الفصل 22 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
18
كلمة
10,454
وقت القراءة
53 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

لم يكسر حاجز الصمت القائم بينهما سوى أصوات أمواج البحر القادمة من خارج المقصورة، ونسمات الهواء القوية التي أضحت تصفع الستائر عتاباً لها على ترك النوافذ مفتوحة على مصراعيها.

لتشهد السماء بالخارج على دمعات تلك الزوجة الجالسة على طرف الفراش وهي تحرك رأسها رفضاً لما ألقاه زوجها على مسامعها. في حين أنه جلس على المقعد قبالة الفراش وهو مطرق برأسه يضعها بين يديه، كمن ذاق هزيمة منكرة ويعيد ترتيب أفكاره لكى ينسحب من أرض المعركة الملوثة بنشيج ودموع وآهات مزقت الفؤاد، اعتراضاً على ما آلت إليه الأمور.

أغرورقت عيناه بتلك الدمعات التي أبى أن تذرف إلا بوقت عصيب كهذا. أليس هناك ما هو أصعب وأقسى من ذلك الوقت؟ فها هو صار أمامها ككتاب مفتوح، لن يعود ويرهقها بقراءة طلاسمه، ولن يجديه نفعاً أن يرجئ إنكشاف الحقائق أكثر من ذلك، فهزيمته قد باتت واقعاً. حتى وإن لم يسمع منها بعد رداً ولا إجابة على ما تفوه به، فجل ما فعلته أن قدميها تراختا وجلست على حافة الفراش تبكي بصدمة شلت أطرافها ومنعت عليها القدرة على الكلام.

–أنت بتقول إيه يا راسل؟ أنت بتهزر معايا، ولا بتحاول تكدب عليا علشان تبرر غيابك السنتين اللي فاتوا؟

تلك هي الأسئلة التي تفوهت بها ما أن رفعت إليه عينيها الذابلتان أخيراً. ولكي تضمن أن يكف جسدها عن الارتجاف، قبضت بيدها على ملأة السرير، كمن تستمد منها قوة واهية لعلها تساهم في التخفيف من حدة وطأة ذلك الشعور الذي سحق قلبها. أزدردت لعابها لعلها تفلح في أن تزيح تلك الغصة التي علقت بحلقها وجعلتها تشعر بطعم مر كمن تناولت شيئاً لاذعاً وعلاقت مرارته بجوفها وسيستلزمها وقتاً في أن تتخلص منه.

أزاح راسل يديه عن جانبي رأسه وحدق بها بهدوء. رغم أن دموعه التي ملأت مقلتيه جعلت رؤيته لها مشوشة بعض الشيء، إلا أنه قال بعدما أطلق نفساً عميقاً حاراً: –يعني تفتكري إن علشان أبرر غيابي، أقول إن أنا ولا أنتي مش هينفع نخلف مع بعض؟

أنا هحكيلك كل حاجة يا حياء، بس أوعديني إنك تفكري كويس ومتنفعليش برد فعلك أو تأخذي قرارك بسرعة. فكري في نفسك وحياتك، لأن أنا فعلاً زي ما أنتي قلتي أناني. جه عليا الوقت اللي حاولت أتجاهل فيه الحقيقة من غير ما أعمل حساب لأي حاجة غير إن بحبك. الحب عماني وهو برضه اللي خلاني بعدت، لأن مكنتش حابب أأذيكي زيادة. أنتي من ساعة ما عرفتي إنك مش بنت عرفان الطيب، وأنتي في حاجة جواكي اتكسرت وجيت أنا كملت وجعك وكسرتك.

أنا مكنش لازم من البداية أدخلك العالم بتاعي اللي تقريباً مفيش فيه حاجة حلوة غير وجود سجود بنتي. عالم كله وجع وألم وعلاقات مكسورة ومتحطمة. عالم لسه فيه الطفل الصغير اللي كان بيجري ورا أمه وشافها وقعت غرقانة في دمها، واللي فيه ابن عاش يتيم وأبوه على وش الدنيا.

أنتي عارفة حتى اللي بيعمله رياض النعماني دلوقتي وبيحاول يصلح بيه اللي كان زمان، مش هقولك إنه هيقدر ينسيني اللي حصل. للأسف جه بعد ما كل حاجة حلوة جوايا اتكسرت. حس بغلطه بس كان الوقت اتأخر، لأن خلاص ارجع الزمن لورا إزاي وأنسى اللي حصلي مني إزاي. متفتكريش إن كان سهل عليا، أشوف راجل تاني هو اللي بيحاول يكون أبويا، واحد مش من لحمه ودمه، بس اداني اللي مقدرش يدهولي رياض النعماني بكل سلطته ونفوذه.

كف عن الحديث وضغط على عيناه لشعوره بإحراق الدموع لأجفانه، ومن ثم عاد مستطرداً:

–وأنا تقريباً عملت زيه، وجعتك وبعدت. خليتك سنتين عايشة في عذاب وحتى لما رجعت كل اللي عملته إن زودت وجعك زيادة. عشان كده متسامحيش يا حياء، واعملي اللي يريحك ويخليكي تحسي إنك أخذتي حقك مني. وأنا هحكيلك أسبابي من وجهة نظري وأنا بشر مش ملاك وفيا سيئات كل الناس وحسناتهم. ومش هطلب منك إنك تسامحي، لأن مش هبقى أناني. ولا أحاول أفرض نفسي عليكي بأي شكل من الأشكال تاني. أنا اتعودت إن كل حاجة حلوة في حياتي بتنتهي بسرعة وبرجع للوجع والألم. ورغم إن وجعي بضياعك مني هيبقى كبير، إلا إن دي لا هتبقى أول ولا آخر مرة أعيش في وجع وعذاب.

عدلت من وضعية جلوسها، بحيث كان كل منهما جالساً أمام الآخر، كإثنين على وشك البدء في لعب الشطرنج، لا يفصلهما سوى منضدة صغيرة. ولكن الفارق الوحيد أن بيادق لعبتهما هي الحقائق التي سيتفوه بها. وما عليها هي سوى أن تضع تلك الحقائق في نصابها الصحيح. أسند راسل ظهره لمقعده، بينما أعاد رأسه للخلف مستنداً لحافة المقعد، وأغمض عينيه وعاد قائلاً برنة صوت متعبة لأقصى الحدود:

–طبعاً أنا عارف أنتي بتحبي الأطفال قد إيه ونفسك وحلمك إن يكون عندك إبن مني وتسميه ساجد. وإزاي أنتي بتحبي سجود بنتي. –سجود بنتنا يا راسل، أي نعم مش أنا اللي حملت فيها وخلفتها، بس من ساعة ما حبيتك وأتجوزتك وأنا بعتبرها بنتي كأنها من لحمي ودمي. رد قائلاً وهو يزفر بإرهاق: –عارف إنك مش هتسهلي عليا الموضوع يا حياء، بس سبيني أكمل كلامي. وأنا عمري ما أتمنيت لبنتي أم غيرك أنتي. وسجود عمرها ما هتلاقي أم تحبها وتخاف عليها زيك.

أسدلت جفنيها وراحت تفرك يديها بتوتر، كمن شعرت بسخف لمقاطعتها حديثه لترسيخ حقيقة هو من وضع أولى دعائمها ومؤمن بها أشد الإيمان والصدق. فتجولت عيناه على محياها الرقيق ومن ثم عاد ليتابع سرده لما تبقى لديه من حديث وحقائق:

–من بعد ما عدا علينا أول شهر في جوازنا، بدأت ألاقي اختبارات الحمل بتاعتك في الحمام، وكنت بلاقيكي راميها في الزبالة بعد ما بتظهر النتيجة سلبية. عرفت إنك كل شهر تقريباً بتجيبي اختبار حمل لأن نفسك تكوني حامل وتخلفي بيبي، ومنتظرة ده يحصل بفارغ الصبر. مع إن مكنش فات على جوازنا كتير، وكنت دايماً بشوف في عينيكي الإحباط لما تعرفي إن محصلش حمل وكنتي بتحاولي تداري ده كله ورا ابتسامتك، وتفضلي مستنية الشهر اللي بعده علشان تجربى

تاني وتعملي اختبار حمل. كان نفسي أقولك بلاش توتري نفسك كل شهر وبطلي تفكري كتير في موضوع الخلفة، بس خفت تفتكري إن بقول كده علشان مش عايز إن إحنا نخلف، أو علشان أنا عندي بنت فمش مستعجل يكون عندنا أطفال. بس كنت بقول دي مسألة وقت، وفي يوم من الأيام هيتحقق حلمك.

