فتلك الدموع التي ذرفها في جنازة عمه، لم تكن دموع حزن على فراقه، بل لأنه ذهب مساء أمس إلى ذلك المشفى الذي انتقلت إليه ياسمين بعد الحادث.
وبسؤال الممرضة عن الفتاة التي كانت تقيم بغرفة العناية الفائقة، أخبرته أنها توفيت في الصباح. ولا يزال يتذكر كيف كان حاله بعد أن تلقى نبأ وفاة حبيبته، التي لم تكن تعلم بوجود حبيب مغرم بها. وتمنى منها نظرة واحدة، فكأن أحدهم شق صدره وسحب قلبه وضغطه بقوة حتى نزفت آخر قطرة دم منه، ولم يعد قادرًا على ضخ الدم بعروقه مرة أخرى.
كم كان هذا الشعور بفقدان الحبيب قاسياً، إلا أنه شعر الآن بفداحة أفعاله مع أخته وزوجها. وهو الذي استنكر بكائها وحرصها على رؤيته ولو لثوانٍ معدودة عندما أمرها بتركه. فهو الآن يتجرع من كأس الألم. وربما هي لديها فرصة لعودة زوجها. أم هو فلن يكون قادرًا على رؤية حبيبته. فدوى صوت بكائه لتذكره بأنه فقد حبه الأول قبل أن يرى النور. على الرغم من يقينه بأنه كان حبًا مستحيلًا، ولكن كانت روحه البائسة تبحث عن أي حل أو مخرج للعيش بالقرب منها.
"أنت بتتكلم عن مين يا ديفيد؟ ومين ياسمين؟ مش فاهمة منك حاجة."
قالت حياء بتعجب من حاله وقوله. وعلى الرغم من شعورها بالضيق منه، إلا أن ذلك لم يمنعها من الجلوس بجانبه. فما أن مدت يدها لتربت عليه، وجدته يلقي برأسه على كتفها ليكمل بكاءه. فأرتجفت حياء لا إراديًا. فتلك هي المرة الأولى لها التي تسرع بتخفيف الضيق عن شقيقها. على الرغم من حذرها بالتعامل معه، كأنها بعض الأحيان تنسى بأنه شقيقها. ويرجع ذلك لاختلاف عقائدهما، وشعورها بأنها إذا اقتربت منه ستقترف ذنبًا. رد ديفيد قائلاً
بصوت متحشرج: "دي بنت شوفتها وحبيتها يا حياء. كنت مستعد أعمل أي حاجة علشان أقرب منها، حتى أن أعتنق الإسلام. بس هو حرمني منها زي ما حرمك من جوزك ودمر حياتنا إحنا التلاتة. حتى بنته عانت من جبروته لما حرمها من حبيبها. أنا مش قادر أقعد في إسكندرية تاني. أنا هرجع صقلية. ولو عايزة تعالي معايا انتي وبيري. محدش هيفهم الوجع اللي إحنا التلاتة فيه غيرنا."
لم تفعل شيئًا سوى تطويق كتفيه وبكت على بكائه. فكلاهما يبكيان على أطلال ذلك العشق الذي تم حرمانهما منه قبل أن ينعمان به. ولكنها لن تستطيع أن تغادر البلاد. فهي تأمل أن يعود إليها حبيبها بالقريب العاجل. فابتعدت عنه وجففت
وجنتيها وردت قائلة بهدوء: "أنا مش هقدر أسافر يا ديفيد. مقدرش أسيب إسكندرية. أنا حياتي كلها هنا. حتى لو مكنش راسل معايا، بس مقدرش أسيب أي مكان فيه ذكرى جمعتني بيه. جايز في يوم يرجع تاني ونتعاتب. على الرغم من أني زعلانة منه على اللي عمله من غير تفكير، بس مستنية اللحظة اللي يرجع فيها وأشوفه تاني واقف قصاد عيني."
أسند ديفيد ظهره للأريكة وأعاد رأسه للخلف وحدق بالسقف. ومازالت عيناه تفيض بالدموع. فحتى وإن كانت شقيقته أو ابنة عمه سترفضان السفر معه، سيغادر هو لصقلية بأقرب وقت متاح لديه. فإن طالت إقامته هنا ستزيد آلامه وجراحه. لذلك يجب عليه أن يرحل عن الإسكندرية.
رأى شقيقته تهم بالمغادرة. فأصر على إيصالها لمنزل والد زوجها. قاد سيارته حتى وصل لمنزل رياض النعماني. وظنت حياء أنه سيغادر ما أن يقوم بتوصيلها للمنزل. ولكنه ترجل من السيارة وأصر على مقابلة رياض. وتعجبت حياء من إصراره بمطلبه. ولكنها دعته للدخول.
فوصلا لغرفة المعيشة التي يتخذها رياض مجلسًا له لمقابلة ضيوفه وزائريه. رفع عينيه ورأى ديفيد يأتي خلف حياء. فقطب حاجبيه وعصفت ملامح الضيق بوجهه. إلا أنه لم يبدِ بكلمة. فتقدم منه ديفيد حتى جلس على أحد المقاعد القريبة منه. وانتظر رياض أن يبدأ حديثه. إلا أنه وجده جالسًا يفرك يديه بتوتر وارتباك. فخرج أخيرًا
عن صمته وهو يقول بندم: "رياض باشا أنا جيت علشان أعتذر لك على كل حاجة حصلت مني في حق راسل أو حق حياء أو أي حد منكم. عارف إن أسفي وندمي مش هيفيدوا بحاجة. بس أنا كمان كنت مخدوع واتضحك عليا من صغري. عارف إنك ممكن متكونش طايق تبص في وشي وليك عذرك. بس محبتش أمشي قبل ما أقول كل اللي عندي. وأن عمي أدريانو هو السبب في قتل بابا وماما واخواتي وكمان قتل ابنك وجدي ومراد الزناتي. وهو اللي وقع العيلتين في بعض. وأنا بعت ايلين المزيفة علشان تنقلي أخبارك. ده غير إن عذبت راسل في السجن في إيطاليا. وأنا راضي بأي حكم هتقوله. خلاص حياتي مبقتش تهمني ولا فارقة معايا."
انتظر ديفيد ثورة رياض أو حياء بعد ما سمعاه منه. ولكنهما جالسان بهدوء ولا يبدو على محياهما التأثر بما قاله. فأزاحت حياء يدها عن
وجنتها وردت قائلة بهدوء: "إحنا عارفين كل اللي بتقوله ده يا ديفيد. عارفين من ساعة ما أنا رجعت معاك من تايلاند وسمعت أدريانو كان بيتكلم مع حد على موت وجدي ومراد وأهلنا. وإنه بس سايبنا علشان كل الأملاك باسمنا. وفي حال إحنا اتقتلنا وممتناش موتة طبيعية كل الأملاك هتضيع عليه. عشان كده مقدرش يعمل فينا حاجة. كان بس بيهددنا بكلامه عشان نخاف. بس أنا لما عرفت قولت لعمي رياض على كل حاجة. وكمان كنا متفقين مع الشرطة عشان نوقعه.
