الفصل 18 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
18
كلمة
7,122
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

أنزلقت نظراتها من رأسه المكلل بشعره الأسود إلى وجهه ذو التعبيرات الهازئة والذى يبدو أنه مستمتعاً بحيرتها، مرورا بصدره الذي إلتمع جلده تحت تلك الإنارة الخافتة على جانبي الفراش، وساقيه الطويلتين اللتان وصلتا لحافة الفراش الواسع الذي كانت تغرق بين طياته أغطيته بجسدها الذي ازداد نحوله منذ أن تركها.

أرادها أن تتيقن من صدق حديثه، فترك الفراش وأخذها من مرفقها حتى وصلا غرفة الثياب. رفع يده يشير إلى ذلك الجزء الذي تم تخصيصه لثيابه، فتجولت ببصرها في تلك الأرفف التي كانت خاوية حتى مساء اليوم، ولكنها صارت تعج بثيابه العملية والبيتية. تعجبت حياء من عدم ملاحظتها لثيابه عندما ولجت للغرفة وأخذت ثياباً لها، فربما انشغالها بالتفكير فيما فعلته معه جعلها تتصرف بآلية ولا تنتبه لأي تغير طرأ على غرفتها، أو إذا أنصفت القول غرفته.

فيما مضى كانت تلك غرفته وكانت هي من تسكنها معه، وظلت مقيمة بها بعد رحيله. ولكنه عاد ثانية ليفرض هيمنته وسيطرته على ذلك الحيز الوحيد الذي تأخذ راحتها به، وتتعرى من جمودها وتستطيع أن تكون على سجيتها، خلافاً لابتساماتها المصطنعة وكبريائها الواهي. التفتت برأسها إليه وتساءلت بنبرة جامدة: –وده اسمه إيه بقى يا راسل؟

دفعها برفق حتى وقفت أمام تلك المرآة الطويلة، والتي انعكس على زجاجها صورتها من رأسها حتى أخمص قدميها. ولا تدري لما جعلها تقف أمام المرآة، ولكن لم تدوم حيرتها طويلاً، إذ وجدته يقف خلفها، حتى باتت تشعر بدقات قلبه تصدر صوتاً ورجفة بعمودها الفقري. فقبل أن تفكر في الابتعاد لتحل التلازق بها، وجدته يمد ذراعيه ويطوقها بهما. بل عمل على ضمان بقاءها بينهما بأن تشابكت أصابعهما سوياً، وأحنى رأسه على كتفها.

شهقت حياء من جرأته التي لم يعد لها حد، وتململت بين ذراعيه تحاول الفكاك منه وهي تقول بصوت مختنق: –إيه اللي بتعمله ده؟ ثم أنا سألتك سؤال جاوبني بتعمل إيه في أوضتي؟ –مبعملش حاجة جديدة يا حياء ودي أوضتنا اللي شافت نصيب من ليالي حبنا. بدا صوته الخافت معبأ بأشواق خرجت من بين شفتيه، قاصدة حواسها، التي يعلم كيف يجعلها تشعر بالخدر ولا تبدي اعتراضاً.

تعذبت ما أن تذكرت تلك الليلة التي رواها بالعشق وأيقظها على الغدر، كأنها متاع رخيص. حاول الاستفادة منه قدر استطاعته قبل أن يلقيه ولا يلتفت إليه. انتفضت ما أن مرت الذكرى بمخيلتها، فحدقت بصورته المنعكسة أمامها على المرأة، وقالت بإشمئزاز وقهر:

–ليالي حبنا اللي أنت سقتني فيها السم، خلتني أحس إني زي أي واحدة من الشارع، قضيت معاها الليلة ورمتها ومسألتش فيها لأنها متهمكش في حاجة أكتر من إنك تاخد منها حقوقك كزوج، غير كده هي متلزمكش. دام الصمت لبرهة ومن ثم عادت تستأنف حديثها المرير:

–زي اللي بتعمله دلوقتي. حسيت فجأة بندمك وبتحاول تعتذر عشان بس تلاقي نفسك زي أي راجل عايز أي واحدة ترضي غروره كرجل. وبما إنك ملكش في الشمال فقولت في نفسك وماله ماهي مراتي لسه موجودة وآخد منها اللي أنا عايزه. مش هو ده تفكيرك يا راسل؟ بس مكنش ليه لازوم كل اللي بتعمله ده. كنت تعال وقولي أنا عايز مراتي، وأنا مكنتش هكسفك، زي دلوقتي كده.

استدارت بين ذراعيه ونزعت عنها حجابها وثوبها الطويل، ولم يتبقى سوى ذلك الثوب القصير الذي دائماً ترتديه أسفل ثيابها. ولم تكتف بذلك، بل اقتربت من ثياب نومها ورفعت عدة أثواب بين يديها وأضافت: –تحب ألبسلك أي واحد في دول؟ أختار وأنا ألبسهولك، ولا أنت عملت حسابك واشتريت حاجة جديدة عشان خاطر مزاجك؟ أصل عارفة إن مزاجك عالي وبتحب تشتري الحاجة اللي تخليك مبسوط، زي ما أنت فاكر كده إنك اشتريتني أنا كمان؟ ها قول لي.

حديثها الساخر الذي راحت تقذفه به، جعله يقف متصنماً، كأنه تمثال من الشمع. حتى أنه لم ينتبه على شعرها القصير، وظل محدقاً في وجهها، وكأن الدماء نضبت من عروقه. ولكن بجهد استطاع أن يقول بصدمة: –إيه اللي بتقوليه ده يا حياء؟ إزاي تفكري كده؟

كل منهما يحاول أن يستعرض ذكاءه على الآخر، ويظن نفسه أنه قادر على فهم ما يدور بعقل من يقف أمامه. وكلاهما يحاولان ممارسة سلطتهما وتأثيرهما على ما يظناه النصف الأضعف والقابل للانصياع. ولكن الأمور بينهما ازدادت سوءاً، واتسعت تلك الهوة بينهما، حتى لم يعد أي منهما قادراً على سد تلك الفجوة أو ترميم ذلك الصدع الذي أوشك على هدم حياتهما. –إيه قولت حاجة غلط؟ مش هي دي الحقيقة يا حبيبي.

ارتجفت شفتاها وحاولت السيطرة على دموعها التي ملأت مقلتيها، ولكنها أبت أن تطرق برأسها أرضاً، وظلت تحدق به كـند له ولن تعلن هزيمتها مهما بلغت خسائرها. فما كان منه سوى أن قبض على كلتا جانبي رأسها بكفيه، وبدا أنه على وشك عصرها، فأحناها قليلاً للخلف، لكي ينظر في عينيها بهيمنة، وقال من بين أسنانه والغضب يكتسح ملامحه: –حقيقة إيه يا حياء؟ وإزاي يخطر في بالك إن أنا ممكن أفكر فيكي بالطريقة دي؟

أنتِ مراتي وحبيبتي، ساكنة ضلوعي وجذوري، وأنتِ حقيقتي في الدنيا دي. مستحيل أنظر ليكي نظرة مختلفة عن إنك نصي التاني وتوأم روحي. رفعت يداها ووضعتها على يداه لتسحبهما عن رأسها، فضغط كفيه لا يطاق. ولكن خرج صوتها متألماً وهي تقول بنبرة متحشرجة: –حلو الكلام ده يا راسل، ماهو مفيش أسهل منه. لكن تصرفاتك غير كلامك. متحاولش دلوقتي تطلع نفسك برئ. كل تصرفاتك معايا أثبتت ليا إني ولا حاجة بالنسبة ليك. متجيش دلوقتي تضحك عليا بكلامك.