ولما سبتيني وأنا مكنتش عارف ليه ورجعتي بيت النعماني بعد ما طلبتك في بيت الطاعة، دخلت أوضتك مرة لقيت تقارير وفحوصات وتحاليل أنتي عملتيها علشان تتأكدي إنك تقدري تخلفي وكنتي مخبية عليا الموضوع ده. فأنا مرضتش أفتحك فيه وفرحت إنك أطمنتي إن كل أمورك تمام ومعندكيش مشكلة في إنك تحملي وتخلفي زي ما كنتي متوترة كده من يوم فرحنا واللي حصل فيه. أنا كنت حاسس باللي بتفكري فيه، فروحت للدكتورة اللي أنتي رحتي لها وقولتلها إن أنا جوزك وخلتها تحكيلي عن حالتك بالظبط.

فقالتلي إن التحاليل والفحوصات الأولية تمام ومفيش مشكلة، بس هي كانت طلبت منك إن أنا أعمل تحاليل لأن جايز تكون المشكلة عندي أنا. فعملت التحاليل وطلبت منها تبلغك تيجي علشان تعملك فحص شامل بس من غير ما تقولك إن أنا روحتلها، لأن في الوقت ده كانت لسه المشاكل بينا. ولما روحتي وعملتلك اللازم وشافت التحاليل بتاعتك وبتاعتي، قالتلي على موضوع "عدم التوافق البيولوجي". فطلبت منها متقولكيش لحد ما أتأكد تاني من الموضوع.

كف عن الحديث ودلك وجنته بتوتر، كأن ما سيقوله سيكون أكثر مرارة مما سبق له سرده. فضغط بأنامله على عيناه لشعوره بتجمع الدموع من جديد في مقلتيه وتابع حديثه قائلاً بغصة مريرة:

–كان لسه عندي أمل إن يكون في غلط في التقارير والفحوصات. وديت التقارير لكذا دكتور هنا في إسكندرية وكان رأيهم نفس رأي الدكتورة بتاعتك. ففكرت وقررت إن أسافر لندن علشان أتأكد من الموضوع أكتر. لو تفتكري اليوم اللي قضيناه على الشط ويومها قولتلك إن مسافر عندي مؤتمر طبي، وسافرت وللأسف النتيجة طلعت واحدة وزي اللي كانت هنا في إسكندرية. بس في دكتور هناك قال لي إن في احتمال وأمل ضعيف للحمل وممكن يحصل بس ما يكملش.

ومكنش حد نفسيته هتتأثر بالمحاولات دي غيرك أنتي، لما تشوفي حلمك وبعد كده تتحرمي منه. بس أنا كدكتور مؤمن إن كل حاجة بإيد ربنا وإن لازم يبقى عندي أمل. رجعت إسكندرية وكنت مقرر أقولك على كل حاجة، بس أول ما رجعت مش عارف إيه اللي خلاني سكت زي ما يكون لساني اتربط إن أقولك على اللي حصل. ويوم ما رجعت بالليل جاتلك المكالمة إن بنت عمك بيرى تعبانة وإنك هتروحي بيت أهلك عشانها. وأنا طلبت منك إن أروح معاكي.

ولما روحت هناك وعرفت إن ديفيد أخوكي سبب المصايب اللي حصلتلي وإن هو وعمك السبب في اللي جرالنا وكمان سمعت كلامهم عنك وعن اللي عايزين يعملوه في بنتي، عقلي ساعتها زي ما يكون وقف ومبقتش أفكر في حاجة غير إن أبعد عنك وأسيب إسكندرية وأختفي. كانت أعصابي مضغوطة وحسيت إن حياتي بتتهدم أكتر. ومتفتكريش إن صدقت كلامهم عنك، أنا كان نفسي فعلاً أصدق إنك رجعتي ليا عشان تنتقمي مني.

رفعت وجهها إليه وألمته نظرتها، بأنه كيف له أن يصدق كل ما تم افتراؤه بحقها. إلا أنه عاد مستطرداً:

–صدقيني يا حياء كنت بدور على أي حجة علشان أبعد. جايز تكرهيني لأن مكنتش أقدر أخليكي عايشة معايا وتبقى محرومة من الحاجة الوحيدة اللي بتتمنيها. كنت عارف ومتأكد من إن لو كنت قولتلك على الحقيقة وخيرتك بأنك تفضلي معايا على الأمل الضعيف ولا إن ننفصل كنتي هتختاريني، وتضيع سنين عمرك وأنتي مستنية حاجة ممكن متحصلش وأبقى بدل ما ظلمتك مرة أبقى ظلمتك ألف مرة من إن أحرمك من مشاعر الأمومة اللي بتتمنيها كل زوجة. أنتي قلبك كبير وكله

حب يكفي العالم ده كله، وكنت حاسس قد إيه إنك مشتاقة إن يكون عندك ابن أو بنت. ولسه فاكر لما قولتلي مرة إنك عايزة تخلفي ولدين وبنت ويكون أول ولد اسمه ساجد علشان يبقى عندنا سجود وساجد وكمان تسمي ساجدة. وأن عيزاهم كلهم أساميهم تبدأ بحرف السين. لسه فاكر كل حلم حلمتيه وكل أمنية كنتي عايشة عليها. بس مش دايماً بناخد اللي بنتمناه.

المهم حاولت أقنع نفسي وماما إن أنا سبتك بسبب اللي عرفته عنك، حتى ماما متعرفش أي حاجة عن الحقيقة. وقولت أسيبها كده علشان تفتكر هي كمان إن بعتك وخلاص مبقتش حابب أرجع ليكي تاني، مع إن عشت السنتين أتعذب وقلبي بيتقطع على فراقنا. وكل ما أحس إن قلبي حن ليكي وعايز أرجعلك، أمنع نفسي بأعجوبة وأقول إن كده أحسن لو طال الفراق بينا ورجعت تكوني فعلاً كرهتيني، وننفصل وساعتها تفكري تبدأي حياتك مع حد تاني حد فعلاً يقدرك ويعيشك في أمان واستقرار ويحققلك أمنيتك اللي مش هتقدري تحقيقها معايا.

مكنتش عايز أشوفك نسخة تانية من ماما وفاء، هي كمان فضلت عايشة على حلم إن يكون عندها أولاد بس ربنا ما أرادش. وصدقيني برغم حبها الكبير ليا ولسجود إلا إنها كانت دايماً تقولي إن كان نفسها تخلف من جوزها ويبقى ليها ذكرى حية منه مش شوية صور. تعرفي إنها لحد دلوقتي محتفظة بهدوم بيبي لبنت، لأن كان نفسها يكون عندها بنت وعلشان كده كانت متعلقة بأشجان وولاء. ومهما كانت الست بتحب كل الأطفال، إلا إن حبها لطفلها بيبقى حاجة تانية.

أنسكبت دموعها بصمت على وجنتيها اللتان خلتا منهما الحياة وبدا شاحبتان كأنها تعاني التعب والإرهاق منذ وقت طويل. حتى وإن كان بنيتها أن تعاتبه وتأنبه على تفكيره الأخرق بتركها، فأحبالها الصوتية كأنها أصابها الضمور ولن يعود بإمكانها أن تحمل إليه حديثها المعاتب له. فأكتفت بالتحديق في وجهه لعله يستطيع قراءة تعبيرات وجهها ويعلم ما تريد قوله.

