هسامحهم عليه. ولا أنهم لعبوا بيا وبأعصابي. أنا مش هسامح حد فيهم.
قبل أن يصرخ به قلبه ثانية، كان مغلقًا باب النقاش والجدل الذي لن يزيده سوى الشعور بالتخبط والحيرة. فظل يمسح وجهه بكفيه بشيء من القسوة والعنف، كأنه يريد محو تلك الملامح من الضعف التي كست وجهه. فتلك ليست مهمة سهلة أن يحيا بعيدًا عنها. ولكن ربما هذا أفضل لكليهما. فإن كان تركها ورحل عنها، فهذا أفضل من أن يقدم على إيذائها. إذا نظر بوجهها وعاد يتذكر ما علمه عنها وعن عائلتها.
أغمض عينيه وهمس قائلاً بيأس:
"أحسنلك بقى تنام وتبطل تفكير."
خلع سترته وألقاها من يده، ولكن سمع صوت ارتطام خاتم زواجه الفضي بالأرضية بعدما انزلق من جيب السترة. فأنحنى ملتقطًا إياه من على الأرض ورفعه أمام وجهه ينظر له بتمعن. فاجاجته رجفة وقشعريرة مفاجئة عندما تذكر ملمس أنامل حياء عندما وضعت ذلك الخاتم ببنصره بحفل زفافهما. فتوالت وأنهالت عليه الذكريات بداية من عقد قرانهما حتى تلك الليلة التي قضاها معها قبل رحيله. يدفعه يأسه بأن يحاول أن يشبع قلبه وعيناه منها قبل فراقها. فهو لم ينسى دهشتها عندما سألته عن أسباب إلحاحه لها بأن لا تغفو بنومها وأن تظل تحدثه وقتًا طويلاً. فكلما كانت تغفو عينيها، يعود ويجعلها تستيقظ. حتى استسلم بالأخير وجعلها تنام قبيل الفجر، ومن ثم خرج من القصر بغير عودة.
ففي اليوم التالي، اقترب الوقت من الظهيرة وكان ما زال نائمًا. فهو قضى ليله بأكمله يعاتب ويؤنب ذاته، ليعود وينهرها عن الانجراف خلف وساوسها. شعر بالفراش يهتز أسفله، ففتح عينيه على الفور. وجد صغيرته تقفز على الفراش كعادتها وتصفق بيديها. وما أن رأته يفتح عينيه، ارتمت على صدره وهي تضحك بصوت عالٍ.
فراحت تقبله على وجهه وهي تقول برجاء:
"بابي يلا أصحى عشان نروح لمامي."
أزاح يديه التي كان يفرك بها عينيه، وحدق بوجه ابنته. فكيف غفل عن أن سجود لن تكف عن السؤال عن حياء. فإن كان يأمل شيئًا من الراحة والهدوء، فسجود لن تدعه ينالهما. وهي التي تعلقت بوجود حياء لاعتقادها أنها والدتها. وهو لن يستطيع تصحيح مفهومها.
فأعتدل بجلسته ووضع صغيرته على ساقه قائلًا بابتسامة ناعسة:
"حبيبة بابي إحنا مش هنقدر نروح لماما عشان عندي شغل وهنقعد هنا شوية، فمش عايزك كل شوية تقوليلي عايزة مامى. لما ييجي الوقت المناسب إحنا هنروحلها. فعايزك تبقي شطورة وتسمعي كلامي وأنا هفسحك وهوديكي الملاهي وكمان هتروحي مدرسة حلوة وهنعيش مبسوطين مع تيتة وفاء."
فمن يحاول أن يقنع بحديثه هذا ابنته أم ذاته التي تعلم أنه واهم لا أكثر.
قطبت سجود حاجبيها، وانكمشت ملامح وجهها بعبوس طفولي. فهي لم تفهم شيئًا من حديثه سوى أنها لن ترى والدتها الآن. وربما سيستمر الأمر لفترة من الزمن. فهل ستعود مرة أخرى بدون أم مثلما كانت قبل مجيء حياء؟ تململت بين ذراعيه وهي تضم ذراعيها أمام صدرها، ومطت شفتيها تمهيدًا لعاصفة جديدة من البكاء. فضمها راسل إليه وقبل رأسها بحنان.
رفع وجهها إليه ينهرها عن البكاء بلطف:
"حبيبة قلبي متعيطيش، بابا تعبان يا سجود وصدقيني مش قادر أشوف دموعك. فعلشان خاطر بابي اسمعي كلامي يا حبيبتي مش أنتي بتحبيني؟"
هزت سجود رأسها بالإيجاب، ووضعت رأسها على صدره وهي تقول بصدق:
"بحبك أوى يا بابي بس كمان بحب مامى. هو ليه كل شوية تسافر؟"
أسند راسل ذقنه على رأس سجود قائلًا بصوت هامس:
"المرة دي إحنا اللي سافرنا، وعارف أنها مش مهمة سهلة إني وأنتي نقدر ننساها بس هنحاول."
انتهى النقاش والحوار بينهما بدخول وفاء، فهي استمعت لكل ما دار بينهما، ولكنها ظلت صامتة، وعيناها معبأة بالألم، لعلمها بما سيعانيه هو وصغيرته. فرأسه اليابس يوهمه بأنه سيستطيع نسيان حياء بسهولة. ولكن من داخلها كان لديها التصميم والعزم الكافي لإقناع راسل بالعودة إلى الإسكندرية.
ابتسمت لهما وهي تقول بحنان:
"يلا عشان نفطر أنا جهزت الفطار من بدري بس شكل النوم عجبك ومكنتش عايز تقوم من النوم."
تركت سجود واقتربت من وفاء التي أسرعت بحملها بين ذراعيها. فرد راسل قائلًا وهو يزيح عنه أغطية الفراش:
"مكنتش عارف أنام بليل وتقريبًا نمت الفجر عشان كده اتأخرت في النوم. جايز ساعات السفر الطويلة جابتلي أرق ومعرفتش أنام بسرعة."