قبض على خصيلاتها بحنان، ومرر يده بينهما، إلا أن جولته بين طياتها انتهت بسرعة ما أن وصل لأطرافها القصيرة. فهنا وأدركه الفهم، أنها لم تبقِ على شعرها الطويل. فجن جنونه وهو يلمس أطراف شعرها قائلاً بدهشة: –أنتي قصيتي شعرك يا حياء؟ معقولة اللي أنا شايفه ده؟ إزاي تعملي كده؟ إزاااااي؟ ما أن صاح بعبارته، أزاحت يديه وارتدت بخطواتها للخلف، واضعة شعرها خلف أذنيها قائلة ببرود وفتور: –وفيها حاجة لما أقص شعري؟

أنا حرة فيه، أقصه أخليه طويل، دي حاجة تخصني أنا بس. أنت زعلان ليه وبتزعق فيا؟ عايز تتحكم حتى في شعري؟

عادت عيناه تحلق بها وهو ما زال مذهولاً. فحلمه الدافئ بأن يعود يوماً ويدفن وجهه بين طيات شعرها الحريري ويهمس بأسراره بين جدائلها، التي كان يهوى هو أن يجدلها بيديه مثلما كان يفعل مع ابنته، لن يعود بإمكانه الحصول عليه، إذ أحرقت أمنيته تلك بمقص جائر راح يهدر أطراف شعرها الحريري، ليكسبها مظهراً لم يعتاده، كأنها أرادت طمس تلك الملامح التي كانت راسخة بذهنه، ولتجعله يستبدلها بأخرى، ربما سيأخذ وقته قبل أن يعتادها. فلو كان التوبيخ والتأنيب والتقريع قادراً على إعادتها لصورتها الأولى، لكان قضى ليلته بأكملها يأنبها على ما فعلت.

–الظاهر فعلاً إنك اتغيرتي يا حياء. كل حاجة كنت بحبها فيكي بقيتي تغيريها. كأنك بتقوليلى إن مراتي اللي أعرفها خلاص مابقاش ليها وجود. قالها همساً بصوت مبحوح، كأن تلك الغصة التي تكونت بحلقه منعته من أن يخرج صوته طبيعياً. –أيوة اتغيرت يا راسل، زي ما في حاجات كتير اتغيرت في حياتنا. إحنا بقينا عاملين زي اللي بيدور في دايرة مقفولة، بنلف ونرجع لنقطة البداية تاني. ومبقتش عارفة مين فينا الأقوى أو اللي قادر يضحك على التاني.

رفعت وجهها بإباء ما أن انتهت من قول عبارتها، ووجنتيها اللتان شحبتا فجأة، بدت بهما عظامها الغائرة، وكأن سقط عنها تلك الملامح الزائفة، ليبرز من خلفها حقيقتها المرة والمعذبة وشحوبها الذي لم يسكن وجهها فقط، بل أن روحها ما عادت تملك رونقاً، كتلك الأيام الخوالي التي كانت تعيش بها منعمة ومترفة بنعيم الحب، الذي لم يدم طويلاً، بل جاءت النهاية أبكر مما كانت تظن. فأن تنعم بأشهر قلائل لم تخلو من العثرات، ويأتي بعدها أيامها الخاوية، لهو بالأمر الذي تستحق أن تكافئ عليه من أنها ما زالت صامدة رغم كل ما حل بها من نوائب وكوارث، كانت كفيلة بالقضاء عليها حتى رمقها الأخير.

فركت يديها ببعضهما وسرعان ما قالت بابتسامة متألمة نابعة من قلبها المتكتل بالغصات الأليمة: –أنت عارف لما سبتني؟ كنت كل يوم أدعي ربنا وأتمنى إنك ترجع حتى لو رجعت وأنت زعلان مني. بس كنت هحاول أفهمك إن أنا مليش ذنب وكنت مستعدة أنسى اللي حصل ونبدأ حياتنا من تاني طالما الخطر والشر بعد عننا. صمتت لهنيهة ومن ثم ضحكت ساخرة من حالها وتلك الدمعات تتسابق في الانسكاب على وجنتيها الشاحبتين، فتابعت حديثها:

–بس اكتشفت إني كنت ساذجة في تفكيري، لأن الخطر الحقيقي مكنش في وجود عمي أدريانو أو ديفيد أخويا. لأ دا الخطر كان حبي الزايد ليك وخوفي عليك، اللي خلوني أوقف حياتي على وجودك جنبي، ومفكرتش في أي حاجة تانية. كنت بالنسبة ليا الهوا اللي بتنفسه، دقات قلبي اللي مخلياني لسه عايشة. وده كان غلطي أنا مش غلطك يا راسل، إن خليت حياتي كلها وقفت عليك. بس دلوقتي عرفت إن محدش هيمسح دمعتي غير إيدي، وإن مهما وقعت مش هرجع أقف على رجليا تاني إلا عشان خاطر نفسي مش عشان خاطر حد. وأتعلم إني أحب نفسي لأن أنا أستاهل أتحب، حتى لو ملقتش اللي يقدر يحبني بالشكل اللي كنت بتمناه.

تدفقت عبراتها وانسكبت حتى تخضل وجهها، وكلما حاولت محوها بكفيها، تعود وتنهمر بغزارة، وهي ما زالت تعنف نفسها بصمت من أن تكف عن البكاء. فهي لا تريد إثارة شفقته أو أن تجعله يرى ضعفها، ولكن تلك هي طبيعتها التي كرهتها مؤخراً، من أنها ما أن تنفعل أو تشعر بالتوتر تبكي حتى لأتفه الأسباب. جذبها إليه برفق وطوقها بساعديه مقبلاً لرأسها يرجوها بصوته الذي بدا ممزق النبرات:

–خلاص يا حبيبتي كفاية. ليكي حق تكرهيني. أنا اللي أستحق عشان ضيعت الحاجة الحلوة اللي في حياتي. بس والله العظيم يا حياء أنا عمري ما حبيت وعشقت واحدة زي ما بحبك انتي.

كأنه أدرك بوقت متأخر مدى فداحة أفعاله، من أن يجعل صبيته الحسناء وزهرته الندية والتي ارتوت من فيض عبراتها، أن يصل بها الحال من أن تشعر بالسوء من حبها له وشغفها به. فكم تبدو كطفلة خائفة وحائرة ضلت طريقها إلى المنزل، وهي تمسح وجهها بظهر يدها وعيناها زائغة النظرات، كأنها تبحث عن بارقة أمل أو ضوء من بعيد لتخرج من ذلك النفق المظلم الذي تاهت بين أرجائه. اهتزت الدموع بمقلتيه، تريده أن يطلق سراحها من محبسها، فغص حلقه وهو

يستأنف حديثه بندم حقيقي: –أنا عارف إن مقدرش أرجع اللي فات، وإن أخليكي تنسي اللي حصل. بس لو قضيت الباقي من عمري وأنا بحاول اخليكي ترجعي حياء اللي حبيتها، فأنا مش هيأس ولا أزهق. بس ادي حبنا فرصة تانية.

طبع قبلة دافئة على رأسها حاول تضمينها اعتذاره وندمه الذي تأكل خلاياه، وما زال ينخر بعقله على أنه بالرغم من أنه أخذ قراره بأن يحاول استعطافها لتغفر له ما كان بحقها، إلا أنه ما زال رافضاً البوح بأسبابه الجوهرية، مكتفياً بأن تعتقد أنه تركها بالبداية من أجل ما حدث له من عمها وشقيقها. فهو بحاجة لمزيد من الوقت حتى يستطيع إخبارها بما أخفاه عنها، فالوقت الآن ليس في صالح أحد منهما وخاصة هي، وهو لن يغامر بأحلامها ويجعلها قيد المراهنة على أمنية تزداد فرص الإخفاق في تحقيقها.

رفعت وجهها إليه وتساءلت بنبرة لجوجة: –وعايز فرصة تانية ليه؟ وليه لحد دلوقتي حاسة إنك بتلف وبتدور عليا في الكلام؟ استكانت إليه بوداعة، خشية ألا تتحمل قدميها حملها، فهي تعبة ومرهقة وتعيسة لأبعد الحدود، وبدت بتلك اللحظة أنها تحدق بالفراغ وترى حياتها الماضية تسير أمامها كمشاهد لفيلم بدأ بداية حسنة وممتعة وهادئة وسرعان ما تصاعدت أحداثه، حتى صار درامياً ومأساوياً، ولا يستطيع أحد التكهن بنهايته. أفترت شفتيه عن

تنهيدة حارة تبعها بقوله: –حياء عايزك تقبليني على الحالة اللي أنا فيها دلوقتي. صدقيني الوجع جوا زيك بالظبط ويمكن أكتر كمان، وأنا بشر بغلط ومنكرش إن غلطت. فسبيني أصلح غلطي، حتى لو في الآخر أصريتي على إنك تبعدي عني، بس أكون كفرت عن غلطي في حقك.

