الفصل 29 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
15
كلمة
11,255
وقت القراءة
57 د
التقدم في الرواية 97%
حجم الخط: 18

لم يعلم كم استلزمه من وقت حتى يعيد التفكير فيما سمعه عبر الهاتف، فمنذ تلقيه ذلك النبأ الصادم من أن شقيق زوجته قد لقى حتفه في إيطاليا، وكأن أحدهم أصاب رأسه بضربة قوية من مطرقة، فأرتعشت يداه لا إرادياً، وعمل عقله على تصوير ذلك المشهد بعد أن تعلم حياء بخبر مقتل شقيقها ديفيد، فبدت عيناه السوداويتان فزعتين غائرتين وقد زاغت نظراتهما، وكان الوجوم يعكس نفسه بوضوح على وجهه، فقد كان يضبط أعصابه كي لا ينفجر غاضباً ويتهم ذلك

الرجل بأنه يكذب، وما يقوله ماهو إلا مزحة سمجة وثقيلة، ولكن ما أن استمرت المكالمة بينهما وظل حديث الرجل يدور حول كيفية وصول الجثمان للإسكندرية، ظلت الأفكار السيئة تراوده وترعبه حول رد فعل زوجته، فحتى بعدما أنهى المكالمة وخرج من مكتبه بسرعة ووصل لسيارته، تردد في قيادتها ليعود إلى المنزل، فزوجته لو حدث لها مكروه لا قدر الله، فهو لن يسامح نفسه طيلة حياته، من أنه حمل لها نبأ سيئ كهذا، لعلمه بمدى رقتها وهشاشتها حتى وإن

كانت بارعة في ممارسة صلابتها في أشد المواقف السيئة، ولكن حتماً نبأ كهذا سيحطم شيئاً بداخلها، فهو قد ذاق مرارة فقد الأخ من قبل عندما توفى شقيقه الأكبر وجدي.

"يارب استرها يارب"، تمتم بها راسل مراراً، فكان السير كثيفاً طيلة الطريق من المشفى للمنزل، وأكثر من مرة شعر برغبة عارمة لإطلاق صوته بالصراخ في وجه كل السائقين ورجال المرور، لكنه لم يفعل، فقد خيم الصمت عليه وكأنه سارحاً في أفكار عميقة بعيدة، فلا شيء يقال الآن، مجرد الانتظار والترقب حتى يصل إلى البيت.

وما أن وصل إلى المنزل وتوقف بسيارته أمام الباب الداخلي، خشي أن يترجل منها ويصبح وجهاً لوجه أمام حياء، فحتماً هي تنتظره الآن، ولكنه عاد إليها يحمل لها أخبار سيئة، ولا يعلم كيف سيطاوعه قلبه ولسانه أن يتفوه بتلك الكلمات التي لا شك ستحطم قلبها. "طب أعمل إيه أنا دلوقتي؟

"، غمغم راسل بقلق وحيرة، فخرج من السيارة وولج للداخل ولكن فكر أن يتحدث مع والده أولاً، لعله يكون قادراً على أن يسدي له نصيحة في التخفيف عن زوجته من أثر ذلك الخبر، فوصل لغرفة المعيشة ووجده يجلس مع أحد رجاله، ولكن ما أن رآه صرف الرجل وأشار لراسل بالجلوس خاصة بعدما قرأ تعبيرات وجهه المتجهمة. فأسند كفيه لعصاه وسأله بإهتمام: "مالك كده في إيه؟ جلس راسل على المقعد المقابل لوالده ورد قائلاً بعدما أزدرد لعابه:

"النهاردة جالي تليفون من السفارة المصرية في إيطاليا وبلغوني أن ديفيد أخو حياء مات وشكله ميت مقتول كمان وهيبعتوا الجثة بكرة على هنا علشان تدفن." صعق رياض من ذلك الخبر الذي ألقاه راسل في وجهه دفعة واحدة، دون محاولة منه في أن يمهد له الأمر، فرد قائلاً بصدمة: "إيه ديفيد مات مقتول! دا لو أخته عرفت هيجرالها حاجة، هتعمل إيه معاها؟ هز راسل كتفيه قائلاً بيأس:

"والله ما عارف أعمل إيه أو أقولها إزاي، دا حياء ممكن يجرالها حاجة وده اخوها برضو، أنا لسه فاكر لحد دلوقتي حالتها لما اتوفى باباها ومامتها اللي اتبنوها، كانت حالتها النفسية وحشة جدا، لدرجة إنها وقتها اتهمتني إن أنا شمتان فيها عشان كنت بعزيها وساعتها كانت مش بطيق تشوف وشي، هيبقى إيه الحال دلوقتي؟

وضع رياض يده على جبهته كأنه أصيب بالسقم فجأة، فراسل محق بكل كلمة تفوه بها ومحقاً أيضاً في مخاوفه من رد فعل زوجته، فحدق في وجهه ونقر بعصاه قائلاً بهدوء وروية: "متقولهاش إنت، سيبني أنا أقولها، ابعت حد من الشغالات يندهلها تيجي على هنا."

لم يتردد راسل في تنفيذ ما قاله أباه، فظل يرصد الخادمة وهي تصعد الدرج، كأن كل خطوة فاصلة بينها وبين زوجته، تجعل ترقبه ومخاوفه يتصاعدان حتى يكاد يشعر بالاختناق، فعاد لمجلس أبيه في غرفة المعيشة، وما هي إلا دقائق حتى وجدا حياء تلج الغرفة بابتسامتها المشرقة كعادتها. نظرت لزوجها أولاً وتساءلت: "إنت جيت من المستشفى أمتى؟ مقولتليش إنك هترجع بدري النهاردة يعني." لم يجد راسل الشجاعة أن يبتسم في وجهها، فأجابها وهو

يحاول ضبط أنفاسه المترقبة: "هو حصل حاجة خلتني رجعت بدري." راودها شعور بالقلق، ولكن ما أن أشار لها والد زوجها بالجلوس على المقعد القريب منه، أطاعته على الفور، فجلست وأنتظرت أن يتبرع أحد منهما في تفسير ما يحدث، ولم تدوم حريتها طويلاً إذ سمعت والد زوجها يقول برصانة كعادته:

"حياء يا بنتي أنتي مؤمنة بقضاء الله وقدره، والسبب اللي خلى جوزك رجع بدري من المستشفى، هو السبب اللي هقولك عليه دلوقتي بس أرجوكي حاولي تهدى وتشدي حيلك، البقاء لله في أخوكي ديفيد." انتفضت حياء ما أن سمعت عبارة والد زوجها الأخيرة، وغمغمت بصدمة: "إيه! ديفيد أخويا مات."

إلا أن قدميها لم تتحمل وقوفها المفاجئ فعادت وسقطت على مقعدها ثانية، وعيناها المتسعتان علقت بهما الدموع التي لم تجرؤ على كسر حاجز أجفانها، ولكن نظرت لزوجها لعله يقول شيئاً أو يخبرها أن ما سمعته لم يكن سوى ضرب من الجنون وأن شقيقها بخير وأنها هي من توهمت أنه لم يعد على قيد الحياة. على الفور اقترب منها زوجها وجثى على ركبتيه أمامها وهز ذراعيها بلطف لعلها تنطق بأي كلمة عوضاً عن تصنمها المقلق:

"حياء بلاش تعملي في نفسك كده، طب عيطي أو صرخي، حبيبتي ردي عليا."

ولكن لا من إجابة من تلك التي بدت كأنها صماء وبكماء، فها هي مخاوفه يراها على أرض الواقع، فزوجته كأنها فقدت النطق بعد عبارتها التي حملت الصدمة بين طيات حروفها، والتي خرجت من فمها بثقل كأنها لن تكون قادرة على قول أي كلمة أخرى، بل الوصف الأقرب والأدق لما يراه أنها أضحت كأنها فقدت الحياة وصارت تمثالاً حجرياً لم تدب به الروح إلا في عينان تذرفان الدموع دون توقف.

رأى رياض أنه من الأنسب أن يترك لهما الغرفة، خاصة أن رد فعلها بعدما تفيق من تلك الصدمة لن يصح أن يراها أحد بحالتها تلك إلا زوجها، فخرج من غرفة المعيشة وهو في نيته أن يرسل في طلب عاصم من أجل تلك الإجراءات الواجب اتباعها في الغد عند استلام جثمان ديفيد ودفنه وما يليه من أمور العزاء خاصة أن الجميع بات يعلم بشأن أنه أعلن إسلامه قبل وفاته. "حبيبتي ردي عليا."

نطق راسل باستجداء وعاد يهز ذراعيها لعلها تخرج من حالة البلادة التي جعلتها تكتفي بالتحديق في وجهه دون أن تنبس ببنت شفة. ولكنها لم تستطع التفوه سوى بعبارة حملت كل معاني الألم الذي يمكن أن يشعر به كل من يفقد عزيزاً: "أخويا مات، يعني اللي كان فاضلي من ريحة أهلي راح خلاص هو كمان."

