الفصل 24 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
16
كلمة
11,271
وقت القراءة
57 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

جل ما فعله ذلك الواقف أمامها أنه راح يمسد على لحيته الطويلة والتى خالط سوادها المشيب، ولكن رغم ذلك بدت نظراته قوية جامحة، كذلك الجموح الذى تسبب فى إنشقاقه عن عائلته منذ سنوات طوال، وصار منبوذًا بينهم، حتى أن لا أحد منهم صار يعترف برابط الدم الذى يربطه ويجمعه بهم.

على الرغم من أن هيئته تبدو للناظرين إليه من أنه شيخ جليل وقور، ولا يعلم أحد ما يخفيه خلف ذلك الجلباب الأبيض واللحية الكثيفة وعلامات التقوى والورع، التى تجعل من لا يعرفه يظنه أحد أقطاب علوم الدين والشريعة الإسلامية.

خفض بصره عن وجهها وظل يتمتم بعبارات الإستغفار وهو يدير مسبحته الطويلة بين أصابعه، كأنه بذلك يقدم حسن نواياه فى زيارته لهم، خاصة أن لا أحد منهم رآه منذ ما يقرب من الخمس سنوات، حتى ظنوا أنه ربما لقى حتفه على يد رجال الشرطة، أو هؤلاء الناس الذين يعمل معهم تحت ستار الجهاد فى سبيل الله وماهم إلا تجار للدين ويرتكبون أفظع الجرائم بإسم الإسلام.

من كونهم حماة القرآن والسنة ويحق لهم تطبيق حدود الله حسب أهواءهم وأطماعم، والله ورسوله أبرياء منهم ومن كل ما ينصب نفسه قاضياً للحكم على حياة البشر والأبرياء طبقاً لقوانين وضعوها تخدم مصالحهم هم أولاً، دون مراعاة لحُرمة النفس البشرية، والتى لم يعطى الله الحق لأحد بسلبها إلا بشروط تم تشريعها من كتابه وسنة رسوله، وليس أحكام هوجاء تُجرم الأبرياء ويتم قتلهم بدون وجه حق.

بعد أن أتم عد حبات مسبحته وضعها بمعصمه ومن ثم عاد ينظر إليها قائلاً بصوت قوى، يظهر مدى عداءه لها: –هى دى مقابلتك لأخو جوزك بعد السنين دى كلها يا مرات أخويا، مفيش حمد الله على السلامة ولا أتفضل، هو ده واجب الضيافة. عادت تنظر خلفها ومن ثم رشقته بنظرة حادة قائلة من بين أسنانها: –وأنت يا ترى جايلنا دلوقتى ليه، جايبلنا مصيبة معاك زى مصايبك اللى محدش بيدبس فيها غير جوزى وإبنى، إحنا ما صدقنا أنك اختفيت السنين دى كلها.

وافتكرت أنه قد مات. تأكد من أن عقال رأسه مازال موجوداً، حتى ذلك اللثام، الذى يبدو عليه أنه كان يخفى به وجهه، حتى لا يراه أحد من ساكنى الحى، وربما يجد رجال الشرطة فى أثره ويلقون القبض عليه، خاصة أنه مطلوب للعدالة ولم يتم العثور عليه لتنفيذ الأحكام الصادرة بحقه. ربت على صدره ليكبح جماح نفسه من أن يدفعها من أمامه ويدخل المنزل عنوة، فإن طالت وقفته هكذا أمام باب المنزل، لن يكون ذلك فى مصلحته. مد يده وأسندها للجدار

ومن ثم قال بنفاذ صبر: –هو فين جوزك، خلينى أشوفه، مبحبش رغى النسوان الكتير ده. عندما همت بالرد عليه، وجدت زوجها يأتى من خلفها متسائلاً بلطف، بعد إفتقاده لعودتها وتأخرها كل هذا لرؤية من يكون الطارق على باب منزلهما: –هو فى إيه أنتى أتأخرتى ليه كده، هو مين اللى على الباب؟ مد زوجها يده وجذب الباب ليفتحه قليلاً، ليرى من هذا الذى تسبب فى تأخير عودة زوجته لمجلسهم بغرفة المعيشة.

وما أن أبصر شقيقه الذى يكبره بثلاثة أعوام فقط، يقف أمامه بعد سنوات من الغياب وهو لا يعلم عنه شيئاً، حلت الصدمة والدهشة على وجهه ولسانه، ولم يعد قادراً على التفوه بكلمة، فتولى شقيقه المهمة عنه إذ قال ساخراً: –إيه مالك مبتتكلمش ليه، ولا القطة أكلت لسانك، ولا أقولك مراتك قامت بالواجب وزيادة ورحبت بيا، المهم أنا كنت عايزك فى موضوع مهم.

رغبته فى إخفاء أمر وجود شقيق له كهذا أمام زوج إبنته المستقبلى، جعله يقبض على ذراعه وأخذه معه لإحدى غرف المنزل، وأشار لزوجته بأن تعود وتجلس معهم فى غرفة المعيشة، بينما سيتولى هو مهمة معرفة ماذا يريد منه شقيقه.

أوصد الباب خلفه ومن ثم نظر لشقيقه، الذى لم ينتظر دعوته له بالجلوس، إذ جلس على طرف ذلك الفراش بالغرفة والتى يبدو عليها أنها غرفة إبنته ياسمين، ويعود إختياره لها كونها بعيدة عن غرفة المعيشة، ولن يكون بإمكان أحد سماع الحديث الذى سيدور بينهما. جلس هو على المقعد الخاص بالمكتب الصغير الموضوع أسفل النافذة، ضم كفيه وخرج صوته جافاً خشناً متسائلاً:

–خير إيه الموضوع المهم ده اللى عايزنى فيه، وإيه اللى فكرك بينا بعد السنين دى كلها؟ رفع شقيقه رأسه بعدما كان مطرقاً بها للأسفل، فإلتوى ثغره قائلاً بسخرية: –في إيه يا فضيلة الشيخ، دا الابتسام في وجه أخيك صدقة ولا نسيت، دا أنا حتى أخوك الكبير. انتفض من مكانه وأجابه بحدة تزامناً مع دنو خطواته من مجلسه: –الظاهر إنت اللي نسيت أن المتاجرة في الدين وسفك الدماء من غير وجه حق حرام. نهض شقيقه ورفع سبابته قائلاً بإقتناع عجيب:

–كله بحد الله وشرعه، والكفرة جزاءهم القتل. رفع حاجبه من ذلك المنطق العقيم، الذى يجعله يستحل حدود الله فيما غير هو مباح، فمن نصبه حاكماً وقاضياً ليحكم على هذا بالإيمان ويحكم على الآخر بأنه مرتد عن حدود وشرع الله. مسح وجهه بكفيه مغمغماً بضيق:

–نفسي أفهم، عامل نفسك شيخ وعارف الدين وحدود الله وأنك لما تشوف حد مش شبهك تقول عليه كافر، دا سيدنا محمد اللي هو خير خلق الله معملش اللي بتعملوه، بالعكس قالهم لكم دينكم ولي دين، وربنا اللي بيحاسب عباده مش أنتم، يعني هو مكنش في إمكانه إن بعد ما كان مركز قوة أن يقتل اليهود اللي كانوا موجودين وقتها، بس بالعكس كانت دعوته بالرفق واللين مش بالتشدد والعصبية بتاعتكم، وخلتكم فاكرين نفسكم أنكم أنتوا بس اللي مسلمين ومؤمنين والدين الإسلامي بريء منكم ومن أمثالكم اللي بتحاول تشوه صورته، وبتخلوا الناس تحكم على إن المسلم إرهابي بطبعه.

يبدو أن حديثه لن يجدى نفعاً مع ذلك الجالس يدير مسبحته وكأنه لم يستمع لما تفوه به، فبعد يأسه منه ومن عدم جدوى الحديث معه، عاد يسأله بضيق: –شكل الكلام معاك مش هيجيب نتيجة، فقول أنت عايز إيه مني وخلصني. مسد شقيقه على لحيته عدة مرات، قبل أن يقول بهدوء: –جايلك علشان جايب عريس لبنتك ياسمين، شاب على خلق يبقى دراعي اليمين، وبنتك هتكون في الحفظ والصون.