إنكاره لأسباب سهاده الحقيقية جعلها أكثر تصميمًا على أن يتحدثا سويًا. ولكن فضلت أن لا تتحدث معه بهذا الشأن الآن، فربما سيزيد من عناده وتصلبه برأيه. لذلك قررت تركه يوم أو يومان، وتعود لتتحدث معه بهدوء وروية. فهي خير من تعلم طباعه، ولما لا وهي من قامت بتربيته منذ أن كان صغيرًا حتى قبل وفاة شقيقتها. فمعظم أوقاتهما كانا يقضيانه برفقتها هربًا من جفاء قاطني قصر النعماني. ومنذ ذلك الوقت أخذت على عاتقها تدليل راسل لعلمها أنها لن تستطيع الإنجاب. فاتخذته ولدًا لها، وأغدقته بحبها وحنانها، حتى باتت تشعر أنها هي من أنجبته وساهم بذلك تعلق راسل بها بعد وفاة والدته وهو بسن صغير. فتلك الملامح الشبيه بملامح شقيقتها التوأم جعلت راسل لا يشعر بفقدان أمه. فهو وجد أم بديلة تمثلت بخالته التي لا يفرق بينها وبين أمه سوى الاسم وشامة صغيرة كانت بوجه والدته الراحلة.
__________
أنهى ديفيد قنينة كاملة من الخمر، وما زال واعيًا كأنه لم يحتس منها شيئًا. فهل ذلك عائد لأنه يعاقر الخمر منذ وقت طويل، ولم يعد ذلك يؤثر به؟ أم أن غليان دماءه واحتراق قلبه بلوعة ذلك العشق الوليد هما من يجعلانانه لا يفقد إدراكه ولا يزال واعيًا أن تلك الفتاة التي وقع صريعًا بعشقها ستعقد خطبتها اليوم. فتلك الحرارة التي نشبت بجسده من احتساءه الخمر لا تقارن بتلك النيران التي تسري بعروقه وأوردته كلما مر طيف ياسمين أمامه. ويعلم أن شابًا آخر سيصير زوجًا لها، شاب ربما أفضل منه وعقيدته كعقيدتها، وليس مثله هو الذي يعتنق عقيدة ودين آخر. ولكن هذا ليس كافيًا ليردعه عنها. فإن كانت تريد زوجًا مسلمًا مثلها، فلما لا يقدمه لها باعتناقه دين الإسلام؟ فربما هذا هو الحل الوحيد الذي سيمكنه من الوصول إليها. وربما الحظ سيحالفه، كونها لا تعلم من يكون هو بالحقيقة. فهي لا تعلم سوى أن اسمه "تميم موسى". فربما حان الوقت لإخفاء حقيقة "ديفيد دانيال إسكندر" ليحيا "تميم موسى" برفقة معشوقته "ياسمين".
ولكن عليه أن يتخلص من خطبتها لهذا الشاب أولًا. فما أن اكتمل تخطيطه للأمر، ترك مكانه وأخرج من جيب بنطاله نقودًا وألقاها للنادل. وعندما وصل للخارج، وجد تلك السيارة الخاصة بحرس عمه أدريانو.
فأقترب منه أحد الرجال قائلًا باحترام وهو ينحني قليلًا بجسده الضخم:
"ديفيد بيه، عمك عايزك ضروري وكان بيرن عليك بس أنت مردتش فبعتنا ندور عليك."
نفخ ديفيد بضيق. فهو لديه الآن ما يشغله، ولكن من الواضح أن عمه سيحبط مخططه. فلو علم أدريانو بما ينوي فعله، فلن يكتفي بتعذيبه، بل ربما سيفصل رأسه عن جسده بدون أن يرف له جفن.
إلا أنه مد يده بجيبه، وأخرج مفتاح سيارته وألقاها للرجل قائلًا بصوت مثقل من أثر الخمر:
"تعال سوق عربيتي عشان أنا مش شايف قدامي."
التقط الرجل مفتاح السيارة، وأخذ مكانه خلف المقود، بينما استلقى ديفيد على المقعد الخلفي، راغبًا في أن يدركه النعاس والثمالة قبل أن يصل لمنزل عمه ويسمع توبيخه له. فهو كان يصر عليه بحضور ذلك الاجتماع الذي اجتمع به كل الرجال المتواطئين بتلك الأعمال غير المشروعة، رغبة منه في أن يتولى هو زمام الأمور ممهدًا بذلك لتوليه زعامة المافيا خلفًا له. فهو أرجأ الأمر كثيرًا محاولًا أن يجعل عمه يفهم كونه أنه لا يريد أن يصبح زعيمًا للمافيا. ولكن أدريانو لديه النية والعزم على رضوخه لأوامره سواء شاء بذلك أم أبى.
"ديفيد بيه إحنا وصلنا البيت."
أطلق الحارس صوت زمور السيارة، ليجعل سيده الصغير الغافي بالمقعد الخلفي يستيقظ ويعلم أنهما الآن داخل المنزل وأمام الباب الداخلي. ففتح ديفيد عينيه بصعوبة. فربما أثر الخمر الذي احتساءه بدأ مفعوله أخيرًا. فترجل من السيارة بخطوات مترنحة، وأسرع الحارس بإسناده حتى وصلا للداخل وأمام تلك الغرفة المجتمع بها عمه برجاله.
سمع أدريانو صيحة ديفيد. فترك مكانه وقبل أن يعبر من باب الغرفة وجد ديفيد يلج يصيح برعونة:
"أنا جيت أهو يا عمي مساء الخير عليكم. معلش اتأخرت على الاجتماع يا رجالة، بس أصل القاعدة في البار خدتني ونسيت الميعاد. بس قلبكم أبيض بقى. هو إحنا يعني كنا هنناقش قرارات الأمم المتحدة؟"
ظل ديفيد يضحك ببلاهة ويشهق بصوت متقطع، يصدر أصواتًا تدل على أنه كان منغمسًا ببئر من الخمر. فقبض أدريانو على ذراعه وكز على أسنانه قائلًا بغيظ:
"وكمان جاي سكران يا ديفيد؟ مش مكفيك أنك كنت بتحاول تهرب من الاجتماع جاي دلوقتي كمان سكران؟"
شعر ديفيد بثقل جفنيه ورد قائلًا بحنق:
"يوووه بقى أنا قولتلك أن لا عايز أبقى زعيم مافيا ولا نيلة مش عايز أنا الشغل ده يا عمي."
