الفصل 21 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
16
كلمة
10,228
وقت القراءة
52 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

كفنان عاشق ومحب للجمال راح يضفى ألوان جذابة على لوحة خلت من الألوان فكان السواد والظلام ساكن أرجاءها، ولكن صارت تنضح بالحيوية والإشراق، تجعل الرائى لا تمل عيناه من تأملها. وكتمثال حجرى لفارس دبت فيه الحياة فجأة، وترك مكانه وذهب حيث كانت تجلس تلك الصبية فى إنتظار فارس أحلامها داعياً إياها أن تراقصه تحت قطرات المطر التى أزالت عنه أخر ذرات القسوة وذاب الحنين بذراعيه اللتان أحتوتها بحب كأنها أثمن ما يملك.

أجمل لقاءها به بعد طول الفراق، تجرفه معها بسيل من الأشواق، لحظة أبدعا فى رسم أحداثها كلوحة مزدانة بألوان الربيع، وقت حالم إزداد فيه نبض القلوب، وتم أسر العيون بقيود من العشق. وفيه من اللهفة للقاء الحبيب ما يروي أحاسيس قد أوشكت على الذبول كالورود، لقاء حملت نسائمه عبير الشوق، النابعة من بساتين الغرام.

زاد إفتتنانه بجمال عيناها ونظراتها، فما أجمل الأحاسيس وتصويراتها، لحظة لقاءه بها تشبه الإبحار في فضاء الدفء والحنان بزورق شراعه خفقات القلب التى تقفز فرحاً ما أن ألتحمت نبضاتهما سوياً. فعندما تبتهج الوجوه بلقاء من لهم فى الوجدان من الحب ما يعجز اللسان التعبير عنه، تكفي الإبتسامة في التعبير عن ما يدخره القلب من شوق وعشق، وتلألات إبتسامة الفرح على شفاه كادت تجف و تذبل من طول الفراق.

وتشابك الأيدى ببعضها البعض ولد حرارة الشوق لتنقل أحاسيس كادت تمزق القلب والروح من كثرة كتمانها. "عمري ما أتمنيت أكتر من أنك تكوني معايا يا روحي" نطق بعبارته همساً وأرادها أن تعلم جيداً أنه سينتظرها دوماً، ويرى صورتها في كل ثانية تمر بدونها، وأن حبه لها مازال هو لم يتأثر ببعدهما، ولا يمكن أن يفعل شيء سوى أن ينتظرها، وأن يحلم بأن يصحو في الغد ليجد نفسه معها، معها هي فقط.

فأخر ما سمعته منه قبل أن يداهمها النعاس، الذي لم تستطع مقاومته، هي تلك الكلمة التي همس بها في أذنها وهي راقدة بين ذراعيه بإستسلام حالم: "بحبك" مرت ساعات الليل وجاء ضوء النهار متسللاً من خلف الستائر المخملية، لينبأها بأن أوقات ثمالة العشق التي أدركتهما معاً البارحة قد رحلت.

فالتفتت برأسها لتصطدم عيناها بوجهه المسترخى والذي دفن نصفه بالوسادة، وانزلقت نظراتها لذراعيه اللتان تطوقانها بحنان وحب، كأنه يخشى أن يستيقظ ولا يجدها. تململت بين ساعديه لعله يحل وثاقهما عنها، إلا أنها وجدته يبدي اعتراضه بهمهماته الناعسة، والتي سرعان ما كف عنها وعاد لنومه بعدما زاد في إحكام ذراعيه حولها. فسكنت لعلها تعيد الكرة بعد برهة عوضاً عن أن تتألم عظامها من ضغط ساعديه.

"هو إزاي قدر يضحك عليا كده، ده زي ما يكون أداني مخدر خلاني مش قادرة أتحكم في تصرفاتي"

تساءلت بحيرة بعدما رفعت عيناها لوجهه وأرسلت إليه بصراً جائعاً ممزوجاً بشعور من الندم على أنها ألقت أسلحتها هكذا بوقت مبكر لم تكن تضع له حساباً، وتخشى استيقاظه وتجده فخوراً بأنه استطاع إخضاعها له رغماً عنها، بل ما تفوهت به البارحة في خضم هذا الجنون المطبق الذي تغشاهما معاً، سيجعلها لن تجرأ على رفع عينيها في وجهه أو أن تعود وتتحداه بعدما خسرت ما تبقى لها من كبرياء أمام لقاءهما الضاري والذي اتسم بنهم وجوع كل منهما للآخر.

ولكن ما أن زادت حيرتها بالتفكير فيما حدث، تذكرت الشاي الذي جلبه لها ومذاقه الذي أعربت عن تعجبها منه، فهل من الممكن أن يكون وضع شيئاً آخر بكوبها، جعلها تفقد سيطرتها على مشاعرها، وأن تتقبل كل ما يحدث بينهما دون أن تفكر في إبداء رفضها أو اعتراضها، بل كانت أكثر ليناً وطوعاً ولم تستطع كتمان اشتياقها إليه.

برقت عيناها بلهيب جعلها تنتفض من بين ذراعيه، وتكون أكثر حزماً في أن تجعله يفلتها، مما جعله يفتح عيناه بعدما شعر بحركاتها المفرطة كأنها تود الخلاص من قيده لها. أرخى ذراعيه عنها قائلاً بنبرة ناعسة ولكن استطاعت لمس رنة السعادة بها: "صباح الخير يا روحي"

تحاشت النظر إليه وردت تحيته بتحية عابرة فاترة لم تعلم هل استطاع كشفها من نبرة صوتها المتبرمة والمقتضبة، فوضعت قدميها أرضاً لتهم بترك الفراش وتعثرت برداءها الملقى على الأرضية معلناً عن هزيمتها البارحة والذي كان هو شاهداً عليها، وها هي ما أن ثابت إلى رشدها عادت إليه، لتلملم أذيال خيبتها التي تناثرت هنا وهناك. "مالك يا حياء"

وصل لمسامعها سؤاله الذي حمل طابع الجدية والاهتمام، بل وبنظرة خاطفة وجدته يجلس بالفراش، وأزاح عنه الأغطية لتكشف لها عن جزعه العلوي، الذي قضت معظم ليلها تتوسد صدره وتغرقه بمدامعها وهي تشكو له وجع الفراق ونهش الشوق لقلبها وكم كانت تتمنى لقياه، كأنهما عادا لنقطة البداية وأنه عاد وجدها تحمل له من الاشتياق والحنين ما يعجز عقله عن استيعابه.

شدت رباط رداءها حول خصرها بأصابع مرتجفة، تخشى أن يقدم على إكمال إحدى صولات غزله لها، فردت بسرعة وهي تتجه نحو المرحاض لعلها تهرب من ظله: "مفيش بس افتكرت إن عندي اجتماع مهم في الشركة وإن ملحقتش أخلص كل الشغل امبارح ولازم ألحق أخلصه قبل الاجتماع"

تفوهت بآخر كلمة وهي تغلق عليها باب المرحاض، وأوصدته من الداخل تخشى أن يقتحم عليها خلوتها، فالآن لن يجد ما يمنعه عنها بعد ما حدث بينهما بالأمس، وهي خير من تعلم طباعه المتطلبة والمتسمة بالجرأة خاصة بأمور الوصال بينهما.

عقد راسل حاجبيه تعجباً من فتورها الذي لم يضعه بحسبانه، خاصة أنه ظن أن خلافاتهما قد ذابت بأتون تلك العاطفة الذي جمعهما سوياً، وأضحى كل منهما كالمرآة للآخر تاركين العنان لألسنتهما وقلبيهما في البوح عن ذلك الظمأ الذي أنهك روحهما. أسند ظهره للوسائد خلفه وعيناه مازالت ترصد باب المرحاض، حتى وجدها تخرج إليه تجفف شعرها ومازالت تتحاشى النظر إليه، كأنها تشعر بالخزى أو أنها أقترفت ذنباً ولا تريد الخوض بأسبابه.