ما أن أنتهى من قول عبارته، نظر لشقيقه ببرود وكأن أمر حصوله على موافقته أمر مفروغ منه، ولكن جاءه رد مستنكر لمطلبه: –نعم! بتقول إيه، أنا أجوز بنتي اللي حيلتي لشاب من طرفك أنت ده مستحيل يحصل أنت فاهم. صيحته المستنكرة لسبب مجيئه، جعلته يعلم مدى الجهد الذي سيبذله من أجل الحصول على موافقة شقيقه لزواج ابنته من ذلك الشاب، والذى يعمل معه كساعده الأيمن. فعاد ينظر إليه متسلحاً ببروده وهو يقول بثقة:

–وايه سبب رفضك، بقى ترفض تجوز بنتك لشاب متدين وملتزم وهيصونها، وأوكدلك أن ياسمين هتبقى سعيدة معاه إن شاء الله. جن جنونه مما قاله، وكأن بمحاولته أن يوهمه بأن ابنته ستسعد بتلك الزيجة، سيجعله يوافق مرغماً، ولكن لن يحدث ذلك طالما هو مازال على قيد الحياة، فحاول أن يتسلح بالبرود كشقيقه ورد قائلاً متجاهلاً إصراره على موافقته: –بس بنتي ياسمين خلاص اتخطبت وكمان كتب كتابها قريب.

فتلك الكذبة هي أول ما تبادرت إلى ذهنه، بعدما تذكر ذلك الشاب الجالس الآن في غرفة المعيشة وجاء طلباً ليدها، فربما هذا هو الحل الوحيد، الذي يأمن به أن تظل ابنته في مأمن ومنأى عن يد عمها والذى يبدو عليه أنه غير مكترث بما قاله. فوجده ينظر إليه قائلاً بسخرية:

–بتكذب وأنت في سنك ده يا شيخ يا أبو بلال عيب عليك تكذب، أنا عرفت إن ياسمين كانت مخطوبة وفسخت الخطوبة بعد الحادثة وأنها كمان دلوقتي عملت العملية ورجعت تشوف تاني، شوفت بقى إن عارف كل حاجة عنكم. عقد والد ياسمين ذراعيه أمام صدره قائلاً بتهكم:

–يعني عرفت كل ده ومعرفتش أن في شاب قاعد في أوضة الصالون دلوقتي جاي يخطبها وكنا بنتكلم لما أنت شرفتنا بزيارتك الكريمة، واحنا خلاص وافقنا وبنتي وافقت، وخلاص كل حاجة تمت، وزي ما قولتلك كتب الكتاب قريب، واظن طالما كده مينفعش إن أبوظ فرحة بنتي، وكمان لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه. أفحمه بقوله، إلا أنه بدا غير قنوعاً برفض شقيقه، فعادت تلك الطباع الكريهة تطفو على سطح وجهه وهو يقول بإصرار:

–بنتك لازم ليها شاب يناسب تدينها وإلتزامها، وأنا شايف أن الشاب اللي قولتلك عليه أنسب واحد ليها، متنساش أنا اخوك الكبير، واكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة، ومتأكد لما تشوفه وتقعد معاه هترتاح له وتوافق عليه، علشان كده أنا هبعته ليك كمان يومين علشان تشوفوه وتتكلموا معاه، واللي فيه الخير يقدمه ربنا، سلام بقى دلوقتي علشان لازم أمشي. رحل بهدوء ولا يعلم حجم تلك المخاوف التي ألقاها في صدر أخيه.

فما أن تأكد من ذهابه، لم تسعفه قدميه في العودة لغرفة المعيشة، بل جلس في الصالة ووضع رأسه بين كفيه، ليفكر في حل يخرجه من ذلك المأزق، الذي سيضعه به شقيقه.

وما أن طالت جلسته وغيابه عنهم، خرجت إليه زوجته لتسأله عن سبب عدم عودته إليهم، أو لما تأخر هكذا في الحديث مع شقيقه، فلم يستطع أن يداري عنها حقيقة الأمر، وما أن أخبرها بما طلبه من شقيقه ويبدو أنه على إصرار تام لفعله، دبت زوجته على صدرها بخوف، وهي تتخيل ذلك المصير، الذي من الممكن أن تلقاه على يد عمها، الذي تجرد من كل شعور إنساني ولم يتبقى لديه إلا ما يخدم مصالحه الشخصية. هزت ذراعه وقالت برجاء:

–أنت لازم تشوف حل للموضوع ده، أنا بنتي لو جرالها حاجة أنا هموت فيها يا أبو بلال وباين على اخوك أنه أساساً مش هامه حاجة، ياريتني كنت بلغت عنه ساعة ما شوفته كنا خلصنا من شره.

توسلته أن يبحث عن حل أو مخرج لكي تفلت ياسمين من بين براثن تلك الزيجة، التي ستعم عليها بالدمار والخراب، فلم يجد أمامه سوى ذلك الحل الوحيد الذي رآه الأنسب بذلك الوقت، فربما الكذبة التي أخبرها لشقيقه لن يجد مفر من أن يجعلها حقيقة، وأن يزوج ابنته من ذلك الشاب الجالس بالداخل.

وما جعله يشعر بالاطمئنان قليلاً هو محاولاته المستميتة للزواج من ياسمين، وأنه يفعل المستحيل من أجل الحصول على موافقتهم، فأخبر زوجته بما ينوي فعله، ولم يجد منها معارضة، بل غريزتها كأم جعلتها توافق طالما أن ابنتها لن تلقى مهانة، كتلك التي يمكن أن تلقاها من خلف زيارة عمها لهم. وما أن عادا لغرفة المعيشة، حاول والد ياسمين أن يتجاذب الحديث مع ديفيد مع حرصه على عدم بيان لهفته في أن يعقد قرانهما في الغد.

وما أن أفصح ديفيد عن ضرورة إنهاء عقد القران قبل سفره لإيطاليا، بل أنه ألح بمطلبه وناشدهما بأن يوافقان على مطلبه الذي حمل طابع الرجاء الأقرب للتوسل، وأنه على استعداد تام لمنحهم كافة الضمانات اللازمة لأن يطمئنوا أن ابنته ستحيا معه في ترف ورغد من العيش.

وافق والديها على مطلبه، وتعجب بلال من موافقة والديه، وهما من قالا أنهما يجب عليهما التفكير جيداً، وأنهما إذا وافقا ستمتد فترة الخطوبة لبضعة أشهر، حتى يتيقنان من حسن سلوك زوج ابنتهما المستقبلي، ولكن جاءت موافقتهما السريعة تحمل له الدهشة والتعجب، فصمت حتى انصرف ديفيد ومن ثم علم بتلك الظروف القهرية التي جعلت والديه يرضخان للأمر ووافقا على عقد قران شقيقته في القريب العاجل.

أنتهت جولة أخرى من تلك الجولات التي يقضيها برفقة ولده بين أروقة الشركات المملوكة لتلك العائلة الثرية منذ سنوات عديدة، وكأن عاصم أراده أن يعلم كل صغيرة وكبيرة عن إرث عائلته، وكأنه بذلك يمهد لأن يترك له كل الأمور الخاصة بالعمل، لكي يقضي الأوقات القادمة برفقة زوجته الجميلة، معللاً أنه قضى أكثر من ثلثي عمره بالعمل، منذ أن بدأ العمل جنباً إلى جنب مع عمه رياض، وقد حان الوقت لأخذ عطلة طويلة ستتخطى الأشهر، حتى مجيء شقيقه الصغير لهذا العالم، فترقبه لرؤية طفله من معشوقته، جعله يفكر في راحتها ودلالها أولاً حتى وإن كان سيتخلى عن عشقه وإدمانه للعمل، ولكن يكفيه أن يقضي تلك الأوقات برفقتها، فهي قادرة على أن تنسيه شغفه بالعمل وتستبدل ذلك الشغف بآخر.

وما أن أنتهى عاصم من شرح الخطط المستقبلية لعقد الصفقات المفترض عقدها في القريب العاجل، أرخى رابطة عنقه وزفر بإرهاق من كثرة الشرح لأدم، فالأعباء كثيرة ولكنه وضع كافة آماله على ذكاء ولده الظاهر للعيان، علاوة على وجود حياء، التي تعلم كيف تجعل الأمور تسير في مسارها الصحيح، وتحرز تقدمًا في إدارة الشركات، بعدما اكتسبت الخبرة منه ومن والد زوجها، حتى صارت تنافس رجال أعمال آخرين.

ضحك عاصم بخفوت فجأة لتذكره ذلك الموقف الطريف، الذي مر بمخيلته، فإنتبه أدم على ضحكته، فرمقه متسائلاً بفضول: –بتضحك على إيه بابا؟ رفع عاصم وجهه له وازدادت ابتسامته اتساعاً وهو يقول بدعابة:

–افتكرت موقف حصل مع حياء، أول ما بدأت تدير معايا مجموعة شركات النعماني، كنا بنعمل صفقة مع شركة تانية وصاحب الشركة افتكرها بنتي وجه طلب إيدها مني، وكل ما افتكر شكل وشه لما قولتله إنها تبقى مرات ابن عمي أضحك، دا لو راسل عرف الموضوع ده هيتجنن.

