الفصل 19 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
18
كلمة
9,086
وقت القراءة
46 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

انتابه دوار مصحوباً بدفقات من العرق البارد، وكأن أحدهما سكب على رأسه دلو من الماء المثلج، بأشد الأيام برودة. وارتخت أطرافه وتكونت الدهشة على ركنى فمه، الذي لم يعد يسيطر على ارتجافه، كمن تلقى طعنة نجلاء اخترقت قلبه.

فرغم العلاقة الفاترة بينه وبين والدته، والتي لم يفكر في يوم بتحسينها أو أن تبدو لهما مقبولة منذ انكشاف الحقائق وإخباره لها بحقيقة زوجها، إلا أنه أحس بأن الأرض مادت تحت قدميه، ما أن تفوه حاتم بعبارته المجحفة والصادمة، والتي لم يحاول إضفاء طابع الاحترام والتقدير عليها، بل أخبره إياها مجردة من أي مظاهر للتملق.

ولم تكن فداحة عبارته بأنه تزوج والدته فقط، بل أنه لم يخجل من نعته ووصفه لها بأنها سهلة المنال ولم يجد جهدًا في استمالتها له ووافقت على الفور للإقتران به. وربما علم الآن لما صارت بالأيام الفائتة شديدة العناية بمظهرها الأنثوي، والذي لم يضمحل بالكامل، بل ما زال لها جمالها حتى وإن لم يكن بالمقدار ذاته عندما كانت شابة صغيرة. حتى إنها لم تعد تعترض طريقه مثلما كانت تفعل رغبة منها في أن يلتقيا بنقطة تفاهم معينة بين الابن والوالدة.

وها هو علم الآن سبب فتورها من جانبه، لأنها وجدت صيدًا آخر تمثل بشاب في نفس عمره تقريبًا. "أنت كذاب، وبتقول كده علشان تحاول تستفزني مش أكتر." أراد عمرو دحض أقواله، على الرغم من شعوره بأنه ربما لم يكذب بما قاله، لعلمه بطباع والدته. ولم ينسى تردد بعض الشائعات حولها مع أحد أعضاء ذلك النادي الرياضي، الذي كانت ترتاده يوميًا، مما جعله يلزمها البيت لفترة طويلة، حتى ظن أنها لن تفكر في فعلها مرة أخرى.

بدا حاتم واثقًا من أن ما يقوله عمرو ما هو إلا أعذار واهية، ليحاول إقناع ذاته بأن ذلك الأمر لم يقع، وأنه صار حقًا زوجًا لوالدته. فأراد له المزيد من الحيرة والحسرة. فأخرج من جيبه عقد الزواج العرفي، ومد يده له به قائلًا بشماتة: "ده عقد الجواز العرفي لو مش مصدق، خد إقرأه. مش هتقولي مبروك يا عمي؟

أخذ عمرو الورقة من يده وطافت عيناه بين سطورها التي جاء بها ما ينص على إتمام زواج حاتم من والدته. ولكن حملت له دليلًا آخر على أن ذلك ليس فقط جريمة لزواج أمه من شاب في نفس عمر ولدها، ولكن هناك جريمة أخرى كون أن زوجها ما زال حيًا ولم يمت مثلما زعم هو من قبل وجعل هي والجميع يتوهمون أن زوجها توفى إثر حادث أليم. ألقى الورقة من يده وقبض على ياقة قميص حاتم صارخًا بصوت جهوري:

"إيه اللي أنت عملته ده، أنت مجنون تتجوز واحدة قد أمك؟

حاول بذلك المبرر، أن يخفي تكتمه على ذلك الإثم الذي وقع من أن والدته الآن زوجة لإثنين حتى وإن لم تكن تعلم بأن زوجها الأول ما زال على قيد الحياة. وما جعل الرعب يدب بقلبه هو خشيته من أن يكون حدث وصال الزوجين بين حاتم ووالدته، فحينها سيقع اللوم والذنب على عاتقه وحده، كونه دبر تلك المكيدة للانتقام من زوج والدته ولم يضع بحسبانه أن شيئًا هكذا من الممكن أن يحدث، لحرصه على وضع والدته تحت المراقبة الدائمة. ولكن ربما غفلته عنها بالأيام الماضية لانشغاله بتنظيم حفل عرسه، جعلها تفعل ما فعلت.

دارت عينا حاتم حوله، وتأكد من أن لا أحد يستمع لما يجري بينهما، فالموسيقى والأصوات الصاخبة بالقاعة، لن تجعل بالإمكان أن ينتبه أحد لصياح عمرو بوجهه. قبض حاتم على كفيّ ذلك الذي أراد زهق أنفاسه، فنفضهما عنه وهو يقول ببرود: "أصل أمك عجبتني أوي الصراحة."

لم يعد بإمكان عمرو سماع كلمة أخرى منه، فبدأ بصفعه على وجهه ومن ثم لكمه بمنتصف بطنه، ونشب بينهما عراك حامٍ، فتم إغلاق الموسيقى، وصرخت بعض النسوة من رؤية الشجار بين العريس وابن عم العروس. فتركت سهى مكانها وهرعت إليهما وحاولت جذب زوجها الجاثم فوق صدر ابن عمها. فصرخت به بصوت مرتجف: "بس يا عمرو سيبه، بتتخانقوا ليه؟ سيبه بقولك."

صاحت سهى بكلماتها حتى كادت تشعر بأن الدماء ستطفح من وجهها المحتقن بدهشتها وتعجبها مما يفعله زوجها، فأرتجفت يداها ومن ثم أضافت برنة صوت مشوبة بالخوف من رؤيتها لملامح العنف والوحشية التي كست وجهه: "أنت بتعمل فيه ليه كده؟ ليه يا عمرو؟

كأن بلفظها لاسمه أعاده لواقعه، فحدق إليها بوجه خلت منه معالم الحياة، ليس فقط بمعرفته بتلك الكارثة، بل أنها تنظر إليه كما لو أنها تنظر لوحش مفترس وتخشى افتراسه لها فيما بعد. وكم من مرة هي أخبرته بمخاوفها منه ومن طباعه وسلوكه، التي أقسم هو لها بأنه لم يعد كما كانت تظنه، بل صار أفضل من ذي قبل. ولكن من بمثل مكانه، لم يكن سيستطع أن يسيطر على انفعاله بعد ما سمعه وخرج من فم حاتم ممزقًا لكبريائه، بعدما أصر بأكثر من موطن أن يذكر والدته بألفاظ مشينة، أراد بها تعكير صفو مزاجه وأن يصل به لأقصى درجات الغضب.

اخترق أذنيه صوت والد زوجته الغاضب وهو يتشدق بفمه الذي راحت تهتز عضلاته نتيجة لشعوره بالغضب والنقم الساخط لما فعله زوج ابنته بابن شقيقه الوحيد: "أنت إزاي تمد إيدك على ابن أخويا وتضربه؟ هي دي بداية النسب يا عمرو؟ ولا علشان فاكر إنك اتجوزت بنتي، خلاص مش هحاسبك على اللي عملته ده؟

ترك عمرو ياقة قميص حاتم ونهض من فوق جسده المطروح أرضًا، وشمله بنظرة ثاقبة، بعدما وجده رغم تلك الدماء النازفة من وجهه يبتسم له بخبث وانتصار، كأنه أحرز تقدمًا بمباراة. ولا يعلم كيف يشعر بذلك وهو من لاقى ما لم يسره كصفعة ولكمة له، فانتبه لما يجري حوله من التفات الضيوف حوله بدائرة مغلقة، يقف هو بالمنتصف وبجواره والد زوجته وسهى، التي غطت فمها بكفيها وتنظر إليه وهي تبكي، وحاتم الذي ما زال راقدًا على الأرضية وصوت أنينه كاد يفقده صوابه ويفكر بأن يجهز عليه تلك المرة لكي لا يسمع له صوتًا.

