الفصل 6 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل السادس 6 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
19
كلمة
9,337
وقت القراءة
47 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

لم يستلزمه التفكير بالأمر مرتين، إذ أخذ قراره بالعودة للإسكندرية على وجه السرعة. نبع ذلك القرار من خوفه أن يرحل أبيه عن هذا العالم قبل أن يراه. فحتى وإن كان غادر المنزل والبلاد غير آبه بما يمكن أن يصيبه من حزنه لفراقه أو فراق صغيرته، إلا أنه منذ علمه بما أصابه من مرض، وكأن ذلك الطفل الصغير السجين بداخله أراد التحرر من سجن البرود وأن يرى والده. حتى وإن لم يكن له أبًا مثلما أراده إلا بأيام معدودات، وسرعان ما رحل هو

عنه. لكونه سأم أمور الخداع، فعلاقته بوالده علاقة معقدة شأنها شأن بقية علاقاته. فلا شيء في حياته صار مثلما تمنى. كأنه جمع تعاسة العالم وسوء الحظ وحده. ولكن كانت بدأت أموره بالعامين الماضيين تسير على نحو لا بأس به، خاصة بوجود الصغير الذي أضفى على حياته البهجة. وساهم بأن يتحلى بالقوة والصمود في أوقاته الحالكة التي لم يحسب لها حسابًا. ولم يكن يعلم أن التعاسة ستعود وتسكن فؤاده هكذا في وقت مبكر بعدما ظن أنه أعاد ترتيب

حياته على النحو الذي يرضيه. لذلك أراد منح الصغير ومنح سجود ما تم حرمانه منه وهو صغير، ألا وهي عاطفة الأبوة.

أخرجه من استغراقه بتفكيره صوت ميس وهي تصيح عبر الهاتف بنبرة تخللها الفرح لعودته: "بجد يا راسل هترجع خلاص؟ أنت متعرفش أنت وحشتني قد إيه، وحشتنا كلنا وخصوصاً مراتك. ده حياء روحها هترجع لها لما تعرف إنك هترجع تاني." أسرع راسل قائلاً بنبرة مفعمة بالفزع: "مت'قوليلهاش يا ميس، ولا تقولى لأي حد إن أنا راجع. مش عايز حد يعرف."

لم تلفظ ميس بكلمة واحدة، حتى ظن أنه فقد الاتصال بها. فناداها أكثر من مرة، حتى عاد إليه صوتها وهي تقول بدهشة من إصراره أن لا تخبر أحد بشأن عودته: "مش عايزني أقول لحد ليه يا راسل؟ في إيه بالظبط؟ أنا مش فاهمة إيه سر إصرارك ده؟ دلك راسل جبهته وندت عنه زفرة مرهقة، ورد قائلاً بصوت خافت: "لما أرجع هتعرفي يا ميس. سلام دلوقتي عشان أعمل ترتيباتي وأشوف أول طيارة راجعة مصر. وزي ما قلت لك، مت'قوليش لحد."

بالدقيقة التالية كان مغلقًا هاتفه وعائدًا للداخل بخطوات شبه مهرولة. ذلك الأمر الذي جعل ساندرا تعقد حاجبيها بدهشة من تصرفه، ولكن لم يكن لديها الوقت الكافي لسؤاله. إذ وجدته يركض على الدرج حتى وصل غرفة وفاء، ودق الباب وولج بسرعة. فتبعته لتعلم ما أصابه جعله يتصرف على هذا النحو. وبعد وصولها لغرفة وفاء، وقفت على عتبة الباب ونظرت إليهما. نظر إليها راسل نظرة عابرة، ومن ثم وجه بصره لوفاء وهو يقول بنبرة مشوبة بالقلق:

"ماما، إحنا لازم نرجع إسكندرية. رياض النعماني تعبان وفي المستشفى. أنا كلمت ميس وعرفت إنه محتاج يعمل عملية ضروري. عشان كده لازم نرجع." انتفضت وفاء من مكانها بعدما كانت جالسة في فراشها بارتياح. ووزعت نظراتها بينه وبين ساندرا التي مازالت تقف مكانها ولا يبدو عليها أن بنيتها أن تقول شيئًا. فشدت بيدها على يد راسل وهي تقول برصانة:

"اللي تشوفه يا حبيبي. وألف سلامة عليه. كنت عارفة إن قلبك طيب ومش هيطاوعك إنك تسيبه في ظرف زي ده. بس هتعمل إيه مع ساندرا وساجد؟ أطرق راسل برأسه أرضًا ورد قائلاً بهدوء: "هناخدهم معانا يا ماما، مش هينفع أسيبهم هنا لوحدهم. هاخدهم عشان الكل يعرف إن خلاص بقى ليا حياتي هنا، وإن مش هرجع أعيش في إسكندرية تاني." رفع وجهه ونظر لساندرا وأضاف:

"ساندرا، جهزي نفسك أنتي وساجد عشان هتيجوا معانا على إسكندرية. أنا هحجز على أول طيارة، لأن مفيش وقت." ترك مكانه من جوار وفاء، واستقام بوقفته ولم ينتظر سماع كلمة أخرى منهما. بل ما أن رأته ساندرا يقترب من الباب، تنحت جانباً لتسمح بمروره. وظلت تتبادل النظرات مع وفاء، حتى استطاعت بالأخير أن تخرج عن صمتها. وتشابكت يديها وهي تقول بحيرة: "تفتكري ده قرار صح يا ماما وفاء؟

إن أنا وساجد نقابل عيلتكم في إسكندرية، خصوصًا إن عارفة إن هناك في زوجة لراسل؟

لم تستطع وفاء إنكار خوفها وحيرتها بالتفكير مما سيحدث بعد عودتهم، خاصة إذا رافقهم ساندرا والصغير. وهي تعلم مدى حب وغيرة حياء، فربما ستندلع حرب لن يستطيع أحد إخمادها. ولكنها لم تشأ أن ترهبها أو تثير بنفسها الخوف. وربتت على ذراعها بحنان، وأحثتها على إطاعة قول راسل، وأن تذهب لإعداد حقيبتها وحقيبة الصغير. بينما هي تركت مكانها على الفور تبحث عن حقيبة ثيابها. وقد بلغ شوقها منتهاه لأن تعود لمسقط رأسها، وأن ترى منزلها وصديقتها وكل أحباءها.

فبعد أن انتهى راسل من حجز مقاعد الطائرة التي ستقلع بالغد عائدة إلى وطنه، أخذ يلملم ثيابه ليضعها بالحقيبة. ولم يخرجه من تلك الحالة التي ألمت به من ترقبه لعودته لمنزل أبيه، إلا صوت صيحة الصغير وتصفيقه بيديه الصغيرتين. فالتفت خلفه على الفور، وجد ساندرا تقف على مقربة منه وهي تحمل الصغير، الذي سرعان ما مد ذراعيه رغبة منه في أن يحمله راسل.