ضحك أدم هو الآخر ما أن قص عليه والده سوء الفهم الذي جعل رجل آخر يظن حياء فتاة غير متزوجة، فهو لا يلومه، كون أن من يراها، لن يستطيع تخيلها سوى فتاة أنهت دراستها الجامعية بالأمس، وهذا ما حدث معه هو أيضًا قبل أن يعلم هويتها الحقيقية عندما رآها أول مرة في الحفل الغنائي. استند أدم بذراعه على حافة مكتب والده، وراحت أنامله ترسم دوائر وهمية وهو يقول بإعجاب:

–حياء عندها ميزة أنها ممكن تجذب أي حد ليها من غير مجهود، فيها شئ عجيب، تخلي أي حد يعرفها أو يشوفها يرتاح معاها في الكلام، بجد راسل محظوظ إن عنده زوجة زيها.

التماع عينيه أثناء حديثه عنها، جعل أباه ينظر إليه بدقة، ومن ثم نقر بالقلم على تلك الأوراق الموضوعة أمامه، فهنا يأتي دوره في تنبيه ولده، من أن ضوابط المجتمع الشرقي، الذي يعيشون فيه، يجب عليه أن يكون على علم ودراية بها، تفاديًا لحدوث مشكلات في المستقبل، فهو ما زال متذكرًا جنون راسل عندما أطلق عليه الرصاص، بعد علمه بأنه اختطف حياء، فما باله إذا تواجه هو وأدم وكانت هي سبب تلك المواجهة، فعلمه بطباع ابن عمه، تجعله يتوقع الأسوأ دائمًا، كون أن لا أحد يستطيع التكهن أو التنبؤ بتصرفات وردود أفعال راسل.

بعدما اكتفى عاصم من الصمت والنقر بالقلم، عاد يحدق في وجه أدم بتتمعن ومن ثم قال متسائلاً بصدق وإلحاح: –قول لي يا أدم شعورك إيه تجاه حياء بالظبط؟ ويا ريت تجاوبني بصراحة. تململ أدم في جلسته، وكسا التوتر ملامحه، فقطب حاجبيه قائلاً وهو يدعي جهله بمقصد والده من سؤاله:

–مش فاهم تقصد إيه بابا، حياء واحدة من العيلة وأنا ارتحتلها زيكم كلكم، ويمكن معجب بشخصيتها علشان هي أول واحدة قابلتها منكم، أنا أول ما شفتها مكنتش أعرف إنها تبقى مرات عمي راسل. –بس عجبتك من أول ما شفتها، ومش عارف تنسى الإعجاب ده صح. قال عاصم بصراحة متناهية، وتيقن من صحة تخمينه وظنه، عندما وجد أدم يزوغ بعينيه عن مرمى بصره، فزفر بيأس ومن ثم عاد مستطرداً بهدوء:

–أدم في حاجات كتير لازم تحطها في اعتبارك طالما ناوي تستقر هنا في اسكندرية، لأن هنا يا ابني مش زي فرنسا، وإن حظك لما واحدة تعجبك وتطلع بالصدفة مرات عمك، يبقى لازم تشيل الموضوع من دماغك خالص، تجنباً للمشاكل، لأن أنت متعرفش جنان راسل قد إيه، تخيل أنت أنه ضربني مرة برصاصة في دراعي لمجرد إن حياء قبل ما تكون مراته كانت المساعدة بتاعتي وحصل سوء تفاهم وفي ورق صفقة مهمة اتسرق، فخليت رجالي يجيبوها على القصر وضربتها، مكنش لسه اتجوزها، جه لجدك رياض وهدده إنه هيولع في القصر كله لو ما اخدهاش، ولما شافها مضروبة ضربني أنا بالرصاصة واحتمال كمان كان يقتلني.

فغر أدم فاه ما أن انتهى والده من سرد تلك القصة، التي بينت له مدى أهمية حياء لدى راسل، حتى أنه ربما يقدم على إيذاء أحد دون التروي في التفكير، ففطن الآن سبب ذلك العداء الذي يجابهه به راسل دوماً ما أن تسنح الفرصة لهما ويلتقيان وجهاً لوجه، ولم ينس غضبه العارم يوم ما سمعه يقول لها "مليكتي"، وظن أدم بوقتها أنه يغيظه بأفعاله ليس أكثر، ولكن ما سمعه من أباه جعله يدرك أن ربما الأمر كان سيؤول للأسوأ، إذا أطلق راسل العنان لغضبه واستيائه.

ابتلع أدم لعابه وقال بارتياب: –معقولة راسل عمل كده معاك، أن أقصى حاجة فكرت فيها إنه ممكن يتخانق مع اللي مضايق منه، لكن توصل لضرب الرصاص.

هز عاصم رأسه مراراً كأنه بذلك يحاول ترسيخ تلك المعلومة بذهن ولده، ولم يكن أدم ذلك الغبي والأحمق، الذي سيفكر في إثارة غضب راسل ثانية، فنهض عن مقعده مذكراً والده بضرورة عودته للمنزل لشعوره بالإرهاق ورغبته في نيل قسط من الراحة، فما أن أذن له عاصم بالذهاب، خرج من غرفة مكتب والده، ومر أمام غرفة مكتب حياء، ولكنه لم يفكر في أن يلج الغرفة ويلقي عليها التحية، فيكفي ما علمه عن زوجها، لذلك يجب عليه توخي الحذر، حتى لا يفقد راسل صوابه ويرديه قتيلًا مثلما كان سيفعل مع أباه من قبل.

عاد للمنزل وأراد البحث عن عماد ليتحدث معه قليلاً، إلا أنه لم يجده في غرفته، أو حول المسبح مثلما هو معتاد أن يجلس هناك، ولكن دقائق معدودة ووجد سيارة تعبر الحديقة، حتى وقفت أمام الباب الداخلي للقصر، وترجل منها ساندرا وعماد الذي حمل الصغير الغافي بين ذراعيه، فعبر أدم عن دهشته لاجتماعها سوياً بتقطيبة عميقة حُفرت خطوطها على جبهته بوضوح. ساقته قدماه حيث ما زالا واقفين، فقال بدون تمهيد: –أنتوا كنتوا فين؟

ارتعد عماد وساندرا إذا لم ينتبها على قدومه، فأجابه عماد وهو ينظر للصغير: –كنا في المستشفى، ساجد كان تعبان، فرحت مع ساندرا بيه المستشفى لأن راسل مش هنا. ختم حديثه بأن وضع الصغير بين ذراعي والدته، التي رمقته بنظرة امتنان قائلة بصوت خافت لم يضمر شعورها الطفيف بالخجل: –شكرًا عماد.

بدت أن عبارة الشكر كافية لأن ترتسم تلك الابتسامة الجذابة على وجه عماد، حتى أنه لم يفكر في النظر لأدم وظل يتابع سيرها وهي تلج للداخل، حتى فقد أثرها بعدما صعدت الدرج، ولم يخرج من حالته تلك إلا على يد أدم التي حطت على كتفه وضغط عليه لكي ينظر إليه. رمقه أدم بنظرة ماكرة ومن ثم قال بدهاء: –شهم أوى أنت صح، بس الصراحة هي حلوة. دفعه عماد عنه قليلاً، لعلمه بأنه سيبدي ملاحظاته حول ما حدث، ولن يكف عن إزعاجه فرد قائلاً بتبرم:

–بطل استظراف، ابنها كان تعبان جدا وكانت محتاجة مساعدة مش أكتر وسيبني أطلع آخد شاور وأغير هدومي.

تركه وولج للداخل، ولكن لم يكن أدم أعمى لكي لا ينتبه على ما رآه في عينّي صديقه، لكونه أنه الأقرب له ويعلم طباعه جيدًا، فرغم أن أدم صاحب باع وصيت في عالم مواعدة الفتيات، إلا أن عماد كان على النقيض تمامًا، فهو لم يراه يومًا يواعد فتاة، أو أنه وقع في غرام إحداهن بعد وفاة خطيبته، بل كان دائمًا يضع العمل في المقدمة ولا يلتفت إلى أي من تلك الأمور التي كان ينهره عنها أحيانًا تفاديًا لحدوث مشكلات، ولكن يبدو أنه في تلك الأونة، سيتخلى عن عاداته القديمة.

وتساءل أدم هل كان مشغولاً عنه بالأيام الماضية حتى لا ينتبه لما يحدث معه؟ فأراد منحه الوقت الكافي قبل أن يبدأ في فرض أحكام الصداقة التي تجمعهما وتحتم عليه أن يخبره بما يحدث معه، حتى يستطيع تقديم يد المساعدة والعون له، مثلما كان يفعل معه هو دائمًا، فهنا يأتي دوره كصديق جمعتهما الصداقة منذ سنوات طوال.