وقفت أمام المرآة لتمشط شعرها، فكان بإمكانها أن تراه وهو يترك الفراش، فإضطربت أنفاسها خشية إقدامه على الاقتراب منها، وأن تجد نفسها تعود إليه من جديد وتلك المرة على ضوء النهار ولن يكون الليل والظلام ساتراً لها وهي تتقلب بين ذراعيه كمن تتقلب على جمر الغضى.

تلكأت قدميه في التوجه للمرحاض، تتقاذفه الرغبة في أن يدنو منها ويسألها عن فتورها وبرودها الغير منتظر، إلا أنها أنهت حيرته بأن ذهبت لغرفة الثياب، فلم يجد حاجة له أن يتبعها، لعل بعد أن ينهي اغتساله، سيكون قادراً على أن يتحدث معها. خرج بعد دقائق وجدها تحكم وضع حجابها على رأسها، وكم زادها لون حجابها الأسود بهاءاً وصفاءاً في وجهها الأبيض المستدير، والذي لا يجده أقل ضوءًا من ضوء القمر بليلة مقمرة.

ذهب لارتداء ثيابه على عجالة، قبل أن تنتهي وتخرج من الغرفة ولن يعود بإمكانه أن يسألها عما أصابها فجأة وجعلهما يعودان كغريبان يتقاسمان غرفة وفراش واحد، خرج وهو يغلق أزار قميصه وجدها بصدد الابتعاد عن المرآة لكي تلملم أوراق عملها التي تركتها مكانها بالأمس، فسد الطريق عليها بجسده، حتى وجدها تصطدم به، وشهقت بخفوت كأنها لم تتوقع أن تجده أمامها. وقفت متجمدة بمكانها وهي رافعة كفيها تبسط وتقبض أصابعها بحركة متوترة.

فازدردت لعابها متسائلة: "في حاجة؟ هز رأسه ببطئ ورفع كفيه وقبض على راحتيها لينهي حيرتها البادية على وجهها، ولم يكتفِ بأسر كفيها، بل وضعهما على صدره لعلها تشعر بتلك الخفقات التي زاد معدلها وجنونها، فأمعن النظر بها متسائلاً باهتمام: "أنا اللي مفروض أسألك في حاجة مضايقاكي، من ساعة ما قمتي من النوم وحاسس إنك متغيرة" بهدوء سحبت كفيها وردت قائلة بابتسامة متوترة:

"لا أبداً مفيش حاجة أنا بس متوترة شوية علشان اجتماع النهاردة أصله مهم جدا وخايفة بس مينهيش زي ما أنا عايزة ومخططه له"

أرادها أن تهون عن نفسها ذلك الضغط الذي تشعر به، فضمها إليه بألطف طريقة ممكنة بل ولمساته حملت من الرقة والعذوبة ما جعله أراد أن يتخلى عن كل شيء ويتوسلها بأن تظل سجينة صدره وذراعيه، فأثر عبير عطر ليلة البارحة مازال يسري بدماءه يحمل له من نشوة العشاق، ما يجعله لا يريد أن يبرح مكانه ولا أن يتركها تفلت من بين يديه قبل أن يتجرع من كؤوس الهوى ما يصيب قلبه وعقله بالثمالة. همهم وأنفاسه تكاد تكون كصافرات الإنذار

القادمة من مكان بعيد: "متضغطييش على أعصابك يا حبيبتي، اهدى خالص وكله هيعدي على خير إن شاء الله"

فقبل أن تدرك ما هو ناوٍ عليه، كان يباغت حواسها بعناق الصباح بعد ليلة لم تنافسها في تأجج وفوران وثوران مشاعره وعواطفه إلا ليلة عرسهما، وحمل عناقه إليها مدى ذلك الجهد الذي يمارسه لضبط أعصابه حتى لا يتسبب في إيلامها، وهذا ما جعلها تشعر بالهزيمة، فما أن يسلط سحره ورقته وعذوبته على حواسها، حتى تجد قلبها يتواطئ معه ضدها، ويسلبها أحد دفاعاتها، فالإحجام صار إقبالاً والإعراض صار قبولاً، ودماءها تضخ بشرايينها حارة ملتهبة، كمن وضعت بمرجل واستلذت بشعورها في الاحتراق حتى أرادت أن يتوقف قلبها عن النبض والخفقان، لعلها لن تعود وتشعر بذلك العذاب اللذيذ.

"راسل" نطقت باسمه مبهورة الأنفاس ومشدودة الأعصاب كقوس تم شد وتره حتى أضحى أمر انقطاعه وشيكاً إذا استمر هذا الحال من المد والجزر والشد والجذب. أجابها ويداه محكمتان حول رأسها وعيناه ساجية بوميض الغرام: "روح وعقل وقلب راسل" أين كان كل هذا الاشتياق والحنين وهو هناك متخذاً ملاذاً له بعيداً عن مرآها؟

ما رأته من عواطف ومشاعر متأججة بليلتهما السالفة، وما شعرت به من عناقه لها الآن، يجعلها تجزم أن قضى العامان الماضيان ونيران الشوق تتأكل أحشاءه وأضرمت نارًا اندلعت بشرايينه وجعلته مغرمًا صبًا جفاه النوم وظل أيامه مسهدًا ولم ينام قرير العين هانئ البال إلا البارحة. أطرقت برأسها وغمغمت بعتاب: "لسه بتقول إن أنا روحك وعقلك وقلبك بعد اللي عملته فيا"

لم يريدها أن تطأطأ رأسها في حضرته، فهو لا يستلذ بضعفها ورقتها إلا بأوقاتهما الخاصة والحالمة فقط، ولا ينكر أن عنفوانها الدائم في مجابهته وتحديه، يجعله يرغب في مشاكساتها على الدوام، حتى يعود ويرى تلك الجذوة من الأنفة والإباء والكبرياء، التي دائماً ما تتحلى بها أثناء انتفاضة كبريائها الأنثوي في حضرة غروره الذكرى المهيمن أوقاتاً كثيرة. وضع كفه أسفل ذقنها ورفع وجهها له قائلاً بصدق:

"لو وصفتلك أنا بحبك وبعشقك قد إيه يا حياء هتقولي عليا إن أنا مجنون أو ببالغ، بس صدقيني قلبي ده بيدق علشانك انتي وبس، وعارف أنك أكيد زهقتي من أن لحد دلوقتي مش عايز أجاوبك على كل حاجة عايزة تعرفيها بس اديني بس شوية وقت مش أكتر" أبعدت يده عنها وأولته ظهرها قائلة بنفاذ صبر: "آه زي الوقت اللي كنت بستحايل عليك فيه أنك تديني فرصة قبل ما تتجوز ايلين صح، المعاملة بالمثل يا راسل وعن إذنك بقى علشان متأخرش على شغلي"

وضعت حقيبتها على أحد كتفيها بينما لملمت أوراقها في حقيبة العمل الجلدية ورمته بنظرة مستاءة أكثر منها معاتبة، فما أرهقها لعبة الاعتذار والعتاب والانتظار، فلو كان يعلم أنه سيوضع بمأزق كهذا ويرجوها أنه تمنحه الوقت الكافي لتنجلي الحقائق، لكان منحها كل الوقت بالماضي ولا يرى دمعة واحدة من عينيها الجميلتين، اللتان أشعلتا فؤاده بالأمس ببريقهما الأخاذ والملتمع على ضوء الإنارة الخافتة لغرفتهما.

كادت تصل لباب الغرفة وفتحته لتهم بالخروج، حتى وجدته يقبض على ذراعها بلطف، قائلاً بصوت شجي: "حبيبة قلبي بلاش تنكدي علينا بعد الليلة الحلوة بتاعة امبارح"

ارتجف بدنها لا إرادياً، كأنه رشقها بماء بارد جعلها تنتفض من شدة البرودة، فكانت تخشى أن يقدم على ذكر ما حدث بالأمس، ويذكرها كيف كانت بين يديه مطيعة لينة، وأن رد فعلها في الصباح يتنافى مع كونها كانت بالليلة الماضية زوجة محبة وعاشقة مغرمة، يختلج فؤادها شوقاً وحنيناً إليه.