نظر الرجال الجالسين لبعضهم البعض، وامتعضوا من أسلوب ذلك الشاب الذي لم يكتف بأن يتركهم مجتمعين لمقابلته منذ قرابة الساعة، ليأتي الآن ويفعل ما يفعله. فنهضوا جميعهم واقتربوا من أدريانو. فهتف أحدهم بأدريانو قائلًا بامتعاض:
"الظاهر كده ابن أخوك يا أدريانو عايز يتعلم يحترم مواعيده ويحترم قوانين شغلنا. إحنا هنمشي ولما تفوقه وتعقله أبقى بلغنا."
خرجوا جميعهم من غرفة المعيشة، تاركين ديفيد بعهدة عمه الغاضب والمستاء من فظاظته. فما أن أصبحا بمفردهما، أطاح أدريانو بوجه ديفيد بصفعة قوية، خلفت وراءها آثار أصابعه الواحد تلو الآخر على وجنته. ولم يكتف بذلك بل قبض على سترته وهزه بعنف وهو يصرخ بوجهه قائلًا بنزق:
"إيه اللي أنت عملته ده ها؟ أنت شارب زفت إيه على دماغك؟ غبي غبي."
ظل أدريانو يردد تلك الكلمة وهو يصفعه على وجهه مرارًا، لعله يفيق من تلك الحالة من البلادة. ولكن ديفيد رغم ما يشعر به من الألم جراء صفعة عمه له، لم يتفوه بكلمة أو يبدي اعتراضًا على ما يحدث.
بل أنه سقط على الأرض جاثيًا على ركبتيه أمام عمه قائلًا بنهنهة كأنه على وشك البكاء:
"أنا مش عايز فلوس ومش عايز زعامة المافيا ولا عايز أي حاجة في الدنيا غيرها هي وبس يا عمي. أنا عايزها تبقى معايا."
ظن أدريانو أن حديث ديفيد الملتاع يخص به شقيقته حياء. فهو رأى تأثيرها عليه وعلى ابنته بيرى. ولكن لما يتحدث هكذا كأنه عاشق وفقد معشوقته؟ فرمقه بنظرة متفحصة متسائلًا بجدية:
"معقول كل اللي أنت فيه ده عشان أختك حياء ولا في حاجة تانية معرفهاش؟"
لم يرد جوابًا على سؤاله، بل أنه سقط بكامل جسده على الأرض متسطحًا كالجثة الهامدة. فأشار أدريانو لرجاله ليحملوه ويذهبوا به لغرفته. فأمتثلوا لأمره وحملوا جسد ديفيد المتراخي حتى وصلوا للغرفة الخاصة به ووضعوه بفراشه. فأشار إليهم أدريانو بالخروج.
فجلس بجوار ديفيد على طرف الفراش محاولًا أن يتحدث بهدوء قدر إمكانه. فصفع وجه ديفيد بخفة ليجعله ينتبه على حديثه:
"ديفيد إصحى كده وفوق وفهمني تقصد مين بكلامك قول."
لم يكن رد ديفيد سوى همسات خرجت بصوت ملتاع:
"ياسمين هتروح مني، واحد تاني هياخدها."
لم يسمع أدريانو من حديثه سوى الشق الأخير من عبارته. فعاد يلح بسؤاله عن من تلك التي يقصدها. فصاح ديفيد وهو غير واعٍ:
"يوووه ياسمين حبيبتي ياسمين."
كمن لدغته حية وبات سمها الزعاف يسير بأوردته، كان ذلك حال أدريانو بعد سماع ذلك الاسم من ابن شقيقه. فهو لم ينس حديث خالته مارجريت عن زهر الياسمين الذي سينبت بقلب وريثه. فهذا هو الضلع الثالث من مثلث هلاكه، كما توعده هي دائمًا. ولكن كيف حدث كل هذا بغفلة منه؟ ومن تكون تلك الفتاة المسماة ياسمين؟ فهو لن يجعل شيئًا يحول بينه وبين أن يجعل ديفيد وريثه بأعماله، حتى لو وصل به الأمر لاتباع تلك الوسيلة التي يتبعها ليتخلص مما يزعجه أو يؤرقه ألا وهي القتل. فعندما حاول مرة أخرى أن يجعل ديفيد يصرح عن هوية تلك الفتاة، لم يحالفه الحظ، إذ غط ديفيد بنوم عميق بعد أن ظل يردد اسم ياسمين. فلعن أدريانو حظه بأن خيوط اللعبة بدأت تنسل الواحد تلو الآخر من بين أصابعه. وربما ستكون تلك الشمطاء مارجريت سعيدة بأنه سيعاني تبعات ذلك العشق الذي نبت بقلوب أحفاد "إسكندر شمعون" وكل الأطراف في تلك الدائرة لا يمكن أن تجتمع سويًا دون حدوث إعصار وفيضان سيقضيان عليه حتى الرمق الأخير.
____________
كاد الفضول يقتلها لتعلم ما حدث بين أبيها وعمرو بالشركة، بعدما أعطاها وعده بأن يحاول حل الأمر مع والدها. ولكنها حتى الآن لم تر بوادر لذلك الوعد. فوالدها ما زال على حاله من حديثه المقتضب معها. ولكن لم يذكر أمر خطبتها وزواجها من ابن شقيقه. عندما أطلت برأسها من فتحة باب غرفتها، وجدت الصالة خالية. فشقيقيها نائمان منذ وقت مبكر، وربما أبيها وزوجته بغرفتهما الآن. زفرت بإحباط وكادت تغلق باب غرفتها، إلا أنها سمعت صوت والدها وهو يخرج من الغرفة تتبعه زوجته. فتركت سهى الباب مواربًا، لتعلم بأي شأن هما يتحدثان ويتجادلان. فأرهفت سمعها وألصقت أذنها بالباب.
فسمعت زوجة أبيها وهي تقول بهدوء:
"طب أنت مش موافق ليه بس؟"
رد قائلًا وهو يجلس على الأريكة، واضعًا رأسه بين يديه:
"طب وإبن أخويا أقوله إيه هو وأخويا؟ أقولهم إن في عريس تاني عايز يتجوز سهى؟ عايزة أخويا يقاطعني العمر كله."