عملت إحدى يداه بالربت عليها والأخرى تمسد على رأسها بداية من منبت شعرها حتى نهاية أطرافه. فبتردد رفعت راحتيها وحطت بهما على ظهره، فأرتعد بخفة من ملمس يديها الباردتين على سخونة جلده كأنهما بأحد أيام الشتاء القارصة البرودة. أغمضت عينيها بإرهاق بعدما تسرب دفئه إليها. فماذا تفعل؟ وبما تجيبه؟ فهي حائرة تائهة، ولا تعلم أي سبيل تسلكه لتخرج من تلك المتاهة. فهل تقبل بعودتها إليه وبذلك يكون خدعها أكثر من مرة عوضاً عن مرة واحدة؟

فأسئلة كثيرة تزاحمت بعقلها وتريد إجابة عليها، ولكن يبدو أنه ليس مستعداً لأن يجيبها على ما تنوي السؤال عنه. ولذلك فهي لن تقبل بعودتها إليه بصورة فعلية، إلا إذا قدم إليها تفسيراً كاملاً عما فعله. ومن المحتمل أن الحظ كان حليفها بتلك اللحظة، إذ سمعت طرقاً متتالياً على باب الغرفة، وصوت سجود الباكي وهي تقول بإلحاح: –مامى افتحي أنا خايفة ومش لاقية بابي في أوضته.

أنسلت من بين ذراعيه وراحت تبحث عن رداءها، بينما أخذ راسل قميصه وارتداه، ومن ثم فتح الباب لصغيرته، التي سبقته قدميه في الاقتراب من الباب ليعلم سبب استيقاظها هكذا بوقت متأخر وتبكي أيضاً بصوت مسموع. وما أن فتح الباب انحنى إليها وحملها قائلاً وهو يربت على ظهرها بحب وحنان: –مالك يا روح بابي بتعيطي ليه كده؟ وضعت سجود رأسها على كتف أبيها وأخفت وجهها بين ثنايا عنقه قائلة وهي ترتجف:

–بابي كان في ست وحشة جاتلي في أوضتي وخوفتني. عقد راسل حاجبيه بعدما سمع ما قالته ابنته، ولكنه عاد يربت عليها مطمئناً لها، فربما شاهدت فيلماً ورأت إحدى شخصياته الشريرة بأحلامها. فقبل وجنتها قائلاً برفق ولين: –حبيبة قلبي متخافيش تلاقيكي كنتي بتحلمي. أنتي اتفرجتي على فيلم كارتون قبل ما تنامي؟

هزت سجود رأسها علامة الموافقة على سؤال أبيها، إلا أنها عادت تحكم ذراعيها حول عنقه رافضة تركه، وحتى لا يفكر بأن يعيدها إلى غرفتها. ولكن ما أن رأت حياء تخرج من غرفة الثياب، حلت ذراعيها من حول عنق أبيها ودفعت كتفيه برفق لكي يحل وثاق ذراعيه عنها لتذهب إليها.

تركت سجود والدها وركضت إلى حياء، التي جلست القرفصاء أمامها واحتضنتها بحنان كعادتها. فعادت سجود تتلو عليها ما تلته على أبيها وجعلها تفزع من نومها، ولكن وجدت السلوى بين ذراعي حياء إذ أخبرتها بأنها ستنام برفقتها الليلة.

فصفقت الصغيرة بحماس لعرض حياء المغري، والذي يبدو أنه لن يقتصر على المبيت لديها الليلة، إذ يبدو أن أباها هو الآخر سينام بجوارها على الجانب الآخر، على الرغم من أن سنها لا يسمح لها الآن بالنوم بين والديها، إلا أن سجود لم تعترف بعد بأنها لم تعد تلك الصغيرة التي يسمح لها بالنوم في غرفة والديها. –يلا بقى يا بابي أنت ومامي عشان ننام.

قالت سجود عبارتها وسرعان ما قفزت على الفراش وتمددت بالمنتصف، وهي تشير بكلتا يداها لهما بأن يستلقيان جانبها. تبادل راسل وحياء النظرات سوياً بصمت، على الرغم من أنه كان بنيته أن يقيم معها بالغرفة، حتى لو لم تكن سجود هي من تدعوه الآن للاستلقاء على ذلك الفراش، الذي لم يتقاسماه منذ تلك الليلة التي غادر بعدها ولم يعد.

قطعت حياء حيرتهما بأن تمددت بجوار الصغيرة، وفتحت لها ذراعيها وغاصت بينهما بارتياح، بينما استلقى هو على طرف الفراش الآخر، وترك مسافة كافية بينه وبينهما. إلا أن سجود قالت وهي تشعر بالنعاس: –قرب مننا يا بابي وطبطب عليا عشان أروح في النوم.

لم يجعلها تكرر مطلبها مرتين، إذ اقترب منهما وعلى وجهه إمارات التسلي، بعدما رأى حياء تنظر إليه محذرة إياه من أن يقترب أكثر من تلك المسافة، التي جعلته كاد يلمس أطراف قدمها. ولكنه لم يكن ذلك الذي يلتزم عهداً يمنعه من أن يدنو منها، حتى إنه أخذ أمر الربت على صغيرته وسيلة لأن يلمس ظاهر يدها من حين لآخر. وما أن تيقنت حياء من خلود الصغيرة لنومها، قالت بصوت هامس:

–أنت بتعمل إيه على فكرة بنتك نامت بقالها شوية وأنت برضه عمال تطبطب عليها، أو لو قولت الحق بطبطب على إيدي أنا. أدعى راسل الجهل وقطب حاجبيه قائلاً ببراءة لم تصدقها: –إيه ده هي دي إيدك؟ أنا افتكرتها إيد سجود وأنا برضه عمال أقول إيد سجود كبرت ليه كده. التوى ثغرها الوردي واستطاع هو رؤية ملامح وجهها الساخرة بضوء الإنارة الخافتة بالغرفة، إلا أنه أعاد الكرة مرة أخرى، حتى رآها تنفض يده عنها محذرة:

–راسل بطل استهبال شوية، عشان أنا عرفاك. لولا سجود كنت خليتك ترجع أوضتك دلوقتي. لم يعنيه تحذيرها وتهديدها، بل أن يده راحت تداعب وجنتها بلطافة، جعلتها تأخذ أنفاسها بحذر خشية أن تستيقظ سجود. فأدنى برأسه قليلاً منها متبجحاً بقوله: –حتى لو مكنتش سجود جت يا حياء مكنتش هسيبك ولا أسيب الأوضة. كزت على أسنانها قائلة بغيظ: –ليه احتلال ده ولا إيه يعني؟

لو أنت مصمم تقعد هنا هشوف أنا أي أوضة تانية أقعد فيها، القصر مفيهوش أكتر من الأوض. أشاحت بعينيها عن وجهه ما أن انتهت من قول عبارتها التي خرجت منها بنبرة جافة، لتدفع عنها تلك الأفكار التي بدأت تتمحور بعقلها، جاعلة نبضات قلبها تتصاعد، حتى كادت تشعر بأنه كاد يحطم ضلوعها من شدة خفقانه. ولعله يعلم أنها جادة بحديثها. حاول بلع حديثها وقال مزمجراً بدهاء:

–مش هيحصل يا روحي. أنتي هتقعدي مكان ما أنا قاعد. ولولا شغلي وشغلك، كنت خليتك تلازمني زي ضلي عشان متبعديش عن عيني يا نور عيني. ومش هنتكلم في الموضوع ده تاني.

من المحال أن يتركها تسكن غرفة أخرى غير تلك الغرفة، خاصة وأن ذلك الشاب ما زال مقيماً هنا. فلا تعلم أي جمر يتأكل روحه وأحشاءه كلما رأى أدم، ويراها هي تضحك وتبتسم وتتحدث معه حتى وإن كانت حريصة على الالتزام بالعادات الأسرية بكونها زوجة له ولا تتعدى تلك الحدود الشرعية والمشروعة التي تجعل أحداً يظن أنها لا تضع لزوجها حسابها أو أنها ما زالت تحمل اسمه حتى وإن كان ظاهرياً بذلك الوقت. –راسل أنا….