ولكن عيناه الزائغتان والمحملقتان بكل ما يحيط به من أثاث وجدران عدا وجهها، أبت أن تمعن النظر بها حتى لا يفقد آخر ذرة من شجاعته في إكمال حديثه. فلو انهار ثباته ستجده راكعاً أمامها باكياً شاكياً ظلم الظروف لقصة عشقهما، التي لم يكتب لهما أن ينعما بها حق كل العاشقين. دلك راسل جبهته مغمغماً:

–وبالنسبة لحكاية ساندرا وابنها، فأنا هحكيلك الحكاية كلها. في كندا أنا اشتريت بيت وبالصدفة كانت ساندرا مأجرة البيت ده قبل ما أشتريه. وفي يوم دخلت البيت زي الحرامية واتخانقنا بس عرفت ليه هي جت، عشان تاخد فلوس كانت سيباها. ومن يوم ما قبلتها كنت كل ما أشوفها أضايق لأنها كانت بتفكرني باللي عملته فيكي مش عارف ليه. حاولت أتجنبها كتير، بس هي كانت عنيدة أوي، وكانت بتشتغل في مطعم.

في شاب دكتور كان شغال معايا في المستشفى، كان مرة موجود عندي وشافها أعجب بيها وهي كمان. كان شاب من أصل عربي بس عائلته عايشة في فرنسا ووالده كان راجل غني وصاحب نفوذ. وهو سابهم عشان مكنش حابب شغل البيزنس وحابب الطب أكتر. طبعاً والده رفض جوازهم عشان هي شغالة جرسونة في مطعم، بس اتجوزوا بالرغم من رفضه. بعد شهر من جوازهم، أخدها وسافر فرنسا عشان تتعرف على أهله ويشفوها. بس للأسف متقبلوهاش.

وفي يوم كانوا خارجين طلع عليهم 3 رجالة زي قطاع الطرق بسلاح. طمعوا فيها بس جوزها وهو بيدافع عنها ضربوه بالنار وللأسف مات. ساندرا جالها صدمة وبعد موته اكتشفت إنها حامل. فلم باباه عرف إن هيبقى عنده حفيد، قالها إنه مش هيسبهولها وإن لما تولد هياخده. رجعت على كندا هربانة منه، بس هو قدر يوصلها بكل سهولة. فضل لحد ما ولدت يهددها بأخذ الطفل. فهي رفعت قضية عشان ميقدرش ياخده منها، ولسه القضية دي شغالة بينهم. هي من صدمتها من يوم الحادثة بيجيلها حالة زي الصرع، وكمان خوفها من إن ابنها تتحرم منه مخليها عايشة يومها كله خوف.

فرك يديه بقوة ومن ثم اعصر أنامله، كأن ما سيذكره هو الجزء الأكثر مرارة بقصة ساندرا:

–خليت ماما وسجود يقعدوا معاها في بيتها وأنا كنت بروح أطمن عليهم لأن بيتها كان قريب من بيتي. فضل الحال لحد ما ولدت ابنها. هو مش اسمه الحقيقي ساجد بس أنا قولتلها هناديله بالإسم ده وإنه هيكون فعلاً إبني، وهساعدها. مرت الشهور وبالرغم من كده ساندرا حالتها النفسية كانت بتسوء زيادة بقى يجيلها تشنجات وبتترعش وبتجيلها حالات عصبية بتتعالج بحقن المهدئات.

بين الفينة والأخرى يصمت محاولاً التقاط أنفاسه، ليستمد منها القوة والشجاعة لإكمال سرد القصة بأكملها، دون الإخفاق في أن يغفل عن ذكر أي تفصيلة:

–وقبل ما أرجع هنا بحوالي شهر حاولت تنتحر بس أنقذتها وأخدتها هي وابنها يعيشوا معانا في بيتي. خليت ابنها في أوضة سجود وهي قعدت مع ماما في أوضتها، وأنا كنت طول النهار في المستشفى. وعرفت حكايتي وإن أنا متجوز. كنت بحاول أساعدها إنها هتدفع مصاريف المحامي في قضية ابنها لأن هي ملهاش أهل. فكرت إن أجيبها معايا هي وابنها وأمثل إنهم مراتي وابني عشان فعلاً تكرهيني وتطلبي مني الطلاق وقولت خلاص لازم نسيب بعض. بس مقدرتش يا حياء.

مجرد التفكير في إنك تكوني لحد غيري ده جنني وخصوصاً لما ظهر آدم ده كمان. فرجعت في كلامي. وأنا مصمم المرة دي إن لازم مضيعش مني. عشان كده طلبت منك مهلة، عشان أعرف إذا كان في أمل ولا لأ، أو أن يحصل حمل بأقل تأثيرات نفسية عليكي، لأن مش حابب إنك تتوجعي زيادة. بس كل حاجة انكشفت خلاص وأنتي عرفتي أهو كل حاجة. وبالمناسبة أنا وساندرا كنا بنتعالج عند دكتور نفسي واحد، يبقى واحد صاحبي. وكده أبقى قولتلك على كل حاجة بيني وبين ساندرا

أو أسبابي الحقيقية اللي خلتني أسيبك وأبعد عنك وأسافر.

قطبت حياء جبينها بعد سماع حديثه، فهي لم تضع في بالها يوماً أن يرتاد عيادة طبيب نفسي. فقالت بدهشة: –أنت بتتعالج نفسي يا راسل؟ هز رأسه وأجابها بعدما أطلق تنهيدة قوية وابتسم ساخراً من حاله: –أنتي عايزاني بعد كل اللي حصلي ده ومتعالجش نفسي؟ ده كويس إن متجننتش وفقدت عقلي يا حياء. شد على كفيه ومن ثم استأنف حديثه قائلاً بهدوء، حاول زرعه بنفسه الثائرة والساخطة على تلك الظروف التي ألقته بين فكي اليأس:

–كده أنا قولتلك على كل حاجة وعرفتي كل اللي كنت مخبيه عليكي. بس عايزك يا حياء قبل ما تقولي أي كلمة أو يصدر منك رد فعل فكري كويس أرجوكي. عن أي رد فعل يتحدث؟

فمنذ سماعها بما قصه عليها، وهي تريد البكاء والصراخ لعله يكف عن زيادة كلمة واحدة. فأي حقيقة تلك أخبرها إياها ستجعل عواطفها تجاهه تتبدل أو أن يحل محلها عواطف ومشاعر أخرى. فمن نصبه حاكماً لها وعلى قلبها، أعشقه لها هو ما جعله يفكر في تلك الحيل والأساليب التي أراد من خلالها أن يصرفها عنه. فأي أحمق أهوج هو إن ظن أنها تريد عنه بديلاً.

–أنت مكنش من حقك إنك تاخد قرارات بالنيابة عني، كان لازم تقولي وتعرفني الحقيقة وكنت سبتني أختار. انتفضتها من مقعدها أنبأته بأي سيل من المشاعر الجريحة التي تشعر بها كزوجة ستغرقه بها، وأن حديثها سيكون أشد عنفاً وقسوة محمولاً بعتاب وتأنيب على تفكيره. رفع وجه لها ومن ثم سألها بهدوء: –لو كنت خيرتك وقتها، كنتي هتختاري إيه يا حياء؟ أجابته على سؤاله بسرعة ودون تردد: –أكيد كنت هختارك أنت وسجود ودلوقتي….

نهض من مكانه وقبل أن تكمل حديثها، وضع إحدى يديه على فمها والأخرى خلف عنقها وأسند جبينه لجبينها، ولم يعد يحتمل إختزان دموعه التي أنهمرت من عينيه وهو يقول بصوت متحشرج:

–أرجوكي يا حياء فكري قبل ما تقولي اللي أنا شايفه في عينيكي. بلاش تحسسيني بإن كنت حقير أوي كده معاكي، وأنك ببساطة خلاص هتسامحي في حقك. بلاش تضحي عشان غيرك، أنا اللي بقولهالك خليكي أنانية، فكري في نفسك وحياتك وبس، بلاش تضيعي سنين عمرك هدر. أرجوكي يا حياء أرجوكي، حتى لو كنت هموت في بعدك عني بس كفاية إنك تكوني أنتي عايشة مبسوطة وتحققي أمنيتك.