وما أن انتهى أدم من وضع حيثيات واجبات صداقته لعماد، ولج للداخل قاصدًا غرفته، ولكن رأى ما جعله يتيقن من أن ربما هناك اثنان سيجمعهما إحدى قصص الغرام، إذ وجد عماد يقف أمام غرفة ساندرا يتحدثان حول أنها قد غفلت عن أخذ الدواء الخاص بالصغير، فناولها إياه ومن ثم شكرته ولم تغلق باب غرفتها إلا بعدما رأته يلج غرفته ويغلق الباب خلفه.

أضحى بارعًا في ادعاء الوهن وأنه ما زال ذلك المريض، الذي بحاجة للراحة التامة، وأن تعتني به خير اعتناء وتعمل على تدليله، حتى يتماثل للشفاء، ولم تنبع رغبته في أن تظل تحيطه باهتمامها ورعايتها، سوى أنه رآها منها ذلك الجانب الأنثوي غير المتمرد، بل رآى الجانب الحريص على سلامة زوجها، فهي لا تتركه يفعل شيئًا دون أن تقدم له يد المساعدة، كحالهما الآن بعد خروجه من المرحاض، وجلست قبالته على الفراش تجفف له وجهه ورأسه بعد انتهائه

من الاغتسال، إذ كان يعمل على تشذيب لحيته التي كثفت أكثر مما هو معتاد، وعملت على تعليق ذراعه بعنقه، ليلتئم ذلك الجرح بكتفه الناتج عن إصابته، ولم تنس جلب فرشاة الشعر، وصففت له خصيلاته الرطبة ووضعت عطرًا فاخرًا على كفيها ومن ثم راحت تمسد بهما على لحيته، لتكون بذلك أنهت خدمتها له على الوجه الأكمل.

رآها تغادر مكانه لتضع المنشفة بمكانها في المرحاض، فسمع رنين هاتفه وأخذه بلهفة واضعًا إياه على أذنه قائلاً بصوت منخفض لكي لا تسمعه ميس: –أيوة سامعك، خلاص لقيتوه، تمام خلي عينيكم عليه وأنا هاجيلكم في أقرب وقت، مش عايز حد يتصرف من دماغه اعملوا اللي قولتلكم عليه ماشي، سلام دلوقتي.

أسرع بإنهاء المكالمة ما أن رأى ميس تخرج من المرحاض واتجهت صوب تلك المنضدة الصغيرة الموضوع عليها الطعام ويبدو أن الخادمة تركتها أمام باب الغرفة، فبدأت بجرها لتقربها منه وهو جالسًا على الفراش، وظلت عيناه تتابع حركتها في الغرفة، خاصة بتلك المنامة الزرقاء الحريرية، وخصيلاتها الشقراء لملمتها بمشبك ولكنها تناثرت بفوضوية محببة، بل جعلتها أكثر جاذبية، تشبه هؤلاء العارضات، اللواتي يعملن على الترويج للمنامات أو ثياب المنزل، شقراء فاتنة بعينان خضراوتان، تجعله لا يمل من النظر إليها وخطب ودها.

وصلت ميس إليه بالمنضدة المتحركة، ومن ثم عادت تجلس قبالته ثانية وهي تقول بابتسامة صافية مشرقة: –يلا بقى عشان تاكل يا حبيبي وتاخد دواك. رفعت يدها له بالملعقة، فجعلها تخفضها ببطء وحرص حتى لا ينسكب محتواها على غطاء الفراش، فأجابها وعيناه تحملق في وجهها بشغف: –ماليش نفس آكل دلوقتي، بس نفسي في حاجة تانية. ما أن وضعت الملعقة من يدها، رفع يده الحرة واحتضن وجنتها ليجذبها إليه، فرأت بوادر رغبته في عناقها، إلا أنها استطاعت

التملص منه وهي تقول بتوتر: –يلا يا عمران عشان تاكل وبطل قلة أدب أنت لسه تعبان. لم يكن إبداء الرفض منها على تلميحه، سوى حرصًا على سلامته، تخشى حدوث مضاعفات هما بغنى عنها، ويكفي ما عاناه بالأيام الماضية، من شعور بالتوتر والخوف رغم التحسن البادي عليه، ولكنها كطبيبة في المقام الأول، تعلم ما يضره مما يفيده، كمثل الأمر الملّح الذي أطل من عينيها راغبًا في أسر عينيها ويجعلها طوع بنانه. بحزم عادت تقرب الملعقة من فمه آمرة

إياه بلطف كأم تدلل صغيرها: –طب كل الأكل ده كله وخد أدويتك وهديك حاجة حلوة. ابتسم على نحو مفاجئ، ما أن جنحت أفكاره الخاصة بتلك الحلوى التي سيحصدها نتيجة لاستماعه لمطالبها، ورغم عدم شعوره بالجوع، إلا أنه فتح فمه مضضًا ليبتلع ذلك الطعام الصحي، الذي يشبه طعام المرضى، والذي حاول الهرب منه في المشفى، ليجد زوجته توصي الخادمة بإعداده له. ما أن انتهى من تناول طبق الحساء الدافئ، مسح فمه بمحرمة قطنية مرفقة مع صينية الطعام،

ومن ثم قال بحماس: –يلا أنا خلصت أكل أهو فين الحاجة الحلوة اللي هتديهالي. نهضت ميس من مكانها وأبعدت المنضدة المتحركة ومن ثم جلبت الماء والأقراص الدوائية الخاصة به، فمدت يدها له بهما وهي تحاول كتم ابتسامتها على تلهفه الواضح: –لسه أنت ما أخدتش الأدوية بتاعتك بلاش مكر يا ابن الزناتي.

أخذهما منها وسرعان ما ابتلع الدواء، لعله ينهي حجتها، التي أوشكت على أن تجعل صبره ينفذ، وما أن ناولها كوب الماء، ابتعدت عن الفراش عدة خطوات ووضعت الكوب من يدها ومن ثم اتجهت صوب النافذة الكبيرة لتغلقها، وكلما رآها تحرص على جعل الغرفة أكثر دفئًا وحميمية، يزداد حماسه وترقبه أكثر، حتى دنت منه بخطواتها المدللة، وأنحنت إليه وجعلته يستلقي على ظهره ومن ثم سحبت غطاء الفراش الخفيف لتدثره به.

أنحنت إليه أكثر، ومسدت على شعره الذي ما زال رطبًا وهمست بصوتها الرقيق: –يلا بقى يا حبيبي نام تصبح على خير. قبلت جبينه ومن ثم ربتت على صدره، كأنها تقبل والدها أو جدها، ففتح عمران فمه بدهشة وتهدلت قسماته قائلًا باستغراب: –أصبح على خير إزاي يعني، هي دي الحاجة الحلوة بتاعتك، أنتي كده بتنيمّي ابن أختي. ضحكت ميس ما أن استقامت بوقفتها لعلمها أن ذلك سيكون رد فعله على ما فعلته به، فتحدثت بحزم وجدية بعدما كفت عن الضحك:

–أنا الدكتورة بتاعتك وبقولك بطل قلة أدب ونام يا عمران، يلا يا حبيبي نام ربنا يهديك. تركته وهي بنيتها الخروج من الغرفة لتنادي الخادمة لأخذ أطباق الطعام الفارغة، إلا أنها ما كادت تبتعد عن الفراش عدة خطوات حتى نفض عنه الغطاء وترك السرير، بل أنه حل ذلك الرباط حول عنقه وحرر ذراعه المعلق به. دمدم بغيظ وهو يباغتها بحمله لها قبل أن تبلغ الباب: –أنا عارف إنك هتتعبيني يا بنت النعماني والذوق والأدب بتوعي مش نافعين.

صرخت ميس ما أن وجدت نفسها محمولة بين ذراعيه وتذكرت إصابة كتفه التي تلزمه بعدم استخدامها حتى يلتئم الجرح، فلطمت الهواء بقدميها وهي تقول بفزع: –عمران نزلني أنت مجنون، أنت مش عارف إن جرح كتفك ممكن يفتح تاني، نزلني بقولك. لم يستمع لما تقوله، بل حاول السيطرة على حركتها المفرطة ورغبتها في الفرار من بين ساعديه. أطل عليها بوجهه باسماً: –أنتي دماغك ناشفة أوي يا ماسة عمران.

أصغت لكل حرف خرج من فمه، وهي محلقة في وجهه المشرق بابتسامته التي أضفت عليه وسامة زادت من خفقات قلبها المشتاق، وبدت منزوعة القوى والمقاومة، مبهورة الأنفاس حالمة بعالم الحب الذي لا يعرف حدودًا. أزدردت لعابها لعلها تحاول صد أشواقها التي على وشك الانفلات ومن ثم قالت بضعف عذب: –عمران قولتلك أنت…

عبارة لن يكتب لها أن تكتمل، كونه جعلها تبتلع الباقي منها بجوفها، جرفهما إحساس لا يقاوم، فتلك الغرفة لم تشهد على عناق كهذا منذ أكثر من عامين، ولكن عادت جدرانها من جديد تشهد على صخب المشاعر المقدسة بين زوج متفانٍ في حب شقراءه الفاتنة وزوجة لم تجد غيره يستطيع أسر مشاعرها بتلك القوة المذهلة التي تجعلها لا تبدي رفضًا أو اعتراضًا.