استجاب راسل لمطلبه وأخذه منها واحتضنه وقبله على رأسه، بينما عيناه ترصد وقفة ساندرا المتململة، كأنها تريد قول شيء ولكنها تفتقر إلى الشجاعة لتقول ما لديها. فحدق بها متسائلاً: "مالك يا ساندرا؟ كأنك عايزة تقولي حاجة. لو في حاجة، قولى." فركت ساندرا يديها وردت قائلة بارتباك: "راسل، مش لازم أسافر معاك أنا وساجد. خايفة أقابل أهلك وتحصل مشاكل."

أسرع راسل بسحب يد الصغير التي كانت على وشك جذب نظارته وإسقاطها أرضاً. وعاد يربت عليه بعدما رأى بوادر تململه وانزعاجه بأنه أحبط مزحته. فقبل رأسه ورمق ساندرا قائلاً بهدوء:

"أنا عارف إن أكيد هيحصل مشاكل حتى لو مكنتوش أنتوا معايا، بس مش عايزك تقلقي. أحنا هنسافر نطمن على والدي وأشوف لو قدرت أعمله العملية. ولما الأمور تتحسن هنرجع هنا تاني. أنا مش عايزك تخافي. حتى مراتي ممكن هي اللي تطلب إن أنا وهي ننفصل. على العموم، مش عايزك تفكري كتير، ويلا عشان تخلصي ترتيب حاجتك لأن مفيش وقت. وأنتي عارفة إن لازم أرجع هنا تاني لأن حياتي في إسكندرية خلاص انتهت."

تحركت ساندرا رأسها ببطء، وأخذت تضع هي ثيابه بالحقيبة، بينما هو أخذ الصغير وولج لشرفة الغرفة. ظل يهدهد الصغير بين ذراعيه، حتى سمع صوت أنفاسه التي أنبأته بأنه غط بنوم عميق. فأدنى بوجهه منه ببطء وحرص وقبل وجنته المشربة بحمرة خفيفة. ارتعش الصغير بخفة بين ذراعيه ولكن سرعان ما عاد لنومه الهادئ. فأخذه وخرج من الشرفة. وجد ساندرا أنهت ترتيب ثيابه بالحقيبة، وما أن اقتربت منه لتأخذ الصغير لتذهب به لغرفته، أشار إليها برأسه دلالة على رفضه، وأخبرها أنه هو من سيذهب ليضعه بفراشه، بتلك الحجرة التي يتقاسمها مع سجود.

فهو ما أن وصل لغرفة ابنته وجدها تضع ثيابها بعشوائية داخل حقيبة سفرها. ولم يخفى عليه حماسها وحركتها المفرطة بالغرفة بعد علمها بأنها ستعود للإسكندرية. فقال بصوت خافت لكي لا يفزع الصغير: "بتعملي إيه يا سيجو؟ أنتي بترمي هدومك كده ليه في الشنطة؟ صفقت سجود بيديها وقالت بحماس كعادتها: "عايزة أخلص يا بابي خلاص هنرجع وأشوف مامى تاني."

لن يقتصر الأمر على العودة فقط، بل أنها سترى حياء وجدها وستعود لتلهو من جديد بحظيرة الخيول. فكم تتمنى رؤية كيف أصبحت تلك المهرة الصغيرة التي أطلق عليها جدها اسم "سيجو" تيمناً باللفظ التحببى لها. رأت أباها يضع الصغير بالمهد المتأرجح. وبعد أن استقام بوقفته ركضت إليه وارتمت بين ذراعيه تقبله على وجنتيه بنهم، كأنها تقدم شكرها وعرفانها له بأن سيعوض نزهتهما هنا بنزهة أخرى تاقت إليها منذ أن جاءوا لهنا، ألا وهي أن تعود بين

ذراعي والدتها وتنعم بدلال جدها لها. وبعد أن منحته العديد من قبلاتها الممتنة، عادت لتكمل لملمة أغراضها خاصة الدمى المحببة إليها. وزاد شعورها بالسعادة بعدما رأت أباها يجلس على طرف الفراش ليعيد ترتيب ثيابها بالحقيبة. وبعد أن انتهيا، استلقت على الفراش ونظرت لأبيها بحب وهو ينحني إليها يقبل جبينها بعدما دثرها بالغطاء، فأغمضت عينيها تحدوها رغبتها بأن تغفو سريعاً وما أن تستيقظ تجد أن اليوم التالي قد جاء وحان لقاءها بوالدتها.

بعد انتهاء جولته بزيارة الأماكن السياحية والأثرية بالإسكندرية، فكر آدم بأن يذهب للشاطئ. على الرغم من أن مدير أعماله بات يشعر بالتعب والإرهاق، وألح عليه بأن يعودا للفندق، ولكن آدم قابل طلبه بالرفض، وأصر على إكمال جولته السياحية. فضحك بعد سماعه عبارات التبرم والتذمر من ذلك الشاب الذي يرافقه. فهما صديقان منذ احترافه الغناء. فهو ليس مدير أعماله فقط، بل صديقه المقرب أيضاً. وهو من ساعده بتعلم اللغة العربية، كونه من أصل

عربي ولكنه مقيم مع عائلته بفرنسا منذ سنوات طويلة. وآدم هو من ألح عليه بأن يعلمه النطق بالعربية. على الرغم من أنه وجد صعوبة بتعلمها في البداية، إلا أنه الآن استطاع التحدث بها بلكنة جذابة بإمكانها جذب الفتيات المولعات بالمطربين، خاصة إذا غازلها باللغة العربية التي تحمل من التشبيهات البلاغية ما يستميل به عقول وقلوب الفتيات.

فصاح صديقه قائلاً بامتعاض: "كفاية بقى يا آدم، أنا مبقتش قادر أمشي تاني. هو أنت ناوي تزور إسكندرية كلها النهاردة؟ أولاه آدم ظهره ووضع يديه بجيبه ونظر للبحر. فظل الهواء يضرب ثيابه ووجهه، ولكن التفت إليه برأسه قائلاً بشجن: "سمعت كتير عن إسكندرية وجمالها، فحبيت أشوف ده كله. مش ينفع أكون هنا ومش أزور كل مكان فيها. وجايز أشوفها تاني." أقترب منه صديقه وقبض على كتفه وهو عاقدًا حاجبيه متسائلاً بدهشة:

"هي مين دي اللي جايز تشوفها تاني؟ "حياء." قال آدم بصراحة. فهو منذ أن رآها بالحفل الغنائي وهو يتمنى أن يراها ثانية. وكأنه يبحث عنها بكل مكان يذهب إليه. ترك صديقه كتفه وقبض على ذراعه بشيء من الحدة، وجعله وجهاً لوجه معه، فتغضن جبينه بامتعاض، فقال وعيناه تحذره من الانجراف خلف جنونه:

"آدم، متبقاش مجنون. أنت من ساعة ما شوفتها ومبطلتش كلام عنها، مع أنها اصلا متكلمتش معاك كلمتين على بعض. ثم مش أنت عرفت أنها ست متزوجة ومش متزوجة أي حد؟ دي متزوجة ابن أغنى راجل في البلد دي وراجل له مكانته. متعملش مشاكل بسبب نزواتك وجريك ورا البنات."