ظل يردد كلمة الرجاء لها، حتى ظنت أنه لم يعد يعرف غيرها. فبكت تزامناً مع بكائه، وعلقت يداها بقميصه تقبض عليه كالقابضة على حبل نجاتها. فحتى تلك المرة، حاول حرمانها من نوبة العتاب التي كانت تختزنها له. فما أن هدأ نشيج دموعهما، سحب يده ببطء عن فمها، مع تشديده بأن تأخذ وقتها كافياً في التفكير، وأنه سينتظر قرارها سواء كان سيحيا قلبه بعده أم سيسجى بعذابه. فبكلا الحالتين ما عليه سوى الانتظار، الذي سيكون أشد حرًا من السير على جمر محترق.

وعلى الرغم مما رآه في عينيها من أنها حسمت قرارها بعدم تركه، إلا أن من داخله تمنى لو أن تعدل عن قرارها. فلمَ هي التي يتوجب عليها أن تضحي دائماً من أجله؟

لم لا تكون نهمة وطامعة بكل سعادة العالم ومباهج وزينة الدنيا من البنون، فيكفيها ما عانته منذ علمها بأنها فتاة متبناة. حتى هو جاء إليها ليلقي على كاهلها ماضيه المعذب بمشاعر مكبوتة وعلاقات محطمة. ورغم ذلك كأن بين ذراعيها سعة العالم بأكمله واحتوت قلبه وكانت له بلسم الروح. ألا تستحق أن تنال كل السعادة، وأن تتحقق أبسط أمنياتها من أن يكون لديها أبناء. وربما قدره أنه لن يكون أباً لهم، ولكن يكفي أن تحصل هي على مبتغاها. فهو قد أنعم الله عليه ووهبه ابنته، وهي تستحق تلك الفرصة، حتى يكون العدل والمساواة بينهما في الأحلام والأمنيات.

ولكي يضمن إتاحة الوقت الكافي لها بالتفكير، خرج من المقصورة وأخبرها بأن يعودا للبيت، وربما الجميع بانتظارهما الآن بغرفة الطعام أو المعيشة. فتبعته بهدوء وهي ترى تلك الهوة الفاصلة بينهما تزداد اتساعاً كلما أسرع الخطى في العودة للمنزل، كأنه يريد طي الأرض طياً. ولكن شعورها بذلك الثقل في قدميها جعلها تبطئ في خطواتها، حتى صارت المسافة بينهما تقدر ببضعة أمتار. ورغم ذلك لم يشأ أن يستدير برأسه إليها ليراها، فربما سيجد نفسه

عائداً إليها محملاً بأطماعه في أن تتخلى عن مطلبه في أن تفكر بروية وتتخذ قرارها النهائي، وأن تخبره صراحة أنها لن تتركه حتى وإن كان سيحيا معها شاعراً بالذنب. فإزدواجية مشاعره تجاهها تحيره وتعذبه. ولكن منذ متى وهو لا يشعر بالحيرة والعذاب؟

كأنه جاء لهذا العالم، ليحيا ويفنى بألمه وعذابه. فتذكر مقولة صوفيا عندما قابلته أول مرة، من أنه ملاك أسود معذب جاء للأرض بحثاً عن جنته فلم يجد سوى الجحيم في انتظاره. ***

أنخطف صوتها وهي تشهق بصوت مسموع بعدما تلقى جسدها ذلك الدلو من الماء البارد بعد إغمائها، الذي جاء كنتيجة طبيعية لما لاقته من الضرب والصفع وبعض ألوان التعذيب، التي اتبعها أعوان ذلك الرجل، الذي أمر بإحضارها. فهو كان يسعى خلفها منذ عودتها للإسكندرية، ولكن هي من ظنت نفسها تفوقه ذكاءً وبإمكانها الهرب منه.

فظل الماء يقطر من وجهها ورأسها وأطرافها وأضحت أنفاسها تزداد وتيرتها وسرعتها ما أن تملك منها الغيظ على ما تلاقيه. لم يؤثر في الحارس المكلف بمراقبتها سبابها وتلك الشتائم التي راحت تقذفه بها كوابل الرصاص، بل كل ما يفعله أن يهديها ابتسامة سمجة صفراء لم تخفِ نواياه من أنه يمعن النظر بثيابها الممزقة.

أحتدمت الرغبة في عينيه ما أن رآها كفرخ الطير الذي أصابه البلل ويبحث عما يقيه ذلك الارتجاف الذي ألم به. فشعرت ليالي بدنو الخطر منها ما أن وجدت ذلك الرجل يقترب منها ويقبض على خصيلاتها الرطبة. ولم تكن غبية حتى لا تفهم ما يرمي إليه بنظراته الجائعة. لاحت ابتسامة ماكرة على ثغرها، لكونها تظن أن ربما سيأتيها الخلاص بمحاولة إغواء ذلك الحارس، الذي لن تجد جهداً في جعله ينساق خلفها وربما يصبح طوع بنانها.

أكسبت صوتها رقة غير معتادة عن السب واللعن الذي سمت به أذنيه منذ أن رأته. فقالت بدلال أنثوي مدموغ بإرهاق: –ممكن تجيب لي أكل ومياه أصل جعانة أوي أوي. قضمت شفتها ما أن رأت أثر عبارتها عليه، إذ أسرع في حمل الطعام الذي أتى لها به ووضعه أمامها على تلك الطاولة المتهالكة شأنها شأن ذلك الأثاث القديم الموجود بالغرفة. حل وثاق يديها وأبقى على باقي جسدها موثوقاً للمقعد الجالسة عليه قائلاً بصوت غليظ: –الأكل أهو يلا كلي.

اشمأزت ليالي من سماع نبرة صوته الغليظة والخشنة والتي ربما تثير الرعب في نفوس الأطفال، إلا أنها قابلت من على شاكلته كثيراً. فلن تجد مانعاً من أن تتملقه وتنافقه، لتجعله يشعر بأنه الرجل الأوحد والوسيم على ظهر البسيطة. فأشارت إليه بالجلوس قائلة برقة متناهية: –مش هتاكل معايا، الأكل كتير ويكفينا إحنا الاتنين، أصل مبحبش آكل وحد واقف باصصلي كده.

جذب مقعد وجلس قبالتها وبدأ يتناول الطعام بشهية كبيرة، حتى ظنت أنه ربما سيبتلعها هي الأخرى، إن لم يسد ذلك الطعام رمقه وجوعه. إلا أنها تمنت لو أن يختنق بفتات الخبز، حتى تكون الفرصة سانحة أمامها للهرب من هذا المكان الشبه قذر. ولكن لن تتحقق أمنيتها إذ وجدته يتجشأ بصوت أفزعها بعدما فرغ من طعامه، حتى أنه لم يترك لها سوى لقيمات لا تغني ولا تسمن من جوع. إلا أنها ابتسمت له قائلة بنفاق:

–صحة على قلبك إن شاء الله، بس واحد زيك إيه اللي خلاه يشتغل مع اللي ميتسماش ده. قبل أن يبدأ في سرد أسبابه كأنه سيشكي همومه لصديقته المقربة وجد الباب يفتح ويلج منه سيده وهو يصيح بجماع صوته الحانق: –والله عال أوي قاعدين تاكلوا وتتسامروا، تحبوا أجبلكم إتنين لمون ولا فشار. أسندت ليالي ظهرها لمقعدها ولوت ثغرها وهي تقول ببرود محاولة منها في مضايقته: –مبحبش الليمون أصله أصفر زيك.