حاول عمرو فتح فمه ليقول شيئًا يحاول به تخفيف غضب والد زوجته وتسكين خوف سهى، ولكنه لم يفه سوى بكلمة واحدة: "عمي... بلل طرف شفتيه لعله يستجمع شجاعته وأن ينطق بما يبرر عراكه مع حاتم، إلا أنه لم يجد ما يقوله، فكيف يخبرهما بما حدث وكل هؤلاء الناس مجتمعين؟ مسح وجهه بكفيه قائلًا بسخط كاد يمزق شغاف قلبه الذي لم يبرأ بعد: "مفيش حاجة يا عمي، إحنا شدينا في الكلام مع بعض والصراحة ابن أخوك مستفز في كلامه فمحستش نفسي وأنا بضربه."

لاحت السخرية على جانبي فم والد سهى ورد قائلًا بعدم اقتناع بعدما جثى بجوار ابن شقيقه: "لا والله يعني أي حد ينرفزك في الكلام تقوم تضربه بالشكل ده، على كده أنا مأمنش على بنتي معاك." ساعد ابن شقيقه بأن يستقيم بوقفته، وفكر بأخذه للطبيب، ولكن قبل ذهابهما نظر لعمرو مستطرداً: "خلاص الفرح اعتبره خلص وأنا هاخد بنتي معايا. يلا يا سهى." انتشى حاتم مما سمعه من عمه. وما أن مر بجوار عمرو، حتى أدنى برأسه منه قليلاً قائلًا

بهمس ورنة مشبعة بالخبث: "وقعت في الفخ وأنت مش حاسس، أنا لا اتجوزت أمك ولا حاجة، دا عقد عرفي مزور، دا كان فيلم كده علشان أخليهم يشوفوك على حقيقتك وأنت بتتهجم عليا. كفاية عيون سهى اللي بتبصلك بخوف كأنها شايفة وحش، دي بنت عمي وعارف كويس إنها بتخاف لما بتشوف خناقة وفي حد اتصاب."

أدرك عمرو أنه كان ضحية لذلك الفخ الذي استدرجه إليه حاتم، لسعيه المتكرر في أن يظفر هو بسهى. فكيف كان أحمقًا وانساق خلف أكذوبته، بل أنه أخذها حقيقة مسلم بها وظن أن أمر زواج والدته منه وقع لا محالة. ولأول مرة يشعر بسوء ظنه تجاه أمه، ولكنها لمحة خاطفة لم تدم وقتًا طويلاً.

فما أن وجد والد زوجته يجر سهى خلفه للخروج من القاعة، أمسكها من مرفقها وحال دون سيرها خلف أبيها، فكانت بالمنتصف بينهما، أحدهما قابضًا على يدها والآخر على مرفقها، تقف بين اثنين لهما كل الحقوق الواقعة عليها كابنة وكزوجة. "كويس اللي عملته ده وفرحتنا اللي انكسرت قبل ما تبدأ."

غص حلقها وهي تتفوه بعبارتها، التي رافقها سيل متدفق من عبراتها، ولامته بعينيها وهي تحدق به تشعر بالحسرة على حلمها بيوم زفاف ستظل تتذكر تفاصيله الممتعة لآخر يوم بحياتها، فحقًا تم تحقيق نصف أمنيتها وأنها لن تنسى هذا اليوم أبدًا وكيف لها أن تنسى يوم زفافها الذي لم يدم ساعة حتى انفض الأمر سريعًا وها هي ستعود لمنزل أبيها كما خرجت منه اليوم، حاملة لقب زوجة بأوراق رسمية فقط.

لانت قبضته على ذراعها، فأقترب منها أكثر ورفع يده يمسح دموعها التي خربت زينتها قائلًا بأسف: "أنا آسف والله مكنش قصدي، غصب عني." هز أبوها يدها لكي تسرع بإنهاء ذلك الأمر، وهتف بها بخشونة: "يلا بينا يا سهى."

ترك عمرو ذراعها وأقترب من والدها محاولًا استعطافه بأن يسمع له، وأن لا يحاول هدم سعادتهما التي لم تبدأ بعد. فعلى الرغم من أنه بإمكانه أخذها دون الحاجة لأن يلين والدها، بحكم أنها صارت زوجته شرعًا وقانونًا، إلا أنه لا يريد أن يثير عداء والدها. ولكن تحالف معه إمام المسجد، الذي أصر عليه عمرو بالحضور، إذ راح يتحدث مع والد سهى بلين ولطف:

"إهدي بس ووحد الله، مينفعش كده، هتبوظ فرح بنتك علشان جايز حصل سوء تفاهم بيحصل عادي، ودلوقتي عمرو بقى جوز بنتك يعني زيه زي ابنك، لو ابنك غلط مش هتسامحه يعني، وإن كان على اللي حصل لابن أخوك، فعمرو يعتذر له وخليهم يكملوا الفرح متكسرش فرحة بنتك."

رغم امتعاض عمرو بأن سيكون مضطرًا إلى الاعتذار لحاتم، إلا أنه لم يجد مفرًا من ذلك حتى تمر الليلة بسلام ومن ثم سيكون بإمكانه أن يلقنه درسًا لن ينساه، دون أن تثار جلبة مثلما حدث منذ قليل. هز عمرو رأسه قائلًا بخنوع غير مقنع لأحد خاصة حاتم: "متزعلش مني يا حاتم إحنا بقينا دلوقتي عيلة واحدة ومعلش على اللي حصل."

أراد إظهار نواياه الحسنة بإصلاح خطأه الفادح، فجذب حاتم له واحتضنه وربت على ظهره بخشونة وهو يبتسم للواقفين حولهما، إلا أن تلك الكلمات التي صبها في أذن حاتم لا تمت بصلة لابتسامته ونواياه الحسنة الظاهرة للعيان: "وربنا ما هفوتهالك يا حاتم، وهخليك تفكر ألف مرة قبل ما تفكر تعمل حاجة زي الحركة اللي مش تمام اللي أنت عملتها من شوية وكنت عايز تبوظ بيها الفرح."

حاول حاتم دفعه عنه إلا أن عمرو أحكم ذراعيه وشد بهما على ظهره بقسوة جعلته يأن بصوت منخفض، وبعد أن فرغ من تهديده له دفعه عنه برفق معقبًا بابتسامة وصوت مرتفع لكي يسمعه الجميع: "دا إحنا هنبقى أكتر من الأخوات يا حاتم وحقك عليا في اللي حصل ويلا بينا بقى نكمل الفرح."