وفي ضابط قابلته وهو اللي عرض عليا أن أوقع أدريانو. وكنت بشتغل معاه. وانت سهلت الموضوع أكتر لما روحت وسلمت التسجيلات والأدلة اللي تدين أدريانو. وكمان أنقذت نفسك لأن انت كمان كان ممكن يتقبض عليك. لأن الظابط كان مفكر إنك دراعه اليمين وهتمسك المافيا من بعده. فلما انت اللي ساعدت الشرطة بالتسجيلات، ضمنت سلامتك وسابوك."
رفع ديفيد حاجبيه تزامناً مع فتح فمه باندهاش. فشقيقته على علم ودراية بكل شيء منذ البداية. وهو من كان يظن بأنها ستصاب بصاعقة لعلمها بكل تلك الحقائق. فهي تعلم كل شيء عن مقتل والديهما وأشقاءهما. بل قبل علمه هو بهذا الأمر. ولم تكتفِ بذلك بل تحالفت مع والد زوجها على أن يثأرا من أدريانو. فكم يشعر هو الآن بالغباء وأنه ضيق الأفق. لظنه بأن شقيقته ما كانت إلا فتاة مغلوبة على أمرها. وأنها لم تستطع الدفاع عن نفسها أو زوجها لخوفها من بطش أدريانو. ولكنها كانت بالحقيقة تحيك لهما مفاجأة. كان سينال هو منها نصيبه. لولا أن ثار قلبه فجأة لعلمه بما لاقته محبوبته ورغب في الثأر لها.
رمق ديفيد شقيقته وقال بصوت حانٍ: "أنا دلوقتي مش خايف عليكي يا حياء. لو أنا سافرت." نظر رياض لحياء ومن ثم نظر لديفيد قائلاً
بإصرار وتشجيع لزوجة ولده: "حياء متتخافش عليها وهي بـ 100 راجل. وأنت متخافش ولا تقلق عليها. دي دلوقتي مدام حياء راسل النعماني. اللي هيتعملها ألف حساب من كبير وصغير. وخصوصًا لما تبدأ تدير شركات النعماني مع عاصم. لأن مفيش حاجة تنسي الواحد همومه غير الشغل. وحياء ذكية واسمها هيلمع في عالم البيزنس. مش كده يا حياء؟
أومأت حياء برأسها بهدوء. فرياض اتخذ ذلك القرار. رغبة منه في أن تترك حزنها جانبًا. لعل العمل يلهيها عن التفكير بما حدث لها مؤخرًا. على الرغم من عدم يقينه بأن حيلته تلك ستفلح بجعلها تنسى حزنها مؤقتًا. حتى يعثر على ولده الهارب. فقال ديفيد بإعجاب: "فعلاً كلامك صح يا رياض باشا. حياء أختي متتخافش عليها."
فهو أيقن الآن مدلول حديثها له ذات مرة بأنها ليست ضعيفة أو تفتقر إلى الحيلة. بل أنها قادرة على فعل ما يعجز عقله عن استيعابه. وكل هذا من أجل ذلك الرجل الذي وقعت بعشقه. ونصبت نفسها حارسة له ولابنته. بل كانت جيشه الوحيد ضد تلك المؤامرات التي كانت تحاك له بالخفاء. ولكن ماذا نالت بالنهاية سوى أنها باتت بمفردها تواجه حزنها ويأسها. ولكنه متيقن أن من تفعل كل هذا من أجل أن تجعل أسرتها بمأمن من المكائد قادرة على تجاوز محنتها.
بل ستصبح أقوى من ذي قبل. خاصة أنها الآن تعيش بكنف رياض النعماني. وهو من اشتهر عنه قوة الذكاء والحكمة وتخطي الصعاب. فهو لن يخشى ترك شقيقته هنا إذا سافر لصقلية. فهي ستكون آمنة بمنزل والد زوجها. بل ربما إذا عاد للإسكندرية مرة أخرى، سيجد شقيقته صارت من فتاة رقيقة. لامرأة قوية تجعل الجميع يحاذر بمعاملته لها خشية من غضبها وشراستها.
*** ألحت عليه صغيرته بأن يصفف لها شعرها قبل خروجهم لتلك النزهة التي وعدها إياها صباح اليوم. فبعد أن ألبستها وفاء ثوبها الجميل المغطى بنقوش ورود حمراء نافسته وجنتيها بالاحمرار، أصرت أن من سيصفف لها شعرها هو أباها مثلما كان يفعل من حين لآخر قبل مجيء حياء.
فوضعت فرشاة الشعر بيده وجلست أمامه بطاعة. كانت الفرشاة تجري بين خصيلاتها الحريرية بسهولة ويسر. يمنحها قبلة على وجنتها أو رأسها من حين لآخر. فعشقه لابنته فريد من نوعه. لا يشبه أي رابط من تلك الروابط الإنسانية التي تربطه بالمحيطين حوله. والوحيدة التي استطاعت منافستها بهذا العشق هي حياء. فكأن كل منهما ملكت وريدًا من أوردة قلبه. فإن كان نصف قلبه ما زال حيًا بوجود سجود قريبة منه، فنصفه الآخر بطور الاحتضار.
انتهى سريعًا من لملمة خصيلات سجود وقال باسمًا: "خلاص يا سيجو خلصنا يلا بينا." تعـ ـلقت يد الصغيرة بيده. فلم يكتفِ بذلك، بل انحنى إليها وحملها وخرج بها من غرفته وهبطا الدرج. ووجدا وفاء بانتظارهما للخروج لتلك النزهة. المتمثلة بالذهاب للسينما ومدينة الألعاب وتناول العشاء بأحد المطاعم الفاخرة.
بعد انقضاء وقتهم بالسينما ومدينة الألعاب وحان تناول العشاء، اصطحبهما راسل للمطعم. وجلسوا على إحدى الطاولات. وما أن رفع رأسه ورأى تلك النادلة الحسناء، امتقع وجهه على الفور. فما ذلك الحظ التعيس الذي يجعله يرى تلك الفتاة بكل مكان يذهب إليه. فأسرعت ساندرا بالاقتراب من الطاولة وابتسمت قائلة بترحيب: "أهلاً راسل، ماذا تريدون من أجل العشاء؟
قطبت وفاء حاجبيها عن سبب علم تلك الفتاة باسم راسل. إلا أنها لم تملك الوقت الكافي لسؤاله. إذا أسرع بإخبارها بأصناف الطعام التي يريدونها وذهبت على الفور. فنفخ بضيق انتبهت عليه وفاء ونظرت إليه بتعمق وتساءلت: "هي البنت دي تعرفك منين يا راسل؟ دلك راسل جبهته كأنه شعر بصداع مفاجئ ورد قائلًا ببرود: "ماهي دي البنت اللي حكيتلك عليها إنها دخلت البيت وافتكرتها حرامي وضربتها في وشها."
أومأت وفاء بهدوء وسرعان ما جاءهم الطعام. فلاحظت أنه يتناول طعامًا بعجالة، كأنه يريد الذهاب من المكان بسرعة. وعندما رفعت عينيها وجدت تلك الفتاة تحدق به وهي تبتسم. بل أنها ظلت طوال جلستهم تطارده بعينيها. لذلك لم تبدِ اعتراضًا عندما أخبرها راسل بضرورة العودة للمنزل.