هو خير من يعلم مدى الشعور بالألم والشقاء لفقد الأشقاء، فهو سبق له تلقي نبأ جعله يشعر بأن لا أحد على وجه الأرض لن يستطيع أخذ تلك المكانة التي تركها أو أن أحد سيستطيع محو تلك الندبة التي تركت أثراً مازال محفوراً على جدران قلبه، رغم أن من يراه يظنه صلباً صلداً بمشاعره تجاه الآخرين. رفع يده ومسح تلك الدمعة التي كادت تلحق بما سبقوها من دمعاتها الغزيرة، فقال بإشفاق على حالتها:

"ده أمر الله يا حياء والموت علينا حق، حاسس بوجعك دلوقتي، بس عارف كمان إنك مؤمنة وعارفة إن لا رد لقضاء الله، وديفيد... كف راسل عن الحديث عندما تذكر حديث الرجل معه عبر الهاتف وذكر أن ديفيد ترك رسالة من أجل زوجته، فسألها وهو مقطب جبينه يفكر في حيرة بشأن من تكون تلك زوجة ديفيد التي لا يعلمون عنها شيئاً: "حياء هو أخوكي اتجوز امتى؟ أو مين هي مراته دي عندك علم بالحكاية دي؟

رغم صدمتها بسماع خبر وفاة شقيقها، إلا ما أن سمعت سؤال زوجها حملقت في وجهه وقالت بدهشة: "ديفيد كان متجوز! أنا معرفش حاجة عن الموضوع ده، بس إنت عرفت إزاي؟ قصت عليه راسل ما ذكره ذلك الرجل من ترك ديفيد رسالتان على أقراص مدمجة احدهما خاصة بها والاخرى بزوجته، وأن تلك الرسائل ستصل في الغد أيضاً ترافق جثمانه المغدور. "اااااااه يا راسل، قلبي مبقاش قادر يتحمل كل اللي بيحصلي ده."

صاحت حياء ولم تكف عن ذرف الدموع، بل أنها سقطت جاثية على ركبتيها، بعدما نهض راسل من مكانه وأرادها أن تقف على قدميها، فهي لم تستطع تحمل كل تلك الأخبار الصادمة التي جاءتها تباعاً دون أن يمهلها الوقت في إدراك ما يحدث حولها. "بس يا حبيبتي اهدى يا حياء."

قالها راسل فور أن جلس بجوارها وأخذها بين ذراعيه، لعله يفلح في إنهاء ثورتها الباكية ألماً ونحيباً على رحيل شقيقها، فالليلة يبدو أنها لن تنتهي، وعليه أن يكون الداعم الأول لها حتى يمر الأمر والذي إذا حتى انتهى بدفن شقيقها فالحزن سيظل ساكناً في إحدى غرف القلب.

ففي اليوم التالي ظهراً، وصل ذلك التابوت الحامل للجثمان على متن تلك الطائرة القادمة من ايطاليا، وقف كل من راسل وحياء وعاصم ووالده الذي أصر على الحضور، وما أن أبصرت حياء ذلك التابوت الخشبي، حتى هرولت إليه وأنحنت عليه باكية بحرارة وقائلة بعتاب: "كده يا ديفيد تسيبني، تسيب أختك من غير أخ، ليه روحت ترمي نفسك في النار يا حبيبي، يا وجع قلبي عليك يا أخويا."

مزقت قلب زوجها ببكائها ونحيبها المتواصل، فأغرورقت عيناه بالدموع على حالتها التي لم يفلح في تسكينها سوى سويعات لتعاود وتبكي من جديد، فأقترب منها وجذبها إليه لتترك الرجال يحملون التابوت لوضعه في تلك السيارة التي ستحمله إلى المقابر الخاصة بعائلة النعماني، إذ أن حياء طلبت من والد زوجها أن تقوم بدفن شقيقها في المقابر الخاصة بالعائلة لعلها تشعر بأنه مازال قريباً منها.

أقترب أحد الرجلان المرافقان للتابوت وناول حياء الظرف قائلاً بتهذيب: "ده الظرف اللي سابه عشان حضرتك." أخذته منه حياء وفتحت لعل هناك أمراً أوصى به ديفيد قبل رحيله، ففتحت الرسالة الورقية وما أن علمت فحواها حتى شعرت برجفة اجتاحتها، إذ علمت من خلالها أن زوجته ماهي إلا ابنة إمام المسجد وشقيقة بلال، وتم توصيتها بأن تخبرها إذا حدث له مكروه وأن أباها هو من يؤدي صلاة جنازته، وأوصاها أيضاً بأن تعتني بها.

رفعت حياء عينيها عن الرسالة ونظرت لزوجها وقالت بصدمة: "ديفيد كان متجوز ياسمين بنت إمام المسجد وأخت بلال، إزاي ده حصل؟ ظل الرجال الثلاثة ينظرون لبعضهم البعض لا يفقهون شيئاً مما قالته حياء، إلا ما أن طلبت من والد زوجها تأخير دفن شقيقها لحين مجيء زوجته ووالدها، وافقها بل حثها على أن تذهب هي وزوجها لمنزل إمام المسجد ليعلموا حقيقة الأمر.

أخذ راسل زوجته معه في سيارته وقادها ليصل إلى منزل والد زوجة ديفيد، وطوال الطريق كانت حياء تحدق في رسالة شقيقها ديفيد وهي متخذة الصمت ملاذها، فلا شيء يقال يمكن أن يصف حالتها في ذلك الوقت، لذلك من الأفضل لها أن تظل صامتة. وما أن وصل راسل بسيارته أمام منزل الإمام، نادها برفق لتخرج من السيارة، فدلفا للداخل وطرقت حياء الباب وفتحت لها زوجة الإمام قائلة ببشاشة: "أهلاً بيكي يا حبيبتي اتفضلوا."

ولجت حياء وتبعها زوجها، فتعجبت زوجة الإمام من زيارتهما المفاجئة خاصة أن حياء تبدو بحالة مزرية من أثر البكاء وتلك الثياب السوداء التي ترتديها، فرمقتهما بقلق وتساءلت: "مالك يا بنتي خير، انتي كنتي بتعيطي ليه كده، كفى الله الشر." ابتلعت حياء تلك الغصة الناتجة عن بكائها وتساءلت بصوتها الخافت: "هي فين ياسمين؟ كنت عايزاها هي وباباها."

دون أن تخوض زوجة الإمام في أسباب مطلبها لرؤية ابنتها وزوجها، ذهبت لغرفة ياسمين التي كانت تجلس برفقة أبيها وشقيقها بلال يتناقشون حول ما يمكن أن تفعله بشأن إثبات حقوق طفلها من والده، خاصة أن الأمر في غاية التعقيد، فأخبرتهما بأن حياء تريدها هي وأباها سوياً، ورغم دهشتهم مما سمعاه إلا أنهما خرجوا من الغرفة. أقتربت حياء من ياسمين على مهل وأخذت يديها بين كفيها وقالت بدموع:

"انتي فعلاً كنتي متجوزة ديفيد أخويا، أنا مكنتش أعرف، وهو مقاليش على حاجة، أنا اتفاجئت النهاردة بأنك مراته ومش عارفة ده حصل إزاي." شهقوا جميعهم مما سمعوه منها، فأقترب منها والد ياسمين قليلاً متسائلاً بدهشة: "ديفيد أخوكي إزاي يعني؟

تركت حياء يديّ ياسمين ومسحت وجنتيها بمحرمة ورقية ومن ثم بدأت في إخبارهم الحقيقة كاملة من أن ديفيد شقيقها، فهي سبق وأخبرت الإمام بأنها فتاة متبناة ولكنها لم تكن تعلم من هم والديها الحقيقيين، وأنها تعرفت إلى شقيقها ديفيد بعد زواجها، ولكنه لم يخبرها بشأن ياسمين أو أنه تزوجها، لذلك كان أمر اكتشافها لزواجهما صادماً لها. ارتفعا حاجبي بلال بتعبير الصدمة والدهشة وتمتم قائلاً وهو في حالة أقرب للذهول:

"معقولة اللي بتقوليه ده، يعني انتي وديفيد أخوات، يعني انتي من أصول يهودية يا مدام حياء؟ رغم أن الموقف لا يحتمل النقاش إلا أنها أجابته بخفوت: "أيوة أنا اخته شقيقته بس بابا وماما الحقيقيين ماتوا مسلمين اعلنوا إسلامهم قبل ما يموتوا، يعني لو كانوا عاشوا كنت هبقى أنا وديفيد مسلمين برضه، وحتى هو أعلن إسلامه من فترة أنا كنت معاه وقتها يعني هو كان مسلم، بس كان لسه في البداية." ابتلعت ياسمين لعابها وسألتها بحذر:

"هو فين ديفيد؟ عادت حياء ببصرها إليها وأجهشت بالبكاء ومن ثم قالت بنبرة صوتها التعيسة: "ديفيد مات." ضعفت ساقيها أمام حملها فأرتدت بخطواتها للخلف مأذنة بسقوطها الحتمي، لولا أن أبيها أسرع في إسنادها قبل أن يختل توازنها وتسقط أرضاً، فنظرت في وجه أبيها وهي مشدوهة مما سمعته، فقالت بشعور عارم بالصدمة: "ديفيد مات يا بابا، وأنا السبب." اندهش الجميع من قولها، فما الذي تهذى به؟

ولما تلقى على عاتقها موت زوجها، ولكن لا أحد من الواقفين يعلم أنه ربما بعد ما حدث بينهما فضل الاختفاء من حياتها حتى ولو كان سيلقى بنفسه وسط النيران وهذا ما كان، فها هي تتلقى خبر وفاته بعد مرور عدة أيام من فراقهما. قالت حياء بشفقة: "ليه بتقولي إنك السبب، ده قدره اللي ربنا كتبهوله."