تقدم بخطواته منها وأشار للرجل بالخروج، وما أن أوصد الباب خلفه، راح يركل الطاولة وكل ما يقابله من أثاث. ولم يجد حاجة لبذل المزيد من الجهد ليحطمه، فالأثاث متهالك وكأنه بانتظار ركلاته العشوائية ليصير كومة من الخشب. بعدما انتهى أقترب منها وقبض على ياقة بلوزتها قائلاً بشر: –برضه مش هتقولي الألماظ فين يا ليالي؟ أنطقي أحسن ما أطلع روحك. رفعت يدها ومررت سبابتها على وجنته وأدنت برأسها من أذنه وهمست له بإصرار:

–لو عملت إيه برضه مش هقولك هو فين الألماظ، هسيبك بنارك كده وأنت مش هتقدر تقتلني لأن محدش في الدنيا دي يعرف مكانه غيري. وأنت دورت في بيتي وخطفتني وبرضه ملقتهوش فمتتعبش نفسك عشان مش هقولك. وأحسن لك تخليني أمشي من هنا. جذب شعرها بقبضة قوية، حتى كادت تشعر بأنه سيقتلعها من جذورها، فصرخت بصوت منخفض، إلا أنه لم تأخذه الشفقة عليها، بل كز على أسنانه قائلاً بنبرة كريهة:

–أنتي نسيتي نفسك يا ليالي، دا أنا اللي عملتك يا بتاعتي أنتي. فاكرة لما شوفتك أول مرة مكنش حيلتك حاجة غير الهدوم اللي عليكي. نضفتك وعملتك بني آدمة، وجوزتك راجل بيتاجر في الألماس وبييلعب بالفلوس لعب. وفي الآخر تطلعي ناكرة للجميل. ضحكت ليالي بصوت عالٍ، كأنه ألقى عليها مزحة أو دعابة، فسمعها تقول باستهزاء:

–متحسسنيش إنك راجل شريف أوي كده وفاعل خير، ما شبكة الدعارة اللي أنت بتديرها بيا أنا واللي زيي هي اللي مخلياك واحد بيه وعليه القيمة. ثم الألماس ده حقي مش ورثي من جوزي. صفعها على وجهها حتى انبثقت الدماء من فمها، فهدر بصوت عالٍ:

–ورثك من جوزك يا بنت النصابة، ما حال أنك أنتي اللي مموتيه بأدوية القلب اللي كان بياخدها. أنتي مفكرة إني صدقت إنك بريئة وإن هو مات بطريقة طبيعية. عيب عليكي يا ليالي، دا أنا اللي راسم لك الخطة من أولها لآخرها. متجيش تضحكي على بابا يا شاطرة. ودلوقتي قوللي خبّيتي الألماظ فين. مسحت الدماء التي سالت على شفتيها وردت قائلة ببرود: –برضه مش هقولك، حتى لو قطعتني حتت. استقام بوقفته واضعاً يديه بجيب بنطاله، ومن ثم قال بدهاء ومكر:

–يعني مش هتقولي حتى لو قولتلك إن حبيب القلب عمران الزناتي كان في المستشفى بعد رجالي ما ضربوه رصاصتين، لأن هو كمان دماغه ناشفة ومش عايز يقولي الألماظ فين، لأن متأكد إنك قولتي له على مكانه.

اختفت الدماء من وجهها وتركها شاحبة باردة أقرب للموتى، وارتجفت شفتيها وهي تتمتم باسم عمران وعيناها جاحظتان وهي تحلق بوجه ذلك الرجل، الذي يقف على بعد عدة خطوات منها، ليأمن عدم صدور رد فعل سيعاني هو من آثاره، خاصة أن يداها غير موثوقتان. فصرخت به وهي تحاول فك تلك الحبال الملتفة حول باقي جسدها: –أنت عملت فيه إيه، وهو عامل إيه دلوقتي؟ أنطق، لو جراله حاجة هشرب من دمك أنت فاهم؟

كله إلا عمران يا ابن الكلب، هو ميعرفش حاجة عن موضوع الألماظ وملوش دعوة بأي حاجة. سحب مقعد وجلس عليه، بحيث كان صدره مواجهاً لظهر المقعد وأستند بذراعيه على حافته قائلاً بوعيد: –لو محترمتيش لسانك ده يا ليالي هقطعهولك، وطالما أنتي كده خايفة عليه فقوليلي فين الألماظ، وإلا المرة دي هخلص عليه خالص.

تلفتت ليالي حولها بجنون، كأنها تبحث عن أي شيء، لكي تقذفه بوجهه، إلا أن حركتها المقيدة منعتها من أن تمد يدها وتأخذ إحدى قطع الخشب لتحطم رأسه. وكلما حاولت التحرك بالمقعد تزداد ضحكته علوًا، حتى بكت من فشلها في الدفاع عن نفسها أو تفريغ غضبها الجام عليه منذ سماعها لما حدث لعمران. فبعد اكتفائه من الضحك على محاولاتها الفاشلة، نهض عن مقعده وهو يقول بنبرة المنتصر بعد رؤية تشتتها من ذلك النبأ الذي ألقاه عليها:

–أنا ماشي دلوقتي وهجيلك بكرة تكوني فكرتي في كلامي يا ليالي، يا إما تقولي على عمران الزناتي، يا رحمن يا رحيم سلام.

اتجه صوب باب الغرفة وخرج منه مغلقاً الباب خلفه، ولكنها لم تجد الحارس المكلف بحراستها يلج إليها، فيبدو أن سهمه أصاب الهدف وجعلها تتحير في أي درب تسلكه للخروج من ذلك المأزق. فبكت بصوت مسموع كلما تخيلت ذلك المصير الذي لاقاه عمران على يد ذلك الرجل. فهو مجرد من كل معالم الأدمية والإنسانية ولا يضع في باله سوى تحقيق المكاسب المالية والمادية، دون الالتفات للخسائر التي يتركها خلفه. وها هي قد نالت نصيبها من حقارته.

فلو كان الأمر توقف على تعذيبه لها، لتجلدت وتحملت، ولكن أن تطال نوايا شره الرجل الأوحد الذي لم تعشق غيره، فذلك أدعى لأن تفكر في التخلي عن صلابة وتيبس رأيها ورأسها. على الرغم من أنه ما سيأخذ منها الألماس ستعود معدمة ولا تملك قرشاً واحداً، إلا أنها لم تتردد في اتخاذ قرارها بأن تخبره بما يريد عندما يأتيها بالغد ويسألها عن قرارها. فسلامة عمران تهمها بالمقام الأول حتى وإن لن يكون لها نصيب في أن تلتقي طرقهما سوياً. ولكن

يكفي أنه الوحيد الذي شعرت بالحب نحوه، ومنذ أن رأته في المرة الأولى، لم يظهر لها نوايا الطمع بجسدها كباقي الرجال، بل كان حنوناً عطوفاً. ولكن عيبه الوحيد أنه متزوج ويعشق زوجته، التي تمنت لو كانت تملك حظها في أن تظفر برجل ترى أنه لا يلائمه سوى أن تعشقه حد الموت على الرغم من فقدانها الأمل في أن يكون لها في يوم من الأيام.

*** وضع هويته الجديدة بجيب سترته، وخرج من الغرفة، ودقائق ووجد حياء تصل للمنزل بسيارتها، ولكنه وجدها آتية بمفردها، ولا تتبعها سيارة الحراسة التي دائماً ما تكون بأثرها. خرجت من السيارة ولكن رآها شاحبة حزينة، كمن جاءت لتوها من المقابر، أو أنها كانت بعزاء أحدهم. تقدم منها متسائلاً بلهفة واهتمام: –مالك يا حياء؟ أنتي عاملة ليه كده في حاجة حصلت؟ طب جوزك زعلك أو ضايقك؟ شق الحزن قلبها ما أن أتى على ذكر زوجها، فبما تخبره؟

هل تخبره أن ذلك الحزن واليأس الذي خيم على أفق حياتها جاء نتيجة لحقيقة قضت على حلمها في الحاضر وربما في المستقبل. أجابته بصوتها الخافت والواهن: –مفيش حاجة، أنا بس تعبانة شوية، يلا بينا عشان نلحق ميعادنا، عشان عايزة أروح البيت أرتاح.

