تعجب راسل من قولها ومطلبها الذي جاءه فجأة دون تمهيد مسبق منها بأنها على وشك مغادرة البلاد. لعلمه بأنه منذ اصطحابه لها هي وطفلها، هنا، وهي شعرت ببعض الراحة والأمان من أن يأتي اليوم وينفذ والد زوجها تهديده ويأخذ حفيده ولن يعود بإمكانها أن تراه ثانية.
لذلك، ما أن عرض عليها أمر ادعائه بأنها زوجته وأن تأتي معه إلى وطنه، وهي قبلت الأمر على الفور ولم تستطع الرفض. كون أنه هو من كان يعيلها هي وطفلها، بل ويساهم بدفع الأموال للمحامي الخاص بها. بل أنها ظنت في وقتها أن خروجها من كندا سيتيح لها الوقت الكافي للتفكير الجدي بشأن أن تفر بصغيرها إلى أي دولة أخرى حتى لا يعثر والد زوجها عليها. حتى أنها أخبرته بمخططها هذا.
ولكن هو من جعلها تتروى بتفكيرها وأنه سيحاول إيجاد حل لها دون محاولة منها في أن تلجأ إلى تلك الطرق الملتوية والتي لن تفيدها بشيء. بل ستكون ذات مردود غير مستحب وربما تقع في مأزق كبير بسبب تفكيرها هذا، والذي ربما نتج عن تخبطها وعدم استقرارها النفسي بعد مقتل زوجها.
فقبل أن تعاود حديثها وأن تعيد على مسامعه ما قالته، وجدت حياء تقترب منهما وعلى وجهها إمارات الدهشة والفضول لمعرفة سبب قدومها إلى زوجها أو ماذا تريد منه في ذلك الوقت. فقبل أن يفهم راسل بكلمة، سبقته حياء وسألته: –في إيه يا ساندرا؟ ابتسمت لها ساندرا وقالت بهدوء، لعلها تختصر الوقت قبل ذهابها إلى غرفتها:
–أنا كنت جاية أبلغ راسل إني عايزة أسافر أنا وابني فرنسا. لأن المحامي بتاعي كلمني وقالي إن محامي والد جوزي كلمه وقاله إنه اتوفى. ودلوقتي ابني هو اللي هيبقى وريثه وطالبنا ضروري وعايزنا نروح فرنسا في أقرب وقت. شعر راسل بالأسف لسماعه ذلك النبأ، ورد قائلاً بمواساة: –البقاء لله، الله يرحمه ويغفر له.
قدمت لها حياء عبارات المواساة، ومن ثم نظرت لزوجها بصمت في انتظار ما سيقوله أو سيفعله من أجلها، خاصة أنها تشعر بحبه الشديد لصغيرها. إلا أنها سمعته يقول بهدوء ورصانة: –تمام يا ساندرا، أنا هشوفلك تذاكر السفر، بس... لم يجد صيغة ملائمة ليخبرها بعدم قدرته على مرافقته لها. ولكنها كانت فطنة للغاية لما يريد قوله، فابتسمت له قائلة بإمتنان:
–راسل، أنت عملت كتير ليا ولابني. ودلوقتي عيلتك ومراتك الأحق بوجودك معاهم. ومتخافش علينا، إحنا هنبقى كويسين. رفعت بصرها عنه ونظرت لحياء مستطردة: –بجد حياء، شكراً على كل حاجة. وأتمنالكم السعادة على طول. وأنا هبقى آجي من وقت للتاني أزوركم.
بعفوية اقتربت منها حياء واحتضنتها وربتت على ظهرها بحنان، وكأن أي ضغينة كانت تحملها لها في وقت من الأوقات لم يعد لها وجود. فمنذ أن أخبرها راسل بحقيقة أمرها، تبخر كرهها لوجودها ولم تعد تشعر تجاهها هي وطفلها سوى بالشفقة.
مسحت ساندرا تلك الدموع التي خانتها وانسكبت على وجنتيها، فابتسمت من بين دمعاتها الحارة وهي ترمقهما سوياً بمحبة، ومن ثم غادرت إلى غرفتها للحد من ذلك الوداع العاطفي الذي سيجعلها تبكي أكثر لفراق الجميع، خاصة بعد شعورها بأنها تمتلك عائلة بعد رحيل عائلتها منذ سنوات طوال.
وصلت ساندرا لغرفتها، ولكنها لم تنتبه لذلك الذي كان يقف على بعد عدة خطوات منهم واستمع لحديثهم وعلم بأمر سفرها المفاجئ. فلم يمهل ذاته فرصة للتفكير، إذ راح يدق بابها بإصرار، كأن إذا فاتته تلك الفرصة لن يعود ويحصل على غيرها. فتحت ساندرا الباب وجدت الطارق عماد، الذي راح يرمقها بنظرات مستفسرة. ووجدته يسألها بإلحاح: –ساندرا، أنتي مسافرة فرنسا بجد؟ يعني خلاص هتمشي من هنا؟
رغم شعورها بنبرة حادة وهجومية في سؤاله، إلا أنها أجابته بهدوء وهي تومئ برأسها: –أيوه عماد، هسافر بمجرد ما راسل يجيبلي تذاكر السفر ليا ولإبني. حملق بها عماد لبضعة ثوان ومن ثم قال دون مقدمات: –ساندرا، تتجوزيني.
كأنه لقى مشقة في قول عبارته، إذ راح صدره يعلو ويهبط كمن كان يركض بطريق طويل. وانتقلت إليها الدهشة إذ راحت تحملق في وجهه وهي فاغرة فاها، إذ لم تضع في بالها أنه يبادلها تلك المشاعر التي جاشت في قلبها منذ أن تعرفت إليه عن كثب. ابتلعت لعابها لعلها تفلح في قول أي شيء تكسر به ذلك الصمت الثقيل، والذي جعلها تعي إلى أي مدى صار في إمكانها سماع نبضات قلبها، التي أضحت كالمطرقة تصدر طنيناً في أذنيها.