أشفق عليها الجميع ظناً أن حالتها تلك ما هي إلا نتيجة لشعورها بالصدمة من تلقي خبر وفاة زوجها الذي لم يدم زواجهما سوى ليلة فعلية وأكثر من شهر وهما متخاصمان، أو بالأحرى هي من كانت رافضة اقترابه أو أن ترى له وجه، فهي علمت الآن مدلول عبارة وداعه من أنه سيفتقدها كثيراً.

جلست حياء وزوجها مع بلال وأبيه ليعلموا سر تلك الزيجة التي أخفاها عنها ديفيد، لحين انتهاء ياسمين ووالدتها من ارتداء ثياب الحداد السوداء، وعلمت حياء حقيقة الأمر منهما واستطاعت فهم أسباب امتناع شقيقها عن إخبارها من تكون زوجته، فزفرت بقوة لعلها تتخلص من ذلك الشعور الذي سحق قلبها من أنها بعد دقائق ستودع شقيقها الوداع الأخير قبل أن يصبح ذكرى حية بداخل قلبها وعقلها. فبعد خمسة عشر دقيقة كان راسل يصطحب أسرة ياسمين معه في السيارة لتنفيذ وصية ديفيد بأن يؤدي والدها صلاة الجنازة، وياسمين لها الحق في أن ترى زوجها للمرة الأخيرة قبل أن يواريه الثرى.

وما أن وصلوا لذلك المسجد الكبير الذي انتظر به رياض وعاصم ورجالهم في انتظار عودتهم، ولج كل من والد ياسمين وشقيقها وراسل المسجد في الطابق الأول، وجدوا عدد من الرجال في انتظار تأدية صلاة الجنازة، بينما ذهبت النسوة للطابق الثاني الخاص بالنساء.

بدأ الإمام بتأدية صلاة الجنازة ورغم عنه بكى بكاءً شديدًا ولم يعلم لمن يبكي، أيبكي من أجل زوج ابنته المغدور وهو مازال شاباً، أم ابنته التي حملت لقب أرملة وهي التي لم تتزوج إلا من مدة قصيرة وها هي الآن تحمل في أحشائها ثمرة هذا الزواج، وبعد الانتهاء تم حمل الجثمان للخروج من المسجد ومنه إلى المقابر. خرجت بيرى من سيارتها وأقتربت من حياء تحتضنها وبكت بكاءً مريراً من أجل ابن عمها، فقالت بغصة:

"معقولة يا حياء، ديفيد خلاص مبقاش موجود معانا." ربتت حياء على ظهرها وقالت بثبات رغم انهيارها الداخلي: "ده أمر الله يا بيرى، الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته."

نظرت حياء خلف بيرى وجدت مارجريت، فهي البارحة أخبرتها بمكان دفن ديفيد، ولم تكن تريد لمارجريت الحضور، فربما ستتشدد في الرفض بأن يقوموا بدفن شقيقها في مقابر غير تلك المقابر المملوكة لعائلتها الحقيقية، وهذا ما كان إذ أقتربت من ياسمين التي ترجلت من إحدى السيارات ولم تمهلها فرصة لالتقاط أنفاسها، فقبضت على ذراعها بقسوة وهزتها بعنف رغم وهن عظامها وقالت بحقد:

"انتي السبب في ده كله، لولا عشقك الملعون ما كانش ديفيد مات، هو مات بسببك انتي، أيوه بسببك انتي." تألمت ياسمين من قبضة مارجريت على ذراعها وعادت تبكي إلا أن حياء حاولت أن تفض النقاش الحاد من مارجريت حتى لا تثير البلبلة خاصة في مكان كهذا، فناشدت مارجريت بصوتها المتعب: "أرجوكي يا مارجريت ده مش وقته، وهي ذنبها إيه، ده نصيبه." رمقتها مارجريت بامتعاض وصاحت في وجهها غير عابئة بما سيحدث:

"أخوكي مات بسببها هي، ياس من حياته بسبب كرهها ليه، وراح جري ورا الموت عشان بس يخلص من حياته."

بدأ المشيعين يتهامسون حول ما يحدث، فتكفلت بيرى بحل الأمر وأخذت مارجريت إلى سيارتها، لحين انتهاء الدفن، ولا تدري حياء كم من وقت استغرقهم في دفن جثمان شقيقها، إذ عادت تنتحب على صدر زوجها، الذي منعها من الاقتراب أثناء وضع ديفيد بالقبر، وبعد الانتهاء انصرف المشيعين وظل الأقارب فقط، وظلت ياسمين تحدق في القبر وعينيها متسعتان حتى أنها غير قادرة على البكاء.

لمست حياء ذراع ياسمين لتنتبه عليها ومن ثم مدت يدها لها بالقرص المدمج الحامل لرسالة ديفيد الخاصة بها، فقالت وهي تطرق برأسها أرضاً لتخفي دموعها: "ده كان ديفيد مسجلك عليه رسالة صوت وصورة، ومكتوب في رسالته إن اسلمهولك، خديه يا ياسمين."

أخذته منها بيد تملكتها الرجفة التي لم تعد تسيطر عليها بل اجتاحت جسدها بالكامل، فنصحتها حياء بالعودة هو وأسرتها إلى المنزل لحين أن يأتي المساء من أجل إقامة العزاء في أحد القاعات الخاصة بذلك.

وما أن عادت حياء مع زوجها للبيت لتنال قسط من الراحة، صعدت لغرفتها وبحثت عن حاسوبها لتعلم فحوى تلك الرسالة التي تركها لها ديفيد، فبعد وضعها للقرص المدمج في مكانه داخل الحاسوب، ثواني ورأت شقيقها كأنه جالس أمامها، فبكت وظلت شهقاتها تعلو شيئاً فشيئاً. انحنى راسل إليها قائلاً برجاء: "حياء لو مش قادرة تشوفي الفيديو بلاش دلوقتي يا حبيبتي." هزت رأسها رافضة وأصرت على أن تسمع ما جاء به، فعادت تستمع لما يقوله شقيقها، فوجدته

يقول وهو يحاول أن يبتسم:

"حياء يا حبيبتي، عارف إنك دلوقتي ممكن تكوني زعلانة مني، بس سامحيني يا حبيبتي، عارف إن قلبك طيب وبيسامح، وصدقيني كانت احلى حاجة حصلت في حياتي إن لقيتك وعشت معاكي إحساس الأخ وأخته وإن إزاي يبقى في حد بيحبني وخايف على مصلحتي وده شوفته فيكي، تقريباً يا حياء انتي الوحيدة اللي حسيت بالحب منها حتى لو كان حب الأخوة، فعايزك لو مت تدعيلي ربنا يسامحني وخلي بالك من نفسك ومن ياسمين واللي في بطنها، واللي مقدرتيش تعمليه معايا

اعمليه مع بنتي أو ابني عايزاه يعيش ويكبر زي ما انتي كنتي عايزاني أعيش، عارف إن غلطت كتير، بس انتوا بتقولوا ربنا رحيم وبيسامح، فأنا نفسي يسامحني، فادعيلي أنه يسامحني، ومش عايزك تبقي زعلانة مني ولا تزعلي عليا، خليكي دايماً قوية زي ما اتعودتي تبقي قوية، وخلي بالك من نفسك."

عند الجملة الأخيرة وأنتهى مقطع الفيديو، فأنخرطت حياء في بكاء مرير وأسرع راسل إليها وجعل من كتفه ملجأ وملاذ لرأسها المنهك بأفكار وأحداث يعلم أنها ستترك أثراً بها إلى الأبد.