ولكن يدها التي علقت بكتفه المصاب، شعرت بسخونة ولزوجة أسفلها على قميصه القطني، مما جعلها تفصل العناق بينهما فنظرت لكتفه المصاب واتسعت حدقتاها قائلة بفزع: –عمران أنت جرحك رجع ينزف تاني. شعر هو بذلك منذ أن حملها، ولكنه لم يكن يريد إفزاعها، لعلمه بما يمكن أن تفعله، فأبتعد قليلاً وهو ينظر لموضع إصابته وإلى بقع الدم التي ظهرت بقميصه الفاتح اللون، فحاول الظهور بمظهر العادي وهو يقول بهدوء: –دي حاجة بسيطة يا ميس متخافيش.

انتفضت من بين يديه وأجلسته في الفراش وأمرته بإلحاح: –اقلع التيشيرت أشوف حصلك إيه هو ده آخرة التهور بتاعك. فعل مثلما أمرته فخلع عنه قميصه ورأت الضرر الذي لحق به ومن ثم ذهبت لجلب الإسعافات الأولية اللازمة وعملت على تنظيفه وإيقاف نزيف الدم منه، وجلبت له قميص نظيف وساعدته في ارتدائه، ومن ثم بحثت عن ذلك الرباط الذي تصل به ذراعه لعنقه. رفعت عيناها إليه وقالت بتأنيب:

–يعني كويس كده، تتقدم خطوة ترجع اتنين بسبب سفالتك اللي ملهاش حد. عض عمران على شفته السفلى ممازحًا: –أعملك إيه أنتي اللي حلاوتك زيادة عن اللزوم وأنا قلبي ضعيف.

ضحكت على مزحته، وبعدما تأكدت من أن كل شيء على ما يرام، أصرت عليه بالخلود للنوم وعدم تكرار ما فعله، فشعرت بالذنب لكونها نسيت لوهلة أنه ما زال بحاجة للراحة وأنجرفت معه في تيار عواطفه الثائرة والجياشة، وها هما يحصدان نتائج اندفاعهما بانفعالهما الذي لم يستطيعا السيطرة عليه، وما أن استلقى على الفراش نظر إليها ببراءة لكي تغفر له ما حدث منه، ولم تنبع رغبته في الاعتذار إلا بعدما رأى فزعها الواضح والبادى على قسمات وجهها وبداخل عينيها اللتان تحاول ردع تلك العبرات بهما، لشعورها الساحق بالخوف والذنب.

أشار إليها أن تستلقي بجواره واعدًا إياها أن يلتزم بوعده لها من أنه لن يعيد الكرة ثانية، فبحذر استلقت بجانبه ولكن على طرف الفراش تكاد تسقط منه، حتى لا تقترب منه ويعود لمغازلتها مرة أخرى، ظلت تتأمله بعدما داهمه النعاس، ورفعت يدها اليمنى بحذر تمررها على لحيته، وربما كان هو واعيًا بما تفعله ولكنه فضل أن تظن أنه نائمًا، ولكن كل لمسة وهمسة منها جعلت قلبه ينتفض بين أضلعه، وعندما كفت عن التمسيد على لحيته، شعر بدفئها الوشيك منه، فوجدها تقترب منه وأخذت كف يده الآخر ووضعته أسفل وجهها ومن ثم غفت بنومها، فأستلقى على جانبه تاركًا كف يده يستقبل حرارة أنفاسها والتي تكفي لإشعال فتيل حرب من الشوق بداخل قلب بلغ به الانتظار والعشق منتهاهما.

منذ تلقيها تلك المكالمة الهاتفية التي تفيد بأن ابنة عمها بيرى تعرضت لحادث وتقيم بأحد غرف المشفى الخاص بزوجها، وهي لم تتردد في ترك كل أعمالها، وراحت تلملم أغراضها بعشوائية، لا تعلم ماذا أخذت أو ماذا تركت، ولكن يكفي أن تعلم بأن بيرى أصابها مكروه، فذلك كفيل بجعلها تفقد شيئًا من عقلها، خاصة أن ابنة عمها صارت تمثل أهمية قصوى في حياتها، خاصة أنها لم يكن لها أخت أو صديقة بصورة فعلية قبل لقائهما، لذلك ما أن شعرت بالأمان والطمأنينة لرفقتها، أصبحتا كأنهما شقيقتان.

هرولت حياء في رواق الشركة، وظل العاملين ينظرون إليها بدهشة من أنهم يرون ربة عملهم تهرول هكذا، كأنها تلقت نبأ عن وقوع كارثة. وصلت لسيارتها ومن ثم قادتها بسرعة خلافًا لعادتها الهادئة في قيادة السيارة، وظل لسانها يلهج بالدعاء لله أن تكون أمور بيرى الصحية صارت على ما يرام، حتى أنها لم تنس أن تهاتف زوجها وتخبره أنها ذاهبة للمشفى المملوكة له، وأنها لن تنتظره في منزلهما القديم، مثلما أخبرته البارحة.

فأخبرها راسل بدوره من أنه سيأتي إليها لكي يطمئن على بيرى، ويتفقد مشفاه، الذي تركه منذ بضعة أيام، رغم أنه جعل أكفأ الأطباء العاملين لديه يشرف على سير العمل داخل أروقة المشفى، فعدم وجود ميس جعله يسند لأحد غيرهما تلك المهمة. وصلت حياء للمشفى ومنها لتلك الغرفة التي ترقد بها بيرى، فولجت ووجدتها تتوسط فراش المشفى بوجه شابه الاصفرار وهناك ضماد أبيض ملتف حول رأسها بأكمله.

جذبت مقعدًا وجلست بجوار الفراش وربتت على يد بيرى لعلها تفيق وتنظر إليها وتخبرها بما حدث، فقالت بصوت خافت خشية إفزاعها من نومها: –بيرى، بيرى يا حبيبتي سمعاني أنا حياء. فتحت بيرى عيناها وحدقت في وجه حياء ومن ثم أجهشت في بكاء مرير، جعلها تترك مقعدها وتجلس بجوارها على الفراش وتضمها إليها، حتى تكف عن بكائها، فظلت تربت عليها وتمسد على ذراعها لتجعلها تهدأ، فهتفت بها بصوتها الحاني:

–إهدي يا حبيبتي وقوليلي حصل ده إزاي وهو فين جوزك لما جيت مشوفتوش.

لا تعلم أين اختفى منذ أن جاءت لهنا وفاق من إغماءها، ورأته هو وأسرته يقفون بجوار الفراش، ولكنها لم تتفوه بكلمة وفضلت إغلاق عينيها لكي لا تراه، وربما ساهم الطبيب في انصرافهم بأن أخبرهم أنها في حاجة ماسة للراحة، حتى تستعيد وعيها كاملاً، إلا أنها من داخلها شعرت برغبة جامحة في أن تجعل زوجها يتلظى بنيران القلق والخوف، فحينها ربما سيدرك ما كان سيؤول إليه أمرها من أنها ربما كانت ستفارق الحياة نتيجة لتلك الإصابة برأسها.

أخذت من يد حياء تلك المحرمة الورقية التي قدمتها لها، ومسحت بها وجهها وأنفها ومن ثم قالت بصوت حزين: –مش عارفة هو راح فين، بس أنا مش عايزة أشوفه دلوقتي، دا لو كنت اتخبطت في راسي أقوى من كده كان ممكن أكون ميتة دلوقتي. سكتت بيرى لهنيهة ومن ثم برقت عيناها كأنها طرأ على عقلها حيلة لابد من أن تلتجأ إليها حتى تقتص من أفعال زوجها في حقها، فرمقت حياء وقالت بابتسامة انتصار:

–حياء أنا عايزة منك خدمة ضروري وعايزاكي تساعديني، لأن أنتي أكتر واحدة قريبة مني، لأن أنتي مبقتيش بنت عمي بس، لأ أنتي أختي وحبيبتي. قطبت حياء حاجبيها وتساءلت: –خير خدمة إيه دي؟ أؤمريني وأنا عينيّ ليكي. جذبت بيرى رأس حياء إليها ومن ثم همست في أذنها ما تريده منها، وكل كلمة تتفوه بها تجعلها تفتح عينيها على اتساعهما، كأنها لا تصدق ما تفكر به وتريد منها أن تشاركها في إنهاء الأمر على النحو الذي يرضيها.