هدأت الأمور وعادت القاعة تضج بها أصوات الموسيقى، ولم تخلو أحاديث الضيوف عما حدث وكل منهم يحاول استنتاج أسباب الشجار والعراك، ولكن لم يتخلى والد سهى عن صلابة وجمود ملامحه طوال الوقت الذي استغرقه حفل الزفاف حتى انتهى بعد منتصف الليل بما ينوف عن ساعة.

أصر عمرو على قيادة سيارته حتى المنزل، وربما يتاح له الوقت ليذيب تعنت سهى في الحفاظ على صمتها منذ أن كانا بالقاعة، فكلما كان يراها تبتسم وتتحدث مع أقاربها وصديقاتها، كان يظن أن الأمر معه لن يختلف. ولكنها طلبت منه ألا يحاول إثارة انفعالها بحديثه حتى ينتهي الحفل، ولكن باءت كل محاولاته بالفشل فهي عنيدة ويابسة الرأس ولا تتخلى عن عنادها بسهولة.

وصلا المنزل ورافقته إلى تلك الغرفة التي ظنت أنها ستكون خاصة بها وحدها كما سبق واتفقا فيما بينهما، إلا أنها وجدته يتبعها وهو يحل رابطة عنقه وينزع عنه سترته، فصاحت به: "أنت بتعمل إيه؟ هي مش دي أوضتي زي ما اتفقنا ولا تكونش رجعت في كلامك؟ ألقى عمرو سترته على طرف الفراش قائلًا بهدوء: "مرجعتش في كلامي ولا حاجة، بس مخنوق وكنت عايز أتكلم معاكي شوية بلاش."

جلست سهى على أحد المقاعد وضمت كفيها ووضعتهما على ساقيها وأحست بنعومة قماش ثوب زفافها، الذي التف حولها كباقة من الزهور البيضاء، فرفعت وجهها له قائلة بجمود: "خير؟ كنت عايز تتكلم في إيه يا عمرو بيه؟

لم تكن بداية مبشرة بأن يجدها تعود لطباعها القديمة أثناء حديثها معه، فجلس على طرف الفراش وأرتكز بمرفقيه على ركبتيه وضم كفيه وحدق في وجهها بتؤدة ونظراته تتصاعد بداية من طرف ثوبها الأبيض حتى وصل لعيناها المتقدتين بالحنق والخجل بعد رؤيتها له كيف ينظر إليها بتفحص، كأنها دمية على وشك شراءها. حمحم عمرو ليجلي صوته، أو ربما ليقمع ذلك التوق الذي قفز لعينيه ما أن استحسن مرآها وتخيل كيف سيكون شعوره وهو يضمها بين ذراعيه،

فقال برنة صوت عذبة: "سهى إحنا مش هنبتدي حياتنا مع بعض وأنتي بالشكل ده، وإن كان على اللي حصل فخلاص اعتذرت لابن عمك، أنت أصلاً متعرفيش هو مستفز قد إيه وكان عايز يبوظ الجوازة بأي طريقة." عقدت سهى حاجبيها وتساءلت بجهل: "وهو هيعمل ليه كده يعني؟ بينه وبينك إيه؟ رفع عمرو حاجبه، مما جعلها تعي على سؤالها الأحمق، فكأنها وعيت مؤخرًا على أسباب اتهامه لابن عمها، فخفضت وجهها وقالت بعدما ابتلعت لعابها مرارًا:

"الكلام ده كان زمان، ثم من ساعة ما اتخطبنا وعمي اتوفى خلاص الموضوع اتنسى وحاتم مشوفتش منه حاجة تقول أنه يفكر يعمل كده." "علشان بيفكر يصطاد في المية العكرة." صاح بها عمرو مما جعلها تنتفض بجلستها، فقطع المسافة القصيرة الفاصلة بينهما وأخذ يديها بين كفيه مستطرداً بلين تلك المرة: "سوري إن كنت خوفتك، بس بجد ابن عمك ده فور دمى، بس خلينا ننسى اللي حصل."

جذبها إليه برفق وطوقها بذراعيه، فراحت ترتجف بينهما كطائر أصابه البلل وكاد يشعر بالإعياء، إلا أنه كلما زاد ارتجافها، زاد من إحكام ساعديه حولها، ففتنته بيديها اللتان علقت بكتفيه تتقاسم تلك الرجفات معه، مما جعلت تلك المشاعر التي تزوره لأول مرة تزيد في فورانها وثورانها بداخل شرايينه التي تدفق بها الدم حارًا، فوزع أنفاسه الساخنة على وجهها وهو يشعر بالترقب مما يمكن أن يحدث بينهما الآن.

ولكن أسرعت هي بقطع جسور آماله، إذ أنسلت من بين ذراعيه قائلة بتوتر وارتباك: "أنا تعبانة وعايزة أنام، ممكن؟ وكمان أنت كنت قايل لي هنسافر بكرة، فعايزة أرتاح شوية." عادت تذكره بذلك الوعد والعهد الذي أخذته عليه، ورغم أنه يتحرق شوقًا لأن يتذوق العناق الفطري الأول في حياته، إلا أنه لم يشأ إفزاعها أو أن يبث بها الخوف منه، فيكفي ما رآه بعينيها وهما كانا في القاعة، فأعاد ذراعيه بجانبه قائلًا بهدوء رغم امتعاضه:

"تمام، تصبحي على خير." دار على عقبيه وأنحنى لأخذ رابطة عنقه وسترته، وما كاد يبلغ باب الحجرة حتى سمعها تقول بصوت خفيض: "لو عايز تنام هنا مفيش مانع بس خليك مؤدب وإلتزم بكلامك ووعدك ليا." لم يصدق ما سمعه منها فاستدار إليها متسائلًا بدهشة: "معقولة أنتي يا سهى اللي بتطلبي مني أنام هنا في أوضتك؟ أشاحت بوجهها عنه ورفعته عاليًا كأنها تحدق بسقف الغرفة قائلة بحجة واهية:

"عادي يعني وفيها إيه، أنا فكرت إن لو كل واحد في أوضة كده مش هنعرف بعض كويس ولا هفهمك ولا أنت تفهمني." تمنت أن تنطلي عليه كذبتها وحجتها الغير مقنعة، محاولة أن تداري أسبابها الحقيقية لمطلبها هذا، وهي أنها منذ أن ضمها بين ذراعيه، واختلج صوته بتلك النبرة الحانية، طارت تلك الفراشات بمعدتها وسدت عليها مجرى الهواء. لاحت على شفتيه ابتسامة مشرقة وهو يقول مازحًا: "لا يا شيخة واستنتجتي ده في ثواني كده؟

رمقته بنظرة مطولة مزجت بها التدقيق بوجهه والسخرية التي سبغت عبارتها التي تفوهت بها: "مش عاجبك كلامي اعتبر نفسك مسمعتش حاجة وتصبح على خير."