في منزل أسرة ياسمين وبعد عودتهم من المقابر، ذهبت إلى غرفتها لمشاهدة رسالة زوجها، ولكن تبعها والديها وشقيقها ليعلموا ماذا كان يريد أن يقول لها، ومن جهة أخرى يقدمون لها الدعم إذا كانت في حاجة إليه، فوضعت ياسمين القرص المدمج في الحاسوب الموضوع على مكتبها وجلسوا جميعهم في أماكن متفرقة بالغرفة.

وما أن رأت ياسمين وجه زوجها، وضعت يديها تلقائياً على عنقها لشعورها المميت بتلك الغصة التي سدت عليها مجرى الهواء، وكم بدت صورته في تلك اللحظة شاحبة مرهقة، كأنه لم ينال من الراحة ما يجعله يبدو في حال أفضل وقت تسجيل تلك الرسالة والتي صارت الذكرى الأخيرة منه، فأرهفوا سمعهم وبدأ صوت ديفيد يرن في آذانهم وهو يقول بنبرة صوت طغى عليها الشعور باليأس:

"ياسمين حبيبتي، اللي مكنش ليا الحظ في إن أعيش معاها قصة الحب اللي كنت بحلم بيها، بس أنا مش بلومك، أنا بلوم نفسي على إن أنا اللي ضحكت على نفسي وافتكرت إن أقدر أعيش حياة مزيفة، بس صدقيني كان نفسي تكوني ليا طوق النجاة من اللي كنت فيه، وصدقيني يوم فرحنا لما خلتيني أصلي وساعتها قولتلك إن خوفت، كان خوفي وقتها إن يكون وقت التوبة عدى وفات، أنا فعلاً أسلمت بس كنت مستني الفرصة اللي آخد فيها تارى من اللي كانوا السبب في موت أهلي

واخواتي، أنا يا ياسمين مكنتش زعيم مافيا ولا بتاجر في السلاح بمزاجي، هم غصبوا عليا اشتغل معاهم وهددوني لو ما اشتغلتش معاهم هيأذوا كل اللي بحبهم، فوافقت بس في نفس الوقت كرهي وانتقامي بقوا يزيدوا، بقيت كل ما أعمل صفقة ليهم، بعد ما أخلصها أبلغ عنها البوليس ويتقبض على الناس اللي أخدت السلاح بس أكون أنا خلصت دوري في تسليمي ليهم، هم شكوا في الموضوع وبعتوا واحد يراقبني ويراقب خطواتي، بس قدرت أخدعهم، جايز الجينات الوراثية

اللي عندي كان لسه شغالة، حتى عمك اللي كان السبب في إنه كشف حقيقتي قدامك وقدام أهلك، بعد ما عملت الصفقة معاه اتقبض عليه، بس وقتها قدرت أقنعهم إن السبب في القبض عليه إن البوليس بيدور عليه من زمان وتلاقيهم قدروا يلاقوه، أنا اللي كان بيحركنى النار اللي كانت جوايا، بسبب إن عاقبت ناس أبرياء على موت أهلي، فقولت لازم آخد حقهم من اللي عملوا فيهم وفيا كده، عارف إنك مقدرتيش تحبيني وشوفت في عينيكي نظرة الكره وده اللي خلاني أبعد

بالرغم من إني عارف إنك متخلصتيش من البيبي، جايز أول ما قولتيلي صدقت بس لما فكرت إن واحدة بتربيتك وتدينك مستحيل تفكر تقتل روح جواها، عشان كده خليتك ترجعي بيت أهلك لأن مكنش ينفع أفرض حبي عليكي وتفضلي كرهاني، نظرة الكره في عينيكي كانت بتقتلني كل ما أشوفك بتبصيلي كأن وحش، حتى لما طلبت منك إنك متسبنيش وأنا مستعد أكون شخص تاني كويس، انتي رفضتيني، فمكنش في مجال إن إحنا نستمر مع بعض، فلقيت إن أركز على إن آخد حقي، حتى فكرت إن

بعد اللي هعمله لو كنت عايش كنت هبعد عنك وأديكي حريتك، حتى لو حسيتي إن الأمانة اللي سبتهالك تقيلة عليكي أو لو مقدرتيش تحبي الطفل اللي هتخلفيه عشان هو ابني أنا، فخلي حياء أختي تاخده تربيه، وهي هتربيه أحسن تربية، ولو انتي احتفظتي بيه، أرجوكي يا ياسمين متبقاش تقولي له إني كنت إنسان وحش أو مش كويس، احكيله حكايات حلوة عني، عشان ميكبرش هو كمان ويكرهني، وعايز أقولك هتوحشيني أوي يا حبيبتي، وجايز الحاجة اللي مخلياني أفرح شوية

إن لو مت هشوف بابا وماما واخواتي، لأن من بعدهم ملقتش اللي يحبني إلا أختي حياء وكان نفسي انتي كمان تحبيني، بس الظاهر أمنيتي ده مش هتتحقق، سلام يا ياسمين."

انتهت الرسالة ولكن كأن سيل من الدموع تفجر داخل مقلتيها، حتى صار صوت نحيبها مسموعاً لدى الجالسين، الذين لم يمنعون دمعاتهم من أن تذرف لأجل ذلك الشاب الذي يبدو أنه كان في حاجة ماسة إلى المساعدة ولكن دفعه اليأس لأن يلقي بنفسه وسط النيران التي لم تخمد إلا بموته، ولكن تساءلت ياسمين في قرارة نفسها لمن تبكي ألزوجها تميم الذي جعلها لأول مرة تعلم ما هو الحب، أم ذلك المدعو ديفيد والذي جعلها تفيق من أحلامها على واقع مرير، وترك لها ذكرى تمثلت في جنين حاملة له ولا تعلم بما تخبره عندما تتوالى الأيام ويأتي الوقت ويسألها من هو أباه؟

وأين ذهب؟ ولكن شعور قوي لم تستطع إنكاره أو التخلص منه بأنها ربما مذنب مثله تماماً، فلم لم تسمع له وأخذت بيده من ذلك العالم القمئ والمظلم الذي كان يحيا به، لم أخذها الكبرياء كأنثى شعرت بالخداع وظلت على عنادها حتى تركها، حتى وإن كان الآن راقداً تحت الثرى، فهو قد انتصر عليها، إذ سيتركها تعاني من تأنيب ضميرها بأنها تركته منغمساً في ذلك العالم، الذي أودى بحياته في الأخير ولم تفكر في أن تمد له يد العون أو المساعدة.

مرت الأيام وظل الجميع على حالهم، يقضون يومهم تاركين التفكير فيما سيحدث في الغد إلى أن يحين وقته.

عزف آدم مقطوعة موسيقية كسبيل للترويح عن نفسه، خاصة أن بعد سفر عماد وساندرا وهو يشعر بوحدة قاتلة بدونه، وتلك الحالة من الحزن التي خيمت على المنزل بعد فقدان حياء لشقيقها، جعلت الجميع يشعرون بالحزن من أجلها، لذلك أول ما لجأ إليه لنسيان ما يعتريه من فتور وملل وحزن هو أن يعزف الموسيقى، وطوال عزفه كان يشعر بأن تلك الفتاة التي رآها مرة وما زال متذكراً إياها كأنها تجلس معه في الغرفة، فتاة يصعب نسيانها بسهولة، فتلك الغرفة

أصبح يتخذها ملاذاً له بعيداً عن روائح الغرام التي كانت تفوح من غرف ذلك القصر، ففي هذه الغرفة يستطيع أن يكون على سجيته لينسج أحلاماً بفتاة ربما لن يلتقي بها مرة أخرى، فنظر آدم إلى صورته المنعكسة في المرآة، وبدا له كأنه ينظر لشبح يشبهه وليس ذلك الشاب الذي حفلت حياته بالموسيقى والغناء والفتيات، وها هو جالساً وحيداً إذ أنه لن يكون من المقبول لدى تلك العائلة أن يظل مغنياً، ورغم أن لا أحد تحدث معه بهذا الأمر، إلا أنه فطن

إليه منذ أن سلمه والده مهام العمل وتحول من شاب مرح يقضي معظم أوقاته في الملاهي الليلية والحانات، إلى رجل مسئول عن إدارة مجموعة من الشركات، فتوقف عن عزف الموسيقى بهدوء وترك الجيتار ومن ثم فكر في الخروج من المنزل ولا يعلم إلى أين يذهب في هذا الوقت المتأخر من الليل، ولكنه لم يفكر طويلاً إذ ذهب لتبديل ثيابه.