قبل أن تمتد إليها يده لتعيث الاضطراب بنفسها إثر لمساته التي كان على وشك توزيعها على وجهها، سمعا صوت أقدام آتية ربما عائدة لآدم، الذي راح يدندن بصوته لحناً لإحدى أغانيه الفرنسية. ولكنها سمعت سبة قوية من بين شفتي زوجها ما أن سمع آدم يقول بمرح: "بونجور" التفت راسل خلفه بعدما كان حاجبًا حياء بجسده، حاصرًا إياها بينه وبين إطار الباب، فرفع شفته العليا قائلاً بضيق ظاهر: "وعليك"

تملصت حياء من حصاره لها وتقدمت بخطواتها للأمام في اتجاه الدرج وردت قائلة بابتسامة بشوشة: "صباح الخير يا آدم، جاهز علشان الاجتماع" هز آدم رأسه بحماس. بينما فغر راسل فاه بدهشة، لكونه لم يعلم بشأن ذهاب آدم للشركة أو أنه من المفترض له حضور ذلك الاجتماع الذي أشارت إليه حياء. فرمقه بنظرة شاملة متسائلاً: "هو أنت هتحضر الاجتماع ده؟ وعلشان إيه بقى إن شاء الله؟ أجابت حياء نيابة عن آدم وهي توزع نظراتها بينهما:

"آدم دلوقتي من حقه يعرف شغل باباه ويعرف أكتر عن مجموعة النعماني جروب وباباه هو اللي عايز كده، ومن حكم في ماله ما ظلم"

قطعت حياء أطراف أي حديث من المحتمل أن ينشأ بين ثلاثتهم، إذ اقترحت على آدم الذهاب لتناول إفطاره وأن يكون على أهبة الاستعداد لمرافقتهم للعمل، حتى أنها لم تنس توجيه دعوة حتمية لزوجها بأن يتناول طعامه قبل ذهابه لمشفاه، متحاشية النظر إليه، ولم يجد هو الوقت لرد دعوتها الفاترة بالرفض، إذ وجدها تهبط الدرج وتبعها حتى وصلا لمائدة الطعام ووجد والده يترأس المائدة وأفراد العائلة كل منهم على وشك تناول إفطاره ليذهب لعمله.

دققت وفاء النظر في وجهيهما، إلا أنها لم ترى سوى معالم الاستياء والتبرم، خلافاً لظنها بأنها سترى وجوه ضاحكة مسترخية خاصة أنه لابد لهما أنهما تنعمان بليلة حالمة، مثلما حرصت هي على أن تساهم في إذابة الخلافات بينهما. فقطبت حاجبيها وتساءلت في قرارة نفسها بدهشة: "هي الوصفة طلعت مغشوشة ولا إيه؟ ولا هم اللي مبقاش في حاجة نافعة معاهم؟

زفرت بخفوت من كونها شعرت بالإخفاق في مساعدتهما، فهي قضت وقتاً لا بأس به في إعداد تلك الوصفة السحرية من الأعشاب، والتي كانت إحدى وصفات زوجها السرية والتي لم يبح بسرها إلا لها هي فقط، وحرصها على وضعها في متناول يد راسل جعلها متيقظة حتى لا تصل إليها يد غير يده، وأوهمته بأنها خاصة بأحد زبائنها، ووضعتها في أكياس بلاستيكية مختلفة، حتى إذا انكشف أمرها وجاءها راسل ليستفسر عن سبب ما أصابه بعد تناولها، تخبره أنها حذرته من عدم

الاقتراب من الكيس الأزرق، حتى لو كان أخذ من الكيس الأبيض، كانت ستجد حجة واضحة من أنها أخطأت في وضع الأعشاب به نظراً لأنها ربما تعاني من النسيان، وبعد تأكدها من أخذه ما يكفيه منها، ذهبت للمطبخ وأخذت الأكياس على الفور ووضعتها في غرفتها حتى لا تصل إليها أحد من ساكني القصر، فهي وضعتها من أجل راسل وزوجته فقط، ولكن ما تراه أمام عينيها، جعلها تشعر بالإخفاق، وفكرت جدياً في إعادة الوصفة لربما نسيت عشبة من الأعشاب.

وضع رياض قطعة خبز صغيرة بفمه وهو يرمق ولده الجالس على رأس المائدة على الطرف الآخر وعيناه منصبة النظرات على وجه زوجته، التي يبدو عليها أنها تتجاهله عن عمد وقصد، فكم حلا له بذلك الوقت أن يسكب المزيد من مواد الاشتعال على غضبه المكبوت. فرمق آدم بنظرة عطوفة قائلاً بتشجيع:

"أنت هتنور الشركة يا آدم، أنا أول مرة أحضر اجتماع في الشركة من وقت طويل كان دايماً عاصم هو اللي بيتصرف في كل حاجة وجت حياء تساعده وأنت دلوقتي هتساعدهم وأنا واثق أنك هتكون على قد المسئولية اللي أنت هتشيلها" ترك آدم مقعده وأقترب من رياض ورفع يده الهرمة وقبلها قائلاً بامتنان: "دي ثقة كبيرة وغالية منك يا رياض باشا واتمنى أن أكون في يوم زيك وزي بابا"

رغم النظرات الودودة التي شملتهما سوياً من باقي أفراد العائلة، إلا أن الفرد الوحيد والذي لم يحاول بمرة أن ينمق حديثه، هب واقفاً وهو يقول بسخرية: "عن إذنكم بقى علشان ألحق أروح المستشفى، مليش نفس أعيط من المشاعر الجياشة بين الجد وبين حد من أحفاد العيلة، المواقف اللي زي دي بتقلب معدتي"

لو يعلم ذلك العنيد ذو الرأس المتيبس والحكم الخاطئ على ما يراه من مشاعر والده تجاهه، أن مكانته بقلب أباه حالياً لا ينافسه بها أحد سواء قريبًا أو غريبًا، بل هو المتفرد بتلك المكانة التي طالما تمناها منذ صغره وشاءت الظروف أن تسير الأمور بينهما على النحو الخاطئ في الماضي، ولكن الآن كلما سار إليه ذراعاً ابتعد عنه باعاً، فسكن رياض الحزن، كونه لن يحيا ما يكفيه من العمر حتى ينتظره هكذا إلا ما لا نهاية، ولكنه لا يشفق على كبر

سنه، ولا على خوفه من أن يأذن الله له بالرحيل قبل أن تسوى الأمور بينهما، تأمل ولده الخارج من غرفة الطعام، ولم يخرجه من تأمله إلا يد آدم التي راحت تربت على ظاهر يده بحنان، نظر كل منهما للآخر وكأن آدم يعلم حقيقة الأمور بينه وبين راسل، فشد رياض على يده وربت عليها بحنان، فأدم بضعة من عاصم ابن شقيقه، ولطالما تمتع بحبه وحنانه منذ أن كان صغيرًا وتولى تربيته هو وشقيقته سوزانا، فهما أبناؤه بالمقام الأول قبل أن يكونا أبناء

شقيقه الراحل.

