شعرت بالغثيان ما أن رأت ما يُعرض على شاشة التلفاز بالغرفة من مشاهد خادشة لحياءها كفتاة تربت وترعرعت بكنف أبوين صالحين، كانا يعملان على توصيتها دائمًا بأن لا تنظر إلى ما حرّمه الله. فلمحة واحدة خاطفة كانت كفيلة بأن تشعر بأن أنفاسها صارت ثقيلة ودماءها تترك أوردتها لتضخ في رأسها، تكاد تسلبها الوعي.
فسيرتها النقية الطاهرة الخجولة، وتوعية والديها لها منذ حداثة سنها بألا تقع عيناها على ما يغضب الله، هذا ما جعلها تخفض بصرها سريعًا. بل وتعود إلى المرحاض وتغلق بابه، تستند عليه وهي تزفر بتتابع لتتخلص مما اعتراها مما رأته من مشاهد منافية للآداب.
ظلت عيناها متسعتين لا تصدق ما حدث، وأن زوجها والذي لم تصبح له زوجة إلا منذ بضعة ساعات، يهوى مشاهدة أفلام كتلك التي وقع بصرها عليها بعفوية ودون قصد منها، وجعلتها تريد الفرار ليس من الغرفة فقط، بل تفر هاربة منه هو أيضًا. فكم من طباع سيئة ما زالت متوارية خلف تلك الوسامة واللسان المعسول.
والأدهى من ذلك أنها عندما خرجت من المرحاض لم تجده بالغرفة، ولم تهتم بأن تناديه أو تبحث عنه لتسأله عن فعلته التي لم تجعلها تشعر بالذنب فقط لزواجها منه، بل ستجرمه بأنه تسبب في جعل عينيها البريئتين تتلوثان. حتى طفرت منهما الدموع. وكم شعرت بتلك اللحظة بأنها في حاجة إلى أبيها ليصرف عنها ضيقها ومقتها لما حدث منذ برهة. خرجت من دائرة أفكارها على طرقات متتالية على باب المرحاض، بل وسمعته يناديها بصوته المرح:
"ياسمين يا حبيبتي، أنتي هتفضلي في الحمام كتير ولا إيه؟ أنا كنت قربت أنام في البلكونة." "أنت على فكرة قليل الأدب ومعدوم الحياء كمان." قالتها ياسمين باستياء عارم، وودت لو تخرج إليه لتأنبه وجهًا لوجه وليس من خلف الباب المغلق. عقد ديفيد حاجبيه متعجبًا من هجومها المبكر، فسألها بإلحاح عن معنى قولها هذا: "أنتي بتقولي إيه؟ أنا عملتلك إيه علشان تقولي كده؟ استدارت ياسمين حتى باتت كأنها تقف قبالته ولا يفصلها سوى الباب،
وردت قائلة باشمئزاز: "كمان لسه بتسأل عملت إيه؟ شوف أنت كنت بتتفرج على إيه في التليفزيون، أنا مكنتش أعرف إنك قليل الأدب كده."
ما أن أتت على ذكر التلفاز، نظر إليه تلقائيًا، ففزع هو الآخر مما يراه يعرض أمامه عيناه. فهو لم ينتبه لما يعرض على الشاشة الصغيرة، إذ أنه أراد تضييع الوقت حتى تخرج إليه، ففتحه. ولكن ما أن جاءته مكالمة هاتفية أخرى من أحد رجاله وما تلا ذلك من شعوره بالضيق من الحديث الذي تم بينه وبين ذلك الرجل، جعله لا يفكر بمشاهدة التلفاز، بل خرج للشرفة وظل واقفًا هناك مستندًا على السور.
وما أن شعر بغيابها الذي طال عن الحد اللازم، عاد للغرفة وطرق باب المرحاض، فانقطاع صوت التلفاز جعله لا يشعر بأنه مفتوح، إذ لم يهتم بالنظر إليه وهو في طريقه إليها. عاد ونظر لباب المرحاض قائلًا بصدق: "ياسمين، صدقيني والله ما كنت أعرف إيه اللي موجود على التليفزيون. أنا فتحته وخرجت البلكونة وكمان الصوت مقطوع فمكنتش أعرف إن في حاجة زي دي شغالة أو إزاي حاجة زي دي تتعرض في فندق."
حتى وإن حاول إقناعها، فهو شبه متيقن ممن حاول مضايقته. فمما لا شك فيه أن ذلك العاهر المقيم بإحدى غرف الفندق هو من فعل ذلك. فكم يتمنى لو أن يذهب إليه الآن ويدق عنقه لمساهمته في إفساد ليلته الأولى مع محبوبته. ولكن ظل وقتًا طويلًا يقنعها ببراءته وأن تخرج من المرحاض. فما أن يأس من إقناعها، ترك مكانه واستبدل ثيابه ووقف أمام النافذة، لعلها تخرج إليه بعد قليل.
ما كادت تقتنع بصدق حديثه وتحسم أمرها في الخروج من المرحاض، حتى عادت تتسمر في مكانها وكأن تلك الليلة لن تنتهي من المفاجآت غير المرضية التي تأتيها من جانبه. فغمغمت بضيق: "ياربي، هو إيه البني آدم ده."
أبت قدماها التحرك من أمام باب المرحاض، فما أن وقع بصرها على ذلك الوشم المخيف الذي يتصدر ظهره بأكمله، بعدما خلع عنه ثيابه ووقف أمام النافذة لا يكسوه سوى سروال قصير، باتت وكأنها ترى عقربًا حيًا يزحف على جسده. فصدرت عنها صرخة خفيفة جعلتها تجفل، إذ أنها لم تكن تظن يومًا أن تتزوج رجلًا يمتلك وشمًا كهذا. فذلك الأمر مرفوض لديها بل ملعون بعقيدة الإسلام، إذ لعن الله الواشم والمستوشم. وكيف يجرؤ على فعل ذلك؟
ألا يعلم أنه فعل محرم؟
ولكن لم تتوقف دهشتها وانفعالها لهذا الحد، بل ما أن سمع صوت صرختها واستدار إليها فزعًا يخشى أن يكون حدث لها مكروه، حتى رأت وشمًا آخر لحية رقطاء على ذراعه. ولا تعلم سر ذلك الغثيان الذي اجتاحها ثانية وهي ترى تلك الوشوم تغطي جسده من الأعلى، كونها دائمًا كانت تكره رؤية الحيات والثعابين، بل ترتعب ما أن يتم ذكرهم وسط مجلس كانت تجلس وتشعر أنهم يزحفون إليها ولا يتركونها إلا إذا انتشر سمهم الزعاف بأوردتها. حتى بأحلامها دائمًا
ما كانت تستيقظ فزعة من نومها إذا رأت حية أو ثعبانًا يركض خلفها ولا تستطيع هي الركض، بل تظل تحبو باكية وتنادي أباها لينقذها من براثنهم. فكيف لها أن تسمح له بالاقتراب منها أو أن تلتف ذراعه تلك حولها، وتصبح الحية كأنها على وشك أن تنشب أنيابها في عنقها.
هرول إليها ديفيد يخشى قائلًا بلهفة: "ياسمين، صدقيني مش أنا اللي حطيت الفيلم ده على التليفزيون، مستحيل أفكر أعمل حاجة زي دي وأنتي موجودة معايا." قبل أن يضع يده عليها، وضعت يداها على إطار باب المرحاض خشية أن تتعثر بوقفتها بعدما نأت بنفسها عن مرمى يداه المتلهفتان. فعقدت حاجبيها وقالت باستياء: "يعني لو أنت لوحدك ممكن تتفرج عليها عادي؟ ثم إيه الوشوم اللي على جسمك دي كلها؟ أنت مش عارف إن الوشم حرام؟
لأ كده في حاجة غلط، أنا حاسة كأنك واحد تاني غير اللي جه يخطبني واتجوزني." أدرك الآن أنه وقع في مأزق معها، فبحكم نشأتها وتربيتها على يد أبيها إمام المسجد، لابد لها أن ترى أفعاله تلك محرمة، ولن تستطيع أن تمرر له الأمر دون إبداء آرائها وربما تأنيبه على فعله ذلك. فحاول تبرير ذلك مثلما فعل عندما أخطأ وذكر اسمه الحقيقي. تقدم منها خطوات قليلة، ومن ثم كست ملامح البراءة وجهه وهو يقول كأنه غير مذنب:
"الوشوم دي عملتها لما كنت شاب مراهق في إيطاليا، مكنتش فاهم أوي في أمور الدين، غلطة زي أي حد ما ممكن يغلط بجهل منه، مش ربنا بيغفر للي بيعمل ذنب ويتوب." صمتت هنيهة ومن ثم مد يده وحط بها قرب فكها المرتجف من أثر لمسته المفاجئة وأضاف بصوت هامس خافت: "من النهاردة هعمل كل اللي تقولي عليه، ولو الوشم مضايقك هشوف أي طريقة وأشيلهم، بس المهم أنتي تكوني راضية، وأرجوكي تنسي أي حاجة حصلت، أنا آسف لو كنتي أضايقتي."