فغرت سهى فاها وهي مقطبة الجبين. فعن أي عريس آخر يتحدث أبيها؟ إلا أنها تمنت أن يستمر الحديث بينهما لتعلم أكثر عن ذلك الأمر. وهذا ما كان. فزوجة أبيها عادت لتقول بصوتها الهادئ كالعادة:
"ويقاطعك ليه كفى الله الشر. دا الجواز قسمة ونصيب. ثم يعني دي فرصة متتعوضش. دي بنتك هتتجوز صاحب الشركة اللي أنت شغال فيها. يعني هتعيش مرتاحة ومبسوطة. ومتزعلش مني ومتقولش إن أنا مش حابة جواز سهى من ابن أخوك بس الصراحة أمه يتفاتها بلاد، وبنتك هتطلع عينيها معاها. وبنتك مش هتقدر تعيش في الأرياف. فدي فرصة كويسة وتفضل جمبك هنا في إسكندرية. يعني تتجوز ابن أخوك وتحصل مشاكل وتزعلوا من بعض. ولا تفضلوا كده حبايب. هو أه ممكن يزعل شوية. بس أهون ما تزعلوا من بعض بعدين. والنسب زي اللبن لو اتعكر مش بيصفى تاني."
ما سمعته سهى كان كافيًا لأن يجعل الصدمة تشل أطرافها. فهل هذا هو الوعد والحل الذي اهتدى إليه عمرو؟ أن يتزوجها هو عوضًا عن ابن عمها؟ فما يحدث ليس له تفسير سوى أنها ستنجو من زواج ابن عمها لتقع بفخ آخر. وليس أي فخ، بل كارثة ستحل على رأسها. لعلمها أن عمرو حتى وإن كان شابًا ثريًا، فهو مدمن ويتعاطى المخدرات. وما خفي كان أعظم.
لطمت سهى خديها وهي تقول بفزع:
"يا مصيبتي يا مصيبتي يعني عشان ألاقي حل متجوزش ابن عمي وأكمل تعليمي؟ أتجوز مدمن مخدرات؟ يا لهوي هو أنا عملت إيه أسود في حياتي يا رب عشان أطلع من مصيبة أقع في مصيبة أكبر."
دارت حول نفسها وما زالت تلطم وجنتيها. ولكنها عادت لتقف مكانها لتسمع باقي حديث أبيها وزوجته بعد صمتهما الذي دام لمدة دقيقتين. وكأن والدها يزن حديث زوجته. فهو يعلم بطباع زوجة شقيقه القاسية. ولم ينس أفعالها مع زوجته الأولى من أمور الخصام والشجار، كلما كان يذهب لزيارة بيت والده الذي يسكنه حاليًا شقيقه الأكبر وأبناؤه.
فسمعته وهو يقول بحيرة:
"مش عارف أقولك إيه. كلامك صح. بس في نفس الوقت مش حابب أزعل أخويا الكبير مني. بمعنى أصح مش عارف آخد قرار ودي حياة بنتي برضه."
ربتت زوجته على ساقه وهي تقول بابتسامة:
"خد وقتك بالتفكير. هو يعني العريس التاني ده مطلبش رأيك على طول؟ فحاول كده تفكر بهدوء. وزي ما قولتلك خلي مصلحة بنتك قدام عينيك. قوم دلوقتي نام وارتاح وإن شاء الله ربنا هيدلك على الخير."
نهض أبيها هو وزوجته ودلفا لغرفة نومهما. فأغلقت سهى الباب وبحثت عن هاتفها كالمجنونة لإخبار صديقتها بما علمته. فهي الوحيدة التي يمكن أن تتحدث معها بشأن تلك الكارثة التي تلوح لها بالأفق. وعلى وشك السقوط على رأسها إذا اقتنع أبيها بحديث زوجته. والذي قالته بعفوية من باب حرصها على مصلحة سهى، وأنها تريد لها زواجًا بإمكانه أن يجعلها تعيش برخاء وثراء.
وجدت الهاتف وبعدما بحثت عن رقم هاتف صديقتها وضغطت زر الاتصال، انتظرت حتى جاءها الرد على الطرف الآخر. فبكت سهى وقالت بصوت متحشرج:
"ألحقيني أنا في مصيبة."
فزعت صديقتها من قولها، فردت قائلة باهتمام:
"مالك يا بنتي في إيه مصيبة إيه دي كفى الله الشر؟ اهدى بس وفهميني اللي حصل وبطلي عياط عشان أفهم بتقولي إيه."
مسحت سهى دموعها، وحاولت أن يخرج صوتها دون تلك الغصة العالقة بحلقها. فراحت تقص على صديقتها بكل ما لديها من أخبار سيئة علمتها للتو. فختمت حديثها وهي تقول بنهنهة:
"شفتي المصيبة اللي أنا فيها؟ أعمل إيه أنا دلوقتي؟"
أجابتها صديقتها بهدوء:
"اهدّي يا سهى ومتسبقيش الأحداث اللي فهمته منك إن باباكِ شكله متردد. يعني مأفقهوش وقاله خلاص تعال اتجوزها."
قالت سهى وهي تضع يدها على جبهتها كأنها تشعر بآلام شديدة بها:
"طب لو بابا اقتنع ووافق هعمل إيه قوليلى؟ ولو قولته الحقيقة، هيصمم المرة دي يجوزني لإبن عمي."
حاولت صديقتها بشتى الطرق أن تجعلها تهدأ وتكف عن بكاءها ونحيبها. ولكن ما أن انتهت المحادثة بينهما، حتى عادت سهى تبكي ثانية. فحتى وإن كان عمرو شابًا، كل من سيراه سيحسدها على زواجها من ذلك الشاب الوسيم والثرى. ولكن لا أحد منهم يعلم ما يخفيه خلف تلك الوسامة والثراء من تورطه بأعمال غير مشروعة كتلك التي استطاع إنقاذها منها أثناء اختطافها.
فبعد أن يأست من البكاء وقضم أظافرها، طرأ على رأسها فكرة فقالت وهي تحسم أمرها:
"مفيش قدامي حل غير إني أقابل اللي اسمه عمرو ده اللي هيوديني في داهية ومصيبة بأفكاره. أنا لو أعرف أنه هيقترح الحل المهبب ده، مكنتش صدقت كلامه ومشيت وأنا فاكرة أنه هيساعدني."