"طب أنا هروح فين دلوقتي؟

طرح ذلك السؤال على نفسه ما أن وصل لسيارته المصفوفة في المرآب الكبير ولكنه لم يتردد في قيادتها ليخرج من البيت، وما أن وصل للشارع ظل يقودها على غير هدى لا يعلم له وجهة محددة ليصل إليها، ولكن جذب أنظاره أضواء مقهى صاخب ربما رواده من الشباب والمراهقين، فصف السيارة وخرج منها ومن ثم ولج للداخل، وتحققت ظنونه من أن من يرتاد هذا المقهى مجموعة من الشباب والمراهقين الذين ربما تسللوا لخارج منازلهم من أجل قضاء وقت ممتع برفقة أصدقائهم.

جلس آدم على مقعد طويل حول طاولة مستديرة، وما أن جاءه النادل ليسأله عما يريده، فكر في البداية احتساء تلك المشروبات الكحولية التي كان معتادًا عليها قبل مجيئه للإسكندرية، ولكنه عدل عن الأمر وطلب منه أن يأتي له بمشروب من مخلوط الفواكهة الطازجة، وما أن أتى له النادل بما أراده هتف آدم قائلاً بلطافة: "شكراً."

ما كاد يبدأ في احتساء مشروبه حتى سمع صوت صيحات لمجموعة من الشباب والبنات ويبدو عليهم أنهم يحتفلون بمناسبة خاصة أو ربما يلعبون، فصاح شاب قائلاً بصوت مرح: "يلا بقى يا ليليان ده دورك وهنحكم عليكي أنك تغنيلنا أغنية." رفعت تلك المدعوة ليليان ذراعيها كأنها بصدد تحية الجمهور الغفير حولها، ومن ثم قالت ضاحكة: "أصدقائي الأعزاء لو أنا غنيت وخلصت أتمنى صاحب الكافيه ميرمناش برا أو يطلبلنا البوليس."

ما أن أمعن آدم النظر في وجه تلك الفتاة، حتى سقطت يداه بجوار الكوب على الطاولة، لا يصدق أنه عاد ورآها مرة أخرى، تلك الفتاة التي أطلق عليها "فتاة البروفة"، ولكن هذا ما لم يشعره بالصدمة والدهشة فقط، بل ما ترتديه من ثياب لا تمت بصلة لتلك الثياب التي رآها بها أول مرة، إذ أن بنطالها الجينز الضيق ملتصق بها على الرغم من أنها نحيلة القوام، وترتدي بلوزة بدون أكمام تاركة ذراعيها عاريين، وشعرها الأسود تلملمه بجديلة وضعتها على أحد كتفيها.

فغمغم آدم بإندهاش وما زالت علامات الصدمة متجلية على قسمات وجهه: "معقولة هي دي البنت اللي شوفتها، ولا أنا اللي بقيت أتخيل كل بنت أشوفها إنها هي."

بدأت ليليان بالعزف على الجيتار الذي ناولها إياه أحد أصدقائها، ومن ثم عم الصمت والسكون في المقهى وبدأت الغناء، وارتفعا حاجبي آدم بدهشة إذ أنها انتقت أحد أغانيه الشهيرة والتي لقت رواجاً واسعاً عندما غناها أول مرة، ولم يكن يعلم أنه ما زال صدى تلك الأغنية يتردد بين الجماهير وخاصة العرب. "صوتها حلو وهي جميلة."

أسند آدم مرفقه للطاولة وأسند ذقنه لكفه المضموم وهو يستمع إليها بإنتباه، وظل يحرك رأسه إعجاباً بمهارتها في الغناء وأثنى عليها بقراره نفسه من أنها حقاً ماهرة ولديها موهبة رائعة في الغناء.

انتهت ليليان من العزف والغناء وأنهال عليها أصدقاؤها بالثناء وظلوا يصفقون إعراباً لها عن مدى استمتاعهم بغناءها وعزفها، فوضعت الجيتار من يدها ورغبت في الذهاب للمرحاض، ولكن أثناء سيرها اصطدمت بذراع آدم وهو جالساً ولكن ما أن نظرت في وجهه عرفته على الفور. فصاحت بدهشة وعدم تصديق لما تراه: "معقولة إنت! لم تكتف بعبارتها القصيرة، إذ التفتت خلفها وصاحت منادية لأصدقائها: "تعالوا تعالوا شوفوا مين هنا في الكافيه."

ظل آدم ينظر حوله وهو يرى الجميع ينظرون إليه كأنها قامت بضبط مجرم تبحث عنه الشرطة، فالنظرات تحمل ألف سؤال وتخيل لصياح تلك الفتاة معلنة عن أنها وجدته. وما أن وصل إليها أصدقاؤها، راحوا جميعهم يسألونها عما وجدته، فأشارت بيدها لأدم وقالت كأنها أحرزت نصراً: "انتوا مش عارفين مين ده، ده آدم جوزيف اللي كنت بغني أغنية ليه من شوية." قال أحد أصدقاؤها كأن ما تقوله ما هو إلا محض وهم منها:

"شكل دماغك لسعت من كتر ما بتحبي أغاني المطرب ده، سلامة عقلك، هو إيه اللي هيخليه يجي هنا وهو أساساً عايش في فرنسا." فتحت عينيها وأغلقتهم عدة مرات، لكي تتأكد أنها لم تتوهم أنه هو مطربها المفضل، ولكن وجدت صديقتها تجذب ذراعها وتنظر لأدم نظرة عابرة قائلة بإعتذار: "إحنا آسفين يا أستاذ هي كده ساعات بتتخيل وبتتوهم."

لا يعلم آدم لما أشفق عليها من أقوال أصدقائها وهم يتهمونها بأنها تتوهم أشياء لا وجود لها، ورغم أن ليس في صالحه أن يعلم أحد بشأن أنه هو المطرب الشهير، إلا أنه وضع حداً لسخرية أصدقائها منها، فقال آدم وهو ينظر في وجوههم تباعاً: "بس أنا فعلاً آدم جوزيف المغني." ضحك شاب من الواقفين ووكز صديقه قائلاً بسخرية: "شكله آدم جوزيف النسخة العربي، هما مش بيقولوا المطرب ده فرنسي."

يبدو أن تصريحه بهويته الحقيقية لن يجدي نفعاً مع هؤلاء الحمقى، فعاد يحتسي مشروبه بعد أن دعا ليليان أن تجلس برفقته، فقبلت دعوته على الفور، وأشارت لأصدقائها بأن يعودوا لأماكنهم. ابتسمت على نحو مفاجئ قائلة وعيناها تتفرس في وجهه، كأنها لا تصدق أنها حقاً قابلته وجهاً لوجه: "أنا عارفة إنهم مش مصدقين إنك آدم جوزيف، بس أنا مصدقة، لأن أنا حافظة كل أغنية من أغانيّ، حتى لما كنت في فرنسا مرة حضرت حفلة ليك."

عندما أراد سؤالها عن سبب عدم معرفتها له أول مرة قابلها بها، سمع صوت هاتفه ووجد رقم والده، ففتح الهاتف على الفور، وقال وهو ما زال ينظر لتلك الفتاة التي يبدو عليها كأنها رأت شيئاً أعجبها: "أيوة بابا في إيه؟ قال عاصم وبدا في نبرته شعور بالقلق: "آدم أنت فين أنا مش لاقيك في البيت روحت فين كده." ترك آدم مقعده وابتعد قليلاً عن الطاولة متسائلاً باهتمام: "في إيه بابا؟ مال صوتك كده؟ أجابه والده قائلاً بإرهاق:

"غزل في المستشفى بتولد بس الولادة صعبة شوية وهي تعبانة، وأنا دورت عليك ملقتكش فقولت أتصل أشوفك فين، إحنا هنا في مستشفى راسل." "تمام بابا جاي حالاً."

نطق آدم بعبارته وهو يأخذ مفتاح سيارته واعتذر من الفتاة وهرول بسرعة حتى خرج من المقهى ووصل إلى سيارته التي قادها حتى وصل لمشفى راسل، ومن ثم ركض للداخل حتى وصل إلى حيث ينتظر والده وعمته سوزانا وعمران ومعتصم وغابت حياء عن حضور ولادتها نظراً لسوء حالتها النفسية بعد موت شقيقها. فأقترب من أباه الذي جلس منحنياً واضعاً رأسه بين يديه ويشعر بالخوف على زوجته، ربت على كتفه وقال محاولاً أن يبتسم له بتشجيع:

"متقلقش بابا هي والبيبي هيبقوا كويسين." شد عاصم على يد آدم قائلاً بتمني: "يارب يا آدم يارب، الدكتورة بتقول الولادة صعبة وأنا خايف على غزل." ظل الترقب قائماً طوال الليل حتى وضعت غزل صغيرها في تمام الساعة السادسة صباحاً، ومثلما خرجت ميس حاملة ابن معتصم وولاء، خرجت حاملة لإبن خالها والذي يشبه والدته كثيراً، فوضعته بين ذراعيّ والده، الذي اغرورقت عيناه بالدموع، بل صارت نشيجاً ما أن سمح لها بأن تفر من بين أجفانه.