لم يدعها تكمل جملتها، إذ أسرع بوضع يده على فمها ليمنعها الكلام، وتجنباً لثورتها التي لاحت بوادرها بعينيها الملتمعان رغم ذلك الضوء الخافت الساقط عليهما، إلا أنه رأى أن من الأفضل أن يحاول إسكاتها بتلك الكلمة التي قفزت إلى شفتيه وهو يقول بوهن ظاهر: –بحبك.

حيلة جديدة منه محاولاً بها أن يجعلها تنسى أو أن تمرر له ما حدث. هكذا فكرت حياء وأقنعت عقلها بأنه لم يتفوه بتلك الكلمة إلا من أجل إلهائها، رغم أن بإمكانها رؤية سوداويته التي تشعان ببريق لطالما تمنت رؤيته ولطالما جعلت نبضها لا يهدأ. بل دائماً ما ينجح بخلق جو من الشغف الخانق بداخل أوردتها، ولم تكن تستطيع السيطرة عليه. إذ كانت تسرع بالارتماء بين ذراعيه وتلتصق به راغبة في أن تسمع المزيد والمزيد على شاكلة تلك الكلمة التي يضع بها عمق صوته وسحره وتأثيره الكامل بها. فمحاولة منها لإيقاف ذلك الارتجاف الذي ضرب حواسها، شدت من احتضان الصغيرة، لعلها تقيها لفحات الضعف والخيبة التي بدأت تنتشر بمراكز الحواس لديها.

ولكن علام تقي نفسها وهي تحتضن قطعة منه، تحمل دماءه وتأثيره عليها. فدائماً سجود كانت تنجح بجعل اشتياقها رهن سيطرتها عندما كانوا يعيشون سوياً كأسرة صغيرة سعيدة. إذ كانت تملأ عينيها من رؤية وجه الصغيرة المحبب لها لكونها ابنته حتى يحين موعد عودته إليها. ولكن يبدو عليه الآن أنه لن يكتفي بأن يجعل عواطفها حكراً على صغيرته، بل سيعمل جاهداً في أن ينفض الثرى عن مشاعرها، التي حاولت يأساً دفنها بغياهب عقلها وقلبها. فلو كانت تتمتع بذرة واحدة من الذكاء، لكانت غادرت الفراش الآن، أو أن تحاول على الأقل، بألا تجعله يضع يده عليها مثلما يفعل الآن وكاد يذيب بشرتها بأصابعه القوية، التي راحت تداعب وجنتها تارة وتمسد على شعرها تارة أخرى.

***

جلسا ينتظران دورهما بعيادة الطبيبة النسائية، التي زارها منذ بضعة أيام وأكدت لهما حمل هند، ولكنها طلبت منها عمل بعض التحاليل الطبية والفحوصات، للتأكد من سلامتها وسلامة ذلك الجنين الذي تحمله بأحشائها. فسعادتهما وبالأخص هي بلغت عنان السماء ما أن سمعت الطبيبة تهنئها بحملها، وراحت بوقتها تحتضن زوجها بفرح مجنون متناسية أنها في عيادة الطبيبة وأنهما ليسا في المنزل. ولكن سعادتها جعلتها تنسى كل شيء عدا أن تهنئ نفسها وزوجها

بأنه في القريب العاجل وبعد بضعة أشهر سيحملان صغيرهما، والذي تمنت هند أن يكون صبياً يشبه والده بملامح الوجه وخاصة رماديته، اللتان تجعلانها تشعر بفيض من المشاعر الجامحة، والتي لا يستطيع أحد أن يجعلها تشعر بها غيره. ولم تنسى أن تخبر والديها بأن الحفيد الأول لهما صار في طريقه للمجئ إلى هذا العالم. فتذكرت بابتسامة كيف كان رد فعلهما، إذ أحست بأن أباها ود لو كان يملك جناحين ويصل إليها ليهنئها وجهها لوجه، حتى صارت تتخيل تلك

الأوقات التي ستجمعهم برفقة طفلها.

–هو لسه كتير على دورنا ولا إيه؟ مال كرم برأسه لزوجته هامساً بعبارته، ونقر على شاشة هاتفه نقرات خفيفة دلت على شعوره الطفيف بالضيق من مكثهما بالعيادة لمدة تزيد عن النصف ساعة، فالممرضة لم تعلن بعد عن دورهما، لتكدس العيادة بالنساء الحوامل. أجابته هند باسمة وهي تنظر لتلك التقارير الطبية التي وضعتها على ساقيها: –هانت يا حبيبي هندخل للدكتورة بعد المدام اللي عندها ما تخرج. ضحك كرم بصوت خافت قائلاً بطرافة:

–دا اللي بيدخل جوا مش عارف بينام ولا إيه؟ دي لو بتولدهم كانوا خلصوا أسرع من كده. وكزته هند بلطف لتجعله يكف عن دعابته، والتي حرص على أن يقولها بصوت منخفض، بعد رؤيته للممرضة وهي تنظر إليهما عن كثب، كأنها راغبة في معرفة عما يتهامسان حوله. فوضعت هند يدها قريباً من فمها قائلة من خلف ستار أناملها الرقيقة: –بس بقى الممرضة عمالة تبص علينا كأنها شوية وتيجي تقولنا بتضحكوا على إيه.

لم ينتبها لخروج المرأة التي سبقتهما في الدخول للطبيبة إلا بعدما نادت الممرضة بصوتها الجاف، لتنبههما بأن دورهما قد حان. فنهض كرم وأخذ يد زوجته وولج للداخل.

بعدما جلست هند على ذلك المقعد الجلدي أمام المكتب الصغير الذي جلست خلفه الطبيبة، ناولتها التقارير الطبية والفحوصات. فأخذتها منها وبدأت تمعن النظر بها جيداً، مما أثار شكوك هند خاصة بعد رؤية تلك التقطيبة الخفيفة التي ارتسمت على جبين الطبيبة الخمسينية، والتي راحت من حين لآخر، تعدل من وضع نظارتها الطبية، لكي تساهم في جعلها ترى التقارير بوضوح. خرجت هند عن صمتها وتساءلت بقلق: –هو في حاجة في التقرير أو الإشاعة يا دكتورة؟

خلعت الطبيبة نظارتها وضمت كفيها بعدما استندت بمرفقيها على حافة مكتبها الصغير وقالت بصدق ودون مواربة: –هو الموضوع يا مدام هند إن حضرتك عندك عضلات الرحم مش قوية يعني متستحملش ضغط حجم البيبي لو كبر وممكن بعد الشر يحصل إجهاض. شحب لون وجه هند بعد سماعها ما تفوهت به الطبيبة، وتلقائياً نظرت لكرم، لعله هو يخبرها أنها استمعت لشئ خاطئ أو توهمت ذلك. إلا أن نبرة صوته التي خرجت من فمه تحمل فزعاً وهو ينظر للطبيبة متسائلاً بدهشة:

–يعني إيه كلامك ده يا دكتورة؟ وإيه الحل دلوقتي؟ بدأت عينا هند تتجمع بهما العبرات الحارة حزناً على حلم لم تدوم سعادتها به إلا أيام قلائل. إلا أنها انتبهت عندما قالت الطبيبة بمهنية محاولة منها طمأنتهما:

–هو إن شاء الله خلال الحمل مدام هند تلتزم الراحة التامة في السرير. ولما أقول الراحة التامة أنها تنام على ضهرها خلال شهور الحمل لحد الولادة ومتعملش أي مجهود من أي نوع، فاهمني يا أستاذ كرم. وفي الشهر التالت لو حسينا بأي خطر على البيبي ممكن نعمل عملية ربط للرحم.

أزدرد كرم لعابه لفطنته بما تعنيه الطبيبة بتحذيرها له من أن يحرص على عدم قيام هند بأي مجهود يذكر، خاصة المتعلق بحياتهما سوياً كزوجين محبين. فمد يده وقبض على يد زوجته قائلاً بهدوء: –تمام يا دكتورة حضرتك إحنا هنلتزم بكلامك بالحرف الواحد. المهم هي والبيبي يكونوا بخير.