فكرت بالذهاب لعمرو بالشركة، وتجعله يفض أمر هذه الزيجة. فهي لن تتركه يتخذ الأمر جدياً، وتجد نفسها بالأخير خطيبة أو زوجة لذلك الشاب الأرعن. فأندست بين طيات أغطية الفراش وهي عاقدة العزم على أن تذهب لرؤية عمرو بالقريب العاجل. ولكن كأن كثرة تفكيرها بالأمر جعلت من العسير عليها أن تنام براحة. فظلت تتقلب بفراشها، وهي تنفخ وتزفر بحنق، حتى أدركها النوم بعد عدة ساعات قضتها بأرق أصاب أعصابها بالإنهاك والإرهاق. ولكن لم يخلو نومها من استيقاظها بنوبات فزع، كلما رأت تلك الأحلام وهي مقيدة ولا تجد سبيلًا للفكاك من قيودها. حمدت الله على أن شقيقيها جعلاها تفيق من نومها، بعدما كانت تشعر بضيق أنفاسها من ذلك الشيء الذي جثم على صدرها ومنعها أن تتنفس براحة أثناء نومها. فضوء الشمس الذي ملأ الغرفة، جعلها تدرك أن الصباح أنبلج منذ وقت طويل. وما زالت هي تتصارع مع أفكارها وحيرتها وأحلامها المزعجة.
____________
جالسة على المقعد بشرفة الغرفة، منكمشة على ذاتها وتضم ركبتيها لصدرها، تلف حولها وشاحًا من الصوف. فمن يراها من مكان بعيد، يظن أنها تمثال من الشمع لا حياة به ولا روح. فلا شيء يتحرك بها سوى بؤبؤ عينيها ورفرفة أهدابها، كلما ضرب وجهها نسمة هواء قادمة من بعيد. فإلى أي مدى وصلت عيناها؟ للبحر الذي استطاعت رؤيته من مكانها، والشمس كادت تغطس بين أمواجه وهي تهم بالرحيل، تاركة مكانها لأن يأتي الليل يرافقه القمر، ليصطحبها هي بليلة جديدة من ليالي الشجن والحنين. انتقلت ببصرها من مراقبة غروب الشمس، إلى تلك المنضدة الصغيرة الموضوعة أمامها. فضرب الهواء أطراف تلك الرسالة الورقية، الموضوعة على المنضدة، والتي تم تثبيت أحد أطرافها بالهاتف الملقى بجانبها. ولكن مع هبوب تلك الرياح الخفيفة، استطاعت اقتلاع طرف الرسالة من أسفل الهاتف، فطارت حتى سقطت من المنضدة، واستقرت بجوار الباب الزجاجي للشرفة. فزفرت حياء زفرة حارة، وأسرعت بمسح تلك الدمعة التي انسكبت من عينيها. ولكن قبل أن تنخرط ببكائها، سمعت صوت طرق على باب الغرفة.
فردت قائلة بغصة مريرة:
"ادخل."
ظنت أن القادم سوزانا أو غزل. ولكن تلك التي ولجت الغرفة، لم تكن سوى بيرى ابنة عمها. والتي ما أن رآتها حياء، حتى نهضت وتركت مكانها. فأسرعت كل منهما نحو الأخرى. فأرتمت حياء بين ذراعيها وهي تبكي بقهر. فراحت بيرى تربت عليها لعلها تهدأ وتخبرها بما حدث؟ فتلك الرسالة النصية التي أرسلتها لها عبر الهاتف من ضرورة مجيئها، جعل الخوف يسكنها.
أبعدتها بيرى عنها قليلًا، وقالت وهي تتفرس بوجهها:
"حياء إيه؟ أنتي قلقتيني عليكي بالرسالة اللي بعتهالي."
ردت حياء قائلة بنهنهة وصوت متحشرج من أثر بكاءها:
"راسل أخد سجود ومامته وساب البلد كلها يا بيرى. سابني ومشي ومش عارفة عمل ليه كده. أنا هتجنن من ساعة ما عرفت."
وضعت يديها على فمها لتكتم تلك الشهقات، التي سيبدأ صوتها يعلو رويدًا رويدًا. وكأنها ستظل تبكي لما تبقى من عمرها. فمنذ ذلك اليوم الذي تلقت به خبر موت عرفان ومديحة، وهي باتت الدموع حليفتها. فما استطاعت اقتناصه من الزمن وتمثل بأوقات عشقها لزوجها، لم يخلو الأمر من العثرات وحدوث خلافات بينهما تارة تهجره وتارة يهجرها. وكأنهما لن يلتقيان بطريق واحد ويستمر الأمر على النحو الذي يريدانه. بل دائمًا سيكون بينهما حالة من الشد والجذب، التي لن تنتهي إلا بموت أحدهما.
أخذت بيرى وقتًا كافيًا لتعي مدلول قول حياء. فما رأته من راسل أثناء إقامته بمنزل أبيها وما قصته عليها حياء، يجعلها تجزم أنه يعشقها حد النخاع. فرمشت بعينيها وتساءلت بشيء من البلاهة:
"سافر إزاي يعني؟ أنا مش فاهمة حاجة."
لم تكن حياء بوضع يخولها أن تجادلها بشأن ما اعتراها من ذهول. فأخذت الرسالة الورقية ووضعتها بيدها، لعلها عندما تقرأها ستعي مدلول حديثها معها. فقالت بصوت خافت:
"اقري الرسالة دي جايز تفهمي."
وضعت بيرى الرسالة الورقية نصب عينيها وبدأت تطوف بين سطورها. فما أن ختمت قراءة الرسالة، أزاحتها من أمام وجهها ونظرت لحياء وهي تقول بذهول وعفوية:
"معقول جوزك طفش من البلد بحالها؟"
لو كانت حياء بوقت آخر، وسمعت تلك العبارة منها، لربما ضحكت بصوت صاخب. ولكن لم يكن الوضع يسمح لها بأن تفعل ذلك، حتى وإن كانت ابنة عمها قالت عبارتها بعفوية وتلقائية.