أقتربت منه وحاولت دفعه ليخرج من الغرفة، كأنه أزعجها وتريد التخلص منه، إلا أنه قبض على ذراعيها وثبتهما خلف ظهرها برفق وحزم لكي يضمن بقاءها ساكنة دون أن تحاول دفعه أو أن تتخلص من قيده لها، فأحنى رأسه إليها وأسند جبينه لجبينها دون أن يحاول معانقتها، ولكنه لم يستطع إحكام السيطرة على لسانه، الذي راح يمطرها بوابل من عبارات الغزل، الذي تعلم مؤخرًا كيف يتغزل بزوجته غزلاً عفيفًا، يقصد به في المقام الأول أن تعلم مدى أهميتها

لديه، وليجعلها تأمن جانبه ويصرف عنها خوفها ورهبتها، ولكن لم يضع بحسبانه أن يشعر هو بالرهبة من إقدامه على تلك الخطوة الهامة بحياته، ولا يعلم لما ظلت تحذيرات طبيبه النفسي له تطن بأذنيه، حتى منعت عليه الراحة والتفكير السليم، فأسرع بالابتعاد عنها معززًا الأمر، أنه يريدها أن تأخذ وقتها الكافي بالتأقلم على معيشتهما قبل أن تفكر في إتمام زواجهما بصورة فعلية، ومنه تراه من منظور الملتزم بوعده وعهده لها، رغم رؤيتها للمحة من

عواطفه الثائرة تجاهها، أجاد حيلته حتى أنه وجدها تنظر إليه نظرة شغوفة ملأها الفخر المبطن، ورغم أن ليلتهما لن تسير على المنوال ذاته بين المتزوجين حديثًا، إلا أنهما أديا صلاتهما ولم يشعران برغبة في تناول الطعام، فاستلقت سهى على أحد جانبي الفراش واضعة وسادة بالمنتصف بينهما، وسرعان ما غرقت بنومها الهادئ، إلا أنه ظل هو مستيقظًا ينظر إليها يشعر بسخافة كذبته والتي يبدو أنها لن تكون الكذبة الأخيرة بينهما.

لم تكن حياء تعلم بأن ما أن تخبر زوجها بأنها ذاهبة لمنزل عائلتها من أجل زفاف ابنة عمها وتريد حضوره من أجل الحفاظ على المظاهر الاجتماعية أمام عائلة العريس، أنه سيوافق مرحبًا على اصطحابها لهناك، بل وأنه رغب في حضور ذلك الحفل العائلي الصغير، الذي اقتصر على أفراد عائلة عبد الرحمن، وبيري وديفيد وحياء، بعدما أبدت مارجريت اعتراضها على حضور الزفاف، وستكتفي بالمكوث في غرفتها، مثلما فعلت يوم مجيء عبد الرحمن لخطبة بيري، ولكن تلك

المرة أعلنتها صراحة أنها لا تريد رؤية حفيدة أخرى لاسكندر شمعون تقترن بزوج مسلم، وأنه يكفيها أن حياء مسلمة ومتزوجة من رجل مسلم، وهذا ما حاولت تقبله معززة الأمر أن حياء تربت ونشأت على تعاليم الدين الإسلامي منذ نعومة أظافرها ولا تعلم شيئًا عن عقيدتهما اليهودية كديفيد أو بيري، حتى وإن لم يكونا يمارسون شعائرها وطقوسها.

وصلا إلى منزل عائلتها بسيارة زوجها، التي قادها بتمهل كاد يجعل حياء تفقد صوابها من إبطاء حركة السيارة المتعمد منه، ولكنها فضلت الصمت حتى لا تتشاجر معه، خاصة أنها لا ترغب في تعكير صفو مزاجها، ولا تريد أن ترى ابتسامته على شفتيه المستبدتين والقادرتين على إشعال حنقها وتثيران شوقها بالوقت نفسه. فتحت باب السيارة من جانبها وترجلت منها ومن ثم صفعته بشدة قائلة بامتعاض: "الحمد لله إن وصلنا قبل الفجر ما يأذن."

خرج راسل وأغلق باب سيارته قائلًا ببرود وابتسامة: "يعني أنا غلطان يا حبيبتي إن ماشي بالراحة؟ خايف عليكي يا روحي." أغمضت عينيها بيأس ومن ثم فتحتهما وأقتربت منه قائلة بهدوء قدر ما سمحت لها أعصابها الثائرة: "بص يا راسل يا حبيبي أنا عايزة الليلة دي تعدي على خير، علشان الجو متكهرب لوحده ها، فخليك لطيف كده لحد ما نروح، ماشي؟ سمعتني؟ قولتلك إيه."

تبعت حديثها بالربت على وجنته، لعلها ترسخ بعقله أهمية أن يلتزم الهدوء واللطف، ولكنها لم ترَ على وجهه أي بوادر لاستماعه لما تفوهت به، بل قال والهدوء والوله يكتنف محياه الوسيم: "أنا والله ما سمعت حاجة من بعد كلمة راسل يا حبيبي. صوتك كروان يا روحي." ظلت تلتقط أنفاسها تباعًا كأنها شعرت بنقص الهواء برئتيها، ولم تفعل ذلك إلا محاولة منها في أن تمارس الهدوء، لئلا تفقد رشدها وتقبض على عنقه، ولكن سمعته يعقب بتبجح:

"عايزاني أسكت ومحاولش أضايقك؟ خليكي طول الوقت قاعدة جنبي ومفيش مانع تقول لي يا حبيبي وتبقى لطيفة كده زي ما كنتي زمان." "خد عربيتك وارجع البيت يا راسل يلا مع السلامة."

قالت حياء عبارتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها، دليلًا على أنها ليست بحاجة لأن تخضع لما أملاه عليها من شروط، ولكنها عادت وتذكرت أنها أخبرت عائلة عبد الرحمن بمن يكون زوجها وأنه سيرافقها لحفل الزفاف، ولا تريد الظهور بمظهر الكاذبة أمامهم، فابتهلت بداخلها من أن لا يصر راسل على العودة إلى البيت حتى وإن كانت هي من طلبت منه ذلك.

زفرت براحة ما أن وجدته يأخذ يدها جاعلاً إياها تتأبط ذراعه، ومن ثم أكملا سيرهما للداخل، وما أن وصلا لبهو المنزل تركته وذهبت إلى غرفة بيري، لترى هل انتهت من زينتها وارتداء ذلك الثوب الأبيض الذي انتقته لها من أجل الليلة، طرقت الباب وسمعت صوت بيري يأذن لها بالدخول، فولجت على الفور وأغلقت الباب خلفها. استدارت بيري برأسها وهي جالسة على مقعد طاولة الزينة، فحدقت بها وتساءلت بوجه عابس: "أنتي لسه فاكرة تيجي حضرتك؟

دا فاضل شوية ويوصلوا." ابتسمت لها حياء وخطت بخطواتها الهادئة تجاهها، فطوقت كتفيها وأنحنت إليها تقبلها من خدها قائلة باعتذار: "متزعليش مني، بس مش أنا السبب دا راسل بيه اللي كان سايق العربية وماشي زي السلاحف، كان هينقطني، كويس إن وصلت سليمة. ثم مش إمبارح لما اتجوزتوا مدني أنا كنت معاكي طول اليوم ومسبتكيش." رفعت بيري يديها ووضعتهما على ذراعيّ حياء الملتفان حول كتفيها، وردت ابتسامتها وقالت بصدق:

"بس حاسة إن النهاردة متوترة أوي، وخصوصاً إن خلاص أنا وعبد الرحمن اتجوزنا، وهروح معاه على بيته، بس لسه لحد دلوقتي مشوفتش منه ترحيب بجوازنا، بيتصرف زي الإنسان الآلي. أي نعم أنا اللي ورطته في الجوازة، بس نفسي أشوف فرحته إن اتجوزنا أخيرًا، حتى ولو دقيقة واحدة." قبل أن يملأ العبوس محياها الجميل، عملت حياء على جذب ذراعها حتى استقامت بوقفتها، فداعبت ذقنها قائلة بطرافة: "هي فين روح المقاتلة اللي كانت عندك؟

قلبتي بطة بلدي دلوقتي."