قبل الصغير ومن ثم رمق ولده الكبير قائلاً بحنان: "خد يا آدم ده أدهم أخوك مش هيبقى أخوك بس عايزك تبقى أخوه وأبوه كمان وتحبه وتخاف عليه." رق قلب آدم لقول والده، فأخذ منه الصغير، وظل يقبل وجنتيه وجبينه كأنه لا يصدق أن أباه منحه ذلك الامتياز بأن يساهم في تربية شقيقه، فقال وهو يبتسم: "هيبقى شاب وسيم."

ما أن انتهى جميع الحاضرين من تقبيل الصغير وتقديم عبارات التهنئة، أخذ عاصم الصغير وولج لتلك الغرفة التي ترقد بها زوجته، فوضعه بين ذراعيها قائلاً بحب: "حمد الله على السلامة يا حبيبتي، أنا كنت خايف عليكم أوي عليكي يا غزل." ضمت صغيرها إليها وقالت بوهن: "الحمد لله عدت على خير يا حبيبي."

اجتاحها شعور عارم بالحب والحنان تجاه صغيرها، ذلك الشعور الذي لا يعادله أو يوازيه شعور آخر، وما أن انقضت تلك الأيام القلائل التي أقامتها في المشفى نظراً لإرهاقها الناتج عن ولادة الصغير، عادت غزل إلى المنزل ووجدت حياء في انتظارها ورحبت بعودتها، بل أنها قامت بتزيين تلك الغرفة الخاصة به، تعبيراً عن سعادتها وعن اعتذارها لعدم تمكنها من حضور ولادته، ولكن غزل تفهمت حالتها النفسية، وشكرتها على ما فعلته من أجل الصغير، فأخذته

حياء منها وتفرست في وجهه الجميل وغامت عيناها بدموع الفرح والسرور من أجلها، وعادت تتمنى لو أن يهبها الله طفلاً يشبه قطعة الحلوى، كذلك الذي تحملها بين يديها، فابتهلت غزل لله بالدعاء أن يمن عليها هي الأخرى بالذرية الصالحة، فأعادت حياء الصغير إليها ومن ثم ذهبت لتوصي الخادمة بأن تعد لها الطعام، وما أن ولجت غزل لغرفتها اقترحت على زوجها أن يرجئ أمر إقامة حفل السبوع لصغيرهما بضعة أشهر مراعاة لشعور حياء والتي لم تتخلص بعد من

حدادها على شقيقها ديفيد، فوافق عاصم وفكر أن يقيم في وقتها حفلاً ضخماً من أجل الصغير، لعل ذلك الحفل يعيد السعادة للمنزل بعدما خيم الحزن على بعض ساكنيه نظراً لذلك الحدث المؤسف الذي حدث مؤخراً.

وقفت هند في غرفة نومها وراحت تتطلع من النافذة وهي تقضم أظافرها بلا وعي، فما أن بدأت بترك الفراش بعدما سمحت لها الطبيبة في أن تتنقل في الغرفة مثلما تريد مع بعض الحذر، لأنها أصبحت على وشك وضع طفلها، وهي لا تصدق أن أشهر حملها مرت بسرعة هكذا ولم يتبقى إلا القليل وترى صغيرها، فوقفت قريباً من النافذة لعلها ترى زوجها عائداً من الخارج، إذ أنه اليوم تأخر عن موعد عودته للمنزل أكثر من ساعتين، ولا يجيب على اتصالاتها، فأرادت أن

تصرف عقلها عن التفكير بأي شيء سيعكر من صفو مزاجها، فظلت تتأمل حديقة المنزل على أضواء الإنارة المنتشرة بها، فهذا المنزل ولدت ونشأت وترعرعت فيه، وها هي ستنجب طفلها هنا أيضاً، فدائماً ما كان لهذا المنزل مكانة خاصة لديها، خاصة حجراته الواسعة والمريحة، وتصميمه الجذاب، وما أن اكتفت من تذكر ماضيها منذ أن كانت طفلة صغيرة، تطلعت إلى نقوش الزهور المتناثرة في ثوبها، فابتسمت تلقائياً لأن من أهداها هذا الثوب هو زوجها كرم، كهدية

لها لبدءه العمل في تلك المدرسة التي اشتراها له والدها، فعادت إلى الفراش في تراخ بدون أن تحدوها الرغبة في أن تظل واقفة أمام النافذة، وجلست هند صامتة على الفراش والحيرة تتجاذبها، وتتساءل هل زوجها بخير أم حدث له شيء عرقل أمر عودته للمنزل؟

"إنت فين كل ده يا كرم؟ تساءلت في قرارة نفسها، محاولة إيجاد سبب لتأخره هكذا، ولكن في ذلك الوقت وصل إلى سمعها صوت والدتها وهي تضحك مع كرم آتياً من الطابق الأول، فوضعت يدها على صدرها وتنفست براحة، وما هي إلا لحظات حتى وجدته يلج الغرفة حاملاً العديد من الحقائب البلاستيكية. وضع ما بيده على الأريكة وأقترب منها يقدم لها اعتذاره عن عدم إجابته على اتصالاتها الهاتفية المتكررة، فقبل جبينها قائلاً بوداعة دائماً

ما تجعلها تغفر له: "آسف يا حبيبتي إن اتأخرت عليكي ومعرفتش أرد على التليفون." نظرت هند للحقائب الموضوعة على الأريكة ومن ثم عادت ببصرها إليه وتساءلت: "إيه الشنط دي كلها، وفيها إيه؟ خلع كرم عنه سترته الأنيقة ووضعها على طرف الفراش، ومن ثم بدأ بفتح الحقائب وأخرج منها ثياب للأطفال، وقعت هند في غرامها على الفور، وأبتهجت نفسها بأن زوجها أشترى كل هذا من أجل طفلهما القادم إليهما في وقت ليس بالبعيد. فأخذت أحد الأثواب

تتأمله قائلة بابتسامة حب: "الله يا كرم دي هدوم البيبي شكلها يجنن أنا حبيتها أوي أوي، تعيش وتشتري يا حبيبي." أهداها قبلة على وجنتها ورد باسمًا: "تسلميلي يا حبيبتي، بس مش ده بس اللي أخرني، في مفاجأة كمان."

اتسعت عينيها بحماس كبير في انتظاره أن يبوح لها بالمفاجأة الأخرى، فوجدته يخرج من الغرفة ونادى خالته، التي جاءت هي والخادمة التي حملت قالب حلوى تم الكتابة عليه "عيد زواج سعيد"، فشقت بسعادة فهي لم تكن تتذكر أن اليوم هو يوم ذكرى زواجهما. وضعت الخادمة قالب الحلوى من يدها وخرجت من الغرفة وانضم إليهم والد هند بعد عودته من عمله، ففتح ذراعيه وقال باسمًا:

"كل سنة وأنتم طيبين يا حبيبة بابا وعيد جواز سعيد عقبال احتفالكم بالسنة الـ 100." قبلت أباها وطوقته بذراعيها وهي دامعة العينين من فرط شعورها بالسعادة، ومن ثم نظرت لزوجها وهمست له "كل سنة واحنا مع بعض يا حبيبي".

قاما بتقطيع قالب الحلوى وبعد أن استحسنوا مذاقها الطيب، أخذ والدها والدتها وخرجا من الغرفة تاركين هند وكرم بمفردهما فالاحتفال خاص بهما كزوجين، وربما كل منهما في حاجة لأن يعرب عن سعادته لنصفه الآخر في تلك المناسبة السعيدة. "عيد جواز سعيد يا حبيبتي."

قالها كرم باسمًا وكم بدا جذاباً في تلك الثياب الأنيقة والثمينة التي أصبح يرتديها في الآونة الأخيرة، فهي من أوصت بشراءها من أجله معللة أنه الآن مديراً وصاحب مدرسة تعليمية لا يرتادها سوى أبناء صفوة المجتمع السكندري، لذلك لابد له من أن يكون على قدر كافٍ من الأناقة والمظهر الحسن، ولكنها أحياناً كثيرة تشتعل الغيرة بقلبها من علمها أن هناك نساء أخريات سيرونه بوسامته وأناقته ورماديتيه اللتان تسهمان في جعل قلبها يخفق بقوة ما أن يقع بصرها عليه، ولا ضمان لديها سوى علمها بأخلاقه الرفيعة وأنه ليس بالرجل الذي يستهوي رؤية النساء أو اصطحابهن.