ابتلعت ما أمكنها من لعابها وقالت والكلمات ترتعش على شفتيها: "مم... ماشي، يلا بينا نصلي بقى. أنا اتوضيت، أدخل اتوضى أنت كمان." يبدو أن تلك الليلة لن تنتهي من كثرة المآزق التي سيقع فيها معها. فبما يخبرها الآن؟ فإن كان استطاع الهرب سابقًا وبرر لها مواقفه بحجج واهية ثبتت قدرته وفعاليته على أنه قادر على تأليف وحبك كذباته حتى تبدو واقعية. ولكن ماذا سيفعل الآن والأمر يقتضيه أن يتوضأ بل وأن يأمها في الصلاة؟
فالشيء الوحيد الذي ما زال يتذكره فاتحة الكتاب الكريم، واقتضته الظروف لحفظها. تكاثرت الظنون بعقلها بعدما رأت تردده في أن يلج للمرحاض لكي يتوضأ، فرمقته بشك وسألته بارتياب خشية تأكد ظنونها: "هو أنت مبتصليش يا تميم؟
هز رأسه بآلية يتمم ظنونها، فلا فائدة سيجنيها إذا كذب وأخبرها بأنه يعلم بأمور الصلاة. وانتظر ثورتها عليه وتعنتها وربما محاولاتها المستميتة في أن تصفه وتنعته بالكافر، مثلما كان يرى ويشاهد في الأفلام السينمائية. ولكنه لم يجد شيئًا من هذا القبيل، بل وجدها هادئة وترمقه بعينيها الوديعتين. فقالت بهدوء: "طب مقولتش ليه إنك مبتصليش؟ الظاهر كده في حاجات كتير معرفهاش عنك."
ضم شفتيه ولكن أطلق سراحهما سريعًا وهو يقول دامغًا نبرة صوته بالحقيقة الوحيدة الصادقة في عالمه الغارق بالكذب: "الحاجة الوحيدة اللي عايزك تعرفيها وتتأكدي منها إن أنا بحبك يا ياسمين."
لم يستطع جسدها نكران تلك الرجفات التي تصيبه كلما تهدج صوته وأخبرها بعشقه المطلق، بل وتخرج كلماته من فمه تحمل لهيبًا حارقًا كعاشق يعاني من ألم الحب المختزن بين ثنايا قلبه. فحتى وإن كانت من قبل قابلت من أبدى إعجابه بها كخطيبها السابق، إلا أن الأمر لم يتعدى سوى كلمات قليلة في نطاق المسموح به بين المخطوبين. ولكن هذا الذي أصبح زوجها يبدو أنه بارع في سبل الغرام.
ابتسمت بتوتر وأرادت أخذ وقت كافٍ قبل أن يفكر في الاقتراب منها، فنصحتـه بأن يلج للمرحاض ويتوضأ ومن ثم ستبدأ بتعليمه الصلاة. واكتسبت ذلك الهدوء والبشاشة واللطف واللين في معاملة الآخرين من أبيها، الذي لم يجعل أحد يشعر باليأس من أن فاتته أوقات التوبة، وأن الله دائمًا أبواب رحمته مفتوحة للتائبين والعائدين إليه حتى وإن كثرت ذنوبهم.
أطاعها ديفيد وولج للمرحاض وتذكر تلك الخطوات التي علمه إياها ذلك الشيخ عندما ذهب ليعلن إسلامه. وبعدما انتهى وخرج إليها، فأخبرته أن يرتدي ثيابًا ملائمة ليبدأ صلاته. فظل يستمع لتوجيهاتها حتى وجد نفسه واقفًا، وواضعًا يده اليمنى على اليسرى، وعليه أن يبدأ بتلاوة القرآن. فببطء بدأ يقرأ آيات سورة الفاتحة، ولا يعلم الشعور بالبرودة الذي اجتاحه فجأة، بل أن ارتعاشه ملحوظ، ولكنه قرر إكمال ما يفعله للأخير حتى انتهى.
انقضى وقت لا بأس به وهو ما زال مكانه، وعيناه تحدقان في السماء التي رآها بوضوح من النافذة، وكم بدت بتلك اللحظة سوداء معتمة. وما أن نادته ياسمين ونظر إليها، عاد ينظر للسماء ولكن وجد أضواء خافتة باهتة تضيئها تمثلت بتلك النجوم التي بدأت تظهر من خلف ستار العتمة الذي خيم على أفقها منذ قليل. "حاسس بإيه دلوقتي؟ سألته ياسمين بعدما رأته ساهيًا شارداً ما أن انتهى من صلاته. تنهد ديفيد قائلًا بصدق وحيرة:
"مش عارف أوصف إحساسي، زي ما أكون خوفت يا ياسمين." ضيقت عينيها بعد سماع إجابته، إذ كانت تنتظر أن تسمع منه أنه شعر بالراحة أو اللذة من أنه كان يقف سالمًا أمام ربه، ولكن أن يصف شعوره بالخوف، حمل ذلك لها شيئًا من الدهشة. ولكن تبادر إلى ذهنها أن ربما ذلك الشعور نتج لارتكابه من المعاصي ما يشعر معها بأن الله لن يغفر له. قضمت باطن شفتها السفلى وسألته بحذر: "خوفت من إيه؟ عملت إيه يخليك تحس إنك خايف كده؟ قول لي."
لا تعلم من أين جاءها ذلك الشعور، بأنها ربما زواجها منه لم يكن القرار الصائب بذلك الوقت. ولكنها لم تجد حلًا آخر للخلاص من ذلك الفخ الذي كان يعده لها عمها سوى أن تقبل اقتراح أبيها بأن تتزوجه على الفور، طالما كان مستميتًا للزواج منها وفعل من أجلها ما عجز والديها عن توفيره، كجلبه لذلك الطبيب الذي أجرى لها جراحة عينيها وعادت تبصر من جديد.
تقلصت المسافة بينهما بعدما نهض من مكانه مقتربًا منها، لعله يصرف تفكيرها عما أصابه. فهو لن يقضي ليلته الأولى معها والتي انتظرها طويلًا يتحدثان حول شعوره أو تحليل انفعالاته.
ارتجفت لا إراديًا عندما جذبها إليه واصطدمت بصدره، وباتت القشعريرة تسري بعروقها مانعة إياها من أن تلتقط أنفاسها بصورة منتظمة. فرغم شعورها بالخوف المطلق منه وما هو ناوٍ عليه لإتمام زواجهما، إلا أنها لن تستطيع نكران حقه بها، وأنها صارت زوجته. فأخذه لها إلى عالمه على حين غفلة منها بطباعه وتمرسه في كيفية جعلها منصاعة مطيعة، مما جعل الشك ينخر بعقلها حتى وهي تحت وطأة ذلك الشعور من الخجل والخوف والترقب، تتساءل كيف له أن يكون بارعًا هكذا بوصالها والتودد إليها، دون أن يكون خاض بذلك الأمر عدة مرات مع إناث أخريات. فما تراه منه يجعلها تجزم أنها ليست تلك المرة الأولى له مثلها.
وكلما ناشدته أن يترأف بحالها لشعورها بالخجل، يعود ويخبرها أن نفسه مشتاقة إليها ولا يصدق أنها أصبحت زوجته. "أنتي حلوة أوي أوي يا ياسمين."
نطق بها مهمهمًا وسط عناق أسقط كل الحواجز التي حاولت التشبث بها لشعورها بالخوف الطبيعي الذي يزور كل فتاة خاصة بليلة العُرس. تلونت طباعه في جعلها تنغمس بعالمه مرة هادئة ومرة أخرى بارعًا في إظهار تلهفه إليها. وما أن وثب إلى رشده ووعى على تلك الحقيقة التي باتت راسخة من أنها صارت له زوجة بكل الكلمة من معنى، وكيف كانت كالجوهرة المصونة والتي ظلت بحماية ورعاية والديها حتى جاء هو لتنتقل إلى رعايته وكَنفه، صار يضمها إليه كأنها أضحت ضلعًا آخر من ضلوعه. وكم رغب بذلك الوقت لو استطاع أن يشق لها صدره لتسكن بين ثنايا قلبه. فها هي غافية بعد انقضاء وقت لم يدرك أحد منهم كم طال أو قصر.