وصلوا للمنزل وحمل راسل سجود التي غفت بنومها أثناء عودتهم. فوضعها بالفراش وهبط الدرج ووصل للحديقة. وبعد عشر دقائق تقريبًا وجد وفاء تخرج إليه تحمل قدحين من القهوة. فأخذه منها وامتن لصنيعها لكونه كان بحاجة لها. جلست وفاء قبالته على المقعد الخيزراني. ارتـ ـشفت من قهوتها ونظرت إليه قائلة بهدوء: "راسل مش ناوي بقى تقول لي على اللي حصل؟ أظن أنا سبتك وقت كافي. ودلوقتي لازم نتكلم."
تنهد راسل بعمق وبدأ يقص عليها ما علمه عن حياء وعائلتها وغضبه المستعر منها لإخفاء الأمر عنه ومراوغتها له. وأخبرها أيضًا بأمر تلك الفتاة التي ادعت كونها إيلين النعماني. فتركته وفاء يكمل حديثه للنهاية. وبعد أن انتهى من سرد أسبابه. وضعت وفاء قدح القهوة من يدها ونظرت إليه بتفحص وقالت بصدق: "يعني علشان حوار سمعته أصدرت حكمك على مراتك وقررت تهرب من غير ما تواجهها وتعرف الحقيقة وتعرف أسبابها إيه؟
وده يبقى تصرف ناس عاقلين وطبيعيين يا راسل؟ ليه مواجهتهاش وسمعت منها؟ ارتجاف يده الحاملة لقدح القهوة، دليلًا واضحًا على أن الصراع الدائر بخلده. ربما حان الوقت لأن يطفو على سطح لسانه. فإلى متى سيظل يرجئ تلك المواجهة مع والدته؟ رد راسل قائلًا بابتسامة ساخرة: "ومين قالك إن أنا طبيعي يا ماما؟
أنا مفيش حاجة في حياتي مشيت طبيعي للنهاية. من أول ما فتحت عيني على الدنيا دي وأنا مشوفتش حاجة عدلة. مع إن اللي يشوف الظاهر يقول أه ده دكتور مشهور وجراح شاطر وابن أغنى أغنياء إسكندرية ومن أكبر عائلات الأثرياء. بس الواقع والحقيقة أنا وأنتِ عارفينها كويس. وبالنسبة لمواجهتي لحياء صدقيني مكنش عندي طاقة أن أواجهها أو أواجه أي حاجة في الفترة دي. عارفة إحساس إن طاقتك خلصت حتى مش قادرة تجادلي ولا تناقشي وبتكوني بس عايزة
تهربي. هو ده كان إحساسي وقتها. مكنش في طاقة ولا صبر ولا حتى إن آخد وأدي مع حد في الكلام. أنا يا ماما بني آدم لحم ودم ومش حجر ولا ملاك عشان كل مرة هقع فيها أحاول أنسى وأكمل بعدها. عارف ومتأكد إن أخدت خطوة غلط، بس صدقيني مقدرتش. وعارف إن ده ضعف مني، بس هي دي حالتي حاليًا. أنا واحد غيري كان بعد كل اللي حصله في حياته كان هيبقى مكانه الطبيعي في مصحة نفسية من كتر العقد والصدمات اللي في حياته. نفسي يا ماما أصحى من النوم
ألاقيني فقدت الذاكرة ومش فاكر حاجة. وكمان في سبب تاني بحاول أداريه ومفكرش فيه. وافتكرت إن ممكن أكون غلطان في تفكيري بس للأسف طلع صح."
لم تفهم وفاء ما يعنيه بخاتمة حديثه. فتقطيبة حاجبيها أنبأته أنها بحاجة لأن يستفيض بشرحه عن ذلك الأمر الذي لم يخبرها به. فعلقت عيناه بالنظر لإحدى الشجيرات وقال بنبرة مغلفة بحقد أسود نابع من تذكره لتلك المأساة التي عانى منها بإيطاليا: "عايزة تعرفي أنا أقصد إيه يا ماما؟
أنا هقولك. قصدي إن للأسف عرفت إن أخو حياء هو اللي عذبني في السجن في إيطاليا. وإنه هو اللي كان عايز يقتلني من كتر التعذيب. وعرفت إنه بأتفه الأسباب. لما سمعته بيتكلم في التليفون بالإيطالي وبيشتم نفس الشتايم اللي كان بيقولهالي. فضل الصوت يرن في ودني وفكرني بكل اللي حصلي هناك. وإزاي مكانش بيشفق عليا ويوصلني لحافة الموت. ولما يسيبني عشان يعالجوا جروحي، مكنش بيصبر إن جروحي تلم وتخف. لأ كان بيكمل فيا تعذيب ويفتح جروحي من
جديد. كل وسائل التعذيب البشعة اللي لسه سايبة أثرها في روحي قبل جسمي لحد دلوقتي. والمصيبة كمان عرفت إن حياء عارفة بالموضوع ده ومقلتش. وأنا بس اللي كنت بتمنى أشوف اللي عمل فيا كده عشان أدوقه من اللي أنا دوقته. بس عشان خاطرها هي بعدت. عارف إن ملهاش ذنب. بس عشان متبقاش واقعة بين نارين. مكنتش هقدر كل ما أبص في وشها أفتكر اللي عمله أخوها فيا. محبتش أن أأذيها من غير ما أحس. وخصوصًا إن اللي حصلي في إيطاليا كان أبشع شيء مر في
حياتي كلها."
طالعته بعينان دامعتان. ومدت أناملها ومسحت تلك العبرة التي انسلت من جفنيها. فربتت على ساقه وقالت برصانة: "بس الهروب عمره ما كان حل يا راسل. وأنك تسيب مراتك كده لا منها متجوزة ولا منها مش متجوزة. لو حاسس إنك مش قادر تكمل معاها خلاص سيبها تشوف حياتها. هي لسه صغيرة وميرضيش ربنا إنها تفضل متعلقة على ذمتك وأنت بتقول إنك مش عايز ترجع تاني. سيبها تشوف نصيبها مع حد تاني. متبقاش أناني يا راسل."