رفعت هند كفها الآخر واحتضنت يده ورمقته بابتسامة عاشقة ترافقها اهتزاز تلك العبرات بعينيها. ولكن ساهم صوت الطبيبة بخروجهما من تلك الحالة العاطفية، بأن أخبرتهما بالنظام الواجب عليها اتباعه للحفاظ على جنينهما وأن تحول دون خسارتهما له.

فبعد بضعة أيام، كانت هند تستلقي على فراشها بعدما نجحت الطبيبة في طمأنتها وأن تجعلها تشعر بالسعادة من أنها ستتذوق حلاوة شعورها بأن تكون أم لطفل من زوجها. ولكن لا شيء يجعلها تشعر بالضيق، سوى أن أعباء المنزل كافة وقعت على عاتق زوجها. فقبل ذهابه لعمله ينتهي من الأعمال المنزلية اليومية ويوصيها بعدم الحركة إلا بأضيق الحدود كذهابها للمرحاض، ويوصي والدة سويلم بأن تنتبه عليها لحين عودته من عمله الذي حرص أن يعود منه مبكراً من أجلها.

انتهى من ارتداء قميصه وتأهب للذهاب إلى عمله، بعدما وضع لها طعام الإفطار بجوار الفراش لحين نهوضها. إلا أنها أعتدلت بجلستها وهي تقول بتثائب: –حبيبي إنت خلاص خارج. هي الساعة كام دلوقتي؟ نظرت هند بشاشة هاتفها ووجدت الساعة تشير للسابعة صباحاً، فرد كرم قائلاً بعجلة وهو يدنو بوجهه منها يقبلها على رأسها:

–أيوة يا حبيبتي يادوب ألحق. أنتي عارفة اليومين دول فيه ضغط شغل والمدير مأكد علينا نكون موجودين بدري. أنا عملتلك الفطار كلي كويس وأنا إن شاء الله هرجع البيت بدري. خلي بالك من نفسك سلام.

حركت هند رأسها ببطء ونظرت لأثره وهو يخرج من الغرفة يحث خطاه على الإسراع. فزفرت بقلة حيلة وهي تنظر للطعام الموضوع على المنضدة القريبة من الفراش. ولكن قبل أن تمتد يدها إليه، فكرت في حيلة ربما تفيدها في أن تخفف العبء عن كاهل زوجها، وهي أن تهاتف والدتها، وأن ترسل إليها إحدى الخادمات التي تعمل عندهما بالمنزل. وبذلك تستطيع أن توفر الراحة لها ولزوجها، عوضاً عن تشتته بين المنزل وعمله.

لم تفكر مرتين بالأمر، إذ أخذت الهاتف من على الكومود وأجرت اتصالاً بوالدتها، التي جاءها صوتها متلهفاً وهي تقول بحنان أمومي طاغٍ: –حبيبة قلبي عاملة إيه دلوقتي وحشاني أوي والنونو عامل إيه؟ أجابتها هند بصفاء صوتها العذب وهي تمسد بيدها على بطنها التي لم تظهر بها علامات الحمل بعد: –الحمد لله يا ماما نحمد ربنا أنا تمام، انتوا اللي وحشتوني أوي. عادت والدتها تقول بصوتها الحاني:

–لولا إن باباكي اليومين دول مشغول في الشغل كنت جيتلك على طول، وقالي هيخلص شغله في أقرب وقت ونيجيلك عشان نشوفكم. دا من ساعة ما عرف والدنيا مش سيعاه من الفرحة وبيحاول يخلص شغله بسرعة عشان نجيلك بس نعمل إيه في شغل السياسة اللي واخد كل وقته. استشعرت هند صدق نبرات صوت والدتها ومدى لهفتها بأن تراها. وهذا ما جعلها تتشجع قليلاً بقولها، محاولة الحفاظ على توازن نبراتها التي خشيت أن يظهر ارتجافها مدى ذلك الشعور

بالقلق المستبد بقلبها: –ماما كنت عايزة أقولك على حاجة وكمان ليا طلب عندك.

فهي حتى الآن لم تخبرهما بشأن أحوالها الصحية التي تستدعي الراحة التامة بالفراش، من أجل الحفاظ على جنينها، كونها أنها لم ترَ داعٍ لأن تثير قلقهما. إلا أنها الآن لم تجد ضرراً من أن تخبر والدتها وتوصيها بألا تخبر أباها حتى لا تثير قلقه عليها، لعلمها بحب أبيها الشديد وتعلقه بها وبحثه عن كل سبل الراحة لها. وتخشى إذا علم بشيء بأن يصر عليها بأن تعود لمنزله لحين ميعاد وضعها لطفلها، وهي لا تريد ذلك، أو أن تقضي أشهر الحمل

بعيداً عن زوجها ولا تراه إلا بعطلات قصيرة. فعلى الرغم من أن إقامتهما معاً في الوقت الحالي والتي ستمتد لبضعة أشهر، بدت كأنهما أشقاء أو صديقين، إلا أن ذلك أهون عليها من أن تظل أيام طوال من دون رؤيته أو أن يكون بجوارها عندما تخلد لنومها أو تستيقظ منه. فهذا الأمر مرفوض رفضاً باتاً. فهي لن تقيم بمكان إلا إذا كان هو معها. وترى أنه من حقها أن تنعم بتدليله لها أثناء حملها وأن ترى حماسه وترقبه لرؤية مولودهما. لذلك شعرت

بالراحة بعد سماع والدتها تخبرها بأنها سترسل لها الخادمة بأقرب وقت، على أن توافيها هي وأبيها بعدما ينتهي من أعماله وأعباءه السياسية. وبعد انتهاء المكالمة وضعت هند الهاتف بمكانه، وبخطوات حذرة ذهبت للمرحاض. وبعد انتهائها من روتينها اليومي، عادت للفراش وبدأت تتناول إفطارها بابتسامة ومن حين لآخر تمسد على بطنها وتتحدث مع جنينها وتشاهد التلفاز أو تتصفح الهاتف، لعل الوقت ينتهي بسرعة ويعود زوجها.

ليلة أخرى يقضيها برفقتها تحت ضوء القمر، والذي ألقى بنوره الفضي على سطح ماء المسبح الموجود بالباحة الخلفية للمنزل. تأجج الشوق بقلبه من إختلاسهما تلك الأوقات بعيدًا عن أعين الجميع. ولم تدخر هي جهدًا في زيادة وقود أشواقه. ولا يعلم هل تفعل ذلك بجهل منها أم ماذا. فبدا كأنه يجلس على حافة سكين حاد، مطالبًا أن يكون حذرًا بمعاملتها وبذات الوقت يحاول إلجام مشاعره الثائرة، والتي ينفلت عقالها ما أن تنادي باسمه، الذي يخرج من بين

شفتيها المكتنزتين كنغمة عذبة. فيتركها تتحدث كيفما تشاء ولا يسمع نصف ما تتفوه به لإنشغاله بتأملها وتركيز بصره على خروج حروفها من فمها السخي، القادر على إغوائه وقتما تريد. حاول تنظيم أفكاره وإعادتها لمسارها الصحيح بأن ينتبه على ما تتحدث بشأنه، إلا أنه صار بارعًا في إظهار فشله في فعل ذلك. بأنه ما أن يجيبها على سؤال استطاع التقاطه من بين حديثها، يعود وتأخذه أفكاره حول رد فعلها إذا أقدم على عناقها، أو أن تتركه يضع رأسه

على كتفها ويخبرها عن شعوره القاتل بالوحدة.

تلك التنهيدات الحارة التي خرجت منه تحمل على أجنحتها مدى لوعته، وصلت لأذنيها بوضوح، فرمقته بقلق لتستوضح سبب فعله لذلك: -مالك يا عمران في إيه؟ أنت النهاردة مش على طبيعتك خالص. داعب رأسها الجميل ومرر أنامله على وجهها قائلاً بلطف: -مفيش حاجة يا حبيبتي. مقولتليش الدكتور قالك إيه على نتائج التحاليل بتاعتي.

وضعت ميس قدميها في الماء، ورفعت رأسها تنظر للسماء، التي اختفى بها القمر خلف إحدى السحب، مما أثار بقلبها انقباض لم تستطع تفسيره. ولكنها ردت قائلة بهدوء: -بيقول التحاليل كلها كويسة. فاضل بس يحدد الميعاد المناسب للعملية يعني تقريبًا ممكن تبقى بعد أسبوع أو عشر أيام.