تحركت أثناء نومها بعد سماع رنين هاتفه، فمد ديفيد يده ليغلقه، ولكن بعد علمه بهوية المتصل، سحب ذراعه من أسفل رأسها وترك الفراش وخرج للشرفة. ومن ثم فتح الهاتف قائلًا بامتعاض: "ماذا تريد؟ ألم تجد وقتًا آخر مناسبًا لتسمعني صوتك البغيض؟ ضحك الرجل على الطرف الآخر قائلًا بصوت أثار الضيق أكثر بصدر ديفيد:
"أعلم أنك ربما الآن مشغول بعروسك الجميلة ولكن أردت تذكيرك بأن لديك موعدًا بالغد من أجل صفقة أسلحة نارية وصاحبها يريدها في غضون أسبوع وليس أكثر." رد ديفيد قائلًا بضجر: "ما الحاجة له بأن يتعجل هكذا في شراء الأسلحة؟
فالعالم لن يفنى، فلينتظر عندما أعود من صقلية، أفهمت، وكف عن الاتصال بي، وإلا أقسم سآتي إليك وأرسلك لإيطاليا في تابوت قذر مثلك أيها الوغد، لأنني أعلم أنك أنت من قام بوضع تلك الأفلام على التلفاز من أجل إفساد ليلتي، وليس معنى أنك هنا بأمر من زعيم المافيا الكبير لمراقبتي ونقل خطواتي، أنني سأكون مضطرًا لتحمل أفعالك السخيفة. اذهب إلى الجحيم."
أنهى ديفيد المكالمة، واسند كفيه لسور الشرفة، وراقب حركة الأمواج خاصة أن الفندق قريب من الشاطئ. تمعن جيدًا في تلاطم الأمواج العاتية، التي تضرب الصخور وسرعان ما تنحسر عنها. وما أن اكتفى من تأملها عاد للداخل وأغلق باب الشرفة وجذب الستائر ومن ثم عاد واستلقى على الفراش جاذبًا ياسمين إليه، التي ركنت إليه ساكنة، كأنها لم تجد ضررًا من أن تستبدل وسادتها الناعمة بصدره الصلب.
في اليوم التالي، استيقظ ديفيد من نومه بعد شعوره بافتقادها، خاصة أن الليل بأكمله كانت بين ذراعيه. ولم ينس قبل الفجر بساعتين أنه عاد إليها متلهفًا لأن تهبه إحدى عطايا حسنها ورقتها ووداعتها. ومن ثم غفى بنومه ولم يستيقظ إلا الآن. جلس في الفراش وهو يتثاءب وغرز أنامله بين خصيلاته المبعثرة، فوقعت عيناه عليها وهي تصلي مرتدية ثوب صلاة باللون الأبيض. بعد انتهائها من صلاتها، نظرت إليه بابتسامة خجولة وهي تقول برنة صوتها الرقيقة:
"صحي النوم، أنا حاولت أصحيك عشان تصلي الضهر معايا بس أنت كنت بترد عليا وترجع تنام تاني." رد قائلًا بابتسامة هادئة: "معلش كنت حاسس إن عايز أنام، صباح الخير." "قصدك تقول مساء الخير، الضهر أذن بقاله شوية." قالت ياسمين بعدما استقامت بوقفتها ومن ثم انحنت لتطوي سجادة الصلاة.
ترك ديفيد الفراش ولكن قبل أن يقترب منها سمعا صوت طرقات على باب الغرفة. ظنت ياسمين أن ربما القادمين هم أهلها للاطمئنان على أحوالها وتوديعها قبل سفرها. فما أن رأت ديفيد يتجه صوب الباب، قالت بخجل: "ادخل خدلك شاور، لأن ممكن اللي يكونوا على الباب أهلي، لأن ماما كلمتني من شوية وقالت إنهم هييجوا بعد الضهر ومينفعش يشوفوك كده."
ابتسم ديفيد لفهمه قصدها، فاختطف من وجنتها قبلة محبة قبل أن يسرع في الذهاب للمرحاض. فذهبت هي لفتح باب الغرفة، وسرعان ما ألقت بنفسها بين ذراعي والدتها ومن ثم والدها وشقيقها ودعتهما للدخول إلى تلك الغرفة الملحقة بغرفة النوم. ولم يمر وقت طويل حتى أتى ديفيد إليهم مرحبًا بقدومهم. وكانت ستستمر جلستهم هادئة لولا عدة طرقات متتالية على الباب جاءت لتفسد وقتهم اللطيف.
فتحت ياسمين الباب كالمرة الأولى، ولكن جفت دماءها ما أن رأت عمها ويصاحبه رجل آخر لا تعلم من يكون ولكن يبدو أنه أجنبي وليس عربيًا. ولكن كان النصيب الأكبر من الدهشة لعمها، إذ عقد حاجبيه الكثيفين متسائلًا: "ياسمين، أنتي بتعملي إيه هنا؟ انعقد لسانها بعدما ظنت أن ربما علم بزواجها وجاء من أجل إفساد تلك الزيجة. ولكن رأت زوجها قادمًا إليهم مبتسمًا، ولكن اختفت ابتسامته على الفور ما أن رأى الزائرين. جذب ذراع ياسمين قائلًا بأمر:
"ياسمين، ادخلي جوا." رفع عمها يده يشير إليها ومن ثم سأل ديفيد بإلحاح: "تدخل فين؟ أنا عايز أعرف بنت أخويا بتعمل إيه عندك يا ديفيد." "بنت أخوك؟ نطق بها ديفيد مبهوتًا مشدوهًا. ولم ينته الحال إلى هذا الحد، إذ خرج والديها وشقيقها ليعودوا للمنزل. فصار كل الحاضرين ينظرون لبعضهم البعض، ولا أحد منهم يفهم ما يدور هنا. إلا أن عمها نظر لشقيقه قائلًا بسخرية: "دا الحبايب كلهم متجمعين هنا، مش تقولولي فيه إيه؟
هتف بآخر كلمة من عبارته وهو يقتحم الغرفة مغلقًا الباب خلفه لكي يكون الحديث في نطاق الخصوصية قليلًا، عوضًا عن استماع النزلاء في الفندق لما سيجري بينهم من حديث. أجابه والد ياسمين قائلًا وهو ينظر لزوجته وولده: "إحنا اللي مفروض نسألك بتعمل إيه هنا وعايز إيه من بنتي؟ خلاص هي اتجوزت يعني اللي في دماغك ده انساه، وإزاي عرفت إن إحنا هنا؟ ضحك شقيقه بصوت عالٍ وارتد رأسه للخلف كأنه ألقى عليه دعابة. ومن ثم نظر إليه قائلًا بشماتة:
"أنا مكنتش جاي عشانكم، أنا كنت جاي أقابل جوز بنتك المصون عشان صفقة شغل. بس يعني عشان بنتك متتجوزش الشاب اللي كنت جايبهولها تقوم تجوزها لواحد يهودي وتاجر سلاح وزعيم مافيا، وتبقى حرم ديفيد دانيال إسكندر شمعون. ده اسمه كلام يا راجل!
صمت واحتلت الدهشة والصدمة الوجوه. وديفيد الذي لم ينطق بكلمة واحدة، صار فزعًا بعدما أفشى ذلك الرجل بحقيقته. وجاء ذلك لصدفة لعينة لا يمكن أن تحدث إلا بأسوأ أحلامه، فالرجل المفترض به عقد صفقة الأسلحة النارية معه يكون عم زوجته. فأي حظ تعيس هذا، الذي جمعهم بمكان واحد لتعلم زوجته وأسرتها بهويته الحقيقية. لطمت والدة ياسمين خديها بعفوية بعد سماع ما قاله شقيق زوجها، فنظرت لزوجها وهي تقول بصدمة: "هو أخوك بيقول إيه يا أبو بلال؟
وجهه الذي خلا من الدماء، لم يعد يتحرك به سوى عينان ترمقان زوج ابنته، لينطق وينكر قول شقيقه. فأقترب منه جاذبًا ذراعه متسائلًا بحدة: "هو الكلام اللي بيقوله ده صح؟ معقولة أنت زي ما هو بيقول كده؟ رد عليا فهمنا إيه اللي بيحصل هنا بالظبط." لم تفده محاولاته المتكررة في ابتلاع لعابه لترطيب جوفه، إلا أنه أدنى برأسه من والد زوجته قائلًا برجاء: "عمي، أنا هفهمك كل حاجة، فأرجوك اهدى."