فبعدما انتهت من سرد مطلبها، ضحكت حياء رغماً عنها قائلة بتعجب: –أنتي شكل مخك طق على الآخر يا بيرى، بس ماشي هساعدك في جنانك ده علشان بس بحبك، بس أنتي واثقة من اللي هتعمليه ده، يا خوفى لتعملي زي المثل اللي بيقول جه يكحلها عماها. استلقت بيرى على ظهرها وضمت كفيها ووضعتهما على بطنها، وهزت ساقيها قائلة باستمتاع وانتشاء:

–متقلقيش يا بنت عمي، ماهو أنا لازم أوريه آخرة عمايله دي إيه ومبقاش بنت أدريانو إلا لما آخد منه حق دماغي اللي اتفتحت دي وكانت هتبقى كفتة. ضحكت هي الأخرى رغم شعورها بالألم، إلا أن خطتها التي وضعتها للاقتصاص من زوجها جعلتها تنسى آلامها ولا تفكر إلا في تنفيذ خطواتها، وكلما تتخيل ما سينتج عنها، تزداد ابتسامتها اتساعاً وتشعر بانتشاء من سريان دماءها الحارة المعبأة بمكر ودهاء وكيد النساء.

تركت حياء مكانها ووقفت بجوار الفراش ومسدت على رأسها بحرص وقالت بحنان: –أنتي ارتاحي شوية، على ما أروح أشوف راسل في مكتبه وهرجعلك تاني، ولو هتفضلي هنا في المستشفى النهارده أنا هكون معاكي ومش هسيبك. حركت بيرى رأسها وهي تبتسم لها بامتنان، وقررت أخذ غفوة قصيرة لحين مجيء الطبيب وعودة حياء وذلك المسمى زوجها، والذي لا تعلم أين ذهب وتركها عديم الشفقة والرحمة ذو القلب الأجوف والعاصي.

ما أن خرجت حياء من غرفة بيرى حتى اتجهت لغرفة مكتب زوجها الواقعة في الطابق الأول من المشفى، طرقت الباب بتهذيب وسمعت صوته من الداخل، ولجت ولكنها لم تستطع التفوه سوى بتحية قصيرة بعدما رأت اجتماعه بأحد الأطباء والذي يبدو عليه أنه يطلعه على تلك الأمور التي حدثت أثناء غيابه عن المشفى.

أشار لها راسل بالجلوس ريثما ينتهيا من حديثهما، فجلست على تلك الأريكة الجلدية العريضة وفضلت أن تشغل وقتها في تصفح الإنترنت لحين أن ينتهي، وربما حيلتها تلك أفضل من جلوسها تحدق في وجهه ويبدو الاشتياق واضحًا على محياها. فبعد ما لا يزيد عن العشر دقائق سمعته يقول للطبيب بهدوء: –اتفضل أنت يا دكتور، وشكراً على تعبك اليومين اللي فاتوا. توارد الطبيب قائلاً بتهذيب: –لا شكر على واجب يا دكتور راسل عن إذنك.

خرج الطبيب من الغرفة، فترك راسل مقعده خلف مكتبه، ودار حوله حتى صار يقف أمامها، فنهضت هي الأخرى ناظرة إليه في انتظاره أن يقول شيئًا يبدد به ذلك الصمت والسكون الخانق، فما كان منه سوى أن مد يده وداعب وجنتها متسائلاً بحنو بالغ: –عاملة إيه دلوقتي يا روحي؟ وبيرى عاملة إيه؟ هزت رأسها علامة على أن كل شيء على ما يرام، رغم حزنها البادي على قسمات وجهها، فقالت بآلية: –الحمد لله بيرى دلوقتي كويسة، وأنا الحمد لله تمام.

لم تكن نبرة صوتها تدل على أن كل شيء على ما يرام، ولكنه لم يتفاجأ بذلك، لعلمه بمدى الضغط الهائل الذي مارسته على أعصابها بالأيام الفائتة، ورغم أنه اتخذ الفراق المؤقت بينهما حلاً لتفكر بروية، إلا أن ما سمعه منها أثناء مكالمتها الهاتفية وما يراه على وجهها الآن، جعله يعلم أن ابتعاده عنها لم يفيدها شيئًا.

–مش باين عليكي أن في حاجة تمام أصلاً يا حياء، دايماً أكون السبب في دموعك يا روح راسل اللي هتفضل بين نارين، وأنا مبقتش عارف أعمل إيه علشان أنهي الحزن اللي ساكن عينيكي ده.

أنهى قوله وهو ما زال يمرر إبهامه على وجنتها، كأنه يخشى تساقط عبراتها ولا تجد ما يمحوها قبل أن تبلل وجهها، وكأنها كانت بانتظار قوله وفعله، حتى تبرر ما ستفعله من ارتمائها بين ذراعيه والتعلق بعنقه، كأنها تتشبث بطوق نجاتها قبل أن يعمل طوفان اليأس على إغراقها من جديد. تفت بصوت خافت مختنق من أثر بكائها المكتوم:

–مش هبقى بين نارين ولا حاجة، المهم أنت وسجود عندي بالدنيا وما فيها، هي بنتي وحبيبتي، وأنت جوزي حبيبي وحب عمري اللي فضلت أحلم بيه لحد ما لقيته.

يا الله، لو تعلم حجم ومدلول حديثها الذي تفوهت به، لأدركت كيف تمزق فؤاده ما أن شعر باختناقها العائد لعدم تحقيقها لأمنيتها التي تمنتها منه كثيرًا، بل أنها سامحت وغفرت دون النظر لأي اعتبارات أخرى، ألقت بأعباء مسامحتها على كاهله لكي تثقله بشعور الامتنان الذي سيظل أسيره ما زال قلبه يخفق بين ضلوعه. شد بذراعه حول كتفها وهو يقول محاولاً سد المعابر أمام سيلان دموعه: –بسهولة كده يا حياء بتسامحي وبتضحي بأحلامك وأمنياتك.

ربتت على مؤخرة عنقه، بينما تستند بفكها على كتفه، فقالت بصدق: –أمنياتي وأحلامي إن مكنتش هحققهم معاك يبقى مش عايزها يا راسل. عندما حاول الحديث لفت ذراعها حول عنقه أكثر تنهره عن قول أي شيء آخر، فعادت هي معقبة:

–أنت عمرك فكرت في معنى اسمي، معنى كلمة حياء، حتى لو مكنش ده اسمي الحقيقي، بس كبرت واتربيت عليه، إزاي أتخيل نفسي مع راجل غيرك، وإن أبقى معاه زي ما كنت معاك، وإزاي أديله عواطفي ومشاعرى وهى في الأساس ملكك، أنا عمري ما أقدر أتخيل أن أبقى في حضن حد غيرك أنت أو أن أكون له زوجة ويشوف بس شعرة من راسي، زي ما حياء اسمي اللي شايلاه، فأنا شايلة صفته كمان، أنا ليك أنت وبس، وهفضل "مدام حياء راسل النعماني" لآخر نفس ونبضة من نبضات قلبي.

–أنا بعشقك يا حياء، والعشق شوية عليكي، أنتي اللي مفيش حاجة تليق بيكي غير العشق. ابتسمت حياء ما أن تذكرت أنها هي التي كانت تهوى قول تلك العبارة له، فحمحمت تدعي الجدية: –أنت بتغش منّي كلامي وبتقولهولي. داعب طرف أنفها هامسًا: –يا ريتني كنت شاعر كنت كتبت في حبك وعشقك قصايد، يا أحلى ما في العمر كله، أنتي حياتي.

طفق يردد على مسامعها كلمات الحب والعشق، التي لن يمل من قولها وتكرارها، وكل إنش في وجهها حمل طابع من طوابع عشقه المدموغ بلهفته لأن يرسخ في عقلها، رؤيته لها من منظور الحب، الذي لن يجد سبيل غيره، ليقدم لها اعتذاره عن كل دمعة فرت من عينيها وكان السبب هو في أن تذرفها حزنًا أو قهرًا، فذراعاه الملتفة حولها والمطبقة عليها بدا كقضبان من الحديد، كمن يحاول زرعها بين أضلعه، لعلها تجد مأمن لها ومنأى عن الحزن واليأس.

أتاحت ضمته لها من أن تترك له زمام أمرها، كعدم ملامسة قدميها للأرض عالمة أنها تستطيع أن تركن إليه بكل وداعة وأنه سيرحب بإلتصاقها به ورفعه لها كأنه يحمل ابنته والتي لم يفرق بينه وبينها إذا تطلب الأمر تدخل معنوياً منه، فما كان يفعله مع سجود من محاولات في أن تكف عن البكاء أو استبدال حزنها ودمعاتها بضحكات وابتسامات مشرقة، فعله معها ولكن بامتيازات أخرى، كعناق الهوى الذي راح ينثر قبلاته محمولة على نسيم الروح.