النقر الخفيف والمستمر لحذائها على أرضية الغرفة، جعله يعلم مدى الضيق الذي تشعر به، ولم يكن هو بأقل منها ضيقًا بتلك الأسئلة التي راح يطرحها عليه ضابط الشرطة المكلف بالتحقيق في محاولة قتله، التي كادت تتم بنجاح لولا أن الله قد كتب له منها النجاة، ولكن لم يشعر الضابط بأي كلل أو ملل وهو يطرح عليه سؤال تلو الآخر، كأنه لن يتركه إلا إذا علم ما فعله بذلك اليوم منذ استيقاظه من نومه حتى تلك اللحظة التي تم فيها إطلاق النيران على سيارته وتم إصابته بطلقتان ناريتان جعلتا حياته على المحك، ولكن رغم ضيق عمران من كثرة إجابته على تلك الأسئلة، إلا أنه أجاب الضابط بكل أريحية ولم يغفل عن ذكر تفصيلة من ذلك الحدث، كأنه وقع منذ دقائق وليس منذ عدة أيام.

أشار بعينيه لزوجته التي جلست على تلك الأريكة الجلدية أسفل نافذة الغرفة، أن تكف عن فعلتها المتوترة، فتبادلت النظرات الصامتة معه ومن ثم كفت عما تفعله، ولكن لم يدوم هدوءها طويلاً، إذ هبت واقفة مكانها وقطعت الثلاث خطوات التي تفصلها عن فراش زوجها. فقالت بمهنية وهي ترمق الضابط بابتسامة صفراء:

"لو سمحت يا حضرة الظابط كفاية كده النهاردة، هو لسه حالته الصحية متسمحش أنه يفضل يتكلم كتير، ممكن تكمل التحقيق معاه بعدين وإلا كده ممكن يحصله مضاعفات" رفع الضابط وجهه لها ومن ثم رد قائلاً بشيء من السخافة: "التحقيق ده مهم يا دكتورة، وهو الوحيد اللي يقدر يدينا طرف الخيط اللي هنمشي وراه علشان نعرف مين اللي عمل فيه كده وليه كان عايز يقتله، ومين اللي ضرب عليه نار وهو خارج من الفندق بتاعه"

سعل عمران سعالاً قوياً ووضع يده أمام فمه والأخرى على صدره، كأنه على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، فأسرت ميس بالاقتراب منه ورفعت كوب الماء الموضوع على الكومود الصغير وناولته له وهي تقول بخوف متناسية وجود الضابط: "حبيبي ألف سلامة عليك، ارتاح يا عمران ومتتكلمش تاني" سكتت لبرهة ومن ثم التفتت برأسها ونظرت للضابط مستطردة:

"كفاية كده حضرتك أنت مش شايف كتر الكلام ممكن يعمل فيه إيه هو لسه في فترة النقاهة، التحقيق مش هيطير، هو لازم يرتاح، أنا الدكتورة بتاعته وبقولك لازمة الراحة وميتعرضش للإجهاد في الكلام"

تبعت حديثها بأن رفعت إحدى يداها وأشارت لباب الغرفة، لعل الضابط يكون فطناً لمقصدها ويترك زوجها بحاله خشية أن كثرة الحديث ستؤدي في النهاية إلى نتائج غير مرغوب فيها، نهض الضابط على مضض واعداً بالعودة بوقت لاحق لاستكمال باقي أسئلته والتي لا ينتوي الفكاك عنها سبيلاً. خرج الضابط من الغرفة، بينما عادت ميس تنحني لعمران متسائلة بخوف واهتمام: "حبيبي حاسس بإيه دلوقتي، في حاجة بتوجعك" هز عمران رأسه مازحاً:

"آه قلبي بيوجعني يا دكتورة، معندكيش حاجة لوجع القلب" رفعت ميس حاجبها ولكنها فشلت في إخفاء ضحكتها على قول زوجها المماح، فجلست قبالته على طرف الفراش، وأخذت كفه بين راحتيها وضغطت عليهما بحنان، وتألق بعينيها بريق أخاذ، جعله ساهماً وهو يحدق بحدائق خضراوتيها الغناء. همست له قائلة بصوت عذب رقيق: "بعد الشر على قلبك يا قلبي" موجة من الحنين ضربت محياه، فأجابها بنبرة لطالما بعثت الشوق حيًا بين ثنايا روحها وقلبها:

"أنا لو أعرف مين اللي ضرب عليا النار، أنا هروح أشكره، بس أعرف مين الكلب ده اللي أخدني على خوانة قبل ما أركب عربيتي، وكمان شكله كان مصمم على قتلي" صمت لبرهة عندما تذكر رسالة التهديد التي أرسلت إليه في اليوم السابق للحادث، وجاء نصها الصريح بأنه إذا لم يأتي بقطع الألماس في غضون ثلاث ساعات، ستكون النتائج وخيمة، فما أن أفاق على حاله من شروده عاد مستأنفًا حديثه:

"ميس أنا عايز أخرج من المستشفى، أنا زهقت، أنا مبحبش المستشفيات" قبضت ميس على كفه بحزم ورفق ومن ثم قالت بمهنية كطبيبة قبل كونها زوجة: "بس أنت لسه محتاج عناية ورعاية يا عمران علشان ربنا يتم شفاك على خير" حاولت إقناعه بضرورة بقائه في المشفى، بيد أن عمران قد أخذ قراره من أن يعود للمنزل، حتى أنه تقدم باقتراح قائلاً بجدية:

"شوفي إيه اللازم وأعمله في البيت صدقيني متتصوريش كل يوم بيعدي عليا في المستشفى بتخنق، من وأنا صغير مش بحب الدكاترة ولا المستشفيات" ضيقت ميس عينيها وقالت بتهديد أنثوي ماكر: "م بتحبش الدكاترة، حلو الكلام ده يا عمران، جزاء لكلامك ده مش هتخرج من هنا، لحد ما تحب الدكاترة بقى"

أشرق وجهه بابتسامة من قولها، فجذب ذراعها فجأة، حتى وجدت يداها ترتحن على صدره، ولكن جحوظ عينيها جعله يتنبأ برد فعلها، مما جعله أكثر حزماً لبقائها بين ذراعيه، فقال بصوت هامس بدهاءه المعتاد: "انتي حاجة تانية خالص يا ماسة، انتي دكتورة قلب عمران وبس، هتخليني أخرج من المستشفى بقى؟ لو كده شوفي ممرض أو ممرضة وياخدوا بالهم مني في البيت وبلاها القاعدة هنا"

عبثت بأناملها بأحد أزرار قميصه القطني، وردت قائلة بعدما أخذت نفسًا عميقًا: "ممرض أو ممرضة ليه، وأنا لزمي إيه، لو أنت رجعت البيت أنا هرجع معاك وأنا اللي هاخد بالي منك لحد ما ترجع إن شاء الله زي الأول وأحسن كمان، بس استنى أكلم ولاء تقول لحد من الشغالين تجهزلك الأوضة، وأنا هشوف أدويتك وكل اللي أنت محتاجه قبل ما نمشي وكمان أبلغ راسل إن الفترة الجاية هكون إجازة طويلة شوية"

لم يكن رده عليها سوى عناق لم يحكم سيطرته عليه، مما جعلها تنتفض من بين ذراعيه خشية إفراطه في حركته التي لم ترى لها داعٍ أو فائدة، سوى أنه لا يضع بباله أنه ما زال مريضًا ويجب عليه أن يتوخى الحذر في أفعاله وتصرفاته. فما أن أنسلت من بين يديه وابتع دت عن الفراش لتأمن عدم إقدامه على فعل ما فعله بها، أعادت ترتيب خصيلات شعرها ووجهها تكاد تنفجر منه الدماء مغمغمة بابتسامة مكبوتة: "قليل الأدب حتى وأنت في حالتك دي"

هرولت خارجة من الغرفة ترافقها صوت ضحكته، والتي تعلم أنها نابعة من القلب، فما أن وصلت للردهة، أسندت ظهرها للجدار، وأغمضت عينيها محاولة أن تلطف من ذلك اللهيب المشتعل بوجنتيها، فمن العبث أن تحاول إقناع ذاتها أن عمران بأوقات ضعفه سيكون أقل تأثيراً عليها منها بأوقات قوته، فكلتا الحالتين متساويتين، ولا تختلف خفقات قلبها ونبضه العنيف بأي حالة من الأحوال، فكم سيروقها لو كان بإمكانها أن تعود إليه وتتوسد صدره وليتركها تغفو

بنوم هادئ عميق، تعويضاً لتلك الأيام الماضية، التي تأكل بها الخوف قلبها ولم يتركها تهنئ بنوم متواصل أو أن تنعم جفونها بالنعاس الهادئ، كأن كل شيء بات محرماً عليها قبل أن تراه سليماً معافيًا ويعود عمران زوجها، الذي لا يدخر جهداً في أن يجعل كل نبضة من نبضات قلبها تغرم به بل وترقص على ألحان الهوى.