زفر آدم أنفاسه الحائرة، وجذب ذراعه من قبضة يد صديقه، فعاد يحدق بأمواج البحر، وكأن ما سمعه من تحذيرات ليس له أهمية ولن يضعه موضع اعتبار. فخلع حذاءه وثنى طرفي بنطاله وركض على طول الشاطئ. لم يعلم طول المسافة التي ركضها، إلا بعدما نظر خلفه ولم يعد يرى مكان صديقه بوضوح. ولكن لن يكون العودة لذلك المكان الذي انطلق منه راكضاً قراراً صائباً الآن، خاصة بعدما رأى من كان يتمنى رؤيتها منذ قليل.

فعوضًا عن أن يعيد أدرجه، أكمل ركضه حتى وصل إليها بذلك المكان الذي وقفت به، فرفع يده وألقى عليها التحية بوجه طليق: "أهلاً حياء." ارتعدت حياء بعد سماع صوته، وتساءلت من أين ظهر لها فجأة؟ وربما ساهمت دهشتها برؤيته أن تأخذ وقتاً كافياً لأن تجد رداً مناسباً. ولكن ذلك لم يمنعها من أن تقول بالأخير بشعور من الضيق: "أهلاً بيك. هو أنت ماشي ورايا ولا إيه؟

أحس آدم بمدى انزعاجها من رؤيته، خاصة أنها عادت تنظر للبحر، كأنها بانتظاره أن يتركها وشأنها. ورغم ذلك ظل مكانه ولم يكن بنيته أن يترك مكانه حتى لو كانت منزعجة. فوضع يديه بجيبى بنطاله وغرز أصابعه في الرمال الرطبة وهو يقول بهدوء مميت: "أنا كنت بتمشى وشوفتك، قولت أسلم عليكي. شكلك مضايقة بعد ما شفتيني، ومش عارف ليه من أول ما اتقابلنا وأنتي زي ما تكوني عايزة نتخانق سوا."

شل الحرج صوتها، خاصة أنها بدأت هجومها مبكراً. ولا تعلم لما صارت بتلك الفظاظة كلما تحدث إليها رجل أو شاب، كأنها تريد أن تصب جام غضبها على كل من يقابلها. خاصة أن آدم منذ أن قابلها وهو لم يخفِ نواياه بأنه يريد مغازلتها. وربما امتناعها عن إعطائه أي فرصة ليزيد من أقواله، جعله يشعر بالتحدي. قبضت على طرف حجابها الذي ساهم الهواء بأن يرفعه حتى كاد يغطي وجهها، فردت قائلة بنبرة حملت بين طياتها الكثير من الحزن:

"سوري يا أستاذ آدم، بس أنا قلت لك أنا واحدة متزوجة. ولو حد شافك معايا بنتكلم هيألف علينا حكايات. إحنا في مجتمع شرقي وكل خطوة محسوبة عليا، فهمت." أخرج آدم إحدى يديه وراح يعيد ترتيب خصيلات شعره التي عاث بها الهواء القادم من البحر فساداً وبعثرة، فزفر قائلاً بإعجاب: "أنا بحسد جوزك إن عنده زوجة زيك يا حياء." ابتسمت حياء بدون مرح، بل علقت غصة بحلقها وهي تهمس لذاتها بشئ من التفكه الساخر: "صحيح اللي ميعرفش يقول عدس."

ترغب في المكوث طويلاً بهذا المكان، ولا تريد أن تثار حولها أقاويل كاذبة، وهي من تحمل كنية عائلة ذائعة الصيت بالمجتمع السكندري. وأحياناً يتتبع الصحفيين أخبار كل فرد من العائلة لتضج الجرائد أو مواقع التواصل الاجتماعي بأخبار ربما تنافي الحقيقة. فقالت وهي تهم بالمغادرة: "عن إذنك يا أستاذ آدم."

استدار آدم ونظر لأثرها وهي تخطو تجاه سيارتها التي صفّتها بمكان ليس ببعيد. ولم تكلف نفسها أن تنظر إليه قبل أن تستقل السيارة. انتفض جسده فجأة وهو يشعر بتلك اليد التي حطت على كتفه. رمق صديقه بحاجبين معقودين دلالة على أنه يشعر بالامتعاض منه، وخرج صوته حاداً: "أنت رعبتني، مش تتكلم عشان أعرف إنك قريب مني." لوى صديقه ثغره قائلاً بسخرية: "اترعبت؟

دا على أساس إنك نسيت إن أنا معاك ولا عشان شوفتها خلاص توهت ومبقتش مركز في حاجة. بس عايز أقولك أنت بالنظام ده، هتحط رجلك على أول طريق آخرتك إن شاء الله، ويلا أهو نبقى ارتحنا منك يا أبو عين زايغة ومش عاتق حد لا متزوجة ولا غير متزوجة." وكزه آدم بصدره وهو يضحك، لعلمه بأن صديقه يحذره من مغبة الاستمرار في تفكيره. وربما هو محق ولكنه يأبى الاعتراف بذلك. فأشار إليه أن يتبعه وهو يقول بصوت حازم:

"يلا نرجع الفندق، عايز أرتاح شوية. وممكن تسكت عن كلامك ده، أنا عارف بعمل إيه."

رفض صديقه أن يتحرك قيد أنملة قبل أن يخبره بما ينوي فعله، إلا أن جذب آدم لذراعه جعله بالأخير يسير بجانبه. وكلما نظر لمحيا آدم الهادئ، يعلم أن خلف هدوءه هذا عقل لا يكف عن التفكير. ولكن ربما تلك المرة ستكون الخسائر فادحة. فأدم كونه شاب غربي، يرى كل أموره من منظور الحرية، ولا يأخذ بمنطق أن هناك ضوابط تحكم المجتمع الشرقي. حتى وإن حاول البعض التنصل من التمسك بتلك العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية. فهناك الكثير مازال

محافظاً على تلك الأعراف، خاصة تلك العائلة التي ينحدر منها زوج تلك الفتاة، التي منذ أن قابلها وهو لم يكف عن الحديث عنها، بل باتت لديه رغبة قوية في التقرب منها. ويتمنى رؤيتها بكل مكان يذهب إليه. ولكن هناك شيء يحيره بتصرف آدم، وهو لما يريد تلك الفتاة عن غيرها، رغم أن حياته حافلة بالكثير من الحسناوات اللواتي كن أكثر جمالاً وجاذبية عن حياء. فظل يسأل نفسه ما المميز بها عن غيرها لتجعل آدم يركض خلفها هكذا؟

بعد قضائه عدة ساعات باجتماع مع مدراء الفنادق الخاصة به، أشار إليهم بالانصراف. فهو لم يعد لديه طاقة على الحديث أو أن يسمع شيئًا آخر عن أرباح الفنادق والتي زاد معدلها بالأونة الأخيرة. ولما لا وهو يدير أعماله بقبضة من حديد، ولا يقبل بأنصاف الحلول. فإما أن تتم الأعمال على أكمل وجه، أو لا يشرع فيها من البداية. لذلك حرص مدراء الفنادق على تنفيذ أوامره خشية خسارة أحدهم لوظيفته التي تدر عليه ربحًا وفيرًا نظراً لسخاء عمران بمكافأة من يؤدي وظيفته على النحو المطلوب منه. فإن كان اشتهر عنه سخاءه في تقديم المكافآت، فاشتهر عنه أيضاً كونه لا يرحم من يخطئ. فهو لا يجادل أحد، بل من يقدم على ارتكاب الخطأ، من الأفضل له أن يترك وظيفته دون مجادلة.