ضحكت بيري رغماً عنها بعد سماع نعت ووصف حياء لحالتها التي انتقلت من الإصرار والعزيمة والمثابرة إلى التردد والحيرة والخوف، ولكن بسماعهما الدقات المتتالية على باب الغرفة وولج الخادمة تنبؤهما بقدوم العريس وأسرته، أسرعت بيري بإنهاء زينتها وخرجت من غرفتها وهي تتأبط ذراع حياء، حتى وصلتا للحديقة التي أقيم بها الحفل وحرص ديفيد على أن يكون لائقًا بتلك الشابة التي عاشت برغد وترف ودلال، فنظرت إليه بيري بصمت وامتنان لما فعله حتى أنه أدى دوره للنهاية بأن أخذها من يدها ووضعها بيد عبد الرحمن وأوصاه بأن يعتني بها ويحرص على تدليلها وأن يجعل السعادة حليفتها.

رفع راسل شفته بسخرية وهو يستمع لحديث ديفيد مع عبد الرحمن، فمال برأسه إلى زوجته قائلًا بعدم اقتناع لطافة ديفيد المفاجئة: "هو من أمتى أخوكي بقى حكيم ورزين كده؟ اللي يسمعه يقول أنه خايف على سعادة بيري أوي، لو بعد عنها هو بس أكيد حياتها هتبقى كويسة."

فهمت حياء تلميح راسل وما حواه حديثه الساخر، حتى وإن كانت تتفق معه في أن ديفيد ربما ساهم بشكل أو بآخر بإفساد حياتهما، إلا أنه أظهر لها حسن نواياه بعد موت عمه وعلمت أنه تم خداعه مثلها، لذلك عقدت ذراعيها وطالعته بهدوء قائلة بدفاع عن شقيقها الوحيد: "على فكرة ديفيد اتغير كتير واللي أنت متعرفوش أنه كمان ناوي إن شاء الله يعلن إسلامه." لم يستطع راسل إحكام سيطرته على حس الدعابة الساخر، الذي ملأه منذ مجيئه لمنزل عائلة زوجته،

إذ قال بنبرة ساخرة: "ديفيد هيعلن إسلامه ليه؟ إبليس قدم استقالته ومبقاش لاقي شغل، أنتي تصدقي إن واحد زي أخوكي ده يبقى بني آدم ويلتزم بدين الإسلام؟ دا عشم إبليس في الجنة." قفز الغضب لمقلتيها حتى امتلئتا ببراكين كادت تطفر منهما، مما تسمعه من إهانات بحق شقيقها، فألتوى ثغرها وحاولت أن تجاري سخريته فقالت وهي تقيمه بنظراتها: "ومصدقش ليه يا راسل؟

ما أنت متختلفش عنه كتير، استاذ في كسر القلوب واللعب بيها وقت ما تحب، حاول تستمتع بالحفلة يا دكتور راسل." تركت مكانها من جواره وذهبت لتقف بجوار شقيقها، الذي ابتسم لها خلافًا لنظراته المتقدة التي راح يرشق بها راسل من بعيد. رفع يديه ومسد على ذراعيها وقال بحنان: "الجميل ماله كده؟ شكله مضايق؟ هو جوزك ده عمل لك حاجة تاني؟ رغم شعورها الخانق بالامتعاض والاستياء من حديث زوجها، إلا أنها هزت رأسها نفيًا، فابتسمت

بوجه شقيقها وقالت برقة: "لأ مفيش حاجة بس أنا اللي عايزة أفكرك بكلامك إنك هتعلن إسلامك وكمان لازم تبدأ تتعلم عن الدين الإسلامي وتصلي، أنا هجبلك كتب هتفيدك جدًا وكمان تروح تعمل عمرة وأنا إن شاء الله هسافر معاك، لازم تبدأ حياتك من جديد كأنك بيبي لسه مولود."

انكمشت ملامحه قليلاً بعدما أملت عليه الخطوات الواجب عليه اتباعها بعد اعتناقه الإسلام، فهو لم يضع بباله أن يفعل كل هذا، حيث أنه صب اهتمامه حول أن يصبح شاب مسلم بأوراق رسمية تمكنه الزواج من ياسمين، لذلك رد قائلًا بتوتر محاولًا صرف تفكير شقيقته عن كل هذا بالوقت الحالي: "آه تمام هنعمل كل ده، بس قبل ما نسافر في شوية شغل عايز أخلصه، بس أكيد هعمل كل اللي قولت لي عليه، هروح أشوف اتأخروا ليه في تقديم العشا."

انصرف من أمامها بسرعة البرق، وتركها تفكر في حديثه، وحاولت أن تلتمس له العذر بأن يرجئ سفره لأداء العمرة، لإنشغاله بأعماله، ولكن كان بنيتها أنها ستظل بجواره وتعلمه كل ما يمكنه من أن يصبح شابًا مسلمًا قولًا وفعلًا. استدارت على عقبيها وجدت زوجها جالسًا بجوار عبد الرحمن ويبدو أنهما منهمكان بالحديث، وبيري تتحدث مع عم زوجها وشقيقته التي بدت أقل تصلبًا بالتزامها الصمت التام مثلما فعلت يوم مجيئهما لخطبة بيري.

انتهى الحفل واصطحب عبد الرحمن بيري إلى تلك البناية التي تعود ملكيتها لعائلته، تنهدت بيري بصوت مسموع، فمنذ مجيئه لمنزل عائلتها ولم يوجه لها كلمة واحدة، وهذا ما زاد في غيظها منه، ولكنها مارست الهدوء والصبر حتى تصل لشقتهما وربما تستطيع إذابة صقيع قلبه، وتشعل به نيران عشقها من جديد. صعدا الدرج الرخامي، حتى وصلا أمام الشقة، وفتح عبد الرحمن الباب قائلًا بسخرية:

"اتفضلي يا عروسة، معلش مش هقدر أشيلك وأدخلك الشقة، أنتي شايفة اللي فيها." رفعت بيري ثوبها قليلاً لكي لا تتعثر بالحركة، فردت قائلة بدهاء أنثوي: "لأ ولا يهمك يا حبيبي، دا بقى بيتي ولازم رجلي تاخد على كل مكان فيه. أنتوا بتقولوا إيه أول ما تدخلوا أي مكان؟ آه افتكرت سمعت حياء بتقولها 'بسم الله'."

وضعت قدمها اليمنى ومن ثم ولجت الشقة، وعيناها تتفرس بكل ركن بها، شقة عصرية بأثاث عصري يناسب ذوقها وأحبت تلك الأريكة العريضة بقماشها الأسود المخملي الموضوعة أسفل النافذة العريضة، والتي تمكنها من رؤية الشارع بوضوح، كفت عن تأمل محتوى الصالة وما تبعها من مطبخ على الطراز الحديث لا يفصله عن الصالة سوى جدار قصير. ضمت كفيها تفركهما تحت بصره المتفحص وتساءلت بخفوت: "هي فين أوضة النوم؟

رفع عبد الرحمن يده السليمة يشير لردهة قصيرة تؤدي للغرف الثلاثة، وقال وهو يتجه صوب باب الشقة: "عندك الأوض كلها في الناحية دي، أنا خارج وهتأخر شوية." ما كادت تفتح فمها لتسأله إلى أين سيذهب ويتركها هكذا بليلة عرسهما، حتى وجدته يفتح باب الشقة ويخرج منه، وأغلقه خلفه قبل أن تتمكن من سؤاله.