أطاح بصوابه ولم يكن هو وحده الذي تملكت منه حرارة الانفعال لوقوع ياسمين بفخ زواجها منه. ولكن بلال اقترب منه قابضًا على تلابيب ثيابه وصرخ في وجهه بحنق: "يعني أنت ضحكت علينا كلنا وغشيتنا؟ إزاي أنا كنت مغفل كده ومدورتش وراك؟ نفض ديفيد يد بلال عنه بعدما رأى والد زوجته يقبض على ذراعها ويبدو أن بنيته أخذها معه. فقطع عليهما الطريق قائلًا بخشونة: "مراتي مش هتمشي من هنا وإلا مش هيحصل خير أبدًا لحد."
جذبها بغتة من يد أبيها، فكل هذا وهي تقف كالدمية لا تعي شيئًا مما يدور حولها، كأنها بحلم ولكن ربما طال وقته كثيرًا. اتسعت مقلتاها وهي تحدق في وجهه وتساءلت بإصرار: "أنا عايزة إجابة واحدة منك بس، أنت فعلًا زي ما بيقولوا كده يهودي وزعيم مافيا؟ توترت عضلة قرب فمه منعت عليه الحديث، إلا أن صمته كان خير دليل أن ما سمعته الحقيقة ولا شيء غيرها. فأشاحت بوجهها عنه ونظرت لأبيها قائلة بنهنهة:
"يبقى فعلًا هو زي ما قالوا، خدني من هنا يا بابا."
ما أن همت بالذهاب مع أبيها، قبض زوجها على ذراعها ومنع عليها الحركة. فنشبت مشادة كلامية بينهم، وحسم ديفيد الأمر، بطلقة نارية أطلقها في الهواء محذرًا، أنه ربما سيتخلى عن كياسه وتصبح الغرفة مسبحًا للدماء. فزوجته لن تبرح مكانها إلا بإذنه. وزاد الأمر سوءًا بمساندة ذلك الرجل المكلف بمراقبته له، إذ سحب سلاحه الناري هو الآخر، وباتت أسرة ياسمين بموقف لا يحسدون عليه خاصة وفوهات تلك الأسلحة النارية مصوبة إليهما من كل حدب وصوب.
أضحى الأمر كالكابوس، خاصة وأن ديفيد مكبلًا لها بذراعه ويده الأخرى ممدودة بالسلاح. صرخت لعله يفلتها، ولكنه صار أصمًا عن سماع توسلاتها ورجاءها له بأن يتركها. فبعد أن عجزت أسرتها عن اصطحابها معهم، هدده والدها بإبلاغ الشرطة. إلا أن ديفيد حذره من ذلك وإلا سيكون هو الخاسر الوحيد، إذ هدده بأنه لن يكف عن قتل كل من يريد إبعاد ياسمين عنه، وأنه لن يجد جهدًا في إحداث مجازر بشرية من أجلها، حتى لو كانت هي الآن تتمنى الفرار منه
وربما سترجوه بأن يقتلها هو بيده حتى لا تكون له زوجة ليوم آخر غير ذلك اليوم الوحيد الذي كان بالأمس. وجاءت راية الحقائق ترفرف على أرض الواقع، معلنة خسارته المؤكدة في أنه لن يرى من ياسمين ما رآه منها الليلة الماضية، إذ سيكون عليه من اليوم أن يعتاد بأنها لن تأتيه طواعية بل ستأتي مجبرة، عندما ينفذ صبره في أن تمنحه ما يريد.
*** رحلة عودته في القطار من الأقصر للإسكندرية والتي استغرقت ساعات، جعلته يُمعن التفكير جيدًا في شأن ما هو مقبل عليه من حيث مقابلته لزوجته، التي امتنعت عن الحديث معه منذ رحيلها من منزلهما المستأجر في الأقصر. ودائمًا ما كانت خالته هي من تتولى مهمة إجابته على اتصالاته الهاتفية المتكررة. وكم من مرة حاولت تبرير الأمر بأن هند نائمة وما أن تستيقظ ستخبرها بشأن اتصاله.
ولعلمه بأن استياءها منه بلغ أقصى حدوده، جعله يتروى بشأن أن يتخذ قرارًا جديًا في عدم اتصاله بها حتى يذهب إليها. ولكن كلما كان يعصف به الشوق لسماع صوتها، كانت تسبقه يداه في إجراء الاتصال الهاتفي، الذي سرعان ما ينتهي بمحادثة قصيرة مع خالته، تبدي فيها اعتذارها وحجتها المتكررة بأن هند تقضي معظم أوقاتها نائمة. وكم من مرة لم تخفِ دهشتها مما يحدث، وعن كيفية استطاعة هند تركه هكذا بسهولة، وهي التي مستميتة بعشقه ولا تستطيع أن تحيا يومها بدونه أن تراه أو تسمع صوته.
ولكن كان كرم دائمًا يفلح في إيهام خالته، بأن ما تعانيه هند بتلك الأونة تغيرات ناتجة عن الحمل، وربما أصيبت بحالة من الاكتئاب مثلما سمع أن كثير من السيدات الحوامل يصيبن به نتيجة تغيرات هرمونية، وسرعان ما ستعود إلى طبيعتها ما أن تضع مولودها. لذلك هو لا يحمل لها ضغينة من رفضها الإجابة على مكالماته الهاتفية. "وحشتيني أوي يا هند وعارف إنك دلوقتي مش طيقاني."
غمغم كرم بعبارته همسًا ويبدو أنه استغرق وقتًا طويلًا في التفكير، إذ أنه شعر بوقوف القطار معلنًا عن وصوله إلى وجهته. فترك مقعده وأخذ حقيبته يجرها خلف حتى خرج من القطار، ومنه بحث عن سيارة أجرة ليصل إلى منزل والد زوجته. ومثلما قضى وقته في القطار مفكرًا في استقبال هند له، لم يختلف الأمر وهو يستقل سيارة الأجرة. وما أن أعلن السائق عن وصولهما، حتى ترجل من السيارة وأعطاه النقود نظير إيصاله. صاح حارس المنزل قائلًا
ما أن رأى زوج ابنه سيده: "كرم بيه، يا ألف الحمد لله على السلامة." تبسم كرم في وجهه ورد قائلًا ببشاشة: "الله يسلمك."