فإن كانت قسمات وجهه ما زالت على حالها من سمات الهدوء والإنصات باهتمام لحديث وفاء. إلا أن هناك عاصفة ضربت فؤاده، قادرة على اقتلاع كل جذور العقل والحكمة. فتخيله فقط أن تكون حياء زوجة رجل آخر غيره، ويمتلكها مثلما سبق له امتلاكها، لهو جنون مطبق. بل بمثابة إصدار حكمًا ذاتيًا بإعدام قلبه وعواطفه وأن يعود لذلك السبات الثلجي الذي كان يحيا به قبل لقاءها. فرّفت جفونه مرارًا بعد سماع اقتراحها. وزفر قائلًا
بتيه: "أنا فكرت في اللي قولتي ده يا ماما. بس كل ما آخد قراري بأن أطلق حياء مبقدرش أنفذه. بحس بالعجز أن أنفذ خطوة زي دي. وجايز فعلاً إن ده الحل لعلاقتنا اللي إحنا الاتنين بقينا بنعاني منها. بس مش قادر أتخيل إنها تشيل اسم راجل تاني غيري. جايز دي فعلاً أنانية زي ما بتقولي. بس أنا لا عارف أطلع خطوة لقدام ولا أرجع خطوة لورا. جايز في يوم أقدر أعمل كده. وأفتح القفص للعصفورة عشان تطير بعيد عني. عشان حياء تستاهل الأحسن دائمًا
مش واحد حياته معقدة وكل ما يخلص من مصيبة يلاقي غيرها. حتى لو كنت ببرر لنفسي الغلط اللي عملته في حقها من إني سبتها من غير ما أواجهها وكمان الرسالة اللي سبتهالها وعارف إنها أكيد اتسببت في حزنها. بس من جوايا عارف ومتأكد إن حياء تستاهل واحد أحسن مني ألف مرة. وأنها لازم تعيش حياتها طبيعي مع واحد ميحاولش يجرحها. وأنها تعيش سعيدة ويكون عندها أولاد. حياء فعلاً لازم تبعد عني يا ماما ومش لازم أبقى أناني."
رفع يده ودلك عنقه شاعرًا بسخونة جلده أسفل كفه. فتلك الحرارة لا تقارن بغليان دمائه. فنهض من مقعده واستطرد قائلًا بإرهاق: "أنا دلوقتي حاسس إن أنا تعبان وعايز أنام. عن إذنك يا ماما تصبحي على خير."
ولج للداخل ومن ثم صعد لغرفته. وكأن حديثه مع وفاء نكأ جراحه. فبالأيام الفائتة كان يحاول الظهور بمظهر اللامبالاة بما يحدث. ولكن ما أن بدأ الحديث بينهما، اتضح له الأمر من أنه واهمًا بشأن تفكيره. ولكن ربما إذا عاد يمارس مهنته كطبيب، سيساهم ذلك بأن يخرج من تلك الحيرة والتخبط بقراراته. وستصير أموره أكثر اتزانًا. فالفراغ الذي يعاني منه بوقته الحالي هو من يسلب راحتة. لكونه يقضي أوقاته بالتفكير.
وقف أمام النافذة ليلقي نظرة على القمر. ولكنه لم يجد سوى سحب كثيفة تغطي السماء. وكأن المطر بات وشيكًا. وربما بالغد سيجد تلك الورود والزهور بحديقته. قد ارتوت من قطرات الغيث الغزير. فياليته هو الآخر يرتوي منه. لعل بستان أمانيه والذي احترقت به زهور الأمل والحياة، يعود وينضح بالسعادة. التي لم يكن له منها كِفلُ يومًا.
لم يكد ينتهي أسبوع آخر. حتى بدأ راسل بالعمل في المشفى المركزي التابع لتلك المقاطعة التي يقطن بها. فتعجب مدير المشفى بالبداية كونه أنه علم أن راسل طبيب وجراح ماهر وشهير بموطنه. بل أنه كان يملك مشفى أكبر من تلك المشفى التي سيعمل بها. إلا أنه لم يشأ أن يخوض بأموره الشخصية أو أسبابه التي دفعته لترك كل هذا والمجيء لهنا. أشار لاثنين من الممرضات بأن تعملا على نقل المريض لإحدى غرف
الإفاقة وهو يقول بمهنية: "ضعوه بغرفة الإفاقة وما أن يفيق أبلغوني على الفور."
لم يشعر بالملل أو الكلل من ممارسة مهنته كطبيب. بل على النقيض، كان يرهق نفسه أكثر بالعمل. كأنه عاد يسير على تلك الخطى التي كان يتبعها من قبل. فأحيانًا صرامته وبروده مع المحيطين به. جعل كثير منهم يحاذرون بتعاملهم معه. فلا يراه أحد إلا وهو يلج غرفة الجراحة أو وهو خارجًا منها. كأنه سيقضي بقية حياته بين جدران تلك الغرفة الباردة والتي تفوح منها رائحة الموت أحيانًا.
فبعد انتهاء يومه بالمشفى، خرج قاصدًا منزله. ولكن فكر أولًا بشراء الحلوى والدمى من أجل صغيرته. فذهب لأحد متاجر الدمى واشترى ما يريده وعاد للمنزل. فولج للداخل ولكن قبل أن ينطق بكلمة، رأى ساندرا جالسة مع وفاء وصغيرته. على الفور تركت وفاء مقعدها واقتربت منه قائلة بصوت هامس: "الحمد لله إنك جيت. دي عمالة ترطن من الصبح ومش فاهمة منها حاجة. الله يسامحك جايبني في بلد مش بفهم هم بيقولوا إيه." قهقه راسل على ما قالته ورد قائلًا
بتفكه: "مش فاهمة إيه بس يا وفاء. أنتي بترضي تخرجي من البيت أصلاً؟ رفعت وفاء شفتها العليا وردت قائلة بامتعاض: "أخرج وأقابل ناس لا أنا عارفة بيقولوا إيه ولا أنا عارفة أتكلم بلغتهم. كان مالنا بس وإحنا كنا قاعدين وسط اللي شبهنا وفاهمينهم وفاهمينا."
ستبدأ بإسماعه عبارات التذمر، حتى تجعله يشعر بالذنب كونه أتى بها لهنا وهي لا تتحدث الإنجليزية أو الفرنسية. وربما تلك حيلة منها، لتجعله بالأخير يوافق على العودة لديارهم. ولكنه لم يجعلها تسترسل بحديثها. إذا اقترب من مجلس ساندرا وابنته. جلس على المقعد وأسرعت سجود بالجلوس على ساقيه. فقبل رأسها ونظر لساندرا قائلاً باهتمام: "ما الأمر ساندرا؟ هل كنتِ تريدين شيئًا من والدتي؟ حركت ساندرا رأسها بالنفي
وردت قائلة بابتسامة ودية: "لا أريد شيئًا، فأنا أردت التعرف عليها وعلى الصغيرة. ولكن والدتك لا تتحدث الفرنسية. وعلى الرغم من ذلك، فهي امرأة لطيفة. بل أنها أعدت لي طبقًا من تلك الحلوى، فأنا أحببتها كثيرًا." نظر راسل للطبق، فعاد ونظر لوفاء قائلاً وهو يحاول إلجام ضحكته: "أكلتيها رز بلبن يا ماما؟ معمـ ـلتلهاش شوية كشري بالمرة؟ ضحكت وفاء وردت قائلة باطمئنان كون ساندرا
لن تفهم مغزى حديثهما: "ده عجبها أوي ما شاء الله عليها. كلت طبقين بحالهم. يلا بالهنا والشفا. بس معرفتش برضه القطة مشرفانا ليه يا دكتور؟ رفع راسل حاجبيه ونظر إليها نظرة ماكرة ورد قائلاً وهو يكز على أسنانه: "قصدك إيه يا وفاء؟ هي جاية بس عشان تتعرف عليكي أنتي وسجود. أقوم أطردها يعني؟
قضمت وفاء شفتها السفلى، ولم تجد ردًا مناسبًا. فهي لا تريد لتلك الفتاة أن تزيد من تعقيد أموره. ولكن على الرغم من ذلك، أعدت طعام العشاء. لعلمها بأنه ربما يشعر بالجوع بعد عودته من عمله. ولم تجد مفرًا من دعوة ساندرا لتناول العشاء معهم. فقبلت ساندرا دعوتها بترحيب، كأنها لا تريد مغادرة البيت. فجلسوا حول مائدة الطعام، وبدأت ساندرا تثرثر معهم. وتكفل راسل بترجمة حديثها لوفاء. فعلى الرغم من أنها يبدو عليها أنها عدائية، إلا
أنها متحدثة لبقة ومثقفة. ولم تجد جهدًا بتجاذب أطراف الحديث مع راسل. الذي راح يجيبها على كل ما تسأله بهدوء. وما أن انتهت جلستها معهم غادرت البيت وعادت لمنزلها. بعد فشلها بالحصول على موافقته بأن تصطحب سجود ووفاء بنزهة لإحدى البحيرات. وما أن رحلت صعد راسل لغرفته واغتسل وذهب لفراشه وهو يفكر في أسباب إصرار تلك الفتاة على التقرب منه ومن ابنته وخالته.