"الحمد لله إن الاجتماع خلص. دقيقتين كمان وكانت دماغي هتنفجر." قالها عمران وهو يمازح شقيقه معتصم. وأرخى رابطة عنقه وزفر بإرهاق. فمسح على وجهه وأسند ظهره لمقعده. ولكن ما لبث أن مد يده والتقط هاتفه بعد سماعه صوت وصول رسائل له. فربما غزل أرسلت له اليوم صورة ميس، مثلما اعتادت أن تفعل يومياً، فهو من أوصاها بفعل ذلك. أسند معتصم رأسه ليده وقال وهو يتنهد بعمق: "وبعدين يا عمران أنت هتفضل مقضي حياتك تحب مراتك من بعيد لبعيد؟

أظن كفاية كده." مرر عمران يده على شاشة الهاتف، فرد قائلاً وهو يمعن النظر بصورة زوجته: "وهو أنا كنت قصرت يا معتصم؟ ما هي اللي راكبة دماغها، وأنا حاولت كام مرة أصالحها وهي بتزيد في عنادها، فخلاص أنا مش هذل نفسي ليها أكتر من كده حتى لو كنت لسه بحبها."

تغيرت ملامح وجه عمران على الفور، بعد تذكره صد ميس المتكرر لمحاولاته لتصفية الخلافات بينهما. فهو يقسم أنها لو كانت فتاة أو امرأة أخرى، لكان من أول محاولة تركها ولن يعود ليخطب ودها مرة أخرى. ولكن هي ليست أي امرأة، بل هي ماسته. والتي حاول من أجلها أن يتخلى عن القليل من كبريائه. ولكنه وصل لحد الاكتفاء من أمور دلالها، كأنه أفسدها هو بمحاولاته بالعامين الماضيين. فمنذ آخر مرة ذهب بها لبيت جدها من أجل إعادتها منذ بضعة شهور،

ووجدها مازالت متمسكة بعنادها ومطلبها بأن يمنحها الطلاق. أقسم على أنه لن يعيد الكرة مرة أخرى، إلا إذا رأى منها ما يوحي برغبتها في أن تعود إليه ولمنزله. وكل هذا لم يمنعه بأن يوصي غزل بنقل كل تحركاتها داخل قصر النعماني، وهو يتكفل بأمر المشفى، أو أي مكان تذهب إليه.

نقر معتصم بالقلم على سطح الطاولة وقال بتفكه: "خليكوا انتوا الاتنين راكبين دماغكم لحد العمر ما يجري، وابقى اتقابلوا في الخمسينات ولا الستينات كده." رفع عمران ملف به بعض الأوراق وألقاه بوجه شقيقه وهو يقول بغيظ: "ليك نفس تهزر كمان يا أخويا، قوم يلا عشان أنا دلوقتي هروح أطمن على جدها في المستشفى، وما فيش مانع أفور دمها بالمرة بنت النعماني."

قال شق عبارته الأخير بمكر ودهاء، خاصة أنه مازال متذكراً كيف تغيرت ملامح وجهها عندما ذهب للمشفى لزيارة جدها بعد علمه بما حدث. وعلى الرغم من أنهما لم يتحدثا سوياً، إلا أنه شعر بمدى انزعاجها برؤيته يتحدث مع إحدى الممرضات.

ما أن استقام معتصم بوقفته ليرافقه للمشفى، وجدا السكرتيرة تطرق الباب وتلج منه وهي تخبر عمران بشأن أن هناك ضيفة تريد مقابلته. نظر عمران ومعتصم للسكرتيرة، فأخبر عمران شقيقه بأن ينتظره بمكتبه، حتى يرى من تكون تلك الضيفة التي تريد رؤيته. فخرجا من غرفة الاجتماعات وذهب عمران لغرفة مكتبه. وجد امرأة تقف أمام النافذة وتوليه ظهرها. فحمحم قائلاً بهدوء: "أهلاً بحضرتك، أنا عمران الزناتي. خير؟ كنتي عايزاني في إيه؟

استدارت إليه المرأة وما أن رآها اتسعت حدقتاه ورمقها بذهول وصدمة، فقال بصوت خرج خافتاً من دهشته برؤيتها: "ليالي! معقولة؟ أنتي؟ ابتسمت ليالي وأزاحت شعرها خلف أذنيها بسعادة لم تنكرها قسمات وجهها بأنهما تقابلا مرة أخرى. حتى أنه لم ينساها أو ينسى اسمها. فتقدمت بخطواتها منه ومدت يدها لتصافحه وهي تقول بابتسامة عفوية صادقة: "أزيك يا عمران؟ متتخيلش أنا سعيدة قد إيه إني شوفتك تاني."

أربكته الصدفة بأنه عاد والتقى بها مرة أخرى بعد اختفائها المفاجئ. فصافحها بهدوء ودعاها للجلوس متسائلاً بإلحاح طفيف: "ليالي، أنتي كنتي فين ده كله بعد ما سبتي الشقة؟ جلست ليالي على المقعد المقابل له وضعت ساق على أخرى. ولم يمنع عمران نفسه من تأمل هيئتها الجديدة عليه كلياً. فهي صارت أشد أناقة بثيابها الثمينة وتلك الحلى الماسية التي تزين عنقها وأناملها ومعصمها الأيسر. غامت عيناها وهي تسرد له كل ما حدث لها مؤخراً:

"أنا بعد ما سبت الشقة مكنتش عارفة أروح فين، بس لقيت مطعم اشتغلت فيه. كان فيه راجل سويدي من أصل مصري بيتردد على المطعم. عجبته، فعرض عليا الجواز ووافقت، قولت أتجوز بدل ما أتمرمط. اتجوزنا وسافرت معاه على السويد. كان راجل غني بس اكتشفنا إن عنده مرض خطير وللأسف اتوفى بعد كام شهر من دخوله المستشفى، وورثت أنا كل أملاكه. بس بعت كل الأملاك دي ورجعت إسكندرية، مكنتش حابة أقعد في بلد غريب. فحولت كل الفلوس على هنا وفكرت إن أفتح مشروع سلسلة مطاعم. وقولت إن أنت أكتر واحد هتقدر تساعدني وخصوصاً إن عندك فنادق ومطاعم وعارف في شغل البيزنس ده كويس."

أنهت حديثها وأخرجت من حقيبتها علبة سجائرها ومدت يدها له بها، ولكنه رفض دعوتها بتهذيب. فسحبت هي سيجارة وأشعلتها بقداحتها ومن ثم وضعتها بالحقيبة، لكي تمنح نفسها وقت كافٍ قبل سماع رده. فلا شيء دفعها للمجيء سوى أنها كانت تريد رؤيته. وتلك المكانة التي تركها بقلبها لم يستطع أحد المساس بها حتى زوجها الراحل، والذي لم تجعله يشعر بيوم بأن هناك رجل غيره يملك قلبها. ولكن عمران ما زال مهيمناً ومسيطراً على ذلك الجانب الأنثوي الضعيف منها، والذي لم تكن تعلم بوجوده إلا بعدما رأت أفعاله معها.