أسرع الحارس بأخذ حقيبته ودلفا للداخل. وأثناء مروره بحديقة المنزل، رأى تلك الغاوية اللعينة تتحدث مع السائق الخاص بسيارة خالته، والتي إن حافظ على سرها من منطلق الستر، إلا أنه كلما تطلع في وجهها يتذكر أنها السبب الأساسي فيما حدث، من أن يصر على عودتهما للإسكندرية، حفاظًا على الحياة الزوجية لابن الحاج سويلم، بعدما حاولت تلك المرأة إيقاعه في حبائلها. تمتم كرم بصوت هامس لم يصل لأذن أحد:
"البت دي لازم تمشي من هنا، قبل ما تجيب مصيبة لأي حد." أهداها نظرة عابرة ولكنها كفيلة بأن تجعلها تشعر بمدى حقنه واستيائه منها. أكمل سيره للداخل، حتى وصل للصالة، فصاحت خالته بسعادة من رؤيتها له، فأقتربت منه تحتضنه مرحبة بعودته، سعيدة لرؤيته أنه عاد لهنا ولم يعد لشـقته القديمة، وربما كان سيتسبب ذلك في خلق فجوة بينه وبين زوجها، إذ أنه لم يكن سيقبل بخروج هند من المنزل قبل أن تضع صغيرها. قبل كرم وجنتي خالته باسمًا:
"وحشتيني أوي يا خالتي، أخباركم إيه وهند عاملة إيه دلوقتي؟ أجابته خالته بعدما نادت للخادمة بأن تأخذ حقيبته لتضعها بغرفة هند: "الحمد لله يا حبيبي إحنا كويسين، هند في أوضتها فوق، اطلعلها." صعد كرم الدرج حتى وصل لغرفة زوجته، فوجد إحدى الخادمات تخرج من الغرفة بعدما وضعت حقيبته. ولج للداخل وجد زوجته جالسة بفراشها ولا يبدو على وجهها أي مظهر من مظاهر الفرح برؤيته. رمقته هند بنظرة عابرة وعادت تنظر للتلفاز قائلة بنبرة فاترة:
"حمد الله على السلامة، نورت البيت، محجزتش ليه في القطر اللي يخليك توصل بدري، بدل ما أنت جاي بليل كده؟ "الله يسلمك يا حبيبتي، أصل مقدرتش على بعدك أكتر من كده." قالها كرم وهو يجلس بجوارها على الفراش وأدنى بوجهه من وجنتها ليقبلها، فمدت له خدها بعفوية. ولكن سرعان ما أعادت ملامح التجهم لوجهها. فابتسم كرم على فعلتها، فعاد يداعب وجنتها مشاكسًا: "مالك مكشرة في وشي ليه كده؟ وليه مكنتيش بتردي عليا لما بتصل بيكي في التليفون؟
عقدت ذراعيها واشاحت بوجهها عنه قائلة باستياء: "عايزني أرد عليك بعد اللي عملته؟ يعني ترجعني من الأقصر وأنا في حالتي دي وكمان تكذب على بابا وماما وتقولهم إن حالتي كانت في خطر؟ كان ليه ده كله يعني؟ زفر كرم بخفوت ومن ثم قال بعدما أخذ كفيها بين راحتيه الدافئتين: "أنا افتكرت إنك هتبقي مبسوطة بأنك هتيجي هنا ومامتك تبقي معاكي." عادت تنظر إليه وزمت شفتيها لعدم قناعتها بقوله، فرفعت حاجبها الأيسر وتساءلت بإلحاح تلك المرة:
"قولي يا كرم، أنت عملت ليه كده ومتحاولش تلف وتدور عليا في الكلام، لأن أكيد في سبب وسبب كبير كمان وإلا مكنتش هتفكر تعمل كده." ترك كرم مكانه من جوارها واستقام واقفًا وأراد قطع الحديث بينهما لهذا الحد، إلا أنها أبت أن تصمت دون أن تعرف ما يخفيه عنها، فعادت مستطردة:
"أنا بكلمك على فكرة ولو فضلت متجاهل سؤالي كده بجد هزعل منك، أنا لحد دلوقتي بحاول أقنع نفسي إن في سبب لعمايلك دي، متخلنيش أصدق إنك ممكن تكون عملت كده عشان كرامتك اللي نقحت عليك بسبب وجود الشغالة والمرتب اللي بيدفعه ليها بابا." كست ملامحه علامات الاشمئزاز ما أن أتت على ذكر الخادمة، فأولاها ظهره قائلًا وهو يفتح أزرار قميصه لتبديل ثيابه:
"آه هي الشغالة دي سبب المصايب كلها، قولتي اطرديها لأن مش مرتاح لسلوكها وباين عليها مش محترمة، اتهمتيني إن بعمل كده عشان أطفشها." رفرفت أهدابها وهي تسأله بحذر: "هي عملت معاك حاجة يا كرم؟ إيه سبب كرهك المفاجئ ده ليها؟ التفت إليها ومن ثم ألقى القميص من يده قائلًا بعصبية: "معملتش معايا أنا، بس شكلها كانت ناوية تخرب بيت أبو أم سويلم، الهانم راحت له في نص الليل تعرض نفسها عليه."
شهقت هند بصدمة ووضعت يدها على فمها أشبه بلطمة خفيفة، ولا تعلم سر ذلك الدوار الخفيف الذي انتابها بعد إصابتها بالدهشة والصدمة مما قاله زوجها، فهي لم تضع ببالها يومًا أن يحدث شيئًا كهذا من الخادمة ومع من؟ مع زوج تلك المرأة الجميلة والتي توطدت الصداقة بينهما منذ أن وطأت الأقصر بقدميها. مررت هند يدها على وجهها لتتأكد من أنها واعية لما قاله، فأتسعت حدقتاها قائلة وهي ما زالت تتململ بجلستها كأنها لا تشعر بالراحة: "يا خبر!
أنت بتتكلم جد يا كرم؟ هي عملت كده، طب هو عمل إيه معاها؟ أوعى يكون... أخذ كرم نفسًا عميقًا ومن ثم زفره ببطء وأجابها وهو يجلس على الأريكة المواجهة للفراش:
"هو مخانش مراته ولا حاجة، بالعكس ضربها بالقلم وهزقها وطردها، والمصيبة إن اكتشفت إنها كمان حامل وشكلها كده كانت عايزة تورطه في الموضوع. أنا بعد اللي شوفته منها، سمعتها بتتكلم في التليفون مع حد وأنها هتحاول تلاقي أب لابنها اللي في بطنها، وأنها هتحاول تاني مع أبو سويلم لحد ما يوقع. ولما حاولت ألمح ليكي أنها مش كويسة، حفاظًا على أن الموضوع ميكبرش لو عرفتي هي عملت إيه، فضلت تتخانقي معايا ومفكراني عايز أطفشها من غير سبب،
فملقتش حل غير أن نرجع اسكندرية بدل ما نتسبب في خراب بيت ابن الراجل اللي كان بيعاملنا زي ولاده وخصوصًا أنتي عارفة هو ومراته بيحبوا بعض إزاي وهي بتغير عليه، ومحبتش أقول لك لأن خوفت تقعي بالكلام معاها، أو أن الخادمة نفسها تورطه من غير ذنب، لأن باين عليها أنها مكنتش هترتاح إلا لما تعمل مصيبة، فخفت الموضوع يكبر، لأن طبيعي أي ست هتسمع أن في واحدة كانت بتحاول تجر رجل جوزها، الشك كان هيملأ دماغها وهو بيسافر كتير، فبدل
الشوشرة دي كلها، قولت نرجع هنا لأن مسيرنا كنا هنرجع إسكندرية، ويبقى حسابها بعيد عن هناك، لأن العيار اللي ميصيبش يدوش يا هند."
عوضًا عن تسكين شكوكها حول الخادمة، ظلت ترمقه بارتياب تخشى أن تكون أقدمت الخادمة على إغوائه هو الآخر. ولكن كأن كرم فطن لنظراتها، فرفع حاجبه قائلًا بتسلية ممازحًا: "أنا عارف البصة دي كويس، أنتي دلوقتي بتفكري إذا كانت عملت معايا كده ولا لأ، بس للأسف طلعت معندهاش نظر، محاولتش تتغرغر بيا." شهقت هند ورفعت زجاجة المياة البلاستيكية وألقتها في وجهه قائلة بحنق:
"والله لو كان ده حصل كنت دفنتك أنت وهي، أنا هقول لبابا يغورها على بلدها قليلة الأدب دي كمان." بعد أن تفادى إصابة زجاجة المياه لوجهه، ترك الأريكة وقفز جالسًا على الفراش قابضًا على كفيها قائلًا باشتهاء: "يا نهار أبيض على حلاوتك وجمالك وأنتي غيرانة، تجنني يا بنت خالتي." سحبت يدها اليمنى ووضعتها على وجنته قائلة بابتسامة حب:
"بالرغم إني كنت زعلانة منك ومش عايزة أكلمك، بس قلبي الخاين ده بيسامحك على طول، زي ما تكون أنت اللي بتتحكم فيه مش أنا."
أدناها منه ليرتوي من أنهار شفتيها، فذاب الخصام في خضم عناق كان من المحال أن يتفاداه أحد منهما. تلاقت نظراتهما وعلت حمرة الخجل وجنتيها وامتلأت نفسها بأمل جديد. فأقترب كرم أكثر ورفع وجهها إلى عينيه، ولم تستطع هند النظر إليه حتى لا تخونها عيناها وتفصح عن مدى اشتياقها إليه، ولكنه أمرها بأن تنظر إليه، فأطاعت الأمر خائفة من أن تفضح عيناها عن شوقها وربما في النهاية سيكون الوضع كارثيًا. وعلى الرغم من ذلك ظل كرم يتفرس في
وجهها جيدًا وتوقف طويلًا عند عينيها محاولًا النفاذ إلى أعماقها. فأعاد عناقه حاملًا حرارة الحب الكفيلة بإشعال نيران الشوق. ولكنه كان حريصًا على عدم تماديه بالأمر، فظل يداعب شعرها الأسود وأغمضت عينيها لتغفو سريعًا بنومها. وعندما أفاقت في اليوم التالي، وجدته قربها، كانت سعيدة حتى أنها شعرت برغبة في أن تغني. فطوقها كرم بيده القوية وشدها إليه، ولكن تذكرت هند ضرورة إخبار أبيها بأن يحرص على إعادة تلك الخادمة من حيث أتت.
فكلما تتذكر ما فعلته، تعود وتخشى أن تلقي شباكها تلك المرة حول زوجها، فحقًا لو فكرت بفعل ذلك فلن تتركها حية، فهو لها هي فقط ولن يكون لغيرها طالما قلبها ما زال يخفق وينبض باسمه.