*** جاء بعد الفراق ليلٌ مظلم أضاع قمره على العشاق. فلم ينسَ أحدًا منهم أن يبحث عن القمر في أرض الضلوع والتي تسكنها أفئدة عانت من مرارته. فإن كانت الجروح هناك أشد وضوحًا، فهم يعلمون أن القمر هناك مختبئًا بين حنايا القلب. وظنوا أن بعد الفراق ستأتي سنوات الغيث، لتروي الورود الذابلة لتصبح جنة الحب خضراء بعدما استوطنها الخريف. ولكن كأن روح المغامرة لم تعد تفيد. فبعد الفراق لا شيء يجدي. بعد مرور عامين.
انتهى دوامها بالعمل. فنهضت عن مقعدها خلف ذلك المكتب الخشبي الكبير. ووضعت بعض الأوراق بالحقيبة الجلدية السوداء. لتأخذها معها للمنزل من أجل أن تسهر عليها لمراجعتها ودراستها. قبل توقيع عقود تلك الصفقة المتفق عليها بين تلك الشركة وشركة أخرى. فبعد أن انتهت نظرت لتلك المرآة الطويلة المثبتة على أحد الجدران. فها هي بذاتها "حياء" تلك الفتاة التي هجرها زوجها منذ عامان. ومنذ ذلك الحين لم تره أو تعلم عنه شيئًا. فوالده يأس من البحث عنه وإيجاده.
اقتربت أكثر من المرآة تتمعن النظر بصورتها المنعكسة بها. ورفعت يديها تمررهما على وجهها. فهي صارت أكثر نضجًا. واكتسبت جمالًا من نوع آخر. ولما لا وهي بعد بضعة أشهر ستحتفل بذكرى ميلادها الخامس والعشرين. فهي ودعت تلك الملامح الطفولية بعدما غاب عنها من كان يجعلها تشعر بأنها ستظل طفلته لما تبقى من عمرها. ولكن الآن لم يعد لديها سوى العمل. الذي ترهق نفسها به. فرياض هو من اقترح عليها أن تشغل أوقاتها بالعمل وأن لا تترك نفسها لليأس. فخلال هذان العامين. اكتسبت خبرة كبيرة من رياض وعاصم. وساهم بذلك ذكاؤها وسرعة بديهتها في فهم الأشياء.
تنهدت بخفوت وعادت تقف أمام المكتب لتأخذ حقيبتها الصغيرة والحقيبة السوداء. فألقت نظرة حالمة على تلك الصورة الموضوعة على سطح المكتب. والتي لم تكن سوى صورة جمعت بين زوجها والصغيرة. أخذتها بين يديها ومررت أناملها عليها. فقالت بصوت ملتاع من شدة شوقها إليه: "كل ده يا راسل؟
سنتين بحالهم مشوفكش أنت ولا بنتنا. بقى قلبك يقسى عليا أنا بالشكل ده. طب كل المدة دي محستش بوجع في قلبك على فراقنا. بقيت عايشة زي الأموات وأنا مستنياك ترجع يا حبيبي."
أعادت الصورة مكانها وأخذت متعلقاتها وخرجت سريعًا من المكتب. قبل أن تبدأ بنوبة جديدة من نوبات بكائها ونحيبها. فما أن وصلت لتلك السيارة الفارهة. أسرع السائق بأخذ الحقيبة منها وفتح لها باب الخلفي للسيارة. فاتخذت مجلسها بالمقعد الوثير. وأخرجت هاتفها لتطمئن على مربيتها الحنون. التي تذهب لها من وقت لآخر من أجل أن تفضي لها بمكنون قلبها. فقبل أن يتحرك السائق بالسيارة، هتفت به حياء: "أنا مش راجعة البيت. هروح لبيري في نادي....
عشان هتنظم حفل غنائي هناك." أسرع السائق بقيادة السيارة حتى وصلا للنادي. فبيري بعد موت أبيها ظلت تعمل بمهنة تنظيم الحفلات. وتذهب حياء لتساعدها من وقت لآخر. فهي أخبرتها بأن تحضر اليوم من أجل تنظيم حفل غنائي لمغني فرنسي. تلك هي زيارته الأولى لمصر وللإسكندرية. دلفت حياء للنادي وألقت على الحاضرين التحية. فأسرعت بيري قائلة وهي تمد يدها لها بحقيبة
بها ثوب اشترته من أجلها: "يلا يا حياء بسرعة غيري هدومك ده فستان اشتريته عشانك ويلا بسرعة مفيش وقت خالص." أخذت حياء منها الثوب وردت قائلة بهدوء: "حاضر يا ستي ثواني وهكون جاهزة." ذهبت للمرحاض الخاص بالسيدات وأبدلت ثيابها العملية وخرجت. وجدت بيري تقف خلف كواليس المسرح الخشبي. حتى يتم الإعلان عن بدأ الحفل. فأشارت لها بيري بالاقتراب
وهي تقول بابتسامة: "تعالي يا حياء ده المغني الفرنسي "آدم جوزيف". ممكن تكوني سمعتي عنه هو مشهور أوي في فرنسا." أومأت حياء برأسها وألقت عليه التحية باللغة الفرنسية. فوجدته يبتسم قائلاً بإعجاب ولغة عربية يبدو أنه تعلمها منذ وقت ليس ببعيد. ولم يكتفِ بذلك بل غمـ ـزها بإحدى عينيه الجريئتين: "أهلاً حياء. اسمك حلو يا مليكتي."