تعجب واند هش من حالها المزرى، حتى أنه فكر في إلغاء موعدهما ليعلم ما أصابها فجأة وجعلها هكذا كدمية خالية من الروح وتتصرف بآلية. إلا أنها هي من أصرت على ذهابهما حيث سيعلن عن اعتناقه الدين الإسلامي.

تركت سيارتها وصعدت إلى سيارته التي قادها وهو يحاول من وقت لآخر أن يسألها عما أصابها هكذا فجأة وهي التي كانت منذ بضعة أيام مرحة وتشعر بالحماس للذهاب معه. ولكنها لم تعطيه جواباً يريحه على أسئلته المتوالية عليها ونابعة من قلقه أن يكون هناك شيئاً لا يعلمه وتسبب في حزنها، بل كل ما استطاعت التفوه به أنها تعاني وعكة صحية خفيفة ربما ستزول بالتزامها الراحة. ولكنها لم تشأ أن تفوت تلك الفرصة من رؤيتها له وهو يتبع الديانة الإسلامية وهو الأمر الذي تمنته منذ معرفتها به وببيري والتي تتمنى أن تفعلها هي الأخرى في القريب العاجل.

–خلاص وصلنا يا ديفيد. تفت به حياء ما أن وصلا لذلك المسجد الكبير، الذي ينتظرهما به شيخان جليلان هما من سيتوليان تلك المهمة بتعريف ديفيد ما عليه أن يفعله حتى يصح إسلامه ويصبح له عقيدة وليس مسمى فقط.

ترجلت من السيارة في حين أن ديفيد تباطأ بفعل ذلك، كأن سعادته وحماسه بأن يحصل على ذلك اللقب الذي سيمكنه من التقرب من محبوبته انقلبا خوفاً ورهبة. فتملك القلق منه ما أن أحثته حياء على الترجل من السيارة. خرج من سيارته ودار حولها وما أن وقف أمام باب المسجد، بات الدم يضخ في شرايينه بسرعة كادت تشعره بالدوار والإعياء، إلا أن حياء التي يبدو عليها أن صبرها على وشك النفاذ، أسرعت بجذب يده وجره خلفها حتى دخلا المسجد الخالي إلا من الشيخين الجليلين.

تعجبت حياء من صمته وخطواته الثقيلة التي جعلتها تبطئ من سيرها، فالتفتت إليه وتساءلت وهي عاقدة حاجبيها: –في إيه مالك يا ديفيد، خلتني أجرك ورايا زي الطفل اللي مش عايز يروح المدرسة؟ أزدرد ديفيد لعابه قائلاً بابتسامة متوترة: –لا أبداً يا حياء بس زي ما تقولي الرهبة مؤثرة فيا دي أول مرة أدخل مسجد مسلمين وكمان هعلن إسلامي فقدر حالتي.

حاولت أن تصدق قوله، فهي لا تملك غير أن تصدقه ولتحاول تمرير ذلك الوقت حتى تعود إلى المنزل. تقدم منهما الشيخ الأصغر سناً قائلاً ببشاشة: –أهلا اتفضلوا اتفضل يا استاذ…. أسرعت ديفيد قائلاً بإصرار: –تميم، اسمي تميم. أشار إليه بالتقدم من الشيخ الآخر والأكبر سناً، فابتسم له هو الآخر قائلاً موجهاً حديثه لصديقه: –خده الأول خليه يتوضأ وعلمه إزاي الوضوء الصحيح وتعالوا، عشان عايزة يعلن إسلامه وهو طاهر.

أسرع الشيخ بتنفيذ ما طلبه، وأشار لديفيد بأن يرافقه لذلك المكان الخاص بالضوء. وما أن بدأ بتعليمه كيفية الوضوء، وجد ديفيد يقول بعفوية: –طب أتوضى ليه ما أنا واخد شاور قبل ما أجي وحاطط برفان وريحة حلوة. ضحك الشيخ بصوت منخفض وما لبث أن قال بتؤدة: –الوضوء لازم ومهم عشان الصلاة، وأنت طالما حابب إنك تبقى مسلم فلازم تتعلم أركان الإسلام، واللي منها الصلاة واللي متمش إلا بشروط الطهارة واللي هقولك عليها وهعلمها لك.

كل يجد ديفيد مفر من أن يتبع تعليماته بشأن الوضوء، وما أن انتهيا عادا للمسجد، فرفع الشيخ الكبير يده وأشار إليه بالجلوس أمامه، فجلس ديفيد على ركبتيه وضم كفيه ولم يحاول أن يحلق بوجه الشيخ، لعله يخبره بما سيقوله وينصرف على الفور. ابتسم الشيخ وربت على ساق ديفيد بتشجيع لعله يعيره انتباهه، وسرعان ما قال بخشوع: –قول يا ابني ورايا، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

جف حلق ديفيد، وبدا كأن أحباله الصوتية انقطعت فجأة، وكلما جاهد على أن يردد ما قاله الشيخ، لم يخرج من فمه سوى تأتأة كطفل صغير ينطق أولى حروفه وكلماته. إلا أنه بعد محاولات عديدة منه استطاع القول: –أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

ظن أن وجهه أضحى غارقاً بعرق وهمي، بعد شعوره بأن كل عصب به قد انتفض ما أن انتهى من نطق الشهادتين. وما أن بدأ الشيخان يخبرانه بأركان الإسلام، ابتسم لهما في حين أن عقله يركض في كل اتجاه. وما أن انتهيا، هب واقفاً وقال وهو يشير لحياء بالنهوض: –أنا متشكر جداً، وأختي هتعلمني أكتر عن الإسلام بما إن عملت أول خطوة وأعلنت إسلامي عن إذنكم.

لم يفهم الشيخان سر إصراره على الذهاب هكذا بسرعة، في حين أن من يأتي إليهما من أجل اعتناق الإسلام يكون لديهم الحماس والرغبة والشغف في المعرفة عن دينهم الجديد، خلاف ذلك الشاب والذي لم تبدو على وجهه أي مظهر من مظاهر الفرح التي كانا بانتظارها. إلا أن الشيخ الكبير أصر على حياء بأن تحاول مساندته وأن تدله على الطريق الصحيح حتى يصبح مسلماً قولاً وفعلاً.

خرجا من المسجد وقبل أن يصلا للسيارة، رمقته حياء بنظرة مفصلة، كأنها تحاول اكتشاف خباياه، فتساءلت بإلحاح: –مالك يا ديفيد مش شايفاك مبسوط هو أنت كنت جاي غصب عنك ولا إيه؟

لو أنت جيت عشان تبقى مسلم بالإسم بس عشان تتجوز البنت اللي بتقول عليها، فأحب أقولك إن إسلامك كده مش نافع ولا هينفع، لأن قبل ما تفكر تبقى مسلم عشان خاطر حبك لواحدة، لازم تبقى مقتنع بقرارك وأن هتعمل ده رغبة منك في إنك حابب فعلاً تبقى مسلم وتحب الدين نفسه، يعني مش تاخد الدين وسيلة عشان توصلها. أتمنى تكون فهمتني وإلا هيبقى الحال كارثي، وصدقني أنا عندي استعداد أقول للبنت دي حقيقتك لو أنت فعلاً مبقتش قد كلمتك. بس المشكلة إنك لحد دلوقتي مش راضي تقولي هي مين ولا ساكنة فين.