رد عمران قائلاً بهدوء كأنه يتحدث مع أحد عملائه: "الموضوع عايز تفكير كويس يا ليالي وعايز حد يكون بيفهم في البيزنس اللي من النوع ده، عشان تتجنبي الخسارة وتقدرى تحققي أرباح من المشروع. يعني مش مجرد فكرة وفلوس بس." دعست سيجارتها بمنفضة السجائر، وهزت رأسها بالموافقة وقالت بعدما أسندت ظهرها للمقعد:

"أنا مش طالبة منك موافقة دلوقتي، يعني فكر براحتك وهنتظر ردك. أنا مقدرش أأمن حد على فلوسي غيرك أنت. أنا همشي دلوقتي وأتمنى أسمع ردك في أقرب وقت. ودي الكارت بتاعي فيه نمرة تليفوني وعنواني. سلام يا عمران."

ناولته بطاقتها التعريفية وتركت مقعدها تتأهب للمغادرة، بعدما شددت على نطق اسمه بصوت أنثوي رقيق، مما جعله يزدرد لعابه، كونه يعلم كيف كان هوسها به. بل أنها تجرأت مرة وطلبت منه أن يتزوجها. ولا يعلم هل سيكون من الحكمة أن تعود ليالي لساحة حياته مرة أخرى، خاصة أن الوقت الحالي صارت الأمور بينه وبين زوجته متأزمة للغاية. ولكنه عاد وتذكر أنه قادر على الفصل بين عمله وحياته الخاصة. وإن كان من قبل استطاع ردع رغبة ليالي به، فلن يجد مشقة بفعل ذلك إذا عادت وفكرت به بشكل يتنافى مع كونها تريد مساعدته بشأن العمل.

"مع السلامة يا ليالي." قالها عمران وهو يرافقها إلى باب غرفة مكتبه. وبعد أن خرجا ووقفا أمام الباب، دقق معتصم النظر بها بحاجبين معقودين بعدما صافحت شقيقه. فهو لم ير تلك المرأة من قبل، وهو يعلم خير العلم بأن عمران ليس ذلك الرجل الذي تربطه صداقة بأي امرأة كانت. بل دائماً كان جافاً بمعاملة النساء قبل زواجه، حتى بعدما تزوج، اقتصرت عواطفه ومشاعره على زوجته فقط. وبعدما حدث ما حدث بينهما ظل عمران وفياً لهذا الحب الذي يكنه لميس، ولم يدع أي امرأة أخرى تستميله إليها. فبعدما تركت المكان، عاد ينظر لشقيقه ينتظر تفسيره لوجود تلك المرأة هنا، أو ماذا تريد منه؟

ولكن عمران أرجأ الحديث معه بهذا الأمر، لحين عودتهما من المشفى بعد أن ينتهيا من زيارة رياض النعماني. ومن داخله يعلم أن تلك الزيارة لن تقتصر على الاطمئنان على الأحوال الصحية لكبير عائلة النعماني، بل لكي يمتع عينيه برؤية تلك الشقراء، ولن يجد ما يمنعه من أن يثير غضبها قليلاً، فكم تبدو شهية وهي ثائرة.

خرجت ميس من غرفة جدها تشعر بالإنهاك، بعدما انتهت من فحصه اليوم وتناول أدويته وخلد للنوم. استندت بظهرها على الجدار، كأن قدميها لن تستطيع حملها للذهاب لغرفة مكتبها، والتي كانت سابقاً لراسل. فبعد أن التقطت أنفاسها تحركت من أمام الغرفة، تتثاقل مشيتها في رواق المشفى المؤدي لغرفة المكتب. وضعت يديها بجيبى رداءها الطبي، تومئ برأسها بخفة لكل من يلقي عليها التحية من الأطباء والعاملين بالمشفى. وصلت إلى وجهتها، ففتحت الباب وولجت للداخل. ولكن ما كادت تمر دقيقتان حتى سمعت طرق على باب الغرفة، فأذنت للطارق بالدخول، بعدما هتفت بصوتها المرهق. ولكن ذلك لم يمنعها بأن تجلس بشموخ معتاد على مقعدها، تنتظر دخول الطارق.

انفتح الباب وولجت منه ولاء وصغيرها، فهبت ميس من مقعدها وهي تصيح باسمة: "إيه ده؟ ولاء ومراد؟ إيه المفاجأة الجميلة دي؟ اقتربت منها ولاء وقبلتها على وجنتيها وقالت بابتسامة وهي تداعب رأس صغيرها: "كنا في مشوار قريب هنا، قولنا نيجي نسلم عليكي. وكمان عرفت إن جدك تعبان وهنا في المستشفى. فقولت أجي أزوره. هو لسه هنا ولا رجع البيت؟

انحنت ميس وحملت الصغير وقبلته على وجنته بحب، فدعت ولاء للجلوس وجلست على المقعد المقابل لها ووضعت الصغير على ساقيها. فداعبت وجنته المكتنزة وقالت بصوت غلب عليه التأثر والحزن: "لأ جدو لسه هنا، عشان محتاج يعمل عملية." انحنت ولاء قليلاً للأمام وربتت على ساقها وهي تقول بمواساة: "إن شاء الله هيبقى كويس وهيقوم بالسلامة يا ميس. باين عليكي الإرهاق جامد." دمعت عينا ميس رغماً عنها وقالت بصوت متحشرج من الخوف:

"خايفة على جدو أوي يا ولاء. ده لو جراله حاجة أنا ممكن أموت فيها. ده مش بس جدي، ده كل دنيتي. فتحت عيني في الدنيا عليه هو وراسل وخالو عاصم. مقدرش أتصور حياتي من غير حد منهم." على ذكر اسم راسل، تغشى الحزن عين ولاء هي الأخرى. فكم كانت تتمنى وجوده عندما وضعت صغيرها. ربتت على ساق ميس وحاولت الابتسام لعلها تردع تلك الدمعات التي باتت تحرق جفنيها، فقالت بتفاؤل وأمل:

"إن شاء الله يا ميس جدك هيقوم بالسلامة، وأبيه راسل يرجع هو كمان. أنا مش عارف قلبه طاوعه يسيب حبايبه كل الوقت ده إزاي." جففت ميس دموعها، ونظرت لولاء قائلة بحذر: "ولاء، أنا هقولك على حاجة بس بالله عليكي ما تقولي لحد. أبيه راسل هيرجع قريب. لما عرف إن جدو تعبان كلمني وقال إنه راجع على أول طيارة. بس كان موصيني مقولش لحد ولا حتى حياء."

رنين هاتف ولاء، ساهم بإخراجها من تلك الحالة التي تغشتها فجأة بعد سماع ما قالته ميس، حتى أنها لم يكن لديها الوقت لمنحها رداً على ما سمعته منها. إذ وجدت اتصال ملح من زوجها معتصم، ففتحت الهاتف على الفور، وحاولت أن يخرج صوتها طبيعياً: "أيوة يا معتصم، أنا هنا في المستشفى في أوضة المكتب بتاعة ميس. تمام، تعالوا مستنياكم."