هز عمران رأسه ولم يعد يفهم بكلمة، فتعجبت ميس من حاله، الذي لم يكن على ما يرام باليومين الماضيين. فهو إن لم تحدثه يظل صامتًا كأنه يفكر بأمر يشغله. وعندما تسأله يخبرها بأن كل شيء على ما يرام وأنه فقط يشعر بإرهاق من كثرة العمل. فما أن انتهى وقت جلستهما، تركها على مضض ليعود إلى منزله، ولكن أحزنه أنها لن تكون برفقته عندما يعود لغرفته.

اليوم التالي صباحًا، أغلق عمران الملف الثالث من تلك الملفات التي وضعها أمامه شقيقه معتصم، والتي احتوت على أرباحهم من إدارة الفنادق والمطاعم. فالأرباح يتم تقسيمها بالتساوي ويأخذ كل منهم نصيبه. والنقود الخاصة بغزل يتم وضعها بحسابها البنكي، نظرًا لأنها منذ علمت بخبر حملها وهي لم تعد تأتي للعمل. ويقوم كل من عمران ومعتصم بمهامها، بل وإنهما يضعانها بالمقدمة.

سمعا صوت جلبة أمام المكتب، فخرجا يستطلعا ما يحدث وعلام تلك الصيحات التي يبدو عليها أنها لفتاة أو امرأة. خرج عمران يتبعه معتصم، فوجد امرأة من العاملات بخدمة الغرف تتشاجر مع رئيسها المباشر في العمل. صاح عمران بصوته قليلاً متسائلاً: -في إيه ليه الصوت العالي ده؟ أنتوا فاكرين نفسكم فين هنا؟ التفتت إليه المرأة الباكية، بل انحنت على يده محاولة تقبيلها وهي تقول بغصة:

-عمران بيه الحمد لله إن شوفت حضرتك. هم كانوا مانعيني من إني أقابلك وقالولي إنك مش فاضي علشان كده كنت بتخانق علشان عايزة أقابلك. سحب عمران يده قبل أن تمسها وتساءل بارتياب من حالتها وإصرارها على مقابلته: -كنت عايزاني في إيه؟ خير.

مسحت المرأة وجهها بكفيها ونظرت حولها وجدت معتصم وذلك الرجل مازالا واقفان، فشعرت بالخجل منهما ورغبت بأن تحدثه على انفراد. فلم يرد عمران مطلبها وجعلها تسبقه لغرفة مكتبه وأخبر معتصم بالذهاب للمصرف لإنهاء بعض التعاملات البنكية وصرف الرجل الآخر لعمله. وبعد ذهابهما ولج لغرفة مكتبه وجدها تقف أمام المكتب تفرك يديها وتمسح وجهها من حين لآخر. فدعاها للجلوس علها تخبره بذلك الأمر الهام الذي تريده من أجله.

جلست المرأة ومازالت تفرك كفيها حتى صار باطنهما بلون الدم من كثرة فركهما وتخضب وجهها بدماء الخجل الذي لم يخلو من الرهبة لكونها تتحدث مع صاحب العمل وجهًا لوجهه. إلا أن عمران حثها برفق أن تقول ما لديها، فبدأت حديثها قائلة بصوت خفيض ولكن كافٍ لأن يسمعه عمران بوضوح:

-الموضوع إن حضرتك أنا عندي ابن مكملش ٣ سنين ومحتاج عملية ضروري وهتتكلف فلوس كتير. وأنا وجوزي على قد حالنا ومش معانا فلوس العملية. فكرت آخد قرض من البنك بس البنك عايز ضمان وإحنا محلتناش أي حاجة. فقولت أقول لحضرتك لو ممكن آخد القرض من حضرتك وأمضيلك على شيكات أو حتى أشتغل من غير فلوس. بس المهم ابني يعيش أنا معنديش غيره. الله يباركلك يا عمران بيه توافق.

ظلت تتوسله، حتى رفع عمران يده ليجعلها تصمت لعله يقول ما لديه، فنهرها قائلاً برفق ولين: -طب اهدى بس وخليني أتكلم. إن كان على ابنك أنا متكفل بعمليته وعلاجه وهخلي أشطر جراح هنا في إسكندرية يعملهاله. هو يبقى عم مراتى وهي كمان دكتورة جراحة ومش هيتأخروا أبدًا. أنتي بس ودي ابنك على مستشفى الرحمة. وهتلاقي إن شاء الله اللي يستقبله ويعمله اللازم متشليش هم. أنا هكلمهم حالا.

أشرق وجه المرأة بسماع ما قاله، بل ظلت تدعو له وتثني على أخلاقه الكريمة والطيبة. ولم تنتظر دقيقة أخرى بعدما أخبرها عمران بالذهاب لمنزلها وجلب طفلها لمشفى راسل. بل إنه ذهب معها ليصطحب الطفل وزوجها بعدما أخبر ميس بالقصة كاملة وهي بدورها ستخبر راسل.

فبعد بضعة ساعات كان عمران جالسًا برواق المشفى ينظر لتلك المرأة وزوجها، الذي رآه يسير على عكازين وعلى الرغم من ذلك لسانه لم يكف عن الشكر والحمد لله. وعلم أيضًا أنه ليس لديه مصدر دخل ثابت ولذلك اضطرت زوجته للخروج إلى العمل لكي تساهم بالإنفاق على متطلبات الحياة. فأخذ عمران قراره بأن يجعله يعمل لديه بأحد الفنادق الخاصة به. خرج من تأمله لهما بعدما سمع صوت ميس وهي تقترب منهما قائلة بابتسامة:

-الحمد لله ابنكم بخير وهو هيتنقل العناية وشوية وتقدروا تشوفوه وألف حمد الله على سلامته. صاحت المرأة بسعادة ونظرت لزوجها، الذي بادلها ابتسامتها بابتسامة شاكرة لله. ولم تكتف بذلك بل اقترب من ميس واحتضنتها قائلة بامتنان: -شكراً ليكي يا دكتورة ميس ربنا يبارك فيكي ويباركلك في عمران بيه وفي أولادكم. جميلكم ده في رقبتنا.

ربتت ميس على ظهر المرأة وابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تنظر لزوجها، الذي يبدو عليه إنه استمع لدعوة المرأة الخاصة بأطفالهم الذين لم يولدوا بعد. وبعد ذهابها هي وزوجها للوقوف أمام تلك الغرفة التي سيتم نقل طفلهما إليها. اقتربت ميس من عمران وجلست على المقعد المجاور له وتساءلت: -مالك يا عمران حاسة زي ما يكون في حاجة مضايقاك؟ ابتسم عمران ابتسامة بدون مرح ورد قائلاً بما يشبه الإرهاق:

-مش عارف اليومين دول حاسس إن مخنوق من غير سبب. زي ما يكون في هم على قلبي مش عارف ليه. أنا هروح البيت دلوقتي وهبقى أكلمك سلام. نهض عمران عن مقعده وذهب دون أن يفهم بكلمة أخرى، حتى إنه لم يستمع لردها، كأنه شعر بالاختناق ولم يعد بالإمكان أن يحد من ذلك الشعور.

وصل لسيارته المصفوفة أمام المشفى وما أن صعد إليها، لم يفكر بأن يقودها ليعود إلى المنزل كما أخبر زوجته. بل ظل جالسًا خلف المقود يزفر زفرات متتابعة لعله يعيد تنظيم أنفاسه الحائرة. فذلك الشعور الذي جثم على صدره وقلبه فجأة، جعله يشعر بخوف مبهم، ولا يعلم علام خوفه. ولكن كأن الأيام القادمة تحمل له مفاجآت لم يضعها بحسبانه يومًا، ولكنها ستكون مفاجآت غير سارة على الإطلاق. ولم يراوده ذلك الشعور إلا من بعد عودة ليالي، حاملة

معها نوائب وكوارث. وإن لم يأخذ حذره منها، سيكون هو الخاسر لا محالة. فبعد أن رأى أنه بحالة جيدة نسبيًا، قاد سيارته حتى وصل بها للمنزل، والذي لم يجد به أحد. وأخبرته إحدى الخادمات أن معتصم اصطحب ولاء ومراد من أجل الزيارة الأسبوعية لوالدة زوجته. فصعد لغرفته وحل رابطة عنقه وخلع عن سترته وأرتَمى على فراشه دون أن يفكر في استبدال ثياب العمل.