انتبهت بيرى على ما اعتراه وجه حياء من وجوم. فمسحت على ذراعيها وهي تقول بندم:
"أنا بجد آسفة يا حياء مش قصدي حاجة. الكلام طلع مني من غير ما أقصد. بس هو ليه عمل كده معقول يكون عرف حاجة عن بابا أو ديفيد؟"
تجعد جبين حياء، بعدما أصابتها الدهشة من تخمين بيرى لرحيل راسل. وبدت تلك الخطوط التي تكونت على جبهتها دليلًا واضحًا على أنها تفكر بجدية بما قالته.
فردت حياء بنبرة مفعمة بالحيرة والخوف:
"تفتكري دي يكون السبب؟ بس ليه مواجهنيش وقالي أنه عرف حاجة بخصوص باباكِ أو ديفيد؟ دا حتى آخر ليلة لينا مع بعض، كان راسل كويس أوي معايا. بمعنى أصح كانت ليلة ولا ألف ليلة وليلة. وصحيت اكتشفت المصيبة. يعني كان بيودعني وأنا مش عارفة. وافتكرت أنه كان مشتاقلي عشان كده كان بيتصرف برومانسية. لأن من ساعة ما رجعنا من بيت باباكِ وهو كان متغير ولما كنت أسأله كان بيقولي مفيش حاجة وافتكرت آخر ليلة دي اعتذار منه. طلع أنه كان عايز ياخد ذكرى معاه لما يسيبني."
رفعت وجهها لبيرى وأستأنفت حديثها بمرارة:
"هو أنا هفضل طول عمري في العذاب ده؟ ومش مكتوبلي أفرح؟ مرة أنا أسيبه ودلوقتي هو يسيبني. وده كله هيبقى برضه بسببهم. أمتى بقى أخلص من الكابوس ده أمتى أمتى؟"
جثت حياء على ركبتيها وهي تصرخ بشق عبارتها الأخير، وأنحنت بجزعها العلوي، حتى كادت رأسها تلمس الأرض. فأشفقت بيرى على حالها وجلست بجوارها وأخذتها بين ذراعيها فراحت تربت على ظهرها تارة وتمسد على ذراعها تارة أخرى، لعلها تهدأ قليلًا. ولكن كأن عدوى البكاء انتقلت إليها، فأنخرطت بالبكاء هي الأخرى، عندما جال بخاطرها صورة معشوقها الغائب.
فقالت بحنان وهي تمسح دموعها:
"اهدّي يا حياء. أكيد باباه هيدور عليه ويعرف مكانه وساعتها أبقى روحيله وفهميه كل حاجة. وهو أكيد بيحبك فهيسمعلك ويفهم كلامك. دا على فرض أنه عرف حاجة بخصوص شغل بابا أو أن ديفيد هو اللي عذبه لما كان في السجن في إيطاليا. وأنتي قولتيلي أن سيرة الموضوع ده بتعصبه ومبتخليهوش يعرف يفكر. يعني ممكن يكون عمل كده في لحظة غضب وتهور. ولما يهدى هيفهم إنك ملكيش ذنب في حياة أهلك اللي أنتي أساسًا لسه عرفاهم من وقت قريب."
اجتاح حياء شعور بالراحة والأمل من حديث بيرى. فربما هي محقة بكل ما تفوهت به. ابتعدت برأسها قليلًا ونظرت إليها قائلة بأمل يحدوها بجلاء سوء الفهم بينها وبين زوجها:
"بجد ممكن ده يحصل يا بيرى؟ ممكن نعرف هو سافر فين؟ وساعتها يعرف ويفهم أن أنا بحبه وكنت خايفة عليه. وأن أنا مليش ذنب في حاجة."
خشيت بيرى أن تهدم آمالها، خاصة وهي تتحدث بتلك النبرة المفعمة بالأمل كطفلة ستحصل على أمنية راودتها طويلًا. فابتسمت بوجهها وحركت رأسها بالإيجاب، وهي تقول بهدوء:
"أيوه يا حبيبتي. أبو جوزك راجل واصل وله نفوذ يعني ممكن يلاقيه بسهولة جدًا. المهم دلوقتي قومي اغسلي وشك وغيري هدومك وتعالي ننزل نقعد في الجنينة تحت شوية قبل ما أروح. غيري جو الأوضة الخنيق ده واللي ريحته زي ريحة المستشفى."
ابتسمت بيرى بآخر عبارتها لتضفي قليلًا من المرح على جلستهما الكئيبة. فأمتثلت حياء لأمرها وأخذت ثيابًا نظيفة وولجت للمرحاض، بينما ذهبت بيرى للشرفة وأسندت كفيها على السور وظلت تنظر لتلك المناظر الطبيعية الخلابة المتمثلة بالحديقة ورؤيتها للبحر. فما أشبه الليلة بالبارحة، عندما أصابتها تلك الحالة الصحية السيئة بعد رؤيتها لعبد الرحمن ومجئ حياء لمواساتها. واليوم هي هنا من أجل مواساة حياء. فكأن كل الأدوار تنعكس بصورة أو بأخرى، وكأن الجميع يدور بدائرة مفرغة لا يعلمون أين بدايتها ولا كيف سيخرجون منها.
بعد خروج حياء من المرحاض تأهبت للخروج من الغرفة برفقة بيرى. فتأبطت ذراعها وخرجتا من غرفتها. هبطا الدرج بتأني حتى وصلا للحديقة. فأنضم إليهما سوزانا وغزل. وظللن يتحدثن وقتًا طويلًا، حتى أعلنت بيرى عن ضرورة عودتها للمنزل. فودعتها حياء حتى أخذت سيارتها وخرجت من قصر النعماني.
أرادت حياء رؤية والد زوجها قبل عودتها لغرفتها. فدَلفت للداخل حتى وصلت لغرفة المعيشة الكبيرة ولكن قبل أن تلج الغرفة سمعت الحديث الدائر بين رياض وعاصم. وما أن سمعت اسم راسل زوجها تسمرت قدميها وتوقفت عن التقدم لباب الغرفة.