صيغة الجمع التي قالتها ولاء تنافت مع فكرة أن معتصم جاء بمفرده. لذلك فطنت ميس على الفور بأن ربما يرافقه عمران. فسحبت محرمة ورقية وراحت تجفف عينيها، لتمحي عنها أثر البكاء. وقبل أن تفهم أي منهما بكلمة كانتا تسمعان طرق على باب الغرفة. فولج معتصم وتباطأ عنه عمران قليلاً. ولكن ترك الصغير مجلسه على ساقي ميس، وهرول تجاه عمه، الذي انحنى إليه وحمله عن الأرض يقبله وهو يقول باسماً: "البطل بتاعي عامل إيه النهاردة؟

بعدما ألقى معتصم التحية على ميس، أشار لصغيره وهو يقول ممازحاً: "شوفوا الواد عدى من جمبي ولا كأنه شايفني وجرى على عمه. هو أنا شفاف للدرجة دي؟ ضحكت ولاء على قول زوجها، لعلمها بأن صغيرها ربما بات يميل لعمه عمران أكثر من أبيه. فعمران يزيد بتدليله لمراد، حتى أنه يشاركه غرفته. فقالت ولاء وهي تشير لبطنها باستحياء: "خلاص يا حبيبي، التاني لما ييجي إن شاء الله هيجري عليك أنت."

اتجهت أنظار الجميع إليها، وحملق بها زوجها وهو فاغرًا فاه يكاد فكه السفلى يصل للأرض قائلاً بدهشة: "أنتي حامل يا ولاء؟ بتتكلمي جد؟ فهو لا يعلم بشأن أنها حامل مرة أخرى، ولم يعلم بالأمر إلا الآن. فقالت ميس بابتسامة: "ألف مبروك يا ولاء، تقومى بالسلامة إن شاء الله." ردت ولاء قائلة بابتسامة بشوشة:

"الله يبارك فيكي يا حبيبتي. وأنا والله ما عرفت إلا النهاردة الصبح. ولما جيت المستشفى أطمن على جدك قولت أعمل تحليل دم. يعني لسه مش متأكدة من الموضوع أوي." تابع معتصم نظرات شقيقه لزوجته، فجذب يد ولاء قائلاً: "طب تعالي بقى نتأكد يا أم العيال." وأقترب من شقيقه وحمل صغيره يقبله واستطرد قائلاً وهو يقضم وجنة الصغير: "وتعال أنت كمان عشان أفكرك إني أبوك."

أخذ معتصم زوجته وطفله وخرج من الغرفة. فجلست ميس على مقعدها خلف المكتب وانتظرت أن ترى عمران يرافقهم. وضعت رأسها بين راحتيها وخفضت وجهها وأغلقت عينيها كأنها غير قادرة على فتحهما. وبسماعها صوت إغلاق الباب، ظنت أن عمران خرج هو الآخر. فأسندت ظهرها للمقعد وهي مازالت على حالها من إغلاق خضراوتيها، كأنها ستتأذى من الضوء إذا عملت على فتحهما. ولكن بداخل عقلها كانت تسترجع تلك اللحظات منذ رؤيتها لعمران وهو يلج الغرفة، وكيف كان

يحتضن ابن شقيقه. فمما لا شك فيه أن عمران كان سيكون أب حنون ورائع. وعلى الرغم من شعورها بالسعادة من أجل ولاء، إلا أنها شعرت بالحزن ما أن طاف بعقلها تلك الذكرى المرة التي خسرت بها جنينها الأول. فانسابت دموعها وهي تمسد بيدها على بطنها، تشعر بالحيرة من كونها لم تقو حتى الآن على مسامحة عمران لـ فعلته. ولكن وجدت دفء مفاجئ يغمر وجنتها، فارتعبت وفتحت عينيها على الفور. وجدت عمران منحنيًا إليها، يكاد لا يفصل بينهما سوى تلك

المسافة التي تسمح بأن يرى كل منهما الآخر بوضوح.

اتسعت حدقتاها وهي تنظر إليه نظرات مرتبكة لم تحسن إخفاء خوفها من شعورها بأنه قريبًا منها لهذا الحد، وبذات الوقت كأنها بعيدة عنه آلاف الأميال. فمدت يدها وأزاحت كفه بشيء من الجفاء وهي تقول بهدوء مدروس: "أنت مخرجتش معاهم ليه؟ جلس على حافة المكتب بالقرب منها، وقال ببرود متعمدًا إغاظتها: "قولت أقعد معاكي نتكلم شوية على معتصم وولاء ومراد يرجعوا. محبتش أسيبك لوحدك." عاد يكمل حديثه، بعدما سكت لبرهة، فقال بصوت تخلله الحزن:

"مش عايز أبقى متطفل على حياة أخويا، بالرغم من إن ابنه متعلق بيا. أنتي عارفة أنا اللي سميته مراد وحبيته أوي، لأن كنت دايما أحلم إن اسم مراد الزناتي يرجع للحياة تاني، وكنت أتمنى إن يكون مراد ده ابني أنا." التوى ثغر ميس بابتسامة ساخرة ومقهورة بالوقت ذاته وقالت بعتاب قاسٍ: "وهو كان مين السبب في ضياع حلمك ده يا عمران؟ مش أنت برضه؟

وأنا قلت لك، بالنسبة ليا خلاص حياتنا انتهت مع بعض. فيا ريت تشوف حياتك ولسه بإمكانك تخلف ويبقى عندك أولاد، بس أنا مش هكون أمهم." أخذ رأسها بين راحتيه بعدما جن جنونه من تكرار حديثها بأنها لن تعود إليه. فهزها بشيء من القهر، وهو يكبح جماح نفسه بأن ينقض عليها ويثأر لقلبه الملتاع. فهتف بها بشيء من الحدة: "لسه مزهقتيش من الأسطوانة دي بقى؟ هفضل مستنيكي لحد إمتى عشان تسامحيني؟ غلطت واعترفت بغلطي، عايزة إيه تاااني؟

صاح بآخر كلماته مما جعلها ترتعد بين يديه. فكلما مارس الهدوء، تعود وتسلبه إياه بعنادها. ولم تفلح محاولتها بالتملص من بين يديه، لذلك استقامت بوقفتها لعله يفلتها، ولكن كانت له الغلبة كالعادة. بل صار الموقف بينهما أكثر سوءًا، إذ راحت تقذفه بكل ما تطاله يدها من تلك الأشياء الموجودة على سطح مكتبها، كأنها تريد إفراغ كامل غضبها ويأسها وخوفها وكل ما تشعر به بتلك الآونة. ولم تجد غيره يتلقى ثورتها العارمة، ولكنه أحكم سيطرته على يديها، وقبض عليهما من خلف ظهرها بكف واحد، لعل ذلك يسهل أمر انقيادها إليه.