ولولا إدراكه أنهما في غرفة مكتبه وأن من الممكن والمحتمل وربما الأكيد مجيء من يفسد عليهما تلك اللحظات الهادئة والمفعمة بالغرام، لكان الأمر لن يقتصر على ضمة وعناق، فما أن أخبرته بنيتها في المبيت لدى بيرى اليوم إذا ظلت ماكثة في المشفى، شعر بالإحباط، كونها لن يكون بإمكانها العودة معه إلى المنزل ليطفئ لهيب شوقه إليها، إلا أنه وجدها فرصة سانحة للبدء من جديد، من حيث طلبت منه قبل عودته، إذ سيلتقيان في منزلهما القديم، والذي إذا سأل جدرانه، ستنطق بأنها لم ترى دفء عواطف ومشاعر بين اثنين، كتلك التي كانت بينهما وتم توثيقها بأوقات لا تنسى متمثلة بأيام كان ضجيج العشق والغرام بها يعلو أي ضجيج آخر.

لم يصدق أن الحظ كان حليفه في أن يفوز بمعشوقته خلال يوم واحد، وهو من كان سيلح في طلبه لأبيها بأن يزوجها له قبل أن ينقضي أسبوعان، ولكن تلك هي الحقيقة، التي خشي أن تكون نسجًا من خياله العاشق، فبعد دقائق معدودة ستصبح ياسمين زوجته، ولم يعد يفكر في شيء سوى أنه سيظفر بها أخيرًا بعد انتهاء ذلك الحفل العائلي، والذي أصر والدها على إقامته بمنزل خالها دون الحاجة لإقامة حفل زفاف كبير، وأن بعد عقد قرانهما سيقضيان وقتًا لطيفًا مع أسرتها ومن ثم سيعود بها إلى الفندق، قبل أن يسافران بعد غد إلى إيطاليا، لإنهاء أعماله العالقة ومنها سيقضيان شهر العسل.

ومن الدهشة لم يجد معارضة من والديها أو شقيقها، بل أخذوا اقتراحه بترحيب ولطافة، ورغم شكوكه حول وجود شيء مبهم جعلهم يوافقون على زواجه منها، إلا أنه لم يجعل تلك الشكوك تفسد سعادته، بأن الليلة هي ليلة زفافه، وأن ذلك الحلم الذي طال انتظاره له سيضحى رهن بنانه، لذلك أوصى العاملين في الفندق، أن يعملوا على تزيين غرفته من أجل استقبال حبيبته ومن ستصبح اليوم تحمل كنيته.

وعند هذا تذكر أن اليوم ستقترن بمن يسمى "تميم"، وعلى الرغم أن سعادته وحماسه لم يخف بتذكره أن الأمر سيتم بالخديعة، إلا أن وخزة صغيرة راحت توخزه في قلبه، ليس على شيء، سوى أنه لن يسمعها تناديه باسمه الحقيقي، فكم يتمنى أن يسمع اسمه منها خاصة من صوتها ذو البحة الخافتة الخلابة. عقد رابطة عنقه ولكن تجهم وجهه، لتذكره تلك الأمنية التي أخبرته بها حياء، من أنها هي التي ستعقد له رابطة عنق حلة زفافه، فزفر قائلاً بيأس:

–سامحيني يا حياء، لأن لو نفذتي تهديدك ليا وقولتي لياسمين وأهلها على حقيقتي، كل حاجة هتبوظ. بعد اكتفائه من تأنيب ذاته أمام المرآة، أخذ أغراضه الشخصية وخرج من الغرفة، فأوصى كافة رجاله من أن يأخذوا حذرهم حتى ينتهي عقد قرانه ويعود بعروسه إلى الفندق، دون الحاجة لإظهار أنفسهم أمام عائلة عروسه حتى لا يثير ريبة أحد منهم.

قاد سيارته حتى وصل لمنزل خال عروسه، وجد أضواء تزين جدران المنزل، كأحد مظاهر الفرح، ولج للداخل وجد باب المنزل مفتوحًا على مصراعيه، لاستقبال القادمين من باقي أفراد عائلتها، وما أن ولج استقبله بلال وأخذه لتلك الغرفة التي جلس بها أبوها وخالها والمأذون وعدة رجال آخرون. رفع والد ياسمين يده وأشار إليه بالجلوس وهو يقول باسمًا: –اتفضل يا بني اقعد علشان نكتب الكتاب. ومن ثم نظر لبلال مستطردًا:

–وأنت يا بلال، خد خالك وادخلوا لياسمين خدوا موافقتها وهتوكل مين؟ ابتسم بلال قائلاً بتهذيب: –أكيد أنت يا بابا هتبقى وكيلها. هز والده رأسه ومن ثم قال بسماحة وبشاشة: –لازم تسألها يا بلال وتسمع كلمة الموافقة منها برضا نفس.

أومأ بلال برأسه ومن ثم اصطحب خاله إلى تلك الغرفة التي تجمعت بها النسوة وجلست ياسمين برفقتهن، وما أن حصلا على موافقتها التي أدلت بها بصوت خافت خجول، خرجا من الغرفة وعادا إلى غرفة المعيشة وبدأ المأذون بعقد القران، وحرص ديفيد على الإنصات له جيدًا حتى لا يخطئ في نطق تلك العبارات التي طلب منه المأذون أن يعيدها.

وما أن انتهى عقد القران راح يزفر براحة عدة مرات، لينفس عن ذلك الضغط الذي رزح تحته وطأة من شعوره بالتوتر والارتباك الناتجين عن خوفه الشديد من أن ينكشف أمره وتفسد الزيجة قبل أن تبدأ. صاح أحد أقارب العروس قائلاً بلطافة: –العروسة للعريس والجرى للمتاعيس.

ضحك الجالسين ومن ثم بدأ الاحتفال العائلي، وبدا أن أقارب العروس من الشباب أرادوا المزاح مع ديفيد، فراح كل منهم يلمح إلى مدى لهفته لانتهاء الحفل وأخذه لزوجته، فابتسم ديفيد وأطرق برأسه، لكي لا تفضحه عيناه، التي ظلت عالقة بباب غرفة المعيشة، منتظرًا قدومها، فكم من مرة نهر نفسه من أن يكف عن تفكيره المندفع في أنه يريد الذهاب إليها حيث تجلس، ولكن ما أن رفع رأسه وجدها تأتي متأبطة ذراع أبيها وهي ترتدي حجابًا وثوبًا أبيض، تشبه في رقتها ونعومتها وردة بيضاء نبتت في بستان ظل مقفرًا لسنوات طوال، ولكن أطلت هي لتضفي ألوان الربيع وتنثر عطرها الفواح.

هب ديفيد واقفًا، وعيناه تحلق في وجهها وكل إنش بها، كأنه لا يصدق أن تلك الحورية صارت زوجة له، وها هي تأتيه طواعية، فأقترب منهما ومد يده لها كالمسحور قائلاً بوله وعشق: –كأن من قبلك ما شفت جمال، والورد جنبك يبات حيران، يسأل نفسه إزاي الياسمين جمع في رقتها عطر الزهور وروعة كل الألوان.

ما أن انتهى من غزله بها، حتى صاح الشباب إعجابًا بقوله، مما أخجلها وجعلها تطرق برأسها هربًا من تلك العيون التي راحت ترصدها بمساكشة لطيفة، ولكنه كعادته معها دائمًا لا يكون رحيمًا بغصون خجلها، إذا راح يقذفها بكلمات، جعلت من أمر شعورها بأنها تريد الفرار من الغرفة أمرًا حتميًا. ولكن أشفق عليها أبوها بعدما تطلع لوجهها الذي كادت تنفجر منه دماء الخجل، فربت على ذراع ديفيد مازحًا:

–كفاية كده بقى يا عم روميو كسفتها ولو هي جريت دلوقتي ودخلت جوا مش هعرف أجبهالك تاني، علشان دي بنتي وأنا عارفها، عمري ما أقدر أغصبها على حاجة، ولا قادر أتخيل أن بعد شوية هتاخدها وتمشي…

كف والدها عن الحديث، إذ غص حلقه بالبكاء، لتيقنه من حقيقة أن طفلته وابنته ومدللته ستترك المنزل اليوم، لتبدأ حياة جديدة في منزل زوجها، فكم شق عليه أن يجعلها تترك ذراعه لتتأبط ذراع ذلك الذي صار لديه كامل الحق بها بعد عقد القران، فضمها إليه ولم يمنع دموعاته من التدفق حتى اخضلت لحيته بالدموع، فتشبثت به ياسمين تبكي لبكائه، فهو ليس أباها فقط بل فارسها الأول، من لن يستطيع أحد منافسته في تلك المكانة التي يتفرد بها في قلبها.