عقدت حياء حاجبيها كونه أنه بدأ إطرائها ومغازلتها بوقت مبكر. فهي ما أن أخبرتها بيري بشأن مطرب ذلك الحفل. علمت أنه مغني ذائع الصيت بالعلاقات الغرامية. وأحيانًا تضج مواقع التواصل الاجتماعي بأخباره العاطفية. فحتى وإن كان وسيمًا ومطربًا مشهورًا. ولكنه لا يعلم أنها أخذت مناعة ضد الإطراء أو الغزل. بل الأصح أنها لا يوجد رجل بعالمها بإمكانه أن يجعلها تستحب الغزل والإطراء بل وتجنح بأحلامها سوى زوجها الغائب. ابتسمت
باقتضاب وهي تقول ببرود: "شكرًا." أسرعت بالابتعاد وبدأت تنجز ما أخبرتها به بيري. وبعد مرور ربع ساعة تقريبًا. أعتلى آدم المسرح وهو ممسكًا بجيتاره. فظل يشدو بصوته. الذي لم تنكر حياء أنه جذاب ومميز بالغناء. فبدأ بأغنية باعثة على الشجن والحنين. ولكن سرعان ما انتهت تلك الأغنية وبدأ بأغنية أخرى حماسية تفاعل معها الجمهور. الذي تكون معظمه من الشباب بسن المراهقة.
أنزوت حياء بأحد الأماكن تستمع للموسيقى والغناء ولكنها بعالم آخر. حتى وجدت آدم يقترب منها وهو يعزف على الجيتار. فأتجهت أنظار الجميع إليهما. بل لم ينتهِ الأمر لهذا الحد. بل مد آدم يدها بورده ألتقطها من إحدى المعجبات. فأدنى برأسه منها هامسًا: "حتى نلتقي ثانية يا مليكتي."
عاد آدم للمسرح ليكمل باقي غناءه. فنظرت حياء للوردة. وسرعان ما ألقتها من يدها. وبحثت عن بيري لتخبرها بشأن عودتها للمنزل لشعورها بالإرهاق. إلا أن بيري رفضت ذهابها قبل انتهاء الحفل. فهتفت بها برجاء: "بليز يا حياء خليكي معايا. أنا الفترة الأخيرة دي مشوفتكيش إلا كام مرة بس. غرقانة في الشغل ونسياني." ابتسمت بيري بعد انتهاءها من قولها. فمسحت حياء
على ذراعها وهي تقول بحنان: "متزعليش مني. كان عندي ضغط شغل جامد الفترة اللي فاتت. حتى والله في صفقة هتتم قريب وعايزة أدرسها كويس. بس بالرغم من كده سيبت كل حاجة وجيتلك أهو." تأبطت بيري ذراعها وسارتا عدة خطوات. فتوقفت فجأة عن السير وقالت بحذر: "لسه برضه مفيش أخبار عن جوزك؟ هزت حياء رأسها بضعف.
وردت قائلة بقلة حيلة: "مفيش. تقوليش الأرض انشقت وبلعته. ده باباه دور عليه كتير لحد ما زهق أو بمعنى أصح لحد ما قولتله أنا خلاص كفاية. لو كان عايز يرجع كان رجع. مش بقاله سنتين سألش فيا ولا في حد. زي ما يكون نسينا أو مبقناش في حساباته." حدقت بها بيري بنظرة ذات مغزى. فرفعت وجهها له وتساءلت: "كرهتيه يا حياء؟
لم تكن الكراهية يومًا إحدى إجوبتها التي تفسر سبب هدوئها. أو لم تبدو للرائي أنها لم يعد يعنيها إذا عاد زوجها أم لا. ولكن لا أحد يعلم حجم تلك المعاناة التي تعانيها أو تمارسها على أعصابها لتظهر بمظهر القوة. فأجابت وهي تشيح
بوجهها عن مرمى بصر بيري: "ياريتني أقدر أكرهه يا بيرى. دا أنا حاسة إن كتر البعد خلاني أحبه وأشتاقله أكتر. مع إن أوقات كتير بعاتب نفسي على اشتياقي ليه بعد ما سابني. حتى تصدقي إن باباه عرض عليا إني أطلق منه غيابي وأتجـ ـوز حد تاني. وأن مضيعش عمري وشبابي وأنا قاعدة مستنياه يرجع. وقالي برضه إن هفضل زي بنته ومش هيفرط فيا. بس أنا مجرد ما سمعت الاقتراح حسيت بوجع في قلبي. حتى لو مش هيرجع هفضل مدام حياء راسل النعماني."
أسرعت بمحو تلك الدمعة التي فرت من عينيها. فهي لا تريد العودة لنقطة البداية من جديد. وأن تظل تبكي وتنعى حظها التعيس. فرأت ذلك الشاب المدعو آدم يقترب منهما. وقف على مقربة منها وقال بإعجاب: "شكرًا. الحفلة كانت متنظمة كويس جدًا. شكرًا أنسة حياء." ابتسمت حياء ابتسامة صفراء وهي تقول باقتضاب: "بيري هي اللي منظمة الحفلة. أنا تقريبًا معملتش حاجة. اشكرها هي. وأنا مدام مش أنسة. يعني متحاولش تتعب نفسك بمعاكستي."
رفعت حياء كف يدها الأيسر وأشارت لخاتم زواجها الماسي. لعله ذلك الشاب يعلم بأن محاولاته ستذهب سدى. أو أنه يلقي طابته بالمرمى الخاطئ. فهي لم يخفِ عليها أفعاله. التي تبدو ظاهرة للعيان بأنه يحاول مغازلتها أو استمالتها. ولكنه لا يبدو عليه أنه شعر بالضيق لتصريحها بأنها متزوجة. فهو ما زال يبتسم لها ويرمقها بهدوء. فقال وهو يشير لها بالجلوس: "أنتي فهمتي غلط مليكتي. يعني إيه أعاكسك."
"معنديش وقت أقعد معاك ولا أشرحلك. عن إذنك. بيري أنا ماشية سلام." قالت حياء عبارتها وغادرت قبل أن تسمع رد أحد منهما. فهي تريد العودة للمنزل وحسب. ولكن بعد عودتها لسيارتها، طلبت من السائق إيصالها لمنزل زوجها القديم. ولم تعلم سر رغبتها في الذهاب إليه الآن. كأنها بذهابها هناك ستجده بانتظارها. أو ستقضي بعض الوقت تستأنس بالذكريات. خاصة أن ذلك المنزل اختزن بين جدرانه ذكريات عشقهما.
توقفت السيارة أمام البيت. فترجلت منها حياء وولجت للداخل بالمفتاح الذي تحمله معها دائمًا. فهي عندما كان يغلبها الشوق إليه، كانت تأتي لهنا مسرعة وتقضي بضع ساعات ومن ثم تعود لقصر النعماني. صعدت الدرج حتى وصلت لتلك الغرفة التي كانت غرفة نومهما. فضغطت على زر المصباح الكهربائي وانتشر الضوء بالغرفة. ولكنها ذهبت رأسًا لغرفة الثياب التي خلت من كل شيء ولا يوجد سوى الأرفف الخشبية الخالية ومرآة موضوعة بأحد الأركان.
وقفت أمام تلك المرآة الطويلة. التي كانت دائمًا تقف أمامها لتطمئن لحسن مظهرها قبل خروجها للغرفة. فأغمضت عينيها لتدع نشوة الذكرى تلفحها. عندما كان يقف خلفها ويمرر يده على شعرها. ويرسل أنفـ ـاسه لتداعب وجنتيها. فكأنها باتت تسمع صوته الدافئ وهو يهمـ ـس بأذنها: "وحشتيني يا حياء." ابتسمت شـ ـفتيها وقالت وهي سابحة ببحر الخيال والذكرى: "وأنت وحشتني أوي يا حبيبي."