فبعد أن هدأت وعادت أنفاسها لوتيرتها الهادئة، أكملت سيرها حتى وصلت لغرفة مكتب راسل، وأخبرته بشأن إصرار عمران على ترك المشفى، وأنها هي من ستعتني به لذلك ربما سيفتقدها لعدة أيام لن تأتي بها للمشفى، فرحب راسل بقرارها متمنياً له الشفاء وأخبرها بضرورة الاعتناء والاهتمام به، على أن تكون أكثر حذراً بالأيام القادمة ومنع عمران من بذل أي مجهود سيكون ذو تأثير سلبي على تحسن أحواله الصحية.

عاد كرم للمنزل بعد انتهاء دوامة بشركة السياحة، وولج للداخل واضعاً الحقائب البلاستيكية التي يحملها على الطاولة الصغيرة بالصالة، وجد البيت مرتبًا ونظيفًا شأنه ككل يوم يعود فيه إليه، فمنذ مجيء تلك المرأة التي أخبرته هند بأن والدتها أرسلتها إليها من أجل السهر على راحتها لعدم تمكنها من ترك والدها والإقامة معها حتى يحين موعد وضعها لجنينها، وهو لم يعد يحمل همًا للتفكير في أحوال زوجته أثناء ذهابه إلى العمل، فالمرأة تقوم

بواجبها على الوجه الأكمل والأفضل، من حيث اعتنائها بهند وبالبيت من حيث الترتيب والتنظيف وإعداد الطعام وما عليه هو سوى أن يجلب الأغراض المنزلية من فاكهة وخضراوات وما شابه، ولا ينكر أنه يريد شكر خالته بأنها أرسلت تلك المرأة لتخفف عنه عبء التفكير في أحوال زوجته وأزاحت عنه الهم، بل كأن نشأت بين هند وتلك المرأة ألفة لكونها هي من تقدم لها السلوى والسلوان حتى يعود إليها هو بالمساء.

سمع صوت حركة بالمطبخ، فعلم أنها ربما تعمل على إعداد طعام العشاء لعلمها بموعد عودته، اتجه إلى غرفة النوم حيث مرقد زوجته الدائم، ولكنه وجدها نائمة، فأنحنى إليها وقبل جبينها قبلة متلهفة إليها، وستقتصر العادة على ضمة أو عناق ولن يطمح بأكثر من ذلك. فتحت هند عيناها الناعستين اللتين تغشاهما الحنين ما أن وقع بصرهما عليه وهو منحني إليها يرمقها بصمت عاشق، فقالت ببحة صوتها الناعسة: "حمد الله على السلامة يا حبيبي"

لم يكن رده عليها سوى أشواق راح ينثر عطرها على صفحة وجهها، حتى عاد وتذكر أن فرط أشواقه لن تجديه نفعاً، إذ أنها لن تمنحه أكثر من عناق حار، ثم تدركه التعاسة والتي لابد لها من أن تزوره بعد أن تبلغ عواطفه الثائرة ذروتها ومن ثم يجد أمنياته تتحطم على صخرة الحقيقة والواقع من أن زوجته لن تمنحه ما يخمد به ثورة اشتياقه. اعتدل جالسًا على طرف الفراش وأخذ راحتيها بين كفيه متبسمًا: "أكلتي وخدتي الأدوية بتاعتك"

رفعت جذعها العلوي وإسندت ظهرها للوسائد تحرك رأسها بالسلب قائلة بابتسامة: "لأ قولت استناك ناكل سوا، بقالي كام يوم بأكل لوحدي علشان أنت بتتأخر في الشغل"

وضع يده على بطنها ممسدًا عليها بلطف، ورماديتيه متلألأتين ببريق الحب والفخر، كونها تحمل بأحشاءها نبتة منه وثمرة عشقهما، فلو كان منذ بضعة سنوات أخبره أحد بأن هند حب طفولته وغرام صباه وشبابه ستكون زوجته حاملة لطفله، لم يكن سيصدقه وسيتهمه بالكذب والجنون، فلم يكن يرى منها منذ أن وعى على كونه ابن خالتها، سوى الإعراض والنفور، وأنها لا تضع رابط الدم والقرابة بينهما أي موضع جدية لديها، ولكن ها هي الآن زوجة مغرمة عاشقة تنظر إليه على أنها تنظر لأغلى كنز امتلكته يومًا، بل تحتضن طفلهما وتستميت بالحفاظ عليه، فعصا الحب السحرية ما أن مست قلبها حتى أضحت فتاة أخرى حلوة طيبة وكأن هناك أنثى أخرى سكنت جسد تلك المتعجرفة التي كانت عليها سابقًا.

"هخرج أجيب الأكل ونأكل مع بعض بس ثواني أغير هدومي" هتف بها كرم وهو يترك مكانه وأقترب من خزانة الثياب الخشبية وأخرج ثيابه البيتية وبدأ يخلع عنه ثياب العمل، ومن حيث لآخر يبتسم لزوجته التي تأملته بابتسامة هادئة، وما أن انتهى خرج من الغرفة وقبل أن يصل للمطبخ، حمحم بصوت مسموع لعل تلك المرأة تنتبه على وجوده، كونها تنظر من نافذة المطبخ، كأنها تبحث عن شيء بعينه.

ارتبكت ولكن سرعان ما التفتت إليه بابتسامتها المعتادة متسائلة بلكنة صوتها، التي يستطيع أي أحد العلم منها أنها لم تكن مصرية المولد والمنشأ، ولكنها تعلمت اللهجة المصرية واللغة العربية بمهارة من سنوات إقامتها بمصر: "مساء الخير مستر كرم الأكل جاهز، حضرتك هتاكل في أوضة السفرة؟ رد كرم بابتسامة مهذبة: "لأ أنا هاخد الأكل وأكل أنا والمدام مع بعض"

أومأت برأسها إيماءة خفيفة ومن ثم بدأت برص الأطباق على أحد الصواني، انتظرها كرم حتى تنتهي وهو يفكر في الراتب الذي تتقاضاه تلك المرأة، فهو يفوق راتبه الشهري الذي يتقاضاه من عمله، إلا أن إصرار زوجته على وجودها ورجاءها له بألا يرفض مجيئها جعله يتغاضى عن أن من يدفع لها أجرها وراتبها هو والد زوجها، ورغم أن الأمر يشكل له الضيق، إلا أن من أجل حصول زوجته على رعاية واهتمام أفضل مما سيقدمه هو لها، جعله يحاول تمرير الأمر، ويسمح بقدومها للإقامة معهما وأن تقوم على خدمتهما.