زفرت بقنوط وجرت أذيال خيبتها وراحت تبحث عن غرفة نومهما، وجدت الغرفة التي تم وضع ثيابها بها بعدما أرسلتها البارحة، فخلعت عنها ثوبها الأبيض وأرتدت ثوبًا قصيرًا باللون البنفسجي، وجلست بعدما قررت أن تنتظره، فمرت ساعتان وكادت تشعر باليأس وتخلد للنوم كون أن الوقت تأخر كثيرًا، إلا أنها سمعت صوت تكة مفتاح باب الشقة، ومن ثم رأته يلج الغرفة، فرماها بنظرة عابرة ومن ثم فتح خزانة الثياب الخشبية العريضة وأخرج منها ثياب بيتية له.

ولكن قبل أن يبتعد أكثر، كانت تاركة مكانها على الفراش مقتربة منه وعلى ثغرها تلوح ابتسامة تسلية، فإن أراد ممارسة بروده معها، فلتريه كيف يكون دهاء بنات حواء. حصارها له بأحد زوايا الغرفة، جعل عقله يتوقف عن التفكير بخلق أعذار تجعله يزيحها من أمامه، قبل أن يشعر بأن أنفاسه تكاد تذوب رويدًا رويدًا.

ابتسمت بخبث طفيف، وهي تراه يزدرد لعابه مرة تلو الأخرى، تتحرك عظمة نحره صعودًا وهبوطًا بوتيرة سريعة، فأرادت له المزيد من الحيرة والإرباك، فرفعت ذراعها واستندت بكفها على الحائط قريبًا من كتفه، وكفها الآخر احتضن قدها الرشيق. فمالت برأسها إليه قليلاً وهي تقول برقة ونعومة: "مالك يا حبيبي عرقان كده ليه؟ دا حتى الجو برد من التكييف، أنت تعبان ولا إيه؟

انفرجت شفتيه اللتان التصقتا ببعضهما البعض، نظرًا لشعوره بجفاف شديد بهما منذ رؤيتها بعد أن دلف للمنزل، فممارستها لتلك الحيل الأنثوية، أوشكت على زعزعة ثباته وانهيار صموده. إلا أنه تسلح بعنفوانه الزائف ورد قائلًا: "مش تعبان ولا حاجة، وأبعدي عن طريقي." ابتسمت وهي تقترب بيدها من عنقه، التي قامت بطلاء أظافرها بلون يتماشى مع ثوبها الناعم، فقالت بصوت اختلج به الشوق: "وأخرتها إيه؟ هنفضل نلعب مع بعض لعبة الانتظار دي لحد أمتى؟

جذب خصيلاتها بلطف وأحنى رأسها للخلف قائلًا بهمس وأنفاسه تتصاعد على وجهها بهدوء خطر: "تعبتي من الانتظار؟ أنا بقى دوقت مرارته كتير، لما بقت أيامي كلها مرار، وأنتي كنتي أكتر حاجة مخلياني أحس بالمر والوجع." يداها اللتان تسللتا حتى وصلت لصدره، راحت تمسح بهما على موضع فؤاده، الذي شعرت به ينبض بوتيرة سريعة، وقالت بصدق أدمغته بكل حرف خرج من فمها:

"لو كنت فاكر إن كنت أعرف اللي حصلك من بابا تبقى غلطان، أنا كنت بتعذب زيك بالظبط وكنت بحلم باليوم اللي أرجع أشوفك فيه تاني، ولو لسه حاسس بالوجع سيبني أداوي جرح قلبك يا حبيبي." "وجرح جسمي وإيدي اللي راحت هداويهم إزاي يا بيري؟

هتف عبد الرحمن بنبرة خشنة حملت معها شعوره بالألم عن كيفية استحالة معالجة جروحه الجسمانية، أو أن يعود لما كان عليه، فقبل أن تطغى مرارة الألم على حديثه، كان قاطعًا كل أمل لديها بأنها ستبدأ من الليلة العمل على إعادة ذلك العشق الذي كان متقدًا بقلبيهما، فأخذ ثيابه وخرج من الغرفة وصفع الباب خلفه مما جعلها ترتعد بوقفتها وتهتز تلك العبرات بمقلتيها، على الرغم من أنها كانت تهيئ نفسها لكل ما سيحدث منه، إلا أنها كانت تأمل بأن

يتخلى عن تصلبه قليلاً وينعمان بليلة دافئة، وتروي شوقها إليه، فيبدو أن طريقها سيكون مفروشًا بالأشواك، ولن تجد السبيل ممهدًا، بل سيكون الدرب وعرًا للوصول إليه، ولكنها لن تيأس ولن تجعله يثبط من عزيمتها، فلتحتسب أن الأيام القادمة ما زالت بإنتظاره، وأنهما لم يتقابلا بعد، ولكنها عادت وعنفت نفسها على سخافتها، كونهما صار يعيشان تحت سقف واحد، ولا يفصلهما سوى جدار وباب، فإن كان بابها ستتركه مفتوحًا على مصراعيه مرحبًا بقدومه

إليها، فعلى الأرجح أن بابه سيظل موصدًا في وجهها.

أنار الله دروبكم وأسعد قلوبكم وفرج كروبكم ورزقكم سعادة الدارين ❤️❤️❤️ أنارت والدة ياسمين غرفتها تكاد تطير فرحًا وهي تحمل لها ذلك النبأ، والذي حتمًا سيجعل سعادة ابنتها تعود إليها، بعدما غادرتها منذ ذلك الحادث الأليم، وجدتها تستلقي على فراشها تغط بنوم عميق، فالنوم هو ما تستطيع فعله عندما لا تجد ما تفعله.

جلست بجوارها على طرف الفراش وراحت تمسد بيدها على ذراعها وتربت عليها برفق، لعلها تفيق من نومها دون أن تتسبب في إفزاعها، فيكفيها ذلك الفراغ الذي ملأ حياتها منذ علمها بأنها فقدت بصرها. تململت ياسمين بنومها مغمغمة بكلمات غير مفهومة ولكن استطاعت إضحاك والدتها، لأنها ذكرتها بأنها تفعل ذلك منذ أن كانت طفلة صغيرة، تتحدث وهي نائمة وعندما تفيق من سباتها لا تتذكر شيئًا مما قالته، فبعد تلك الابتسامة التي كانت تزين محياها البشوش،

حل محلها علامات الحزن على ما صار إليه أمر ابنتها، فخانتها إحدى العبرات، التي ما أن استطاعت الهرب من حاجز جفنيها، حتى سقطت على وجه ياسمين وهي منحنية برأسها إليها، ولكن ساهمت تلك الدمعة الحارة بأن جعلت جبين ياسمين يتغضن وسرعان ما هبت جالسة بالفراش لخوفها أن يكون صار شيء لأبويها.