***
انتهت من ارتداء حجابها، الذي لم تكن تعلم إلى أي لون ينتمي، إلا بعدما وضعته على رأسها. فحجابها المائل للون الرمادي، كان الأنسب في أن يلائم مزاجها التعيس بذلك الوقت. عيناها الغائرتان واللتان لم تكفّا عن ذرف الدموع، كأنهما صارتا خاليتين من الحياة والإبصار وهي واقفة تنظر لانعكاس صورتها على المرآة. شفتيها باهتتين كأن الدماء نضبت منهما، وشحب وجهها كأنها تعاني من مرض عضال. ولكن لم يكن الداء تلك المرة يسكن جسدها، ولكن سكن قلبها وروحها التي صارت هائمة، كأنها تبحث لها عن مأوى.
عادت الدموع من جديد تطفو بمقلتيها، وسرعان ما وضعت وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء. فإلى متى ستظل تبكي؟ أو إذا صح القول، لماذا هي تبكي هكذا؟
أتبكي من أجله أم من أجل شعورها بنكبة وانتكاسة لحب وليد اللحظات القليلة التي لم تدم سوى أيام، لينجلي الوهم سريعًا وتعلم ما كان يخفيه من حقائق. جاءت ممزقة لأحلامها الوردية، والتي وضعت بها أمنيات فتاة اشتاقت لأن تحيا إحدى قصص الغرام. فأي حظ تعيس هذا الذي جعلها تقع بداية في حب معلمها وهي ما زالت طالبة في المدرسة الثانوية، ووقعت الآن في حب زوجها، والذي علمت عنه حقيقة جعلت جسدها يرتعد ويرتجف، كلما تخيلت بشاعة وهول ما كان يفعله من محرمات.
"خلصتي يا سهى؟ هتف عمرو بعبارته وهو يلج الغرفة، ليسألها إذا كانت انتهت من ارتداء ثيابها وحجابها، حتى لا يتأخرا عن موعد الغداء، الذي دعتهما إليه زوجة أبيها، خاصة أنهما لم يقوما بزيارة بيت والدها حتى الآن. حاولت سهى الحد من ذلك الارتجاف الذي عصف بأطرافها كافة، إلا أن عمرو لاحظ ارتجافها الذي بات يزورها دائمًا كلما رأته أو سمعت صوته. فحاول رفع الحرج عنها، إذ هتف بها والحزن والأسى ملء جوفه:
"أنا هستناكي تحت على ما تخلصي، لو ملقتنيش في الصالة هتلاقيني في العربية." استدار على عقبيه ليهيم بالخروج من الغرفة، وما كادت تفتح فمها لتخبره أن لا حاجة له لانتظارها، إذ كانت على أهبة الاستعداد لمرافقته، وجدتـه خرج من الباب وهو يسرع بخطواته كأن الشياطين تسير في أثره. وضعت يدها على جبهتها وتمتمت بإرهاق وتعاسة: "وبعدين بقى في الحال ده."
زفرت بصوت مسموع بعدما رفعت رأسها ووجهها عاليًا كأنها تنشد العون، ولكن لم تدم حالتها تلك طويلًا، إذ وجدت زوجة أبيها تهاتفها لتخبرها بضرورة الإسراع في الحضور. وضعت هاتفها في جيب حقيبتها الصغيرة المعلقة على كتفها وخرجت من الغرفة، وصوت خطواتها يكاد لا يسمع، كأنها تسير بخطوات رتيبة خالية من الحماس واللهفة، التي من المفترض أن تشعر بها وهي تزور منزل أبيها في المرة الأولى بعد زواجها.
لم تجده جالسًا في الصالة، فخرجت للحديقة وجدته يجلس بداخل سيارته، ويبدو أنه ينتظر فقط أن تصعد للسيارة ومن ثم سيغادران على الفور. فتحت الباب المجاور له ومن ثم صعدت للمقعد بجانبه. ابتسمت له ابتسامة خفيفة، لعلها تزيح ذلك التوتر، الذي دل عليه أنفاسهما المضطربة. فرغم مظهره الخارجي الهادئ، إلا أنها شعرت بمدى ذلك الجهد الذي يبذله لمحاولة الحفاظ على رباطة جأش حتى تمر الزيارة بسلام.
ما كاد يخرج بالسيارة من الباب الخارجي لمنزله، حتى رمقها بنظرة عابرة ومن ثم حمحم متسائلًا بارتباك: "سهى، هو إنتي ممكن تقوليلي لباباكي ومراته على اللي عرفتيه عني؟ جعدت جبينها من مباغتته لها بسؤاله، الذي لم تكن تظن أنه سيحاول أن يسألها بشأنه. فامتعضت قليلًا لظنه أنها ستهرول سريعًا لمنزل أبيها لتشي لهما بحقيقته، التي وإن كانت علمت بشأنها، فما زال عقلها رافضًا تصديقها، رغم تلك الدلائل التي لا تقبل الشك.
عقدت سهى ذراعيها ونظرت من نافذة السيارة قائلة بتبرم: "هو أنت مفكرني إيه، وأروح أقولهم إيه بالظبط؟ ما لو كنت حابة إنك تختفي من حياتي، كنت عملت كده قبل الفرح وكنت قلتلهم على اللي عرفته عنك زمان، ثم إن دي حاجة تتقال أصلًا."
لمس ضيقها وتبرمها بنبرة صوتها التي خرجت منها حادة بعض الشيء، فأكتفى بالنظر إليها، ثم عاد ينظر للطريق أمامه ولم يفـه بكلمة أخرى حتى وصلا لمنزل أبيها. وما أن وضعت سهى يدها على جرس المنزل، حتى قفزت إحدى القطط قريبًا منها، فلم تمنع نفسها من الصراخ بصوت عالٍ، وتعلقت بعنق زوجها وهي ما زالت تصرخ، حتى كادت تزهق أنفاسه وتصيبه بالصمم. هتف بها عمرو بصوت مكتوم خرج منه خافتًا: "سهى، حرام عليكي هتموتيني، أنتي قربتي تخنقيني."
أدركت سهى ما فعلته بزوجها، فأسرعت في الابتعاد عنه، بينما ظل عمرو يسعل عدة مرات ناتجة عن شعوره بالاختناق من لف ذراعيها حول عنقه. فرمقته بنظرة وديعة قائلة بندم: "أنا بجد آسفة، أنت كويس يا عمرو؟ ولم يخنه حدسه بأن ما سمعه من عبارتها المتأسفة، بأنها حقًا تشعر بالندم على إيذائه دون قصد منها. فأخذ أحد كفيها وقبل باطنه قائلًا بصوت متهدج: "ولا يهمك يا حبيبتي."
لو يعلم كيف راحت ترفرف أجنحة الفراشات التي طارت بمعدتها من تلك القبلة التي تركها على باطن يدها. ورغم نكران عقلها لما يحدث، أرادته أن يعلم بحقيقة ما يفعله بها خاصة إذا بدا متمكنًا من كيفية التأثير على حواسها. ولكن لم يكن الحظ حليفها، إذ سمعا صوت حاتم وهو يقول ساخرًا: "حمد الله على السلامة يا عرسان." سحبت سهى يدها من يد عمرو وظن أنها ارتبكت من حضور ابن عمها، إلا أنه وجدها تتأبط ذراعه بتملك قائلة بسماجة:
"الله يسلمك يا حاتم، أخبارك إيه؟ يارب تكون كويس." "أكيد كويس لما شوفتك، قصدي لما شفتكم." قالها حاتم محاولة منه أن يثير أعصاب عمرو حد الانفجار، إلا أن سهى شدت على ذراع زوجها، كمن تبلغه أن يظل هادئًا ولا يفقد برودة أعصابه أمامه بسرعة.
ضغطت سهى على جرس الباب وفتح شقيقها، فأنحنت إليه تقبله، بل ورفعته عن الأرض وأخذته بين ذراعيها وهي تشير لزوجها بالدخول. استجاب عمرو لدعوتها له ولكن ولج بأثره حاتم ولم يستطع أن يفـه بكلمة بعدما رأى والد سهى ينتظرهما في الصالة. "وحشتني أوي يا بابا أنت وماما."
قالت سهى وهي تقترب من أبيها وزوجته تحتضنهما بشوق لرؤيتهما، في حين أن استقبال أبيها لزوجها لم يكن بالحرارة والود الكافيين للترحيب بزوج ابنته في زيارتهما الأولى لمنزله بعد حفل الزفاف. قبلتها زوجة أبيها وهي تتفرس في وجهها قائلة بابتسامة: "نورتي البيت يا عروستنا الحلوة."