استدارت إليه ومدت يداها له بالصينية، أخذها منها ولكن حركة عينيها أثارت به الارتياب والشكوك، وما أن مد يده ليأخذ منها الطعام، أدارت رأسها وعادت تنظر من النافذة. عقد كرم حاجبيه متسائلاً: "هو في إيه بتبصي من الشباك ليه كده؟ سؤاله جعلها ترتبك وتهتز الأطباق محدثة صوتًا رن بأذنيها كأجراس الخطر، إلا أنه لم ترفع وجهها لها، بل ظلت تحدق في محتوى الأطباق، ولكن لم يبدو عليه التأثر بارتباكها، بل قالت بهدوء:

"أبداً مستر كرم، مفيش حاجة" "طيب" نطق بها كرم وهو يهم بالذهاب لغرفة نومه، ولكن سمعها تقول وهي تقترب منه واضعة طبق الفاكهة الطازجة على الصينية: "مدام هند بتحب الفاكهة"

أنفاسها ساخنة متململة وعطرها سخي لعين متناثر على ثيابها، التي تحرص على نظافتها دائمًا، شفتاها مكتنزتان ممتلئتان مدعاة للغواية، شعرها مصفف بعناية، فتلك هي الصورة التي كانت عليها منذ الوهلة الأولى التي حضرت بها للمنزل، ولكن كرم لا يكلف نفسه عناء رفع رأسه ووجهه لها وهو يحدثها مكتفيًا بأن يسمع صوتها فقط دون الحاجة إليه في أن ينظر إليها.

حمل الطعام لزوجته، ووضعه أمامها وبدأ يتناول طعامه ويطعمها بفمها، ولم ينس أمور دلاله لها بأن يمنحها ابتسامة أو قبلة أو كلمة حب أثناء تناولهما للطعام. وضعت هند المحرمة القطنية من يدها بعدما مسحت فمها وقالت برضا: "الحمد لله شبعت" حمل كرم الصينية من على الفراش قائلاً بود: "بألف هنا يا حبيبتي"

وضعها على طاولة صغيرة موجودة بالغرفة، وعاد وتمدد بجوارها وتجاذبا أطراف الحديث حول يومه في العمل وقصت عليه إحدى نوادر الصغير سويلم، الذي قام بزيارتها اليوم وهو يحمل لها هدية تمثلت بدمية صغيرة من أجل المولود، وأخبرها بأن والده وعده بنزهة في اليوم التالي، فبعدما قضيا بضعة ساعات يتحدثان، غفت هند سريعاً بنومها، ولكن لم يواتيه النوم، ففكر بأخذ الصينية للمطبخ.

خرج من الغرفة ووجد السكون يلف المنزل، فعلم أن تلك المرأة ربما خلدت للنوم، وضع الصينية من يده وما أن التفت خلفه وجد شبحًا يتحرك في ظلام ذلك الفناء الجامع بين منزل الحاج سويلم وبين ذلك المنزل المقيم به.

واستطاع تمييزه على ضوء الإنارة الخافتة القادمة من أحد أعمدة الكهرباء القريبة من المنزل، ثوانٍ وتحرك ذلك الشبح تجاه تلك الشرفة الأرضية والتي ربما تابعة لغرفة المعيشة في منزل الحاج سويلم، ولم يكن ذلك الشبح سوى تلك المرأة التي خرجت من غرفتها التي تسكنها بثوب نومها الذي يصل بالكاد لركبتيها.

جحظت عيناه ما أن رآها تقترب من ذلك الرجل والذي لم يكن سوى والد الصغير سويلم، وكان يبدو عليه أنه يدخن سيجارة وهو جالسًا في الشرفة، لتشديد زوجته على عدم تدخينه للسجائر، ولكن بعض الأوقات يعمل على تدخينها ولكنه لا يفعل ذلك بشراهة. على الفور خرج كرم من الباب الصغير الموجود في المطبخ، والذي سيمكنه من الوصول لمكان وجودهما دون أن ينتبه أحد منهما على وجوده. وقف في مكان قريب حتى استطاع سماعها وهي تقول وصوتها يغلف الجو

بتيار مشحون من التوتر: "حضرتك قاعد هنا ليه كده في وقت متأخر" أجابها والد سويلم متلعثمًا مجاهدًا على خروج الكلمات من فمه: "عادي كنت قاعد بدخن سيجارة، بس انتي إيه اللي خرجك من البيت في وقت زي ده وبلبس زي ده أصلاً هو كرم أو المدام بتاعته هم اللي بعتوكي عايزين حاجة"

جفت دماءه وتدفق عرقه غزيراً ما أن رآها طالقة العنان لخصيلاتها النحاسية، فذلك الشبح الذي يراه الآن في الظلام لا يشبه تلك المرأة المتكلفة التي رآها على ضوء النهار، عندما قام بزيارة كرم وهند بعد عودته من سفره. أجابته بصوتها الناعم كأحد الغواني: "لأ محدش بعتني، انا اللي شوفتك قاعد هنا قولت أجي أشوفك، وأتعرف عليك خصوصًا إن كانت أول مرة أشوفك فيها لما زورت مستر كرم ومراته" جعد الرجل جبينه قائلاً بدهشة:

"وهو ده وقت حد يتعرف فيه على حد، وأنتِ أصلاً عايزة تعرفيني ليه، اتفضلي ارجعي البيت، الوقت اتأخر وميصحش حد يشوفك كده"

تسمرت قدميه، كونه غير معتاد أن يرى أنثى أخرى تسير بهكذا ثياب غير زوجته، بل أنها قطعت المسافة الفاصلة بينهما والتي تقدر بثلاث أو أربع خطوات، حتى صار كل منهما يسمع صوت أنفاس الآخر، وصار الجو خانقًا بالشرفة المظلمة رغم فساحة مساحتها، إلا أنه شعر بأن جدرانها تكاد تطبق على أنفاسه حتى منعته من يتنفس براحة، وكيف له من أن يستنشق هواءً نقيًا غير ملوث بعطرها، أو أن يشعر بشيء سوى أنفاسها الدافئة، فربما يجلس الشيطان الغاوي بأحد

الزوايا مستلذًا بما يراه الآن، وكيف يفوته مشهدًا كهذا من اجتماع رجل وامرأة، صارت العواطف والمشاعر المحرمة هي ما تلوح بأفق ذلك الظلام الذي جمعهما سوياً، فكم هو بارعًا في جعل كل ما هو مدنس وباطل بتلك اللحظات عذبًا رائقًا ومغريًا، بل أن العقل أحيانًا كثيرة يقف عاجزًا عن رد وسوسه أو دحرها، شيطان رجيم يتمكن من نفس ابن آدم تمكن الدماء من مجراها.

أبصرته في تلك المرآة المواجهة للفراش وهو يقف يتلصص عليها بعينيه الحائرتين من شق الباب، ولا تعلم سر إصراره على ترك تلك الحواجز بينهما وهو بأدنى فعل منه يستطيع هدمها ويجدها طوع بنانه ويهبه كل ما يشتاق إليه ويعجز لسانه عن طلبه، ولكنها تعلم أنه ليس بأقل منها شوقًا لأن يظفر بتلك الليالي التي لن تكون سوى نيران سيلقى بها حتفًا، ولكنها ستكون بردًا وهناءً لها، كتمت ابتسامة في وسادتها وهي تراه مازال واقفًا مكانه كلص يعلم أن

الغنيمة غنيمته ولكنه يخشى افتضاح أمره، لفظت عنها الغطاء الخفيف الذي كانت تتتدثر به، وتحركت كأنها لم تعد تشعر بالراحة في نومها، بل أنها لم تنس أن تطلق تلك الصرخة الخفيفة والتي أوهمته أن مبعثها حلمًا أو كابوسًا راودها، فانتفضت جالسة بالفراش وهي تضم ذراعيها حولها كطفلة تخشى الظلام، وفلحت حيلتها عندما وجدته يقتحم الغرفة قاطعًا المسافة بينهما بلهفة عاشق، وجلس قريبًا منها جاذبًا إياها إليه ولف ذراعه السليمة حولها رابتاً

على ظهرها بحنان لم ترى منه شيئًا منذ عودتها إليه.