اتسعت حدقتاه ما أن سمع تهديدها الصريح له من أنها ستشي بحقيقته لياسمين. فهو وإن كان أرجأ أمر إخبارها بمن ستكون عروسه لحين الذهاب لخطبتها رسمياً، فالآن لن يخبرها من تكون، بل أنه سيعمل على إتمام زواجه دون تدخل من شقيقته، كونه لا يريدها أن تفسد عليه سعادته، والتي انتظر أن تأتيه طواعية ولم يكن يفصله عنها سوى الشهادتين اللتان نطق بهما داخل المسجد وتلك الهوية الجديدة التي يحملها في جيب سترته. فأبتلع ريقه بارتياب من حديث

حياء معه والذي حمل عداء خفياً، كأنها عادت من جديد تشعر بتلك الفجوة من الجفاء بينهما والتي لا يعلم سببها الآن. فمزاجها العصبي والذي دل عليه تعبيرات وجهها الحزينة منذ أن رآها وحديثها المقتضب الذي تفوهت به منذ قليل، يخفي خلفه سبباً قوياً في أن يجعلها تتصرف على هذا النحو، وهما من كانت علاقتهما كشقيق وشقيقته قد حملت طابع الحب والود منذ وفاة عمهما أدريانو. فأشار لها بالصعود إلى السيارة، وأخبرها أنه في الأيام القادمة سيسافر

إلى صقلية لإنهاء بعض الأعمال العالقة، بما أنه بصدد الزواج وأنه سيستقر هنا في الإسكندرية. وفي الحقيقة لم يكن هذا إلا كذباً قاله حتى تصرف تفكيرها عنه، ويستطيع هو إتمام زواجه دون علمها، وبعد أن يتم الأمر سيخبرها ولكن بعد أن تصبح ياسمين زوجة شرعية له.

***

وضع آخر قطعة من ثيابها في حقيبة السفر، فتلك الأيام المعدودات التي قضتها برفقة زوجها بإحدى الدول الأوروبية، قد انتهت وحان وقت عودتهما للإسكندرية، فكم اشتقت لأهلها وذويها وخاصة شقيقيها. ولكن لكي تكون منصفة بحكمها، فالأيام القلائل التي قضتها مع عمرو وهو يحاول جعل نزهاتهما ذكرى رائعة تحملها معها وهي عائدة إلى منزلهما، كانت من أجمل أيام عمرها. ولم تكن تضع ببالها أن يكون زوجها على ذلك القدر الذي لا يستهان به من إغواء قلبها وقتما يريد. على الرغم من أنه حتى الآن لم تجده يصرح عن رغبته في إتمام زواجهما بصورة فعلية، وربما هي ممتنة لصنيعه، حتى تأخذ وقتها كافياً قبل أن تقدم على تلك الخطوة الهامة بحياتهما.

حملت تلك البلورة الزجاجية الصغيرة، التي ابتاعها لها بالأمس، تصدر ألحاناً حالمة، فقلبتها بين يديها لترى تلك النتف الصغيرة التي تشبه نتف الثلج وهي تتناثر على ذلك التمثال الصغير المتجسد بفتاة صغيرة تجلس بجوار شجرة وارفة الظل والأوراق، فابتسمت عندما تذكرت قول عمرو، بأنها تشبه في وداعتها تلك الفتاة داخل البلورة الزجاجية، ولكنها تصبح أكثر خطراً وشرسة عندما تتخلى عن كل معالم الرقة والأنوثة وتجابهه بلسانها السليط وحديثها المهين.

–خلاص خلصتي يا سهى. سألها عمرو وهو يلج الغرفة، فارتعدت أوصالها بخفة ومن ثم وضعت يدها على صدرها قائلة بتبرم: –بسم الله الرحمن الرحيم، خضتني، ابقى أعمل أي صوت وأنت داخل. عقد عمرو ذراعيه أمام صدره العريض قائلاً بمشاغبة: –وأنتي كنتي بتفكري في إيه كده وسرحانة عشان تتخضي؟ وضعت البلورة الزجاجية على الثياب ومن ثم أغلقت سحاب الحقيبة، فردت قائلة رغبة منها في أن تثير حنقه قليلاً: –أكيد مش بفكر فيك طبعاً.

جذبها إليه فجأة، فوجدت نفسها محاصرة بين ذراعيه وصدره، وشهقتها الخافتة دلت على أنها ارتابت من مباغتته لها بجذب ذراعها حتى وجدت نفسها بالأخير بين سجن ساعديه المعضلين. فكم من مرة تركت عيناها تتأمل هيئته وجسده الرياضي، الذي اختلف كثيراً عما رأيته أول مرة، كأنه يبذل جهداً كبيراً في أداء تمارين رياضية شاقة لكي يحصل على هذا الجسد المتناسق والباعث على إثارة الدفء ما أن يضمها إليه. أدنى برأسه منها قائلاً بصوت خافت هامس شجي:

–أنتي بتكذبي عليا صح؟ باين في عينيكي إنك بتكذبي، أكيد كنتي بتفكري فيا. حملقت في وجهه ومن ثم نظرت في عمق عينيه قائلة بعذوبة: –إيه الثقة اللي عندك دي، دي ثقة بقى ولا غرور؟ –لاء ممكن تقولي إن قلبي هو اللي قالي إنك بتفكري فيا.

هتف عمرو أمام وجهها الذي لا يفصله عنه سوى إنشات قليلة، ولكن كأن شجاعته وإقدامه مازالا يتصارعان مع ذلك الخوف الذي ملك عليه قلبه ولبه من أن يخفق في تجربته الأولى معها. وفي الأيام الفائتة حاول أكثر من مرة أن يهزم ذلك الخوف الذي يحول بينه وبينها، إلا أنه كان يفشل في النهاية ويعود ويتذكر محاولاته الماضية في التقرب للفتيات قبل مجيئه للإسكندرية ويتذكر تحذير الطبيب ومن ثم تتوالى عليه الأفكار والذكريات، حتى يكاد رأسه يتفتت من

الشعور بالألم الناتج عن الحيرة وتلك المشاعر المتداخلة مع بعضها البعض. ورغم ما يراه من قبول وميل لديها تجاهه، إلا أنه ينسحب في اللحظة الأخيرة قبل إتمام الأمر ويعود ويخبرها بأنه لا يريد لها أن تتسرع في إبداء موافقتها على إتمام زواجهما وأنه يريد منها التأكد من عواطفها ومشاعرها تجاهه حتى لا تشعر بالندم في وقت لاحق.

تساءلت سهى بصوت ساحر، يشتهي سماعه على الدوام: –وقلبك مقلكش حاجة تانية؟ كفيها الناعمين الصاعدين من ذراعيه حتى وصلا لكتفيه، وتعلقا بهما، جعل تلك الرجفة التي لم يجد لها سبباً تسكن جسده. وما أن رآها تغمض عينيها وتقترب بوجهها منه، ويبدو أنها تنتظر مبادرته للعناق، أرخى ذراعيه عنها وقال بتوتر محاولاً أن يضفي على صوته رنة ممازحة: –قالي إن لازم نلحق الطيارة قبل ما تفوتنا.

تداركت حالها وحاولت نفض تلك الحالة من الوقوع تحت تأثير تلك المشاعر التي ظنت أنها تستطيع أن تثيرها به، فعادت تلملم ثيابه تلك المرة وحاولت بلع إهانته لصد محاولتها في التقرب منه، إلا أنها لم تبديها له، بل ظلت تحدثه كأن شيئاً لم يكن.

خرجا من الفندق في طريقهما إلى المطار، وما أن وصلا وانتهيا من المعاملات الخاصة به، لم يمر وقت طويل وأقلعت الطائرة وحاولت سهى أن تغفو قليلاً، حتى لا تعود وتنظر إليه وتتذكر حماقتها في أنها حاولت أن تكون أكثر ليونة في التعامل معه. –حمد الله على السلامة، خلاص وصلنا يا حبيبتي. قالها عمرو وهو يداعب أنفها ليجعلها تستيقظ من نومها، فكم بدت لطيفة وهي نائمة كأنها لم تنل قسطاً من الراحة منذ أيام طويلة.