فهتفت به بصوت خافت هامس يغص ببكائها الهادئ: –خلاص يا حبيبي كفاية، أنا اللي مش عارفة هسيبك وأسيب البيت إزاي، بحبك أوي يا بابا.

ظل الجالسين يتابعون تبادل تلك المشاعر السامية بين الوالد وابنته، حتى أن ديفيد أُخذ بجمال تلك المحبة بينهما، فتذكر والديه وكيف كانا يغدقانه بالحب هو وأشقاءه، ولكن لم يدم تنعمه بحبهما وقتًا طويلاً، إذ انتزعهما الموت وظل من وقتها يعاني الحاجة إلى العطف والحنان حتى وجد شقيقته حياء والتي شعر بتأنيب ضميره لضياع تلك اللحظة من أن يراها تشاطره أفراحه.

خرج من شروده بعد انتهائهما من عناق الأب وابنته، إذ وضع أبوها يدها في يده وشدد عليه أن يكون زوجًا صالحًا لها وأن لا يبكيها يومًا، فوعده ديفيد أنه سيفعل ما في استطاعته حتى يأمن سعادتها. بعد بضعة ساعات انتهى الحفل العائلي وأخذها معه في سيارته للذهاب إلى الفندق، فرمقها بابتسامة عاشقة وهي تنظر للخارج عبر نافذة السيارة، فقال بدعابة: –مش تبصيلي بقى، أنا أحلى على فكرة من إنك تفضلي باصة من شباك العربية.

ابتسمت ياسمين بخجل وأطرق برأسها قليلاً وغمغمت بخفوت: –باين عليك واثق من نفسك أوي أو مغرور، المشكلة مكنش عندي وقت كافي أعرفك كويس. –قدامك العمر كله تعرفيني فيه يا حبيبتي. نطق بها ديفيد بعدما مد يده وداعب وجنتها بوله، بل بدا نافذ الصبر لكي يصل إلى الفندق حتى يحصل على عناق منها يروي به روحه الظمأنة لعشقها. هتفت به ياسمين بتحذير: –انتبه وأنت سايق العربية، بلاش تهور.

لم تهتف بعبارتها إلا من أجل أن يرفع يده عن وجهها، خاصة بعدما أحست برقة أنامله وهي تتفقد قسماتها، فحاول ممارسة الهدوء وضبط النفس حتى يصلان للفندق، وما أن وصلا إليه وصعدا لتلك الغرفة التي يسكنها باستخدام المصعد الكهربائي لوقوعها في الطابق التاسع، وقبل أن تطأ الغرفة بقدميها، انحنى قليلاً وحملها بين ذراعيه، حتى سمع صوت شهقتها الخافتة، دليلاً على أنها لم تكن تعلم أن في نيته حملها قبل أن تلج للداخل.

بعفوية وضعت يداها حول عنقه، فنظر إليها قائلاً كالمأخوذ بجمالها ورقتها: –كنت بحلم باللحظة دي من ساعة ما شفتك وقلبي حبك يا ياسمين.

لم تدرِ ماذا تقول أو تفعل أمام ذلك العشق الضاري، الذي لا يخجل أن يغرقها بكلماته كلما سنحت له الفرصة، فولج الغرفة بعدما أخفت وجهها بكتفه، ولم تكف عن ابتلاع لعابها لعلمها بما يمكن أن يحدث بينهما من ود ووصال، ورغم محاولتها في أن تزرع الهدوء في قلبها المشتت والخجول، وأن تحاول مسايرته حتى تمر ليلتهما بسلام كما أوصتها والدتها ولعلمها هي أيضًا أنها صارت حق مطلق له ولا يحق لها الاعتراض إذا خطب ودها وأراد وصالها.

حررها من بين ساعديه ما أن وصل بها إلى منتصف الغرفة، ولم تكد تمر برهة حتى سمعا الطرق على باب الغرفة ويبدو أن العامل قد جلب حقيبة ثيابها التي أتت بها معها، ورغم امتعاض ديفيد إلا أنه فتح الباب وأخذ الحقيبة ووضع بعض النقود في يد العامل لكي ينصرف على الفور حتى يعود بإمكانه أن يبدأ ليلته مع محبوبته التي تأكل عشقها فؤاده ولم يعد بالإمكان السيطرة على تلك الجحافل من المشاعر الجياشة والصاخبة. –كويس إن الشنطة وصلت.

قالت ياسمين وهي تقترب من حقيبة ثيابها، إلا أن ديفيد اعترض طريقها لكونه يرى أن لا أهمية للحقيبة الآن، توترت ياسمين ما أن رأته يقدم على عناقها بنهم غير مراعياً أن تلك هي المرة الأولى لها، فكونه كان متعدد العلاقات وربما حطم رقماً قياسياً في اصطحاب الفتيات والنساء وجرهن إلى شباكه المغرية، جعله ينسى أن تلك التي بين يديه لم تمسها أيادي من قبل ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منها سواه بعد ذلك الميثاق الغليظ بينهما.

–تميم خلينا حتى نصلي الأول. حاولت ياسمين دفعه عنها، لعلها تلتقط أنفاسها بعدما عاث الفوضى بحجابها ولم يرحم كونها فتاة بكر بحاجة لأن يكون هادئًا ولين الطباع وليس مندفعًا هكذا، ولكن حماسه غير معهود بأنه ظفر بمعشوقته وأنها ربما فتاته البكر والعذراء الأولى في حياته، جعل مشاعره الصاخبة تطفو على وجهه وحركة يديه التي لم تكف عن إعاقة الفوضى والاضطراب بها. فغمغم غير واعٍ سوى لحقيقة واحدة أنها الآن صارت له وينهل من

نهر عشقها كما يريد ويتمنى: –أنا استنيت اللحظة دي من زمان، مش عايزك تفكري في حاجة غير أن النهاردة أحلى يوم في عمرنا، نفسي أسمعها منك وأنتِ بتقوليلى بحبك يا ديفيد. تمتمت ياسمين بدهشة: –ديفيد. كأنه أدرك حماقة قوله بوقت متأخر، إذ كانت حازمة في أن تحل وثاقه عنها وأخذت ترتد بخطواتها للخلف، ولكنه عاد يقول مازحًا لصرف تفكيرها عن قوله الأحمق:

–معلش أصل كنت متعود من جدتي أنها تحكيلي عن أخوها وإزاي كانت بتحبه، واتعودت تناديني باسمه من وأنا صغير لحد ما صدقت إن فعلاً اسمي ديفيد. حركت كتفيها دلالة على أنها ربما اقتنعت بكذبته وحجته الواهية، إلا أنها أرادت منح نفسها الوقت الكافي، قبل أن يعود إلى عناقها ويفقدها رشدها، ففتحت حقيبتها وأخذت ثياب لها وهرولت إلى المرحاض.

جلس ديفيد على طرف الفراش ووضع رأسه بين كفيه محاولاً السيطرة على انفعالاته التي يبدو أنه ستضعه في مأزق معها، ولكنه سمع رنين هاتفه، فأخرجه من جيبه وبعدما علم هوية المتصل، نظر لباب المرحاض ومن ثم فتح الهاتف قائلاً بجمود: –ماذا تريد؟ جاءه الرد على الطرف الآخر قائلاً بسخرية فجة وفظاظة وتبجح: –أردت فقط أن أهنئك، فلماذا أنت متوتر؟ هل عروسك الجميلة لم تحقق توقعاتك الجامحة؟ أو هل تحتاج مساعدة؟

أخبرني وسآتي إليك على الفور، فأنا قريب منك ربما على بعد خطوات قليلة، هيا أخبرني ديفيد ولا تخجل، مرحبًا بك دائمًا. –كف عن حديثك هذا أيها العاهر وإلا جئت إليك ومزقت عنقك، وإياك أن تحاول ذكر زوجتي على لسانك القذر، فعندها سأعمل على إشعال النيران في جسدك وأنت على قيد الحياة.

سبه ديفيد بصوت خافت حتى لا تسمعه زوجته وظلت المكالمة بينهما قائمة على الشد والجذب في الحديث الرجالي البحت والذي إذا تطرق للعلاقات الغرامية أخذ منحنى أشد خطورة. داخل المرحاض، حاولت ياسمين أكثر من مرة أن تتحلى بالشجاعة وتخرج إليه، إلا أنها كلما وضعت يدها على مقبض الباب تعود وتسحبها سريعًا، إلا أن بعد نضال منها أخذت قرارها وفتحت باب المرحاض وخرجت منه بابتسامة خجولة.

إلا أنها ما أن وطأت الغرفة بقدميها، حتى صدرت عنها صيحة تعجب مما رأته وأقشعر له بدنها: –إيه ده. يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...