فسمعت صوت رياض وهو يصيح بغضب:
"يعني إيه يا عاصم مش موجود في لندن؟ مش قولت أن تذاكر الطيران اتحجزت من هنا على لندن؟ طب راسل راح فين؟"
رد عاصم قائلًا بإرهاق:
"والله يا عمي أنا عملت كل جهدي في أن ألاقيه. بس اللي لقيته أنه سافر على لندن. وطبعًا كل حبايبنا اللي في السفارة هناك كلمتهم عشان يعرفوا هو مقيم فين بالضبط. قالولي أنه مقعدش في لندن غير كام ساعة بس وبعدين اختفى حتى مش لاقين ليه أي حجوزات لفنادق أو حتى تذاكر طيران لبلد تانية. أنا أصلًا مش عارف خرج من لندن راح فين وإزاي. شكله واخد كل احتياطاته زي ما قال عشان محدش يعرف يوصله ولا يرجع هنا تاني. بس متقلقش يا عمي إن شاء الله هنلاقيه قريب بس عايزك ترتاح ومتجهدش نفسك. وأنا هعمل كل جهدي وهلاقيه بإذن الله."
دب رياض الأرض بعصاه وقال بحنق من أفعال ولده:
"أنت لازم تجبهولي من تحت الأرض يا عاصم وبأي شكل. حتى لو دورت عليه في مشارق الأرض ومغاربها. أنا عايزه يرجع هو وبنته. أنا عارف أبو دماغ ناشفة ده مش هيسكت إلا لما يقضي عليا ويموتني بس مش هكون المرة دي لوحدي. دا كمان هيموت مراته من قهرتها عليهم. هو فعلاً غلطة عمري اللي عمرها ما هتتصلح أبدًا."
ارتمى رياض على الأريكة، يشعر بتخاذل قدميه عن حمل جسده، بعدما اكتسحها ذلك الشعور بالضعف، الناتج عن اشتياقه لولده وحفيدته الصغيرة، التي لم تسنح له الظروف إلا بقضاء وقت قليل برفقاتها.
فما أن انتهى حديث رياض وعاصم، ركضت حياء من أمام غرفة المعيشة وصعدت الدرج، متفادية سقوطها الذي بدا حتميًا، لتجمع العبرات بمقلتيها، ورؤيتها المشوشة لكل شيء يقابلها. فما أن وصلت للغرفة، أسرعت بفتح الباب وولجت للداخل. فهو أبر بوعده ورحل عنها، وجعل والده يفشل في إيجاده. ولكن هل بإمكانه أن يحيا بدونها؟ ألن يشعر بوخز قلبه له من اشتياقه لها ويجعله يعود إليها؟ فهي كانت مجبرة ومكرهة على تركها له بالمرة الأولى. ولكن هو لم يجبره أحد على الرحيل، بل اتخذ ذلك القرار بملء إرادته الحرة. فوقفت أمام المرآة لعلها تجد إجابة لتلك الأسئلة التي تكثفت بعقلها. وما أن رأت وجهها الشاحب بالمرآة، قذفت زجاجها بقنينة عطره دون أن تدري. فتهشم زجاج المرآة وتحطمت قنينة العطر، وفاح أريجها بالغرفة، تنبؤها بأن أيامها القادمة ستكون أيامها العجاف، والتي لن يزهر بها ربيعها وتغاث روحها التي سيعتصرها الشوق، إلا بعودة صاحب العطر.
_______________
بعد مرور ثلاثة أيام.
انتهى راسل من ري الأشجار والزهور بحديقة المنزل الصغيرة. فالتفت برأسه للخلف وجد صغيرته تركض خلف هرة صغيرة ابتاعها لها تشبه تلك الهرة التي كانت تملكها بقصر النعماني، لعلها تلهيها عن سؤالها المتكرر عن حياء. وربما أفادته حيلته قليلًا، ولكن ليس لمعظم الوقت. فما أن تأوي سجود لفراشها تظل تسأل عن والدتها، ومتى ستأتي لتقص عليها حكايات قبل النوم. ليستمر هو في إخبارها بتلك الكذبة، التي كان دائمًا ما يخبرها بها، حتى قبل رؤيته لزوجته حياء، وهي أن والدتها سافرت من أجل أمر هام وستعود بالقريب العاجل.
"سيجو تعالي هنا متخرجيش برا."
قالها راسل وهو يرى ابنته تكاد تقترب من الباب الخارجي للمنزل. فترك ما بيده واقترب منها ليلهو معها. ركض خلفها فظلت تصيح هي بسعادة خشية أن يمسك بها، وبذلك تخسر اللعبة. ولكن أثار انتباهه ظل شخص يقف قريبًا من السياج المعدني للحديقة، ويبدو أنه ينظر لهما بتمعن وتركيز. ولكن لم يستبين راسل ملامح وجهه. فهو ملثم، ويغطي رأسه بغطاء تلك الكنزة التي يرتديها.
فأقترب راسل من السياج وهو يقول باهتمام:
"من أنت؟ ولماذا تقف هنا؟ ماذا تريد؟"
ما أن استمع ذلك المجهول لصوت راسل، ورأى اقترابه من السياج، فر هاربًا على الفور قبل أن يصل إليه. فتعجب راسل من فعلته. ولكن شب القلق بداخله. فهل من الممكن أن يكون هذا الملثم له صلة بوالده؟ على الفور أقترب من صغيرته وحملها بين ذراعيه وولج للداخل. فتعجبت وفاء من ملامح وجهه التي شابها الاصفرار، كأنه رأى شبحًا.
حدقت به وفاء وتساءلت بلهفة:
"مالك يا راسل في إيه وشك مصفر ليه كده؟"
وضع راسل سجود أرضًا، ونظر لوفاء وقال بشعور مبهم:
"مش عارف يا ماما شوفت حد واقف جنب سور الجنينة ولما قربت منه خاف وجرى. تفتكري يكون من طرف رياض النعماني وعرفوا إحنا فين؟ لو كده لازم نمشي من هنا."