تصاعدت دقات قلبها بسخط وقالت بأمر: "سيب إيدي يا عمران واطلع برا، أنا مش عايزة أشوف وشك. أنا بس أطمن على جدو وهرفع عليك قضية طلاق، أو هخلعك يا ابن الزناتي." كلمتها الأخيرة كانت كفيلة بالقضاء على ما تبقى من هدوئه. فرفع حاجبه قائلاً بذهول: "تخلعيني أنا يا ميس؟ لو تقدري، اعمليها يا بنت النعماني عشان يبقى آخر يوم في عمرك." تركها فجأة بشيء من القسوة، فرفعت ذراعيها تدلك معصميها وقالت بغضب: "هتفضل طول عمرك همجي و...

رأى أنها ثرثرت للحد الذي يؤمن سلامتها، لذلك وضع حداً لذلك السيل من الشتائم والسباب الذي علم أنه بطريقه إليه. فكم كان الأمر ممتعاً له وهو يجعلها تبتلع تلك الإهانات التي كانت على وشك قذفها بوجهه. بل تخبطها بين ذراعيه بذلك العناق المحموم المشوب بالجنون، جعل عناقه لها يحمل طابع الهيمنة، لعلها تعلم مع من تريد العبث. ولكن لم تدوم هيمنته وسيطرته طويلاً، خاصة بعدما سمعها تلفظ اسمه برجاء من أن يتركها. فإن فصل العناق بينهما وأعطاها الحرية بأن تلتقط أنفاسها، إلا أنه ما زال فارضاً حصاره حولها.

ولكن بدأ يلعن نفسه ما أن رآها تنخرط بالبكاء، بل أن قدميها بدأتا تتهاوى، حتى كادت تسقط، لولا ذراعاه الممتدتان لها. فضمها إليه ضمة قوية دون إيلام، وردد على أذنها عبارات الأسف والندم، التي يعلم أنها لن تزيدها سوى شعور بالنفور منه، خاصة بعد عناقه القاسي لها، الذي جاء ليرسخ بذهنها أنه ما زال قادرًا على إيذاءها بخضم شعوره بالغضب منها.

مرت الدقائق كأنها دهر بأكمله. فمنذ أن وطأت قدميه أرض الإسكندرية، وكأن الوقت يمارس عليه إحدى الألعاب المنهكة للأعصاب. وجاء ذلك ضمن أن تلك السيارة التي ستقلهم لقصر النعماني، أصيب أحد إطاراتها بثقب، استلزم استبداله. علاوة على أن خزان الوقود نفد، لذلك توقفوا ثانية بإحدى محطات الوقود. فلم تفد حيلته بنقر أصابعه ببعضهما البعض، لكي يلجم لسانه عن أن يصبح بوجه السائق، الذي لم يتأكد من قدرة سيارته على نقلهم لوجهتهم. ولكن حاول

هو الاستفادة من ذلك التأخير، بأن يمنح ذاته فرصة للسيطرة على تلك الأفكار التي راحت تعصف بعقله، بل عصفت بكيانه بأكمله، من تفكيره في كيفية استقبال قاطني قصر النعماني له بعد غيابه كل تلك المدة. ولكن لم يكن يعنيه استقبال أحد منهم، قدر اهتمامه بالتفكير في رد فعل زوجته حياء بعد رؤيته، إذا كانت ما تزال تقطن بمنزل والده ولم ترحل منه. فساهم الصغير الجالس بالمقعد الخلفي على ساق والدته، أن يخلق جوًا من المرح، بعدما شب واقفًا على

ساقي ساندرا وجذب شعر راسل الجالس بالمقعد المجاور للسائق.

التفت راسل له ونظر إليه باسماً: "أنت وبعدين معاك أنت في شقاوتك دي؟

بط الصغير بيديه كأنه يمنحه الأمر بأن يأخذه ويجلسه على ساقيه، فاستجاب له على الفور. وبعد عدة دقائق قضاها بجذب انتباه راسل له بأفعاله، داهم النعاس عينيه الصغيرتين، فنام هانئًا مطمئنًا قرير العين. وما هي إلا دقائق معدودة حتى وجد السيارة تقف أمام ذلك القصر المنيف، والذي راح أحد حارسي البوابة الكبيرة يقترب منها ليعلم لمن تعود. وما أن رأى ابن سيده يجلس بالمقعد الأمامي، حتى تهلل وجهه وصاح للحارس الآخر بأن يفتح البوابة، فأكملت السيارة طريقها حتى وقفت أمام الباب الداخلي للمنزل.

فتترجل راسل من السيارة وهو يحمل الصغير الغافي بين ذراعيه، بعدما أعطى للسائق نقوده. وتوافد عدد من الحراس بعد علمهم بعودته، فهتف بهم قائلاً بهدوء: "ادخلوا الشنط اللي في العربية على جوه." لم يستطع أحد منهم أن ينبس ببنت شفة، خاصة بعدما رأوا راسل يحمل طفل صغير ويرافقه امرأة لم يرها أحد منهم من قبل. فهم ليس لديهم الصلاحية بأن يعلق أحدهم منهم على تصرفات أحد من أصحاب المنزل، لذلك أسرعوا بتنفيذ ما قاله.

توقفت قدماه على عتبة الباب لهنيهة، كأن يخشى أن يطأ للداخل بقدميه وتتخطفه ملائكة العذاب. ورغم ذلك ما أن أمر ساقيه بالتحرك أطاعته على الفور وولج للداخل بخطوات ثابتة هادئة لا يفسد هدوءها سوى صوت حذاء ساندرا ذو الكعب العالي الذي راح يصدر رنيناً على الأرضية اللامعة التي تشبه قوارير الزجاج. فأكملوا سيرهم حتى وصلوا لغرفة المعيشة الكبيرة. وجد سجود تمر من جواره وهي تصيح بسعادة: "مااامى."

ساعدت سجود بصيحتها المنادية لحياء، بأن تجعله يعي بأي موقف سيء سيصبح هو الآن. خاصة أنه رآها جالسة بغرفة المعيشة مع باقي أفراد العائلة. فجميعهم موجودون كأنهم كانوا بانتظاره ولا ينقص سوى وجود والده. فإن لم يكن رأى تلك الملامح المشدوهة، لكان ظن أن ميس أفشت أمر عودته.

ارتجفت شفتي حياء وهي تهمس باسم الصغيرة بنبرة مفعمة بالحب لم تخلو من الخوف خشية أن ما تراه سرابًا أو وهمًا كتلك الأمنيات التي لم تكف عن نسجها طوال الشهور الماضية. ولكن ذلك لم يمنعها من أن تخطو نحو الصغيرة بلهفة وتلقتها بين ذراعيها وهي دامعة العينين: "سجود حبيبة ماما وحشتيني أوي." طوقت سجود عنقها وقاسمتها سعادة اللقاء بأن هتفت بها بصدق: "وأنتي كمان وحشتيني أوي يا مامي. أنا كنت بعيط كل يوم عشان كنت عايزة أشوفك."