أطلقت زوجة أبيها الزغاريد، التي لم تعلم سهى ما الداعي لها سوى أنها تعبر عن سعادتها برؤيتهما. ومن ثم أشارت إليهم بالجلوس ريثما تضع الطعام على المائدة، فأصرت سهى على مساعدتها ربما هربًا من ظل نظرات زوجها. وبعد أن صارت المائدة زاخرة بأصناف الطعام المختلفة، التفوا حولها جميعهم بما في ذلك حاتم، والذي يبدو أنه أتى بدعوة من أبيها.
سمع عمرو رنين هاتفه، فقطب حاجبيه بعدما رأى اسم إمام المسجد، فتلك هي المرة الأولى التي يجري به اتصالًا، كون أن عمرو كان دائم الذهاب إليه والاتصال به. فلم يتردد في ترك المائدة معتذرًا منهم على أنه جاءه مكالمة هاتفية مهمة. وما أن ابتعد وعلم أن إمام المسجد يريده بأمر هام يتطلب ذهابه إليه فورًا، عاد إليهم قائلًا بكياسة: "أنا متأسف جدًا مضطر أمشي دلوقتي، حصلت حاجة ضرورية. أنا مش هغيب كتير وهرجع تاني."
تركت سهى مقعدها وأقتربت منه تسأله بصوت خافت خشية سماع الآخرين: "عمرو، الموضوع ده خاص بزوج مامتك؟ نفى عمرو ظنها وأجابها بصدق: "لأ يا سهى، دا إمام المسجد اللي حكيتلك عنه طالب يشوفني ضروري. خليكي، أنا هخلص مشواري وهرجع آخدك ومتتكلميش مع السمج ابن عمك ده على ما أرجع."
بعدما أوصاها تلك الوصية النابعة من شعوره بالغيرة، خرج من المنزل تتقاذفه الرغبة في أن يعود ويأخذها معه أفضل من أن تظل بمنزل أبيها وذلك السمج المسمى حاتم ما زال يجلس معهم. ظلت أفكاره تتقاذفه تارة بين التفكير فيما يريده منه إمام المسجد، وبين شعوره الناتج عن الغيرة. ولم يدرك مدى استغراقه بأفكاره إلا بعدما رأى المسجد الكبير على مشارف بضعة أمتار قليلة.
ترجل من السيارة ودلف للمسجد وجد الإمام جالسًا بمكانه المعتاد ويبدو على وجهه الكرب الشديد. فجلس عمرو قبالته وسأله باهتمام: "مالك يا شيخنا؟ باين عليك مهموم." انسلت دمعة حارة من عين الإمام وهو يقول بنبرة صوت متحشرجة من أثر شعوره الشديد بالحزن:
"بنتي ياسمين اتجوزت وللأسف اكتشفنا إن جوزها يهودي وكمان تاجر سلاح. وأنا خايف على بنتي ومش عارف أعمل حاجة عشان خايف عليها وعلى أخوها ليأذيهم. علشان كده منعت بلال يكلم الراجل اللي بيشتغل في شركته 'عاصم النعماني'، وقولت جايز أنت تعرف حد تاني له كلمة مسموعة يعرف يرجع لي بنتي منه من غير ما ابني يتأذى هو كمان." أندهش عمرو مما سمعه منه، وقطب حاجبيه متسائلًا: "إسمه إيه جوزها ده؟ أجابه الإمام وهو يزفر بتعب:
"اسمه الحقيقي زي ما عرفت ديفيد دانيال إسكندر شمعون." "إيه ديفيد ابن أخو أدريانو إسكندر؟ نطق بها عمرو مبهورًا مما سمعه. فكيف حدث كل هذا؟ أو كيف تم اجتماع هؤلاء الأشخاص بقصة واحدة، واحدًا في الشرق والآخر في الغرب. رمقه الإمام باهتمام متسائلًا: "هو أنت تعرفه يا عمرو؟ حرك عمرو رأسه بالإيجاب. في حين أنه ظل يفرك يديه ببعضهما البعض، إلا أنه نهض من مكانه فجأة قائلًا بإصرار وتصميم: "متقلقش يا شيخ، أنا اللي هرجعلك بنتك."
لم يزد كلمة أخرى ولم ينتظر سماع رد فعل الإمام على ما قاله، إذ هرول بخطواته ليخرج من المسجد ويذهب لمنزل ديفيد، لعله هو يفلح في إعادة ابنة إمام المسجد. وبعد عدة دقائق وصل عمرو أمام منزل عائلة "إسكندر شمعون". وبعد أن أخبر الحارس بأنه يريد مقابلة سيد المنزل على وجه السرعة، تم فتح البوابة الكبيرة ليسمح له بأن يعبرها بسيارته ذات الدفع الرباعي، واصطحبه أحد الحراس إلى غرفة المكتب لحين مجيء ديفيد.
ولم يدم انتظار عمرو له طويلًا، إذ وجده يلج الغرفة متعجبًا من مجيئه. فرغم أن ديفيد كان يعلم بشأن رجال عمه أدريانو، إلا أن بعد وفاته لم يكترث بشأن إعادتهم للعمل تحت إمرته، وكان يعلم بأن عمرو أحد هؤلاء الرجال. ورآه بضعة مرات ورغم ذلك لم يكن بينهما حديثًا يومًا. استند ديفيد على حافة المكتب الخشبي متسائلًا بفظاظة: "خير؟ كنت عايز تقابلني ليه؟ مش أنت عمرو فواز برضه؟
دون أي مقدمات وثب عمرو من مكانه واقترب منه قابضًا على تلابيب ثيابه صارخًا في وجهه: "هي فين البنت اللي أنت اتجوزتها بنت إمام المسجد؟ أنت لازم ترجعها لأهلها حالًا." نفض ديفيد يد عمرو ومن ثم وكزه في صدره بحدة وقال وعيناه عاصفتان كبحر هائج الأمواج: "أنت مالك بالموضوع ده أصلًا، ويلا أمشي من هنا أحسن مش هيحصلك طيب، فاهم؟
بلمح البصر أخرج عمرو سلاحه الناري من غمده وصوبه في وجه ديفيد، وهو يعلم أنه من الحماقة أن يأتي إلى هنا بمفرده، فذلك بمثابة الدخول إلى جحر الشيطان ولا يضمن أن يظل على قيد الحياة أو يخرج من المنزل على قدميه. ولكن شعوره بالامتنان تجاه إمام المسجد لما فعله معه، جعله لا يفكر كثيرًا قبل المجيء.
يقال أن تشن حربًا من أجل الانتقام، فذلك أدعى لأن تشحذ قواك كاملة. ولكن كيف سيكون الحال إذا شنت الحرب بين رجلين من أجل فتاة، كل منهما مصوبًا سلاحه بوجه الآخر، وأعينهما خالية من الشعور، لا يحكمهما بتلك اللحظة سوى غضبهما الأعمى. كز عمرو على أسنانه قائلًا بصوت هادر مرعب شاهرًا سلاحه بوجه ديفيد: "لو مبعدتش عنها يا ديفيد صدقني هقتلك ومش هيكفيني قتلك، لأ هقطع جثتك حتت وهأكلها للكلاب."
ضحك ديفيد بصوت عالٍ، ولم يكتف بأن صوت ضحكته كاد يهز أرجاء الغرفة، بل غرز مقدمة سلاحه الناري بجبهة عمرو وهو يلوى شفتيه بتهكم: "متنساش نفسك يا عمرو وافتكر أنك دلوقتي بتتكلم مع الزعيم الجديد للمافيا، يعني ممكن متلحقش تخرج من الأوضة دي دلوقتي. بس أنا هعديهالك المرة دي، ومش عايزك تتكلم في الموضوع ده تاني، فاهم؟
لم تعنيه حياته بقدر ما يريد تخليصها من بين براثن ديفيد. فذلك الوعد والعهد الذي أخذه على نفسه بأن لا يمسها سوء طالما هو ما زال على قيد الحياة، جعله أكثر تصميمًا على ألا يخرج من هذا المنزل إلا وهي برفقته. ولكن يبدو على ديفيد أنه لن يجعل مهمته سهلة بل ستكون كالحرب الضارية بينهما. وزاد الأمر سوءًا أكثر، بعدما رأى عمرو توافد رجال ديفيد لغرفة المكتب وكل منهم مصوبًا سلاحه في وجهه. فصار الانسحاب حتميًا، لكي يكون لديه وقتًا
لإعادة ترتيب أفكاره وتنظيمها كون أن اندفاعه وتهوره لن يفيداه شيئًا. وعليه أن يكون أكثر حكمة. فإن كان نجح مرة في إنقاذ زوجته سهى من هذا المنزل عندما تم اختطافها على يد أدريانو، فربما سيكون قادرًا على فعلها مرة أخرى. ولكن عليه إعداد خطة وأن يكون لديه عدد من الرجال كافيًا لمواجهة ديفيد ورجاله. فأعاد سلاحه إلى غمده وخرج من غرفة المكتب ويرافقه عدد من الرجال لضمان وصوله لسيارته دون حدوث فعل أحمق يستدعي خسارة أحد لحياته.