فتحت عينيها الخاليتين من الإبصار ويداها تبحث عن وجه والدتها وتساءلت بخوف لحوح: "ماما في إيه؟ أنتي بتعيطي ولا إيه؟ حصل حاجة؟ ردي عليا." أخذت والدتها يديها بين راحتيها الحانيتين وردت قائلة بحنان: "أهدي يا حبيبتي مفيش حاجة، دا أنا اللي جاية أقولك على خبر هيفرحك أوي." قطبت ياسمين حاجبيها، بعد لمسها ذلك الحماس بنبرة صوت والدتها، فعن أي شيء تتحدث والذي سيجعلها سعيدة.

وجدت أفكارها تجنح إلى ذلك الشاب، الذي ما زال صوته يؤرق مضجعها ما أن تتذكر كل ما تفوه به، وكيف كان صوته لهبًا بنيران الحب وهو يخبرها بحبه الكبير لها، فتدفق الدم حارًا بوجنتيها رغماً عنها وهي تخشى أن يكون عاد وطلبها للزواج، إلا أنها حاولت ضبط أنفاسها وهي تسأل والدتها عن ذلك الخبر السعيد الذي حملته إليها: "خير يا ماما خبر إيه ده؟ ربتت والدتها على يديها وقالت بحماس:

"باباكي كلمني دلوقتي وقالي إن الدكتور اللي أنتي متابعة معاه كلمه وقاله إن في دكتور أجنبي جراح عيون مشهور وشاطر أوي جه إسكندرية وهو كلمه عن حالتك وطلب يشوفك علشان لو في أمل هيعملك العملية وهترجعي إن شاء الله تشوفي من تاني يا حبيبتي." لم تصدق ياسمين أذنيها بما سمعته من والدتها، فطارت صوابها فرحًا أملًا في أن تعود وتبصر من جديد، فشدت على يديّ والدتها وتساءلت بلهفة: "بجد يا ماما بتتكلمي جد؟ ممكن أرجع أشوف تاني وأشوفكم؟

أكدت لها والدتها صدق حديثها معها، بل وأحثتها على الاسراع في النهوض لكي ترتدي ثيابها وتذهبان للمشفى حيث ينتظرهما والدها مع الطبيب، فتركت ياسمين الفراش وساعدتها والدتها في ارتداء ثيابها وحجابها وبعد انتهائهما خرجتا من المنزل، تكاد أقدامهما تطير لكي تصلان للمشفى. وما أن وصلتا للمشفى وولجتا لغرفة الطبيب، فنهض والدها واقترب منها قائلة بدموع السعادة: "خلاص يا ياسمين إن شاء الله هترجعي تشوفي تاني، الحمد لله."

أطبقت ياسمين جفونها لتمنع انزلاق دموعها، فعلى الرغم من ذلك الأمل الذي يحدوها بأن تخوض التجربة لتتخلص من ظلامها، إلا أنها خشيت أن تخفق الجراحة وتظل تحيا بالظلام. ولكن لم يكن لديها الوقت الكافي للتعبير عما يختلج بداخلها، إذ بعد قليل ولج الطبيب الأجنبي الذي تبادل الحديث مع الطبيب الآخر، وبدأ بفحص عيون ياسمين فحصًا شاملاً، حتى قام من مكانه معلنًا، أنها ستخضع للجراحة في الغد، وستظل بالمشفى الليلة على أن يتم إعدادها من أجل الجراحة، فلم يبدِ أحد منهم اعتراضًا، والتزمت ياسمين بأوامر الطبيب التي أملها عليها، يكاد يعين صبرها في انتظار الغد، وكأنه ما زال بعيدًا.

قضت الليل بأكمله وأبيها جالسًا بجوارها يتلو القرآن وتستمع هي لصوته الحسن في تلاوته، حتى أدركتها غفوة قصيرة، ولكنها أصرت على والدتها بأن توقظها لصلاة الفجر، وهذا ما كان، فبعد أن توضأت وأدت صلاتها ظلت ساجدة وهي تبكي وتبتهل بالدعاء لأن يجيب الله دعوتها في أن يعود إليها بصرها.

وعندما حانت اللحظة الحاسمة، أسلمت أمرها لله وطلبت من والديها وشقيقها بلال الذي وافاه بالمشفى أن يدعوا لها، ولجت غرفة الجراحة مستلقية على سرير المشفى المتحرك، وبعد تخديرها بدأ الطبيب في عمله الذي استغرقه عدة ساعات، ولم تكن أسرتها فقط هي من تنتظر خروجها، بل ذلك العاشق، الذي حرص على الاختباء بعيدًا عن أعين والديها، كان ينتظر خروج الطبيب على أحر من الجمر، وكم من مرة كاد يفقد صوابه ويلج غرفة الجراحة، ليعلم كيف صارت أمور معشوقته.

بعد أن استهلكه الانتظار وجعله يكاد يشعر بارتخاء أطرافه التي كانت مشدودة كالوتر، وجد الطبيبان يخرجان من غرفة الجراحة، وهرع إليهما والديها وشقيقها، فاستمع ديفيد لحديث الطبيب بوضوح إذ قال: "الحمد لله، العملية تمت على خير، وإن شاء الله بعد كام يوم هنشيل الشاش من على عينيها وتكون رجعت تشوف تاني بإذن الله."

رفع والدها كفيه تضرعًا لله بأن يمن عليها بالشفاء العاجل، بينما لمح الطبيب الأجنبي ديفيد وهو يقف متوارياً عن الأنظار، فابتسم له وهز رأسه بخفة، كأنه يعلمه أن كل شيء سيكون على ما يرام، بادله ديفيد نظراته بنظرات امتنان على أنه فعل ما بوسعه، فهو لم يرسل بطلبه إلا بعدما علم مدى مهارته في جراحات العيون، بل أنه دفع له مبلغًا باهظًا نظير مجيئه للإسكندرية وأن يجرى الجراحة لياسمين، حتى أنه فكر إذا لم يكن سيوافق على المجيء

بإرادته كان سيرغمه على ذلك، فلا شيء كان سيعرقل من رغبته في أن يعود لياسمين بصرها، فمنذ أن علم بما أصابها تحدث مع طبيبها وعلم مدى حاجتها للسفر إلى الخارج من أجل أن تخضع الجراحة، ولكن لعلمه بأن والدها سيرتاب من أمر سفرها، فعمل هو على جلب أشهر طبيب عيون ذائع الصيت بعالم جراحات العيون، واستطاع حياكة كذبة أن الطبيب الأجنبي جاء الإسكندرية من قبيل الصدفة، وساعده بنجاح كذبته الطبيب المصري، الذي استطاع حبك الكذبة ليقتنع بها

أبويها، حتى أنه أخبرهما أن الطبيب سيجري لها الجراحة دون مقابل مادي كسبيل لإحراز تقدمًا جديدًا له في الشرق الأوسط، وأنه سيكون سعيدًا بتكليل مهمته بالنجاح نظرًا لأن حالة ياسمين كانت معقدة ولن يفلح أي طبيب في تنفيذ الجراحة، وسيكون بذلك انتصار طبي مذهل له كجراح عيون، وعلى الأغلب اقتنع والديها بما قاله والا ما كانا سيقفان هنا بهذا الوقت ويبدوا على وجهيهما السعادة والأمل بعودة بصر ابنتهما.