أخذ من قالب الحلوى وقربته منه لتطعمه قائلة بنبرة صوتها الحنون: "وأنت طيب يا حبيبي وعيد جوازنا اللي جاي يبقى ابننا معانا إن شاء الله." بعد انتهاءهما من تناول الحلوى، ذهب كرم للمرحاض فسمعت هند صوت رنين هاتفه، فأخذته لتعلم من المتصل به في هذا الوقت، فوجدت رقماً دون اسم، ففتحت الهاتف قائلة بصوت هادئ: "ألو مين معايا؟ جاءتها الإجابة من صوت أنثوي جاد: "حضرتك مش ده تليفون مستر كرم؟ أجابتها هند قائلة بضيق بعد سماع صوتها:

"أيوة ده تليفونه وأنا مراته مين حضرتك؟ ردت السيدة قائلة بهدوء: "أنا ميس فريدة وكنت عايزة أكلمه بخصوص المشكلة اللي حصلت النهاردة بين اتنين من الطلبة، أنا ملقتوش في مكتبه فقولت أتصل عليه عشان نحل الموضوع لأن الولدين اللي اتخانقوا مع بعض كل واحد فيهم متوعد للتاني وشكلهم ناويين يعملوا مشاكل تاني." فكرت هند في حديثها ولا تعلم هل تقول الحقيقة أم أن ذلك لم يكن سوى حجة منها لتتحدث مع زوجها، إلا أنها حافظت على هدوئها

للأخير وردت قائلة بتجهم: "هو حضرتك دلوقتي مش جمب التليفون أنا هبلغه باللي قولتي وهخليه يكلمك." أنهت المكالمة وخرج كرم يجفف وجهه بالمنشفة، فبدأت هجومها مبكراً، إذ انتفضت من مكانها قائلة بغيرة عمياء: "هي مين ميس فريدة دي كمان اللي بتكلمك على تليفونك؟ وضع كرم المنشفة من يده وقطب حاجبيه قائلاً بدهشة طفيفة: "ميس فريدة! هي كلمتني على تليفوني دلوقتي؟

"أيوة وبتقول أنها بتكلمك عشان مشكلة الولدين اللي اتخانقوا مع بعض في المدرسة، حجج فارغة." قالت هند بتبرم واستياء وهي تعقد ذراعيها، بل أنها أشاحت بوجهها عنه. ضحك كرم بصوت عالٍ وهو يرى علامات ودلائل الغيرة على محياها، فامتعضت من كونه يضحك ولا يأخذ الأمر بجدية، فأقترب منها وقبض على كتفيها وهزها برفق قائلاً بلين:

"ملهاش لازمة غيرتك دي، ميس فريدة هي وكيلة المدرسة دا غير أنها ست عمرها معدى الخمسين سنة وأصغر أولادها في الكلية، يعني دي ست في سن أمي تقريباً يا ست الغيرانة." أدركت حماقتها وسوء ظنها، فابتلعت لعابها وحاولت أن تقول شيئاً، إلا أنه ضمها إليه مستطرداً: "مش عايزك في يوم تفكري إن أنا ممكن أبص لواحدة غيرك، ماشي يا هند." تنهدت وقالت باسمة: "عيزاك على طول تقولي الكلام الحلو ده."

ولكن قبل أن يفهم زوجها بكلمة لم تعد تستطيع الوقوف أكثر بدون أن تضع يديها على مكان الألم في ظهرها، والذي بدأت تشعر به منذ نهوضها من نومها ولكنها لم تعط الأمر أهمية كبيرة إذ أخبرتها الطبيبة أن ميعاد وضعها ربما بعد أسبوع أو أكثر. شعرت هند بالتعب أكثر وقالت بألم: "آه." كان كرم يراقب حركاتها فتقدم منها أكثر وأزاح يدها من على ظهرها وسألها بقلق: "مالك يا حبيبتي انتي تعبانة ولا إيه؟ هزت رأسها وتسارع تنفسها

قائلة وهي تنظر إليه: "أنا مش عارفة إيه الوجع ده بس شكلي كده هولد يا كرم."

شعر كرم بالجنون وهند شعرت برغبة قوية بالضحك وهي تراه يخرج من الغرفة ينادي خالته وزوجها وسرعان ما عاد إليها، فأجلسها على طرف الفراش لحين أن يأتي بتلك الحقيبة التي أعدتها مسبقاً من أجل إذا داهمها ألم المخاض في أي وقت، ولكنها زاد ألمها وراحت تأخذ تنفساً قصيراً عدة مرات لتخفيف الألم، ولكن شحب وجه كرم أكثر من وجهها ولكنها حاولت طمأنته بأن الأمر طبيعي، وما هي إلا دقائق حتى ذهبوا جميعهم إلى المشفى، ووضعت هند مولودها وشعرت بالفخر والارتياح وهي تتلمس وجنتيه المزهرة وتتلمس شعره القاتم.

رفعت رأسها ونظرت لزوجها وتمتمت بابتسامة واهنة ممازحة: "هو طالع شبهك ليه؟ المهم هنسميه إيه؟ إحنا مخترناش له اسم محدد." أجابها بلطف وقد انحنى يتطلع إلى الطفل قائلاً بسعادة: "هنسميه كريم، بس بجد هو شبهي؟ ربتت خالته على كتفه ودمعت عيناها وهي ترى حفيدها الأول: "ألف مبروك ويتربى في عزكم، حبيب قلب تيتة." أخذته من جوار هند ووضعت بين ذراعيّ زوجها، الذي لم يستطع منع دموعاته التي تجمعت في مقلتيه، فقبل جبين الصغير:

"حبيب جدو، حمد الله على السلامة يا حبيبة بابا، دا أنا هعمله سبوع إسكندرية كلها هتتكلم عنه."

طغى شعور عارم بالسعادة على وجوههم، ولم يكن بإمكان هند نكران شعورها الجميل بالأمومة عندما ضمت الرضيع إلى صدرها، وكان كرم يراقبها وعلى وجهه علائم الرضى، وبعد يومين بدأت هند تنهض وتسير، رغم أن كرم توقع أنها ستبقى في الفراش بضعة أيام أخرى، إلا أنه شعر بالطمأنينة ما أن رآها تسترد رونقها وبهاءها بعد تجربة الولادة التي حتماً أصابتها بالإنهاك والإرهاق، وبعد أسبوع كان منزل والدها يضج بالصخب احتفالاً بالصغير، وكانت هند وصغيرها

بحالة جيدة، وشعرت بالسعادة لوجود والدتها ومساعدتها لها، فهناك الكثير من متطلبات الرضيع، وهي ليس لديها الخبرة الكافية لاعتنائها به خاصة أنه طفلها الأول، وكان الأمر مضنياً بعض الشئ، خاصة أن الصغير يستيقظ في أوقات متأخرة من الليل ولا يدعها تنال راحتها إلا أوقات قليلة ولا تنام أكثر من ثلاث ساعات متواصلة، ولكن كرم لم يتردد في أن يقترح عليها توظيف مربية لمساعدتها، ولكن اشترطت هند أن تكون المربية امرأة كهلة فهي لن تغامر

ثانية في أن تجلب خادمة أو مربية ما زالت شابة، فيكفي ما حدث من تلك الخادمة، التي لولا أبيها لم تكن تعلم إلى أي مدى كان من الممكن أن يصل خطرها إليهما، وما أن حصل زوجها على موافقتها بحث عن مربية بتلك المواصفات التي وضعتها زوجته حتى وجدها في الأخير، وشعرت هند ببعض الراحة من أنها صارت بإمكانها النوم فترات أطول ورغم ذلك هي لا تدع طفلها يفارقها وكم من مرة ابتسمت على تبرم زوجها الواهي في أنها صارت تفضل الصغير عليه، ولكنها

كانت ماهرة وبارعة في أن تجعله يتيقن من أن حبها له لن يخف حتى لو امتلكا دزينة من الأطفال.

بعد بضعة أشهر من تلك الواقعة والتي تركت أثراً نفسياً عميقاً داخل قلبها، إذ لم يكن ديفيد فقط ابن عمها بل بمثابة شقيقها، كانت بيرى تهبط الدرج في تلك البناية المملوكة لعائلة زوجها، كانت الشمس تضئ تلك الأمسية، وكانت تعلم أنها تبدو جميلة وخاصة في ثوبها الطويل الأسود والذي حرصت أن يكون محتشماً لكي يخفي آثار حملها عن أقرب العيون، والتي بدأت في الظهور عليها في وقت مبكر كأنها تحمل العديد من الأجنة ولكن يبدو أن توأمها سيأتيان

بصحة وفيرة، نظرت للأسفل وجدت زوجها ينتظرها عند مقدمة الدرج، كان يبدو نحيفاً وجذاباً يرتدي سترة غامقة اللون، نظر إليها نظرة نافذة ومد يده لها بابتسامة، فوضعت يدها في كفه الدافئ وأكملت الباقي من الدرج، حتى صارت تقف قبالته، فمنذ ذلك اليوم الذي ذابت به الخلافات بينهما وهو عاد إليها ذلك العاشق الذي عرفته بماضيها، ولم يعد يدخر جهداً في أن يظهر لها حبه وتعلقه بها، وها هي تحمل ثمرة ليالي عشقهما، فبعد وفاة ديفيد عانت من حالة

نفسية سيئة أصابتها بالإعياء، لتكتشف بعد ذلك أنها حامل، وربما علمه بأنها ستصبح أم بعد بضعة أشهر، هذا ما خفف عنها حزنها العميق، فخرجا من البيت، وأشار عبد الرحمن لسيارة أجرة، رغم أن سيارتها مصفوفة أمام المنزل، ولكنه شدد أوامره لها بعدم قيادتها خاصة بحالتها تلك، فأعطى السائق عنوان عيادة الطبيبة، إذ أن اليوم هو يوم معاينتها الشهرية.