فراقبه ديفيد من نافذة الغرفة وهو يفكر في أسباب عمرو للمخاطرة في أن يخلى سبيل ياسمين ويعيدها لمنزل أبيها. وما أن تذكر زوجته، رفع رأسه ونظر للسقف لا إراديًا كأنه يسمع صوت بكائها بتلك الغرفة التي تعلو غرفة المكتب. فمنذ علمها بحقيقة أمره وجلبه لها هنا بمنزل عائلته، وهي حبيسة غرفتها، بل وامتنعت عن تناول الطعام وتقضي يومها باكية وكلما رأته يزداد نحيبها أكثر كأنها رأت مسخًا أو شيطانًا. ولا تعلم أن نظرتها تلك تقتله وكم من
مرة حاول جعلها أن تتناول شيئًا من الطعام ولكنه يفشل في ذلك ويخشى أن يصيبها المرض من امتناعها عن تناول طعامها. فحظه التعيس لم يجعله يهنئ معها إلا بليلة واحدة، ومن ثم نأت بنفسها عنه. وكلما نظرت في وجهه تخبره أن ما حدث بينهما خطيئة لن تغتفر، ولكنه يرى أن تلك الخطيئة هي أجمل ما اعترض حياته من خطايا وذنوب.
*** يقود راسل سيارته بسهولة ويسر ومن حين لآخر يميل برأسه قليلًا ليضع قبلة على رأس تلك الغافية على صدره. فالطريق الفاصل بين قصر أبيه المنيف وبين منزله القديم الواقع في أحد الأحياء الراقية، يقدر بعدة كيلومترات.
أتاحت لهما الفرصة للحديث الهادئ، الذي أعقبه غفوتها القصيرة، بعدما مالت برأسها على كتفه تحدثه حول كل شيء وأي شيء. كأن الأشهر الماضية والتي اختزنت بها حديث العشاق، قد حان الوقت وأن تبوح بأسرارها. شد بذراعه حولها ربما ليتيح لها سماع تلك النبضات والخفقات لقلبه المتقد بنيران عشقها. ولولا محاولته أن يركز بصره وتركيزه على الطريق، لكان طلب منها ما هو أكثر من تلك الهمسات الرقيقة والتي راحت ترن في أذنيه، وهي تتفوه له بتلك العبارة التي اشتاق لسماعها منها أشد الاشتياق ألا وهي "أنا أحبك يا راسل". جملة مكونة من بضعة كلمات ولكنها بأكثر من كافية له من قصائد رنانة أو نغمات تعزف ألحانها على أرق الآلات الموسيقية.
بادلها عبارتها الرقيقة بعبارة أخرى بصوته الأجش وهو يجيبها "وأنا أعشقك يا روح راسل". ظل الحديث والهمسات بينهما على ذلك المنوال حتى وصل للمنزل، فترجل من السيارة، ريثما يفتح البوابة الكبيرة ويمر من خلالها بسيارته. وبعدها عاد إليها وولجا إلى الحديقة، ولكن قبل أن تصل للباب الداخلي، كان جاذبًا ذراعها بلطف. نظرت إليه مقطبة حاجبيها وتساءلت باسمة: "فيه إيه؟ مش عايزني أدخل ليه؟
ابتسم في وجهها ومن ثم أخذ كفيها بين راحتيه وأجابها بصوته العميق والقوي: "عشان عايز نتكلم وناكل الأكل اللي جبناه معانا، في الأوضة اللي رقصنا فيها رقصة الفالس قبل كده، وكمان هقولك على مفاجأة ممكن تفرحك." أبتهجت حياء ما أن سمعت قوله، فتذكرت تلك النزهة في ممر الحب مثلما أطلقت على تلك الغرفة، التي شهدت ببوحه لها بتلك الأسرار التي كان يخفيها عنها بشأن والده ووالدته الراحلة. فقالت بحماس وصدق: "مفاجأة إيه؟
شوقتني أعرفها عشان أنا كنت بحب المكان ده أوي." "دا أنا اللي بحبك أوي والله." قال راسل وهو يقرص وجنتها بشيء من الدعابة. فدفعته عنها بمشاكسة وقالت مازحة: "وأنا بقى مش بحبك." فغر راسل فاه وصاح مندهشًا: "نعم! بتقولي إيه؟ أرادت المزاح معه على طريقتها، كونها أرادت أن تجعله يستاء قليلًا ومن ثم ستعمل على تسكين استيائه. فما أن وجدته يلح عليها في أن تعيد ما قالته، قالت والعشق يختلج بنبرتها الرقيقة:
"آيوة أنا مش بحبك، عشان أنا بموت فيك وبعشقك يا حبيبي."
لم تكتف بقولها، بل راحت تعيدها على مسامعه وهي تهمس بها في أذنه، حتى شعرت بارتجافه أسفل يديها اللتان ترتحان على صدره بوداعة. ولكنه أدرك أن المبارزة في الحديث بينهما محسومة منذ البداية. فكيف له بالثبات والصمود أمام رقتها ونعومتها ووداعتها. ولكنها أيقظت حواسه وبدا كأنه كامن بداخله أشواق عمر بأكمله قضاه في انتظارها حتى قبل مجيئها لهذا العالم. فكأنها خلقت لتكون له دون سواه، ولا لأحد حق بها غيره. كانت وستكون وستظل صبيته الحسناء وزوجته ومعشوقته وابنته ومبكاه عندما تضيق به الحياة ومرساة الأمان عندما تشرد سفينته مع رياح الخيبة والخذلان.
أغمض عينيه وهمهم بنبرة عاشق: "دايما تغلبيني بكلامك الحلو، اللي بمجرد ما بسمعه ببقى عايز أخطفك بعيد عن العالم ده كله وتبقى ليا لوحدي ومحدش يشوفك غيري." وقفت على أطراف أصابعها ولفت ذراعيها حول عنقه باسمة، وعيناها تتلهف لسماع المزيد. فقالت بعدما لاحت بعينيها نظرات مشاكسة: "وإيه كمان؟
على فكرة أنت عليك ديون سنتين بحالهم كنت بعيد عني فيهم، عايزاك تعوضني عن كل يوم ودقيقة مرت وأنت بعيد عني وعن كل دمعة نزلت من عيوني وأنا بلمس بإيدي مكانك الفاضي جمبي على السرير، وكل لحظة كنت بشتاقلك فيها."
خانها صوتها من كثرة انفعالها وهي تسرد عليه أمنياتها المختزنة من عامين كاملين، فطوقها بذراعيه حتى ألصقها به، وود لو كان بإمكانه أن يمحو من عقلها ذكريات هذين العامين. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. فسبيله الوحيد لأن يجعلها تنسى ما اقترفه بحقها أن يحاول تعويضها عن غيابه عنها وعن كل ما عانته أثناء فراقهما. قال والعزم بادٍ ومؤكد بصوته القوي:
"أنا معاكي يا حياء ومش ممكن أبعد عنك تاني أبدًا إلا بموتي. مفيش حاجة هتقدر تفرقنا تاني عن بعضنا."
تبادلا عهد الغرام ورغم ما يبدو عليها من وداعة وقبول لذلك العناق الذي جاء توثيقًا لتلك اللحظات الثمينة، إلا أنه بعد أن جذب رأسها لكتفه شعر بأنفاسها الحائرة تضرب جانب عنقه. ظن في البداية أن ربما تحاول التخلص من ذلك التوتر الذي أصابها في الأيام الماضية، إلا أنها عندما طال بها الحال هكذا أبعدها عنه قليلًا وأخذ وجهها بين كفيه الدافئين متسائلًا: "مالك يا حياء؟ زي ما تكوني بتفكري في حاجة أو عايزة تقولي حاجة."
هزت حياء رأسها علامة على صحة ظنه، فرفعت عينيها إليه قائلة بهدوء: "هو أنا كنت عايزة أطلب منك طلب، وعايزاك تنفذهولي ضروري يا راسل." *** يتبع... !!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!