أسرعت بفتح عينيها. كأنه يقف خلفها وما أن تستدير إليه سيأسرها بين ذراعيه القويتين. ولكن ما أن استدارت ورفعت يديها حتى هرب منها طيفه كالسراب. فطوت أجنحتها المنكسرة، ولفت ذراعيها حول نفسها. كأنها تقي جسدها من لفحات الخيبة والأمال الكاذبة. وبعد اكتفائها من حلو الذكرى ومرها. خرجت من المنزل وعادت للسيارة لتعود لمنزل والد زوجها. فربما السائق صار متعجبًا من تصرفها اليوم. فهي كلما تستقل السيارة تخبره بأن يذهب بها لمكان آخر. كأنها تخشى عودتها للمنزل. ولكنها تفعل ذلك لتأخير جلسة سهادها والتي ستبدأ ما أن تطأ البيت بقدميها.
ولكن كان هناك مفاجأة أخرى بانتظارها. إذ وجدت عربة إسعاف أمام باب القصر. فتـ ـرجلت من السيارة بفزع. ووجدت اثنين من الممرضين يحملون السرير الخاص بالإسعاف مستلقيًا عليه رياض بوجه شاحب وفاقد الوعي. فنضبت الدماء من وجهها واقتربت من ميس وتساءلت بخوف: "ميس في إيه جدك ماله؟ ردت ميس بصوت باكي: "تعب مرة واحدة وأغمى عليه يا حياء."
تبعت سيارة الإسعاف كل سيارات قاطني القصر. حتى وصلوا لذلك المشفى الذي كان لراسل وتديره حاليًا ميس. فبعد الفحص الطبي لرياض خرجت ميس وأخبرتهم بضرورة إجراء جراحة عاجلة لجدها. ولكنها تحتاج لجراح ماهر. لذلك اقترح عاصم باستدعاء جراح بريطاني شهير من أجل إجراء الجراحة لعمه. أدنت سوزانا من ابنتها وهي تجفف عينيها بمحرمة ورقية وتساءلت باهتمام وخوف: "ميس قولي لي الحقيقة. في خطورة على حياة جدك؟ لم تستطع ميس
الإنكار وردت قائلة بصدق: "للأسف أيوة يا ماما. عشان كده العملية محتاجة جراح شاطر. يعني لو راسل كان هنا كان ممكن نكون مطمنين. بس هنجيبه منين دلوقتي. مقدمناش حل غير اللي قال عليه خاله إن نجيب جراح بريطاني." سمعت حياء اسم زوجها. والتفتت برأسها لميس. التي بادلتها النظرات تحمل رجاءً وتمنيًا واحتياجًا لوجود راسل. فحتى وإن كان غائبًا. فهم بحاجة إليه. ولكن لا أحد منهم يملك حيلة لإعادته. نظرت غزل لزوجها
ومن ثم نظرت لميس وتساءلت: "طب أنتي يا ميس مش تقدري تعملي العملية دي لجدك؟ زغت عيني ميس بعدم اتزان. فهي لم تضع بعقلها التفكير بذلك الأمر. ليس لشئ سوى أنها لن تتمكن من أن ترى نفسها ومبضعها يعمل على شق جسد جدها. حتى لو كان ذلك سيتم كسبيل لإنقاذه. فقطبت حاجبيها وردت قائلة برفض: "مش هقدر أعمل كده أعصابي متستحملش أشوف جدو في العمليات أو ألاقي إيدي غرقانة بدمه. مستحيل."
لم يتشدد أحد منهم برأيه لعلمهم بمدى حسها المرهف. فأحيانًا كانوا يتعجبون من إنها رغبت في دراسة الطب وخاصة الجراحة. نظرًا لرقتها ومدى خوفها من أن تخفق بإنقاذ مريض. وضع عاصم ذراعه حول كتفي غزل ونظر لابنة شقيقته قائلاً بهدوء: "خلاص يا ميس أنا هبعت أجيب الدكتور اللي هيعمل العملية بس يارب ييجي على طول."
نفخت ميس وردت قائلة بتمني: "يارب الموضوع يخلص على طول لأن أكيد أي دكتور هييجي من برا هياخد وقته على ما يوصل. ولو جده كانت صحته تستحمل كنا إحنا سفرناه بس مش هينفع دلوقتي. حتى لو كانت حالته مستقرة حاليًا. بس مش لازم يتعرض لإجهاد من أي نوع."
عادوا لصمتهم. وكل منهم يبتهل بداخله على أن يمر الأمر بسلام. خاصة أن الجميع لا يستطيعون تخيل حياتهم من دون كبيرهم. فرياض كان دائمًا الدرع الحامي وحامل لواء تلك العائلة منذ أن تولى تدبير شئونها خلفًا لأبيه. حتى حياء التي لا يربط بينها وبينه سوى أنها زوجة ولده. إلا أنها باتت كأنها تقاسمت دماءها مع دماء أفراد عائلة النعماني. حتى وإن لم يحالفها الحظ بإنجاب حفيد آخر لرياض. ولكن يكفيها أن طوال العامين الماضيين. عاشت مطمئنة بكنفه. فدائمًا ما كانت كنية عائلة زوجها، تفرض على الجميع احترامها.
فغمغمت حياء بصوت خافت وعيناها مغرورقتان بالدموع: "يارب إشفيه يارب ويقوم بالسلامة. اللهم إشفه شفاء لا يغادر سقمًا يارب."
ظلت تدعو وتبتهل بالدعاء لله. ووقفت أمام غرفة العناية الفائقة ونظرت لوالد زوجها عبر الزجاج الفاصل بينهما. ولم تمنع سريان الدموع على وجنتيها وهي تشعر بذلك الخوف الذي راح ينخر بقلبها خشية أن يصيب رياض مكروه. فيكفيها ما خسرته من أحبابها. فرياض هو من ساهم بأن تصبح ما هي عليه الآن. وأن تكتسب تلك الشخصية التي تبدو للجميع أنها ستتخطى الصعاب مهما بلغت صعوبتها. على الرغم من أن خلف قناع شجاعتها فؤاد ممـ ـزق وروح تغص بالشكوى. ولكنها بهذان العامان استطاعت تعلم كيفية السير قدمًا بحياتها. وأن لا تجعل رياح الخيبة والخذلان تعيث فسادًا بهدوئها الظاهري.
***
على صعيد آخر، كان هو جالسًا على الأريكة ومنحنيًا بجزعه العلوي وهو ينظر لشاشة حاسوبه الشخصي. فرفع يده وعدل من وضعية نظارته الطبية الأنيقة. ومسد على شعره برفق ومن ثم لحيته التي تخللتها بعض الشعيرات البيضاء. على الرغم من أن شعره ما زال حالك السواد. ومن ثم عاد لإنهاء ذلك التقرير الطبي. الذي حرص على إنهاءه بالمنزل بعد عودته من ذلك المشفى الذي يعمل به. فبخضم انهماكه بإنهاء التقرير، رأى يد صغيرة بيضاء ملساء مكتنزة راحت تضرب
على لوحة المفاتيح والشاشة. رافقها ذلك الصوت الطفولي المهمهم بحروف غير مفهومة سوى أن المتحدث بها يعلن عن وجوده محاولًا نطق كلمة "بابا". بل لم يكتفِ بذلك بل انحنى برأسه الصغير، وراح يلعق الحاسوب بلسانه الذي ترك آثار لعابه على مفاتيح الكتابة والشاشة.