أرادت استغلال تلك الهنيهات قبل أن يعود لتصلبه وتعنته معها، أو أن تراه يصد عنها صدودًا، فذراعيها الملتفتان حوله ويداها المتشبثتان بقميصه، جعلت عليه من المستحيل التفكير بأمر إبعادها عنه. حمحم يجلي تلك الغصة التي كادت تقضي على أنفاسه وسألها: "مالك بتصرخي ليه؟ سمعت صوتك وأنا معدي من قدام الأوضة، انتي كنتي بتحلمي" كتمت ابتسامتها في كتفه على كذبته الواضحة، ولكنها حاولت أن تجاريه بكذبته، فقالت وصوتها يأن ويرتجف:

"كان حلم وحش أوي يا عبد الرحمن، كابوس بمعنى أصح" مرت لحظات وتوقعت سيل جارف من سخريته ومن صده لها ولمشاعرها التي لا تخجل من البوح بها، كونها ترى أن هذا حق مطلق لها طالما كان زوجها ويحل لها معه ما لا يحل لغيره، وضعت رأسها على كتفه وشبكت يديها حوله، لتضمن بقاءه وكلما اشتد ضغط ذراعيها تقافزت دقات قلبه حتى بدأت لمساته تحنو على خصيلاتها الناعمة التي راحت أنامله تجري بين ثناياها، فأضحت أنفاسها تتسابق بمضمار التوق.

تجرأت ورفعت رأسها عن كتفه ممعنة النظر في وجهه، ولكن قد هالها تلك العاطفة التي أثارتها بعينيه، فصار يحكم لف ذراعه حولها كمن وجد ضالته المنشودة بعد طول بحث وعناء، وراحت دقات قلبها تهدر صاخبة يكاد طنينها يصم أذنيها. تهدج صوته قائلاً بنبرة مفعمة بالصدق والشوق: "لسه زي ما انتي يا بيرى جميلة ورقيقة زي الوردة اللي الواحد لازم يتعامل معاها بحرص ويعاملها معاملة خاصة علشان تفضل زي ماهي ومتدبلش"

أدنى بوجهه منها وأغمض عينيه مستنشقاً رائحتها ليملأ رئتيه منها، وأنامله تعيد ترتيب أطراف شعرها على كتفها وقريبًا من عنقها، فاتنة بكل للكلمة من معنى ومدلول، بل أن من يراها سيحسده على امتلاكه فاتنة مثلها، يكفي رقتها وعذوبتها ونعومتها بأن تجعل القلوب تخضع لعشقها دون إرادة، فإن كان حتى الآن نجح في إيهامها بأنها لم تعد تشكل له فارقاً، إلا أن من دواخله ومن مكنون قلبه ربما صار صبًا هائمًا بعشقها أكثر من ذي قبل خاصة بعدما حملت اسمه وصارت له زوجة.

أحاطت وجهه بين كفيها الناعمين ووزعت عطاياها السخية على صفحة وجهه وهي تقول بجنون العاشقين: "أنا بحبك بحبك أوي يا عبد الرحمن، قول أنك أنت كمان لسه بتحبني، مش عايزة أفضل الباقي من عمري وأنا مستنياك ترجعلي زي زمان يا حبيبي، سيبك من اللي فات وخلينا نفكر في اللي جاي"

كأن بإتيانها على ذكر صفة الماضي، جعلته يعود لما كان عليه، في يده التي كانت لمساتها حانية رقيقة، تخاصمت فيما بينهما وأعادها إلى جواره، بل أنه ترك مكانه الدافئ لتجتاحه البرودة وتصب بأطرافها، ولكن لم يكن لديها وقتًا كافيًا لإبداء مبررات رفضها لإقدامه وإحجامه التي يتبعها معها، إذ سمعا صوت جرس الباب وما أن خرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه، سمعت صوت ذلك الرجل الذي يمتلك المتجر التجاري بأحد البنايات المجاورة والذي تربطه بزوجها صداقة قديمة مثلما علمت منذ أن رأته في المرة الأولى التي جاء بها لهنا زائراً لهما ومهنئًا لهما بزواجهما.

أرتدت ثيابها وخرجت مرحبة بقدومه وقالت بابتسامة عفوية: "أهلاً وسهلاً بحضرتك نورتنا" رد الرجل قائلاً بابتسامة عريضة: "دا نورك يا مدام بيرى، آسف لو كنت جيت في وقت مش مناسب" ربت عبد الرحمن على ساق الرجل وهو يقول بود ظاهر: "دا بيت أخوك تنور في أي وقت"

لم تحاول بيرى التكلف أو أن تتصنع البهجة، إذ لم يكن لديها ما يبهج النفس بتلك اللحظة خاصة أن مجيئه أفسد عليها فرصة كانت تتحينها منذ وقت طويل، فأعتذرت بلباقة عن الجلسة وذهبت لغرفتها وفكرت في أن تتحدث مع حياء عبر الهاتف، فهاتفتها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، ثوان ووجدت وجه حياء يطالعها على شاشة الهاتف، وملامحها الضجرة لا تختلف كثيرًا عن ملامحها المستاءة. "مالك ضاربة بوزك شبرين ليه كده انتي كمان"

قالتها بيرى بتساؤل وهي عاقدة حاجبيها، لكونها ترى حياء جالسة أمام البحر بذلك الوقت المتأخر. أجابتها حياء بعدما أطلقت تنهيدة قوية: "مفيش دا العادي يا أختي، المهم قوليلي أخبارك إيه" قالت بيرى بتبرم واستياء: "متختلفش كتير عن أخبارك واللي باينة على وشك من غير ما أسأل"

سواء شاءتا بذلك أم أبتا، فكلتاهما بحاجة للإفضاء بمكنون قلبها للآخر، لعل كل منهما تقدم للآخر عبارة أو جملة تسري بها عنها، حيلة متبعة بينهما منذ مقابلتهما في المرة الأولى، وبعد اكتفاؤهما من الحديث حول أزواجهما، أغلقت حياء الهاتف ووضعته بجوارها وهي جالسة على الرمال أمام البحر بذلك الشاطئ الخاص خلف القصر، فتلك الرقعة الجالسة بها هي بذاتها التي جلسا على رمالها بتلك الليلة التي قضها سويًا هنا وجلب لها ثوب السباحة الذي مازال موجودًا بداخل المقصورة على الشاطئ.

سمعت صوتًا يناديها ولكن تلك المرة، كانت إحدى الخادمات، التي جاء لتخبرها بأن زوجها قد عاد للمنزل وهو الآن في غرفة المعيشة، نظرت إليها حياء قائلة بصوت خافت: "روحي انتي وأنا جاية وراكي" ها هو قد عاد، ولكن لم يأتي هو سعيًا وراءها ليبحث عنها، بل كلف إحدى الخادمات بإخبارها بأنه قد عاد.

خمسة أيام وهي لم ترى له وجه ولم تسمع له صوت سوى تلك المكالمة القصيرة والتي أخبرها فيها أنه سافر للقاهرة من أجل إجراء جراحة عاجلة لأحد رجال السياسة البارزين، ظنت بوقتها أن إسراعها في إنهاء المكالمة الهاتفية سيمنحها الراحة من ذلك الداء الذي برح بقلبها وجسدها وعز عليها الدواء، فكم كانت تتوق للفرار من ذلك الأسر المسمى بالحب. فهل هذا حبًا الذي سلبها حريتها وأفقدها إرادتها؟

هذا الداء المزمن الذي لا شفاء لها منه بل يتركها عاجزة كطفلة صغيرة تشتاق للعب بالنار من وقت لآخر رغم التحذيرات المتوالية عليها من عقلها، تحس أنها مشدودة إليه بقوة خفية لا قبل لها على التخلص منها، كأنها واقعة تحت تأثير منوم مغناطيسي، يأتمر بأمره ويتحرك بإرادته، تحبه حبًا جنونيًا، ملك عليها نفسها، واستولى على مشاعرها، حبًا عاتيًا يجرف في سبيله كل ذنب اقترفه بحقها ويغفر كل ذلة وسيئة، إلا أنها بتلك اللحظة قررت إلقاء كل ما

اعتراها جانباً ولن تفكر في العودة إلى القصر لترحب بعودة زوجها الغائب، بل ستظل جالسة بمكانها حتى يصيبها السأم وتعود هي بملء إرادتها وليس كواجب مقدس عليها بالعودة، لتجعل زوجها يشعر بالبهجة من أنه ترك زوجة كانت تستميت في رؤية ظله وعودته وأن تجعل ليلته أكثر دفئًا وحميمية، فإلى متى ستظل دميته الراقصة على أنغام ذلك الفلوت الموضوع بين أصابعه وطرفه بين شفتيه الآمرة إياه بإصدار الألحان التي تناسب أهواءه.