فركت سهى عينيها ومن ثم تثاءبت بصوت خافت قائلة وهي تحت تأثير النعاس: –هو الامتحان فاتني؟ هي الساعة كام دلوقتي؟ قهقه على ما تفوهت به وتفكيرها الدائم بدراستها الجامعية، فتقريباً صار يعلم كل شيء مختص بدراسة طب الأسنان من كثرة ما حدثته عنها واعدة إياه بأنه سيكون أول من تطبق عليه سنوات الدراسة ولم تتفوه بهذا إلا من باب التندر والفكاهة والمرح. نهض عن مقعده وحثها على النهوض وهو يقول باسمًا:

–يلا يا سهى الطيارة وصلت وهنروح البيت. حاولت طرد النعاس عن عينيها، فدعاها لأن تتأبط ذراعه عوضاً عن سيرها كأنها تشعر بالثمالة، فقبلت دعوته بسرور، وتمنت لو كان بإمكانه حملها لتكمل نومها على كتفه، ولكن كيف لها بتحقيق أمنيتها وسط ذلك الحشد من الناس.

وجد عمرو أحد رجاله في انتظاره بجوار السيارة، وما أن رآه سيده وزوجته الصغيرة، أسرع بالتقدم منهما مهللاً لعودتهما سالمين وأخذ الحقائب وصعدا عمرو وسهى للسيارة وجلسا بالمقعد الخلفي وقادها الحارس حتى وصلوا للمنزل. ترجلت سهى من السيارة وولجت للداخل، فنظرت لزوجها وتساءلت بعفوية: –هي مامك مش هنا ولا إيه؟ التفت عمرو للحارس، وما أن نظر إليه فهم سؤاله عن والدته دون أن يتفوه به، فرد الرجل قائلاً بابتسامة:

–الهانم الكبيرة في النادي وزمانها على وصول. اكتفى عمرو بإجابة الحارس، وما أن أشار إليه بالانصراف، هتف قائلاً وهو يصعد الدرج متأبطاً ذراعها: –تعالي نرتاح شوية على ما يحضروا الأكل.

صعدت سهى معه وهي تحاول معرفة سبب ذلك الجفاء بين زوجها ووالدته، فهي لم ترها طوال خطبتها لعمرو سوى بضعة مرات أولها وقت مجيء عمرو لخطبتها وثانيها وقت الخطبة ومرة ثالثة يوم الزفاف. ففي البداية لم تهتم بشأن توطيد العلاقة بينها وبين والدته، لظنها أنها ليست في حاجة لفعل ذلك وأن العلاقة بينها وبين عمرو لن تدوم، ولكن اختلف الوضع الآن وصارت هي والدة زوجها وتعيشان تحت سقف منزل واحد، لذلك يجب عليها أن تقوم بواجبها تجاهها كزوجة ابن.

في المساء لم يحالفها الحظ بمقابلة والدة زوجها، بل أخبرها عمرو بأنها ذهبت إلى إحدى صديقاتها وربما ستتأخر في العودة، فأقترحت عليه مشاهدة أحد الأفلام قبل خلودهما للنوم، وقبل اقتراحها بل أوصى إحدى الخادمات بإعداد ما يلزم سيدتها الجديدة. نظرت سهى لما جاءت به الخادمة، وقالت بحماس: –فشار وشيبسي وحاجة ساقعة كمان، كده أتفرج على الفيلم ونفسي مفتوحة.

طالت جلستهما اليوم عن المعتاد، وربما ذلك عائد لشعورها بالحماس والتأثر وهي تشاهد أحد الأفلام الرومانسية والتي غالباً ما تنتهي نهاية مأساوية للعاشقين بموت أحدهما. فرفع يده لها بالمحرمة الورقية التي لا يعلم عددها من كثرة ما ناولها من محارم لتجفف عينيها من زخات دمعاتها الحارة وهي تشاهد بطلة الفيلم وهي على فراش الموت بنهاية المشهد الدرامي، وزادت بالأمر وعلا صوت نحيبها بعدما تيقنت من موت البطلة وكأنها إحدى قريباتها وليس أن كل هذا تمثيل ولا يمت للواقع بصلة.

ملأه الضجر ووضع يده على وجنته في انتظار انتهاء نوبة بكائها التي من الممكن أن تثير الملل والضيق بصدر أي أحد خلافاً له والذي يمارس أقصى درجات ضبط النفس حتى لا يثير استياءها. فزفر من أنفه بقلة حيلة متسائلاً: –هي الجنازة دي هتخلص إمتى يا سهى يا حبيبتي بقالك ساعة قاعدة بتعيطي، بتهيألي أنا لو مت مش هتعيطي عليا كده. مسحت سهى مخاط أنفها الذي جاء كنتيجة طبيعية لكثرة بكائها وردت قائلة بنبرة متقطعة:

–بـ بعد الشـ ـر عليك بس أنا كده بتأثر بسرعة ودمعتي قريبة وخصوصاً في الأفلام الرومانسية اللي بيبقى فيها موت أو فراق. استغل وضعها من وقوعها تحت تأثير مشاهدة الفيلم، واقترب بجلسته منها، لكونها دائماً تحرص على أن يكون بينهما مسافة آمنة حتى أثناء نومهما بفراش واحد. بدأ بمحو عبراتها التي انهمرت بغزارة على وجنتيها اللتان أصابهما شحوب طفيف ما أن شعرت بلمسته.

ولكن لا يعلم لما نهر عقله هذه المرة من أن يرسل صافرات الإنتباه التي تطن دائماً برأسه ما أن يراها قريبة منه. وما أن أحس باستسلامها التام لوطأة ذلك الشعور من الخدر الذي أصابها، زاد بالأمر قليلاً واقترب بوجهه منها معانقاً، عناق عذري يتذوقان حلاوته للمرة الأولى بحياتهما. فزوجته الصغيرة يبدو عليها أنها راقها كثيراً عناقه لها، والذي حرص أن تحصل عليه هادئاً يثير بالنفس الظمأ للمزيد.

ولكن لم يكن رنين هاتفه المستمر ليتركه ينعم بتلك اللحظة التي جاءته بعد عناء، ففكر بتحطيم الهاتف لكي يكف عن رنينه المزعج، ولكن ما أن علم بهوية المتصل، ترك زوجته وأخذ الهاتف وخرج لشرفة الغرفة، فخفض صوته قائلاً بعدما فتح الهاتف وسمع ما أخبره به الطرف الآخر: –خلاص جاي جاي حالاً.

خرج للغرفة وحدق بسهى التي مازالت جالسة بمكانها وتنظر إليه بخجل واستحياء، في انتظاره أن يعود ليطرب أذنيها بعبارات الغزل التي سمعتها منه بخضم عناقهما الصاخب. ولكن تبدلت قسمات وجهها ما أن أخبرها بأن هناك أمر طارئ يستدعي ذهابه. هبت واقفة وسألته باهتمام: –إيه اللي حصل خلاك هتخرج في وقت زي ده يا عمرو؟ رد قائلاً بأول كذبة تبادرت لذهنه: –بيقولوا في مخزن من مخازن الشركة حصل فيه حريقة وأنا هروح أشوف فيه لأن فيه بضاعة بملايين.

قطعت المسافة الفاصلة بينهما ووضعت يدها على ذراعه قائلة باهتمام وجدية: –أجي معاك. حرك رأسه نفياً وما لبث أن ضمها إليه قائلاً بهدوء: –لاء يا حبيبتي خليكي هنا ومش هتأخر عليكي. تركها وذهب لغرفة الثياب لتبديل ثيابه المنزلية، فأثناء ارتدائه لثيابه ظل يفكر في تلك الكذبة التي أخبرها بها، وهل الأمر انطلى عليها أم لا؟ يبدو عليه إنه استغرق وقتاً أكثر من اللازم، فما أن خرج من غرفة الثياب وجدها ترفع يدها وهي تحمل

هاتفه قائلة بذهول وصدمة: –أنت بتكذب عليا يا عمرو وكمان جوز مامتك طلع عايش يعني هو مش ميت زي ما قولتلي، وياترى مخبي عليا إيه تاني؟ *** يتبع... !!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...