لم تراه والدته يشعر بكل هذا الحماس والترقب من قبل. فدائمًا ما كانت تراه متجهم الوجه عابس الملامح، خاصة إذا رآها برفقة زوجها. وظلت العلاقة بينهما قائمة على الفتور والجحود الخفي منه، رغم محاولته الظهور بمظهر الابن البار خاصة بتلك الآونة ليوهم أنسباءه الجدد بأن علاقة الابن ووالدته على خير ما يرام. ولم تنكر ابتهاجها بأن تراه على وشك إقامة حفل زفافه، وربما نزعتها الفطرية كأم ترى ابنها وقد صار شابًا وبصدد الزواج، هي ما

جعلتها تحاول مد جسور الود بينهما. حتى وإن كانت على علم بأنه لن يكلف نفسه عناء بناء تلك الجسور أو مدها أو حتى عبورها ليصل إليها. ولكنها لم تجد ضررًا من المحاولة. وكم أدهشتها لطافته عندما أخبرها بشأن اصطحابه لها لذلك المطعم، الذي تم دعوة أسرة خطيبته لتناول الغداء به والتنزه حتى المساء.

أغلق عمرو أزرار قميصه قائلاً والحماس ملأ صوته: -أخيرًا هشوف سهى من غير ما أشوف ابن عمها السمج. لم تأت دعوته تلك إلا من أجل رؤيته لسهى خارج منزلها ودون أن يرى حاتم ابن عمها. الذي أصبح لا يفوت مناسبة لقدومه إليها، إلا وأن يكون حاضرًا، كأنه لا يريده أن يلتقي بها قبل أن يساهم بفوران دماءه خاصة بقصصه ونكاته السخيفة، التي يقصد من باطنها إهانته بالمقام الأول. خرج من غرفته وهبط الدرج ووجه يطفح بالبشر. وجد والدته في انتظاره،

فهتف بها بلطف: -يلا بينا يا ماما علشان منتأخرش. أنهى عبارته وسبقها في الخروج من باب المنزل، قاصدًا المرآب ليأخذ سيارته. ولكن فسرت والدته فعله ذلك أنه عاد لجفائه وفتوره معها. فتبعته بصمت واستقلت السيارة في المقعد المجاور له. أخرج هاتفه وأجرى اتصالاً بسهى، يخبرها أنه كاد أن يصل للمطعم. وأخبرته هي بدوره أنهم سيصلون في غضون عشر دقائق.

وصل عمرو المطعم وجلس على أحد مقاعد تلك الطاولة، التي تم حجزها من أجلهم. وما أن رفع بصره لباب المطعم وجدها تلج وهي تتأبط ذراع والدها، وزوجة أبيها تصطحب الصغيران. ولكن اختفت ابتسامته بلمح البصر، عندما أبصر حاتم يأتي من خلفهم. فتهدلت قسمات وجهه، وملأه الغضب. إلا أنه حاول السيطرة على انفعالاته حتى يمر اليوم بسلام. -أهلاً يا عمي نورتوا المكان.

قالها عمرو وهو يصافح والد خطيبته، ومن ثم صافح حاتم ببرود. وتبادلت سهى وزوجة أبيها التحية معه ومع والدته التي قبلتها على وجنتيها ترحيبًا برؤيتها لها، خاصة أنها لم تراها سوى مرات قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة. اقترب حاتم من والدة عمرو قائلاً بابتسامة جذابة، ولكن يضمر بها الخبث، لعلمه بأن ما سيقوله سيساهم بتعكير صفو مزاج عمرو: -أهلاً بحضرتك. هو أنتي تبقي أخته؟ حاسس إني شوفتك قبل كده.

ابتسمت والدة عمرو لإطرائه الذي بدا لطيفًا من شاب مثله، ولكنها ردت قائلة بهدوء: -لأ أنا مامته. وأكيد شوفتي يوم خطوبة سهى وعمرو. مش أنت حاتم ابن عمها برضو؟ أنا فكراك كويس. -ده من حسن حظي إنك فكراني لدلوقتي. نطق حاتم بعبارته همسًا، حريصًا على أن تسمعه هي فقط، دون أن يصل صوته لمسامع ذلك الذي بدا مشغولاً بالترحيب بأسرة خطيبته.

فضل حاتم الجلوس بالمقعد المجاور لها، وجلس والد سهى بجوار زوجته وجلست سهى بجوار والدة عمرو على الطرف الآخر وجلس عمرو على رأس الطاولة. مال برأسه قليلاً متسائلاً بهمس لا يخلو من الضيق: -هو إيه اللي جاب ابن عمك ده معاكم؟ أنا معزمتوش. توترت سهى ما أن سمعت قوله وخشيت سماع والدها لما قاله، خاصة أنها تعلم أي محبة مكنونة لديه تجاه ابن شقيقه. فنظرت لعمرو قائلة بذات الهمس:

-اهدى شوية لبابا يسمعك. هو لقانا خارجين قال إنه هييجي معانا. فمش معقول هنقوله لأ متجيش. -بني آدم سمج. مش عارف ابن عمك ده مستحملينه إزاي. هتف عمرو بضيق وهو رافع شفته العليا باشمئزاز واضح، إلا أنه عاد مغمغمًا بأسف ما أن رآها تطرق برأسها ملتزمة الصمت بعد عبارته التي تفوه بها: -سوري يا سهى مش قصدي حاجة. متزعليش مني.

هزت رأسها دلالة على أنها لن تعطي الأمر أهمية أكثر من ذلك، فحاولت أن تبتهج بدعوته لهم. وما أن انتهوا من تناول الطعام، اقترح عمرو عليهم التنزه قليلاً والذهاب للسينما، فقبلوا اقتراحه بسرور. ولكن يبدو عليه أنه غفل عن والدته وذلك الذي جلس بجوارها في قاعة عرض الأفلام، ولم ينتبه أحد عليهما، إذ اندمج كل فرد منهم في مشاهدة الفيلم المعروض على تلك الشاشة الكبيرة. أدنى حاتم برأسه من والدة عمرو مازحًا بصوت خافت:

-تلاقيِك النهاردة اتضايقتي مني خالص صح. ابتسمت له وردت قائلة بلطف: -لأ أبدًا. أنت شخصية لطيفة جدًا يا حاتم وشاب مهذب وجنتل مان. لم يشعر بالاطمئنان إلا بسبب الإنارة الخافتة، فقال بنبرة صوت وضع بها كل ما يمكن أن يجعلها تشعر بالخجل من إطرائه: -أنا أول ما شوفتك مصدقتش أبدًا إنك والدة عمرو. اللي يشوفك ميصدقش إنك أم وعندك ابن كبير كده. دا أكيد اتجوزتي وخلفتي عمرو وأنتي صغيرة جدًا.

ظل الحديث بينهما قائمًا على المنوال ذاته من أنه لا يتردد في إخبارها عن مدى جمالها وأناقتها، وهي تتقبل إطرائه بابتسامات لطيفة وخجولة، حتى انتهت الأمسية وخرجوا من السينما. ولم يتردد حاتم في التجرؤ بأن يطلب منها رقم هاتفها للإطمئنان عليها من وقت لآخر، متذرعًا بأنهما بعد أيام قلائل سيصبحان أقرباء وستمتد أواصر المعرفة بينهما، بعد زواج ابنة عمه من ابنها الوحيد. بعد بضعة أيام...

ثوب زفافها الذي أرسل إليها في اليوم الأخير باختباراتها الجامعية، صار يتلألأ لونه المائل للون الفضي، بعدما ارتدته وظلت تدور حول نفسها ويتطاير حولها نسمات الهواء المحمولة برائحة عطر أخاذ. دمعت عينا زوجة أبيها وهي تراها قد أنهت زينتها وبصدد الذهاب لتلك القاعة المقام بها حفل زفافها. فاليوم أدت مهمتها وفتت بذلك الوعد الذي وعدته لوالدة سهى، بأنها ستظل ترعاها حتى تخرج من بيت أبيها وتذهب لمنزل زوجها. رآتها سهى وهي تحاول

إخفاء دموعها عنها، فأقتربت منها خطوتين ولم يمنعها من الاقتراب أكثر دون انحنائها بجذعها العلوي سوى ثوبها الثقيل. فأخذت يديها بين راحتيها وشدت عليهما بامتنان. ولم تكتف بذلك، بل رفعت يد زوجة أبيها وقبلت باطنها اعترافًا بجميلها، كونها تحملت سخافتها بعد زواجها من والدها، وأنها حاولت الحفاظ على عهدها مع أمها الراحلة.