ضمت طرف وشاحها الخفيف حول كتفيها بعد أن هبت تلك النسمات الباردة القادمة مع الأمواج العاتية، التي راح زبدها يضرب تلك الصخور، ويغرقها حتى يظن الرائي أنها لن تعود صلبة بل سيفيتها الموج من كثرة لطماته لها، ولكن اجتاحها دفء آخر تمثل بذراعين قويتين طوقتها بتملك، فارعدت أوصالها واستدارت برأسها وجدته جالسًا خلفها. قطبت جبينها كونها لم تسمع صوت خطواته ولم تشعر به إلا بعدما صار ملاصقًا لها، فتساءلت بدهشة طفيفة: "أنت جيت امتى؟

أنا محسيتش بيك" دفن وجهه بعنقها مغمغمًا: "جيت دلوقتي، ومعلش إن كنت اتأخرت عليكي كام يوم على ما رجعت، بس جايز كنتي بتفكري أو مشغولة بحاجة علشان كده محسيتيش بيا، وابقى سعيد الحظ لو كنتي بتفكري فيا، وحشتيني يا روحي"

لم يكن بحاجة لأن يكون سعيد الحظ، فالحق يقال أنها لا تفكر في أحد سواه، ملك عليها لبها وخلبها عقلها وجعل أفكارها تدور بفلكه هو وحده، وقبل أن تبدي اعتراضًا، كان واقفًا مشدود القامة ومن ثم انحنى إليها حاملًا إياها بين ذراعيه واتجه بها إلى تلك المقصورة التي شهدت إحدى لياليهما الزاخرة بالعشق، ولكن ما كادت تمر ثلاث دقائق، حتى حلت وثاقه عنها وتملكت منها حرارة الرفض له ولتلك المشاعر التي يثيرها بها، وحاولت البحث عن أي موضوع آخر حتى وإن كان تافهًا لتغلق الباب أمام ذاك الشوق والحنين المتبادل بينهما.

نفضت ذراعيه عنها بجفاء واعتدلت جالسة بالفراش وتساءلت بامتعاض: "راسل أنت كنت حاطط إيه في الشاي، لأن اللي حصل بينا مش معقول أكون كنت في وعيي علشان يحصل، أكيد أنت كنت حاطط فيه حاجة، أنا مستحيل أعمل كده بمزاجي" اعتدل جالسًا هو الآخر ومسح وجهه بكفيه، لعله يفهم ويعلم مغزى ومدلول حديثها، الذي يحمل طابع الإهانة له، فرمقها بنظرة مطولة ومن ثم سألها: "انتي مكسوفة من اللي حصل بينا يا حياء؟

مكسوفة أنك بينتي حقيقة مشاعرك ناحيتي وأنك لسه بتحبيني وبتشتاقيلى زي زمان" "دا أي كلام أنا لو كنت في وعيي مكنتش عملت كده" غمغمت بعبارتها محاولة إضفاء طابع التبرم والاستياء عليها، حتى أنها أكملت بقسوة لم يوخزها عليها الندم: "الراجل اللي يحاول يخلي مراته تخضعله بأي طريقة من دول وتبقى مجبرة أنها تتقبله، يبقى معندوش الشجاعة أنه يواجهها وبيستخبى ورا تصرفات سخيفة، بيحاول يثبت بيها أنه راجل"

جردته من كل ذرة صبر حاول بها قمع غضبه، فهي الأدرى بمدى اعتزازه المميت في الحفاظ على عدم المساس أو الانتقاص من رجولته، فليس هو من يهوى خضوع الطرف الآخر له دون إرادته، ولا هو بحاجة لتلك الأمور لأن يأخذ منها حقوق الزوج، فلو كان الأمر يتم بالإجبار، لكان أخضعها له دون جهد يذكر، ولكنه ليس ذلك الرجل الذي يستمتع بدموع أو قهر زوجته، بل دائمًا ما يحب أن يكون الوصال بينهما متكافئًا دون الحاجة له بأن يجعلها خانعة ذلك الخنوع المنفر.

ثار كبرياؤه ووخزته كرامته، كأنه تقابل مع أحد بميدان القتال، ولن يجد طريقه يرد بها الهجوم الواقع عليه سوى أن يحاول إثبات أنه حقًا سيئًا كمعتقدها به، فقبض على ذراعيها وغرز أصابعه بلحمها قائلاً من بين أسنانه بعدما أظلمت عيناه: "هو وصل بيكي الحال تفكري فيا أنا بالشكل ده يا حياء، طب أنا هوريكي إذا كنت أقدر أخليكي تعملي اللي أنا عايزه وأنتي في وعيك أو لأ"

وصال بود مهين لم تحسن قطع أوصاله قبل أن تتغلغل يداه بين خصيلاتها يشد عليهم بكفيه الغاضبين، وأنفاس كادت تحرق جلدها معلنة أن القادم أسوأ ما يمكن أن تحصل عليه بعد أن أثارته بقولها ونعتها له بالوقاحة وافتقاره لإخضاعها له باللين ولجوئه لحيل مشينة بأن يجعلها تفقد سيطرتها على أشواقها التي انفلت عقالها.

ولكنه ما عاد قادرًا على أن يكمل ما بدأه، إذ علم أن محاولته تلك ستقضي على ذلك الخيط الدقيق الذي مازال يربطه بها، فنزع نفسه عنها وحدقت في وجهه بقسوة قائلة بدون أن تتروى بحديثها:

"هو ده آخرك يا راسل أنك تحاول تفرض نفسك عليا بالقوة، فاكر أن كده ممكن أخضعلك علشان تعرف أنك أناني مبتفكرش إلا في نفسك بس وأنا ومشاعرى ملناش أي أهمية عندك، وصلت إن أنا بالرغم من أن مضايقة من وجود ساندرا أحسدها هي وابنها علشان أنت فضلت معاهم السنتين اللي فاتوا ومهتم بيهم، خليتني أقول ياريتني كنت مكانها" بلغ به الغضب منتهاه، فصاح بها دون أن يعي ما يقوله:

"وأنا متمناش أنك تكوني مكانها ولا تشوفي اللي شافته، ساندرا اللي انتي شايفاها دي، جوزها اتقتل قدام عينيها، وعايشة في رعب وخوف إن ابنها يتخد منها وتتحرم منه باقي عمرها" كف عن الحديث، ريثما يبتلع تلك الغصة الناتجة عن تجمع العبرات في عينيه، ولكن ما لبث أن استطرد قائلاً بنبرة مغلفة بالحزن العميق، كأنه يجد مشقة في أن يتفوه بتلك الكلمات:

"آه أنا أناني يا حياء، بدليل أن جيت في وقت من الأوقات فكرت إن أحرمك من حريتك وإن أطلقك علشان تقدري تتجوزي حد تاني وتخلفي الأطفال اللي نفسك فيهم، لأن أنا وأنتي للأسف مفيش بينا التوافق البيولوجي اللي مفروض يبقى موجود علشان نقدر نخلف، واللي الدكاترة بيقولوا عليه "عدم توافق كيمياء الجسم" و على الرغم من إن احنا الاتنين معندناش أي حاجة تمنع الإنجاب، بس حظنا إن وجودنا مع بعض ميحصلش حمل، يعني مش هتقدري تكوني أم ولا أنك تخلفي مني، ولا إن يكون عندنا ساجد زي ما كنتي بتحلمي وبتتمني"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...