راقبتْهُ من بين أهدابها التي لم تغلقها بالكامل، بل تركتهما مفتوحتين بالقدر الكافي الذي يمكنها من رؤيته بوضوح، ولا يجعله هو يشك بسهولة في أمر استيقاظها ومراقبتها له وهو يتنقل في الغرفة بعد خروجه من غرفة الثياب حاملاً قميصه على كتفه ويغلق طوق خصره على بنطاله الذي التصق بساقيه، فسرعان ما أقحم ذراعيه بأكمام قميصه وأغلق أزراره بتؤدة، كأنه يمنح ذاته الوقت الكافي لرؤية انعكاس صورتها بالمرآة وهي مستلقية على الفراش، تدثر

نفسها بغطاء خفيف تاركة قدميها دون دثار، فابتسم لعلمه بأنها تهوى دائمًا ترك قدميها الصغيرتين تستقبلان برودة مكيف الهواء، مكتفية بأن تضع الغطاء على ما تبقى من جسدها. وضع أطراف قميصه بداخل بنطاله وثنى أكمامه عن ساعديه، ومن ثم نثر عطره الفواح، الذي وصل لأنفها واستطاعت استنشاقه كأنه جالسًا بجوارها على الفراش، فأغمضت عينيها بعدما رأته يستدير إليها.

جعدت جبينها ما أن بدأت تشعر بتلك الأنفاس التي لفحت جانب وجهها وعنقها، فالتفتت فجأة برأسها، ووجدته قريبًا منها منحنياً إليها برأسه، حتى رأت أدق تفاصيل وجهه، كأنهما على وشك تبادل العناق. فأزاحت جسدها قليلاً لكي تفصل أنفاسهما عن بعضهما البعض، وعقدت حاجبيها قائلة بارتياب: "في إيه؟ أسند راسل مرفقه للوسائد ووضع رأسه على كف يده المضموم قائلًا بابتسامة هادئة:

"مفيش حاجة، أنا كنت هقولك إن خارج رايح المستشفى، عايزة مني حاجة قبل ما أمشي؟ أولته ظهرها وردت قائلة بجفاء: "مش عايزة منك حاجة وخد الباب في إيدك." مد يده الحرة وجذب ذراعها مما جعلها تعود وتستلقي على ظهرها، ومن ثم قبض على فكها قائلًا بمشاكسة: "طب مفيش مع السلامة يا حبيبي ولا هات لنا بطيخة معاك وأنت جاي ولا فينو ولا لانشون؟ استلقت حياء على شقها الأيمن بحيث كانت بمواجهته، ووضعت يدها أسفل رأسها ورمقته بعينان ارتسم بهما

سخرية متناغمة مع حديثها: "هو أنت مالك كده بقيت ظريف وبتحب تقلش؟ فاجأتني الصراحة بحس الدعابة اللي عندك، بس للأسف مبضحكنيش، فمش عايزك تتعب نفسك وتحاول تضحكني."

حتى وإن كان يبدو لها ممازحًا بحديثه، فلا تعلم أي شعور بدائي لديه الآن يجعله يرغب في أن يأخذها عنوة من برودها وصلابتها التي وإن كان أشاد بها بالبداية منذ مجيئه، إلا أنه لم يعد يطيق بأن تكون بجواره وتسلب أنفاسه وخفقاته وتمنعه حتى من أن يضع يده عليها كأي زوج تشتعل به نيران الشوق لزوجته ويريد وصالها، لعلها تكتشف بعد ذلك عمق مشاعرها تجاهه وأن كل ما تفعله لم يكن سوى مقاومة هشة، ولكنه يضبط أعصابه بقوة هائلة لكي لا تفزعه،

كونه ما زال متذكرًا تلك الليلة على الشاطئ عندما أراد وصالها رغماً عنها فكانت بين يديه كقطعة من الجليد وأشبه بالجثة الهامدة وهذا ما يكرهه كثيرًا، أن يرى بعينيها أنها لا ترغب بوصاله، رغم أنها بين يديه لم تمنعه أو تقاتله، ولكن طريقتها تلك أشد قسوة من أن تحاربه أو تقاتل معه بضراوة.

ترك الفراش وإستقام بوقفته قائلًا بهدوء: "سلام يا حياء." "مع ألف سلامة يا حبيبي." هتفت حياء بعبارتها وهي تريد أن تجعلها ردًا ساخرًا، لعلها تساهم بفوران دماءه، إلا أن العبارة خرجت منها بكل ما تكنه له بقلبها، خاصة الكلمة الختامية بها، والتي اشتاقت لقولها أشد الاشتياق ولكن هو الذي ما زال مصرًا على تجاهل فضولها حول أسباب وجود ساندرا والطفل.

خرج راسل من الغرفة وهو يتنهد تنهيدات خرجت منه محمولة على أجنحة اليأس ونفاذ الصبر، إلا أنه حاول صرف تفكيره عن كل هذا قبل أن يصل لمشفاه حتى لا يتشتت ذهنه. وصل للمشفى وبدأ بممارسة مهامه اليومية حتى تم استدعاه من قبل إحدى الممرضات الجدد لأجل جراحة عاجلة لشخص مصاب بطلقات نارية تقدر بطلقتين إحداهما في الكتف والأخرى في الصدر، فاستعد على الفور وطلب من الممرضة بأن تخبر ميس فور وصولها بأن تأتي لغرفة الجراحة.

فلم يكد يمر عشر دقائق حتى رأت الممرضة ميس وهي بصدد الدخول لغرفة مكتب راسل، فأقترب منها قائلة بتهذيب: "دكتورة ميس، دكتور راسل طالب حضرتك في أوضة العمليات، قالي أقولك أول ما توصلي علشان تساعديه في العملية." هزت ميس رأسها وردت قائلة بهدوء: "تمام هجهز نفسي وهروح ليه حالاً."

بعد أن أنهت استعدادها من حيث ارتداء الزي والقفازين والقناع الطبي، ولجت غرفة الجراحة وهي تشد قفازيها قليلاً، إلا أنها رأت راسل يحدق بها بعينان متسعتان، كأنه لم يضع بباله أن تأتي الآن، أو أنه لم يكن يريد رؤيتها بهذا الوقت، فقبضت حاجبيها، وقطعت المسافة القصيرة من باب الغرفة حتى السرير المستلقي عليه المريض، ووقفت قبالة راسل على الجانب الآخر، فنظرت إليه ومن ثم شخصت ببصرها لذلك الجرح الذي طفرت منه الدماء بغزارة جعلتها تجفل

قليلاً ويعمل مبضع راسل على توسيعه ليستطيع إخراج الرصاصة من ذلك المكان الدقيق بصدر المريض، الذي يبدو عليه أنه ينازع على أن يبقى على قيد الحياة، و بات الخطر يحدق به، وربما ينفذ قضاء الله به ولن يستطيع راسل إنقاذه، فيبدو أن المصاب في النزع الأخير له.

فما كادت تمعن النظر في وجه المريض، حتى جفت كل قطرة دماء بعروقها، ولم تعِ إلا وهي تصرخ باسمه بصوت عالٍ حتى كادت تشعر بتلف أحبالها الصوتية: "عمررررررررران!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...