زفرت وفاء زفرات حارة وردت قائلة بهدوء:
"هو إحنا هنقضي حياتنا هروب؟ وأنت بتهرب من إيه أصلًا؟ بتهرب من حبك وقدرك؟ ولا بتهرب من إيه قولي؟ هو أنت فاكر أن الهروب حل؟ دا هيعقد الأمور أكتر ويخلي سوء التفاهم بينك وبين مراتك يزيد وأنت مش عايز تقولي وتفهمني إيه اللي حصل بينكم؟"
ما أن تبدأ وفاء بإلحاحها لمعرفة ما حدث جعله يأخذ قراره بالرحيل. تكسو ملامح وجهه الضيق والوحشية. ففضل أن يصمت حتى لا يتسبب بحزنها إذا خرج صوته حادًا أو غليظًا، أو أن يسيء إليها بنوبة غضبه وهو لا يعي ما يفعل أو يقول. فتركها وصعد لغرفته، وقضى يومه بها يعبث بهاتفه تارة، ويقرأ ويدلل صغيرته تارة أخرى. فلم تفارقه سجود إلا بعدما أدركها النعاس ووضعها بفراشها.
فعندما سأم من محاولاته الفاشلة واليائسة في جلب النوم لعينيه، ترك الفراش ووقف أمام النافذة وأزاح ستائرها. فالليل قد انتصف منذ ما يقرب من الساعتين، وما زال هو مسهدًا ولم يغفو كابنته ووفاء. ولكنه لم يتعجب من حاله. فهو منذ مجيئه لهنا وهو لم يحسن أن ينام بهدوء. وكلما أغمض عينيه يمر طيف حياء بخياله وأحلامه.
تنهد بعمق وهو يغمض عينيه متذكرًا أوقاتهما الحالمة معًا. فخدش زجاج النافذة بأظافره بغيظ. من كون تلك الذكريات لا تتركه وشأنه. بل تصيب قلبه باللوعة والاشتياق. فأن تكون بين يديه كالحلم الجميل. ويستيقظ على كابوس آخر من تلك الكوابيس التي حفلت حياته بهم. فذلك أدعى لأن يشعر بالسخط على قلبه ونفسه الملتاعة والمشتاقة إليها. ولكن كل هذا النقم والسخط على أفكاره، لم يمنعانه من مناداة اسمها بهمس مرارًا وتكرارًا. كأنه تعويذة سحرية وما أن يظل يردد الاسم، سيجدها أمامه.
"حياء حياء حياء."
ولكن انتشله من تفكيره، رؤيته لشبح يتحرك بحديقة المنزل الصغيرة. يتجه صوب ذلك الجانب المطل على المطبخ بالطابق الأرضي. ففتح عينيه وهو يقول بدهشة:
"إيه ده؟ دا حرامي ده ولا إيه؟"
على الفور ترك مكانه. وبحث عن سلاحه الناري الخاص. وما أن وجده. خرج من غرفته بحرص وحذر. يخشى أن يكون المتسلل للمنزل لصًا محترفًا وتتأذى صغيرته أو خالته. لم ينتعل بقدميه حذاءً حتى لا يصدر صوتًا وهو يهبط الدرج بخفة. رافعًا سلاحه الناري بوضع الاستعداد لإطلاق الرصاص. وصل للطابق الأرضي. ووجد ذلك المتسلل بالمطبخ المفتوح على الصالة. ففي ضوء الإنارة الخافتة استطاع رؤية ذلك اللص وهو يرتدي كنزة سوداء بغطاء للرأس يخفي رأسه ووجهه.
ضغط راسل على زر المصباح الكهربائي الخاص بالمطبخ. فانتشر الضوء ورفع سلاحه قائلًا بتهديد:
"فقط قف مكانك ولا تتحرك. خطوة أخرى وسأطلق عليك النار."
رفع ذلك اللص يديه بإستسلام وهو ما زال يولى راسل ظهره. فعاد راسل مكملاً لحديثه:
"تعال. استدر وأرني وجهك."
ظل اللص مكانه ولم يمتثل لأمره. فأقترب راسل منه أكثر. وما كاد يضع يده على كتفه، لكمه ذلك اللص بمرفقه في منتصف بطنه وحاول الفرار. فتأوه راسل بخفوت. إلا أنه استطاع أن يعرقل حركته بأن جذب راسل بقدمه ذلك المقعد البلاستيكي الصغير وألقاه على ظهر ذلك اللص. فأختل توازنه وسقط أرضًا. فأنحنى إليه راسل وهو يرغب بنزع غطاء رأسه. ليعلم من يكون هذا المتسلل. والذي يجزم أنه هو بذاته من رآه صباح اليوم يتلصص عليه هو وابنته. ولكن قبل أن يضع يده عليه، كان ذلك الشخص واقفًا محاولًا الفرار. فجذب راسل ذراعه قبل أن يبتعد. فركله ذلك الملثم بساقه. ولكن لم تكن الركلة بالقوة التي تجعل راسل يتركه.
فإهتاج راسل أكثر من تصميم ذلك الملثم على الفرار منه فصرخ به:
"لن أتركك ما لم أعرف من أنت؟ وماذا تريد مني؟"
ظل الشد والجذب بينهما قائمًا. واستطاع ذلك الملثم تمزيق الجزء العلوي من ثياب راسل. بينما سدد له راسل عدة لكمات بوجهه. فتمنى ألا تفزع صغيرته ووفاء مما يحدث. فالعراك بينهما أسفر عن تحطيم وتكسير بعض الأواني بالمطبخ القريب من الصالة. التي لم تخلو من الفوضى.
بالأخير استطاع راسل إحكام ذراعه حول عنقه. حتى كاد يخنقه. ولكن رفع ذلك الملثم يديه دليلًا على استسلامه للأمر وأن يتركه قبل أن يختنق. ولكن راسل لم يكن يأمن جانبه. لذلك عمل على طرحه أرضًا. ولكن قبل أن يجثم على صدره ليكبل حركته. طاح غطاء الرأس واللثام عن وجهه. فبتلك اللحظة سرت رجفة قوية بأوصال راسل. وتجمدت أطرافه تزامناً مع جحوظ عينيه وهو يرى تلك التي تنظر إليه من مكانها وهي تأخذ أنفاسها بوتيرة سريعة والدماء تسيل من أحد جانبي فمها. فهو بإمكانه رؤية آثار يديه التي تركها على وجهها. وليس هذا فقط فهو كان على وشك تحطيم عظام فكها أيضًا.
وضع راسل يده بالقرب من فمه. معربًا عن دهشته بعد رؤيتها.
فنظر إليها وقال بدهشة ممزوجة بصدمته:
– أنتِ
_____________
•
ابق قريبًا من جديدنا
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!