-ألف مبروك يا حبيبتي. ربنا يتمم بخير يارب. أدنت زوجة أبيها منها وقبلت جبينها قبلة محبة ومن ثم احتضنتها بحنان. وظلتا هكذا حتى سمعتا صوت أبيها الذي جاء ليصطحبها لعقد القرآن ومن ثم يبدأ حفل الزفاف، الذي حرص عمرو على أن يكون لائقًا برجل الأعمال الشاب الذي ذاع صيته بالسنوات القليلة الماضية. نظر إليها أبوها وهي تتأبط ذراعه فقال باسمًا: -مليون مبروك يا حبيبتي ربنا يسعدك يارب.

وصلوا لتلك القاعة التي سيتم بها عقد القران، فأطلقت زوجة أبيها الزغاريد بصوت صادح، مما جعل ساقي سهى ترتخيان فجأة، كأنهما ستضعفان أمام حمل جسدها. وتلك الرجفة سكنت أوصالها من شعورها بالترقب، أو أنها مازالت غير واعية لما يحدث لها من موافقتها على الزواج من ذلك الوسيم، أو من أنها ستصبح زوجة لشاب حمل جزء من ماضيه بعض الشبهات التي تجعل أي فتاة بكامل قواها العقلية، تفكر ألف مرة قبل أن تقترن به.

تأملها عمرو لبضع لحظات ونظر لوالدها قائلاً بحماس: -يلا بينا يا عمي نكتب الكتاب. جلس عمرو على الطرف الآخر من تلك الأريكة العريضة، ومد يده ووضعها بيد والد سهى وما لبث أن شرع المأذون بعقد القران، الذي مر وقته عليها كأنه ثوانٍ معدودة، حتى قال المأذون جملته الشهيرة ومن ثم أدركت أنهما صارا زوجًا وزوجة.

أزدردت لعابها ما أن رأته يقف أمامها ويمد يده لها لكي تنهض من مقعدها، خشيت أن ترفع وجهها وتتمعن النظر به، حتى وإن كان يحق لها الآن أن تنظر إليه كيفما يشاء. بل أن ما حصلت عليه من مميزات بعد عقد قرانهما وذلك الحفل الذي على وشك أن يبدأ، لابد أن يصرف عنها خوفها وخجلها. إلا أنها لم يبدو عليها أنها ستعتاد بسهولة أمر أنه صار زوجها. ومما جعل حلقها يجف أكثر وتزداد مرارة الخوف به، تلك القبلة المتمهلة التي وضعها على مقدمة رأسها،

مما جعلها تغمض عينيها وهي تستشعر دفئه الوشيك منها وهما كادا يلتصقان. ولكنها امتنت لأبيها، إذ سمعت صوته مهنئًا لهما، فأسرعت في الارتماء بين ذراعيه وعيناها دامعتان، كأنها بالدقيقة التالية سترجوه بأن يصطحبها معه للمنزل، لكي تعود لغرفتها القديمة خشية أن لا تعتاد المكوث في بيت زوجها.

أنفض المشهد العاطفي بين العروس وعائلتها، بأن بدأ حفل الزفاف ولم تجد مفر من أداء الرقصة الأولى لهما. والتي بدت وكأنهما مغرمان ببعضهما البعض منذ علم كل منهما معنى أن يخفق القلب لأجل أحد بعينه. ولم تنكر أنها استمتعت كثيرًا بتملكه الظاهر للعيان من إحكام ساعديه حولها يلصقها به ويضمها إليه أكثر فأكثر كلما وقع بصره على ابن عمها الواقف بجوار أبيها ويتابعهما بصمت مطبق وملامح خالية من مظاهر الفرح. فهمست له بتوتر:

-عمرو كفاية كده. الناس بتبص علينا. ابتسم عمرو لها ومن ثم رمق ابن عمها بطرف عينيه قائلاً بلهجة المنتصر: -في إيه يا حبيبتي؟ النهاردة فرحنا وأنا استنيت اللحظة دي بقالي كتير.

لم يحيد بعينيه عن ابن عم زوجته، الذي رفض هو الآخر أن يشيح بوجهه عنهما، بل ظل يحدق في عمرو بتقييم، ليجد سببًا لتفضيل ابنة عمه له ورفضها للزواج منه هو. فابتسم فجأة بسخرية لعله يثير أعصاب عمرو، كأنه ينبئه أن لولا وسامته وماله، لن يجد فتاة تقبل به. وربما كان سيكون هو عريس تلك الليلة ويظفر بابنة عمه. فبعد انتهاء رقصتهما وجلوسهما، اقترب منهما مهنئًا بفظاظة:

-ألف مبروك يا عريس. عرفت تختار. بس يا ترى بنت عمي عرفت تختار ولا المظاهر زغللت عينيها خلتها متعرفش تشوف كويس. نظرت سهى حولها بارتباك من حديث ابن عمها الفظ، والذي لم تراه يومًا بتلك الحالة. بل كان دائمًا هادئ الطباع خلوقًا بحديثه، إلا أنه اليوم كأنه شخص آخر غير ذلك الذي اعتادت أن تراه.

سريان الدم الحار بعروق عمرو، جعله يشعر بأن هناك سيل عارم من السباب والإهانات قادمًا الآن من فمه وسيقصد أذني ابن عم زوجته. وربما تلك الليلة ستنتهي نهاية غير مستحبة لأحد غير ذلك الواقف أمامه يناظره ببرود، كأنه أخذ سهى منه عنوة. ترك عمرو مكانه، وقبض على ذراعه محاولاً أن يبتسم، لكي لا يثير ريبة أحد من المدعوين، فكز على أسنانه قائلاً بابتسامة صفراء: -أنا شايف إن إحنا محتاجين نتعرف على بعض ونتكلم شوية.

ما أن ابتعدا حتى جلسن بعض صديقات سهى بجوارها، وهذا ما جعلها لا تعلم أين ذهب زوجها برفقة ابن عمها، إذ كانت مشغولة بالتقاط الصور برفقة صديقاتها. ففي أحد أركان القاعة الفسيحة والتي عم بها الهدوء نسبيًا لانشغال الضيوف والمدعوين بفقرات الحفل، وقف عمرو قبالته قائلاً بسخط: -أنت عايز إيه بالظبط؟ وليه كلامك ده اللي ملوش أي لازمة. عقد حاتم ذراعيه أمام صدره قائلاً بحنق بالغ: -وأنا هعوز منك إيه؟

أنت اللي مش عارف طلعتلي منين وضحكت على عقل سهى. اشتريتها بفلوسك و..... رفع عمرو سبابته محذرًا من أن لا يزيد حرفًا آخر، فأجابه بسخرية: -وليه متقولش إن بنت عمي فضلتني عليك؟ وأنا لحد دلوقتي لسه فاكر لما أنت حبيت تفركش خطوبتنا يوم ما اتخطبنا وده اللي بتحاول تعمله دلوقتي. بس علشان خاطر سهى وباباها أنا هضطر أستحملك. فمتخلنيش أفقد أعصابي بسرعة أحسن لك يعني. ودلوقتي أنا بقيت جوز بنت عمك. فلازم تحترم نفسك.

ضحك حاتم بصوت عالٍ حتى دمعت عيناه، فتعجب عمرو واندش من رد فعله غير المبرر، خاصة أن الحديث بينهما لا يتضمن ما يستحق الضحك، بل حوى تهديدًا صريحًا من عمرو بأنه ربما يقدم على إيذائه إن لم يلتزم بالرابط الجديد بينه وبينهم. فأدنى حاتم برأسه من عمرو هامسًا بشماتة: -لو أنت بقيت جوز بنت عمي، فـ أنا بقيت جوز أمك. دي طلعت رخيصة أوي ومخدتش في إيدي غلوة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...