ظنت حياء أن ما تراه وتسمعه حلمًا. فعلى الرغم من أنها استقبلت الصغيرة بين ذراعيها وراحت تقبلها بنهم ودموع سخية، إلا أنها تشعر بأن بالدقيقة التالية سيأتي أحد ويوقظها وتعلم أن ما تراه ما هو إلا حلم مجنون ومستحيل بالوقت ذاته. ولكن حتى وإن كان هذا حلمًا جميلاً، فهي لا تريد أن تستيقظ. ويكفيها أن قلبها عاد ينبض بتلك اللهفة من ضم جسد الصغيرة المتعلقة بعنقها، لعلمها بأن إذا كانت سجود بين يديها الآن، فإنه هو الآخر هنا، قريبًا منها، وربما ستحين اللحظة من أن تكون بين ذراعيه وتسمع خفقات قلبه أسفل أذنيها، بل سيحتويها بين ساعديه القويتين وتنعم بدفئهما. ستخبره بما عانته منذ أن تركها ورحل، حتى وإن كان سيأتي كل هذا من باب عتاب المغرمين. ولكن يكفي أنه قد عاد.

ولكن ما أن حانت منها التفاتة إليه ورأته يحمل طفل صغير وتقف بجواره امرأة لا تعلم من تكون، حتى تكونت الدهشة على وجهها من عقدها لحاجبيها، ومن تنقلها ببصرها بينهما، بانتظاره أن يقول شيئاً. ولكن ظل الصمت سيد الموقف حتى استطاعت سجود كسر حاجزه ببراءتها وهي تقول بعفوية: "ماما، إحنا رجعنا خلاص. شوفتي ساجد أخويا هيقعد معانا هنا."

شهق الجميع بصدمة إلا هي، كون أن دماءها التي جفت من مجراها، اختطفت معها صوتها، بل كأن أحدهم سحب أنفاسها وتركها شاحبة باردة أقرب للموتى منها للأحياء. وما أن عاد إليها صوتها تمتمت بصدمة: "ساجد أخوكي! راسل أنت اتجوزت عليا وخلفت كمان؟ لم تزد كلمة أخرى، ولم تسمع شيئًا سوى صيحته الخائفة باسمها بعدما سقطت على الأرض: "حياااء."

ولكنها قد فقدت وعيها بشكل تام، ولم يعد بإمكانها سماع صوت أحد، كأنها منحت كامل موافقتها بأن تسحبها تلك الهوة السوداء وتغرق بحالة من فقدان الوعي، تتمنى أن لا تستيقظ منها وتجد ذلك الواقع المرير، الذي حاولت الهرب منه بإغمائها.

تأرجح رأسها المثقل بهول تلك المفاجأة، التي استقطتها بتلك الحالة من الإغماء، بين رغبتها في أن تفيق وترى من صاحب تلك الأنفاس، التي كادت تذيب بشرتها اللدنة، وبين أن تظل بتلك الحالة من اللاوعي، حتى لا ترى تلك الحقيقة، التي مزقت روحها وقلبها مما سمعته فور وصوله للبيت. فكلما شعرت بذلك الملمس الخشن لتلك اليد، التي تجري على قسمات وجهها بلهفة لا تخلو من الخوف، تقطب حاجبيها كأنها لا تشعر بالراحة، وتريد إزاحة جفنيها، لترى من يهمس لها بهذا الصوت القوي.

ولكن هل هي حقًا لا تعلم لمن يكون ملمس تلك اليد وذلك الصوت؟ أم أنها تتدعي الجهل، حتى لا تفتح عينيها وتراه أمامها؟ فهي لم تره إلا بلمحة خاطفة، قبل سقوطها مغشيًا عليها. ولكن كأنه لا يشبه زوجها راسل، الذي تعرفه عن ظهر قلب. أم أن صدمتها بما سمعته، جعلتها تحاول الإنكار بين ذلك الرجل الذي رآته فور وصوله، وبين حبيبها الغائب؟ "حياء، فوقي. أنتي سمعاني؟

خرج اسمها من بين شفتيه بلوعة كادت تحرق جنبات فؤاده، بعدما كان حريصًا على عدم نطقه أمام أحد إلا بخلوته مع ذكرياته بالعامين الماضيين. استقرت أنامله قريبًا من ثغرها، بعد جولة تفقدية لقسماتها، التي نهش الشوق قلبه لرؤيتها. فأزاح تلك النظارة الطبية من على وجهه، كأنه لا يريد عائقًا يمنعه من أن يدنو منها. ولكن قبل أن يحصل على مراده من لهفته بأن يشعر بدفء أنفاسها إزاء وجهه، كانت حياء تنتفض من مكانها، مسببة بذلك صدام بينهما، أدى لارتداده عنها، وربما كان اختل توازنه وسقط أرضًا، لولا تداركه نفسه وقبض على ذراعيها، كمن يتخذها مرساة من الغرق.

"أبعد إيدك عني."

صرخت حياء في وجهه بجماع صوتها الحانق، بل ضمت ذراعيها وزحفت بجسدها حتى انكمشت على ذاتها بجوار الوسائد، وعادت الدموع تغرق وجهها من جديد. أغمضت عينيها وأطلقت العنان لشهقاتها وصوت أنينها ونواحها. فهذا ما لم تكن بانتظاره، من أنه يعود إليها وهو يحمل بين ذراعيه طفل من امرأة أخرى. ولم يشفق عليها من هول تلك الصدمة، من أن تراه برفقاتها وتشهد على سعادته وأنه لم يتأثر بفراقه عنها، بل أسرع في البحث عن من أخذت مكانه وأنجبت له طفل. ولم يكتفي في قسوة عقابه بهذا الحد، بل إنه أسماه "ساجد"، وهي من كانت تريد أن تنجب طفلاً يحمل هذا الاسم.

توقفت عن البكاء فجأة وتركت الفراش، وبنيتها الخروج من الغرفة ولكنه قبض على ذراعيها ومنع تحركها فهتف بها آمرًا إياها بإلتزام الهدوء: "إهدي وبطلي حركة كتير، لأن ممكن يجرالك حاجة." نفضت يده عنها بحدة وقالت بصوت مقهور وهي تضرب صدره بكفيها: "متحاولش تلمسني تاني أنت فاااهم؟ حققت انتقامك مني يا راسل؟ رجعت دلوقتي وأنت متجوز، وكمان عندك ابن وسميته ساجد، وده الاسم اللي كان نفسي أسميه لابننا. قدرت تعمل كده فيا إزااااي؟

تتابعت أنفاسها المتلاحقة كأنها خارجة من عراك دامٍ، بعدما امتلأ قلبها من ذلك الشعور بأنها حمقاء وسخيفة لمنحه قلبها وعشقها طوال تلك المدة. فعادت تضرب صدره من جديد تود لو كان بإمكانها تحطيم ضلوعه لترى إذا كان يحمل بداخلها قلباً كباقي البشر أم أن هناك تجويف فارغ مكان قلبه. حملقت به بعينان متسعتان وهي تقول بنبرة صوتها التي بدت غريبة على مسامعها: "بس أنا بعتب عليك ليه؟

ماهو أنت راسل، اللي بيحب يقهر اللي حواليه بتصرفاته. إنسان بارد وقلبك زي الحجر، بس على قد الحب اللي أنا حبتهولك حاسة دلوقتي إني بكرهك زي ما كرهتك زمان من أول مرة شوفتك فيها. أنا بكرهك يا دكتور راسل." يتبع..!!!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...