فضحك راسل وحمل الصغير ووضعه على ساقه قائلًا بمداعبة: "أنت بتعمل إيه أنت دلوقتي؟ حلو كده هي أسنانك مضايقاك أوي كده؟ قهقه الصغير ذو الحادية عشر شهرًا. فأقترب من ذقن راسل وقضمها بأسنانه. فقال راسل متأوهًا: "آه، سنانك زي الموس. ساندرا ساندرا تعالي خدي ساجد عايز أخلص شغلي." تركت ساندرا ما بيدها وخرجت من المطبخ ووصلت للصالة فحملت الصغير وقـ ـبلته على وجنته وهي تقول بمداعبة: "بتعمل إيه ساجد، سفاح أنت؟
لم تجد ساندرا صعوبة بتعلم اللغة العربية. فبالعامين الماضيين استطاعت تعلمها من راسل ووفاء وسجود. حتى استطاعت أن تنطق بها بمهارة. حتى أنها لم تعد تستخدم لغتها الفرنسية إلا إذا كانت خارج المنزل. فأخذت الصغير معها للمطبخ لتترك راسل ينهي عمله. ولكن ما كاد يعود لإنهاء التقرير. حتى وجد سجود تهبط الدرج وهي تصيح بابتسامة: "بابي أنا خلصت الواجب ومذاكرتي كلها. يلا بقى عشان نخرج زي ما وعدتني."
فتح لها راسل ذراعيه يدعوها للاقتراب. فهرولت إليه وأندست بين أحضانه. طبع قبلة حنونة على رأسها. وابتسم لها بمحبة. فصغيرته اكتسبت طولًا عن ذي قبل وزاد حسنها وجمالها. وكأن عمرها الذي يقترب الآن من السابعة. وضعها على أول خطى الهدوء. فهي لم تعد تبكي كالسابق. بل كأنها اكتسبت الكثير من هدوئه وبروده. على الرغم من كونها ما زالت طفلة. وضع شعرها خلف أذنيها وقال بطاعة
لا يظهرها إلا لها هي فقط: "حاضر يا روح بابي. بس أخلص شغلي ده وهنخرج أنا وأنتي بس. هي فين تيتة وفاء؟ رفعت سجود سبابتها تشير للطابق الثاني وردت قائلة بصوت خافت: "تيتة في أوضتها فوق. بس مش أنت بابي قولتي هخرج أنا وأنت بس. أنا مش عايزة حد ييجي معانا."
رأى راسل ملامح الحزن على وجهها. فعلم أنها كانت تريد الاستئثار به بعض الوقت. ولا يخفى عليه أنها حتى الآن لم تتقبل وجود ساندرا أو الصغير. كونها تراهما أنهما أخذا منها أباها. الذي تعتبره ملكية خاصة بها. ربت راسل على وجنتها ورد متسائلًا بحب: "أنتي مش عايزانا نخرج كلنا سوا وناخد ساجد معانا يا سيجو؟
أشاحت بوجهها عنه ونظرت حيث تقف ساندرا بالمطبخ وتضع الصغير على المقعد الخاص به. وعلى الرغم من أنها لا تكره الصغير. إلا أنها ترى أن دلال أبيها يجب أن يكون خاصًا بها وحدها مثلما اعتادت دائمًا. فردت قائلة بنبرة مفعمة بالصدق: "أنا بحب ساجد يا بابي. بس عايزاك أنت ليا لوحدي. وأنا مش عايزة ساندرا. أنا عايزة مامى. هي وحشتني أوي يا بابي."
فالوحيدة التي ستسمح لها بالاقتراب منه هي حياء أو والدتها حسب اعتقادها. فهي لم تنساها مطلقًا. بل كلما كانت تشتاق إليها، ترى صورها أو تشاهد الفيديوهات التي جمعتهما سويًا. ولم تسمح لأحد بأن يملأ هذا الفراغ الذي تركته حياء. أراد راسل فض ذلك النقاش. الذي سيجعل ابنته تبكي بالأخير. فمسد على خصيلاتها الحريرية الطويلة قائلًا بابتسامة: "طب يلا روحي جهزي نفسك أكون أنا خلصت التقرير ونخرج أنا وأنتِ بس المرة دي."
صفقت سجود وركضت على الدرج. في حين أن ساندرا ظلت تنظر إليه بصمت. ولكنه لم يجد ما يقوله أو يفعله سوى أن يعود لإنهاء عمله. انتهى من كتابة التقرير. فحرك رأسه ودلك عنقه. وأخذ هاتفه ليستطلع أحوال من ظل يراقبهم على مواقع التواصل الاجتماعي طوال فترة غيابه عنهم. فبدأ أولًا بحياء ولكنه لم يجد شيئًا جديدًا. ولكن وجد بحساب الفيسبوك الخاص بميس منشورًا عن كونها تشعر بالحزن لمرض جدها وتطلب من الجميع الدعاء له.
اصفر وجهه على الفور. فمعنى ذلك أن والده مريض. ويبدو أن الأمر ليس هيناً وإلا ما كانت ميس فعلت ذلك. فلم ينتظر دقيقة أخرى. إذ ترك مكانه وخرج للحديقة وبحث عن رقم هاتف ابنة شقيقه. ولم يتردد بالاتصال بها وهو يدعو أن تجيب على الهاتف. فسمع صوت ميس وهي تقول بدهشة: "ألو مين معايا؟ رد راسل قائلًا باهتمام وجدية: "أنا راسل يا ميس. قولي لي ماله جدك فيه إيه وإيه اللي حصله؟ تتابعت أنفاس ميس بعد سماعها صوته. فدمعت عيناها رغماً
عنها وردت قائلة بغصة: "راسل أنت كنت فين وسيبتنا. أنا كنت محتاجالك أوي. ليه تعمل فينا كده؟ وصل لأذنيه صوت نهنهتها وشهقاتها. فرد قائلًا بشعور غريب من الندم: "حبيبتي اهدى بس وقولي لي فيه إيه. وجدك عامل إيه دلوقتي؟ قالت ميس بشعور من الخوف: "جده تعبان أوي يا راسل وكمان محتاج تدخل جراحي. وإحنا كلمنا دكتور بريطاني عشان ييجي ويعمل العملية. لو أنت كنت هنا مكنش هيبقى في مشكلة لأنك أنت كان ممكن تعملهاله."
ضغط راسل بأنامله على عينيه. كأنه شعر بألم مفاجئ بهما. علاوة على أنه أخذ يدور حول نفسه بتيه وتفكير. ولكن سرعان ما رد قائلًا بهدوء ظاهري: "أنا راجع إسكندرية يا ميس. راجع على أول طيارة إن شاء الله." *** يتبع... !!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!