تطلعت إليه بنظراتها الدافئة والوديعة وقالت باسمة: "حبيبي بعد ما نخلص مشوار الدكتورة، هروح مع حياء نزور ياسمين عشان نطمن عليها." أماء عبد الرحمن برأسه موافقاً وقال بعدما أسر يدها بين كفه: "ماشي يا حبيبتي ولما ترجعي من مشوارك اتصلي عليا عشان عندي مشوار مع جوز أختي." بعدما تم الاتفاق بينهما على خططهما المسائية، ظلا يتحدثان لحين تنتهي المسافة من المنزل لعيادة الطبيبة، وما أن وصلا وترجلا من السيارة، قالت بيرى

بعفوية قبل أن تلج للداخل: "نفسي ييجي الوقت اللي أعرف نوع التوأم إيه، وأه لو يبقوا بنوتة وولد." ابتسم عبد الرحمن قائلاً بحب: "بس أنا عايزهم بنتين ويبقوا شبهك يا بيرى." ضيق عينيه ومن ثم قال مستطرداً: "بس مش عايزهم بأمور الجنان بتاعتك اللي خلتك فضحتيني في القاعة وقولتي إنك حامل مني عشان تبوظي الجوازة." وضعت بيرى شعرها خلف أذنها قائلة بزهو وفخر:

"دي أول حاجة هعلمهالهم إنهم ميسبوش حقهم، وأنت يا حبيبي كنت حقي إزاي كنت عايزني أتنازل عنك لواحدة تانية." مال عبد الرحمن برأسه إليها هامساً: "هو أنا النهاردة قولتك إني بحبك؟ هزت بيرى رأسها نفياً وقالت وهي تمط شفتيها ببراءة ممازحة: "لأ مقولتليش خالص يا أبو قلب قاسي." فغر عبد الرحمن فاه قائلاً وهو متصنعاً الدهشة: "يا خبر دا أنا فعلاً معنديش قلب." "شفت بقى."

نطقت بها بيرى وهي تحكم وضع يدها في يده ومن ثم ضحكا حتى تذكرا أنهما ما زالا أمام العيادة الطبية، ولكن ربما حديثهما اللطيف والودي أنساهما ما جاءا من أجله، وما أن تذكرا أكملوا طريقهما للداخل. "أهلاً بيكم اتفضلوا."

رحبت الطبيبة بقدومهما ومن ثم دعتها لأن تستلقى على سرير الفحص لتبدأ عملها بالأشعة التلفزيونية، وكلما تطلعت بيرى لتلك الشاشة والتي بدأت في عرض طفليها تبتسم وتنظر لزوجها الواقف بمكان ليس ببعيد ولكن بإمكانه رؤيتهما بوضوح. أنهت الطبيبة فحصها لها ونهضت بيرى تزيل آثار تلك المادة اللزجة التي تم وضعها لها من أجل إجراء الفحص، فقالت الطبيبة بابتسامتها البشوشة:

"كل شيء تمام يا مدام بيرى وأنا هكتبلك على فيتامينات عشان تساعدك مع نظام الأكل بتاعك وإن شاء الله الحمل يتم بخير وتقومي بالسلامة." جلست بيرى على المقعد قبالة زوجها وسألت الطبيبة بلهفة: "هو أمتى أعرف نوع التوأم إيه يا دكتورة؟ رأت الطبيبة لهفتها الواضحة، فردت قائلة بهدوء: "لسه شوية يا مدام بيرى على ما نعرف نوع الجنين، هو لسه الحمل في الشهور الأولانية، بس من خبرتي ممكن أقولك إنك حامل في توأم ولدين."

زادت ابتسامة بيرى اتساعاً بما قالته الطبيبة، رغم أنها كانت تريد صبي وفتاة ولكن طالما ستتحقق نصف أمنيتها، فهي ممتنة لذلك، فرمقت زوجها بابتسامة، بادلها بأخرى أشد حلاوة، على العلم أنه كان يتمنى أن يرزقه الله بفتاتين ولكن إذا كانت تلك إرادة الله فهو حامداً شاكراً لنعمته عليه.

خرجا من عيادة الطبيبة، فوجدت حياء في انتظارهما في الخارج جالسة في سيارتها، فاستأذن عبد الرحمن للذهاب وصعدت بيرى إلى السيارة التي قادتها حياء لتذهبا كالعادة إلى منزل ياسمين للإطمئنان عليها وتفقد أحوالها تنفيذاً لوصية ديفيد. انتبهت بيرى على شرود وصمت حياء، فربتت على ذراعها وسألتها باهتمام بالغ: "مالك يا حياء في إيه؟ حاولت حياء أن تبتسم إلا أنها لم تفلح في فعل ذلك، فردت قائلة بشفقة:

"النهاردة روحت أشوف مارجريت وأطمن عليها، لقيت حالتها صعبة وعمالة تخرف بكلام مفهمتش منه حاجة، الظاهر موت ديفيد أثر على عقلها، شكلها بقت محتاجة تروح مصح نفسي." قطبت بيرى حاجبيها وتساءلت: "كانت بتخرف بتقول إيه؟ ركزت حياء بصرها على الطريق وقالت بعدما مدت شفتيها: "أنا مفهمتش أوي معنى كلامها بس اللي فهمته إن في واحد عايزاه يرجع، وأن وقته خلاص جه، بس هو مين ويرجع منين مفهمتش حاجة خالص." قضمت بيرى ظفرها وقالت بعدم فهم:

"هو مين ده؟ بس جايز بتقول كده من صدمتها وأنها قصدها على ديفيد، هو موته وجعنا كلنا، وشكل مارجريت محتاجة دكتور فعلاً أنا هشوف الموضوع ده." ما أن وصلا لذلك الحي الواقع به منزل أسرة ياسمين، ترجلتا من السيارة وحملت حياء تلك الأشياء التي ابتاعتها من أجلها وأجل تلك الصغيرة حاملة لها في أحشائها، إذ علموا أنها حامل في فتاة، ولم يتبقى الكثير حتى تأتي إلى هذا العالم.

وما أن دقت الباب فتحت لهما والدة ياسمين ورحبت بقدومها ونادت ابنتها من غرفتها، فخرجت منها وذهبت لغرفة المعيشة وابتسمت لهما مرحبة بمجيء حياء وبيرى، فقالت وهي تشير لتلك الأغراض الموضوعة على المنضدة: "مكنش في داعي تتعبوا نفسكم كده وتجيبوا كل الحاجات دي." ردت حياء باسمة وقالت بحنان: "دي حاجة بسيطة يا ياسمين، عقبال ما تقومي بالسلامة إن شاء الله." قالت بيرى هي الأخرى باسمة:

"انتي بقيتي غالية عندنا ولسه كمان الصغنونة اللي جايه في السكة دي هتبقى حبيبة عماتها ريا وسكينة." أشارت بيرى لنفسها ولحياء، فرغم عنهن ضحكن لمزحتها، وجلبت لهن والدة ياسمين مشروبات مرطبة وظللن يتحدث عن أحوالها وعمل ياسمين كمهندسة ديكور، إذ بعد شهر من وفاة زوجها اقترح أباها أن تعود لعملها لعلها تجد شيئاً يلهيها عن التفكير وتأنيب ضميرها، ولكن نظراً لاقتراب موعد وضعها لطفلتها أخذت إجازة من عملها.

ولكن سمعن صوت جرس الباب وهن جالسات في غرفة المعيشة، فخرج أباها من غرفته ليرى من الطارق، ففتح الباب وجد رجلاً ذا شعر أسود حالك ويرتدي نظارة طبية ذات إطارات عريضة فقال بابتسامة بشوشة كعادته: "أيوة حضرتك خير." تساءل ذلك الزائر باحترام: "حضرتك ده بيت الباشمهندسة ياسمين مهندسة الديكور؟ رد والدها قائلاً بهدوء: "أيوة ده بيتها، تبقى مين حضرتك؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...