ولكن جل ما استطاعت قوله تلك العبارة التي وسّمتها بوسم البلاهة: –تتجوز مين؟ أنا؟ لم يفلح عماد في أن يقمع تلك الضحكة التي جاءته كأمر ملح بعد سماع ما تفوهت به، فقهقه بصوت مسموع وسرعان ما قال ممازحاً: –هو في واحدة تانية غيرك واقفة قدامي دلوقتي؟ أيوه عايز اتجوزك أنتي، قولتي إيه؟ علشان لما تسافري فرنسا متسافريش لوحدك، هكون معاكي.
راح قلبها يدق كطائر يرفرف بجناحيه، إلا أنها لم تستطع أن تبدي له مدى سعادتها بما تفوه به. ولكنها أيضاً لم تغلق باب الأمل في وجهه، فردت قائلة بهدوء رغم ذلك الصخب المعتمل بين جنبيها: –أنت شاب محترم جداً يا عماد، وأي واحدة تتمنى ترتبط بيك. بس... لم يدعها تكمل عبارتها، فقال بإصرار وتصميم: –ساندرا، أنا مطلبتش منك الجواز إلا علشان فعلاً حبيتك وحبيت ابنك. وأنا مستعد أكون له أب لو أنتي وافقتي.
قبل أن يفهم أحد منهم بكلمة، جاءت عبارة أدم المهنئة لهما دليلاً واضحاً على أنهما حقاً يستحقان السعادة: –أظن أقول ليكم مبروك، بجد مبروك من قلبي. متضيعوش وقت، بالرغم من أنك هتوحشني يا عماد، بس المهم أنك ترجع تفكر في الحب والجواز. احتضنه عماد وعيناه مازالت مستمرة في النظر إلى وجه ساندرا، وما فتأت عيناه تستجديها بالموافقة، حتى أعلنتها صريحة من أن ليس لديها ما يمنعها من القبول.
جاء أمر تلك الزيجة مفاجأة للجميع، أولهم راسل الذي شعر بالراحة من أنه سيتركها هي وطفلها بين يدي شاب توسم به النبل والخير. وأصر سيد القصر الكبير على إقامة حفل عائلي احتفالاً بزواج ساندرا وعماد قبل سفرهما، الذي أرجأته ساندرا لحين إتمام زواجها.
فبعد مرور ثلاثة أيام، اجتمعت العائلة بأكملها في حديقة القصر. وتردد راسل في بادئ الأمر أن يقترب من أباه ليمنحه ذاك الخاتم الذي ابتاعه من أجله، وما زال بحوزته كأنه لم يجد الوقت المناسب في أن يقدمه له. ولكنه رأى أن بإمكانه الآن أن يبدأ أولى خطواته في إنهاء الخلافات بينهما. انتبه رياض على حيرته، كأنه لا يجد ما يقوله. وتعجب من أنه يقف ينظر إليه تارة وينظر للآخرين تارة أخرى، كأنه يحاول استجماع شجاعته ليقول ما لديه.
فابتسم على نحو مفاجئ، خاصة أن تلك هي المرة الأولى التي يرى بها راسل هكذا، كأنه ليس ذلك الابن الوقح، والذي لم يحاول في مرة أن ينمق حديثه معه. ضرب الأرض بعصاه ومن ثم سأله بحنان: –عايز تقول إيه؟ شكلك عايز تقول حاجة بس كأنك مش عارف تبدأ منين. حك راسل مؤخرة عنقه وحمحم لعله ينهي ذلك الصراع الدائر بخلده. وسرعان ما أخرج من جيب سترته السوداء ذلك الخاتم الفضي، فناوله إياه قائلاً بتوتر:
–الخاتم ده كنت اشتريتهولك وأنا كنت في العمرة، بس الظاهر نسيت أديهولك. لم يكن راسل بارعاً في إخفاء كذبته من أنه غفل عن إهدائه ذلك الخاتم، ولكن لم يشأ والده أن يرد يده خائباً، فأخذه منه يتأمله بابتسامة زادت أكثر عندما رأى اسمه منقوشاً على الخاتم. فقال بصدق وحنو بالغ: –دي أجمل هدية جاتلي، كفاية إنها منك أنت يا ابني.
جذبه إليه ومن ثم طوقه بذراعيه حتى سقطت عصاه، وكأن المطر جاء يروي أرض جدباء لم تمسها قطرات الماء منذ زمن طويل. رفع راسل يديه وربت على ظهر أباه قائلاً بابتسامة هادئة: –عارف إن ضايقتك كتير، بس خلاص مش هعمل حاجة تضايقك تاني. وحابب نرجع زي ما كنا قبل ما نسافر ونحاول ننسى اللي حصل. –ماشي يا حبيبي.
أماء والده برأسه مراراً، وما أن اكتفى من الربت على ظهره، انحنى راسل ورفع عصاه من على الأرض وناوله إياها. فأخذها منه والده وهو يفكر أنه هو من سيحمل تلك العصا بعد رحيله عن هذا العالم. فانعكس الهدوء الذي غلب على محادثتهما على وجه كل منهما، والتفوا حول تلك المائدة الطويلة، التي أمر رياض بتجهيزها من أجل تناول العشاء على شرف العروسين اللذان سيغادران بعد غد لفرنسا. أدنى عماد برأسه قليلاً وهمس لساندرا الجالسة
بجواره ترتشف من كوب الماء: –بحبك. علق الماء في جوفها مما جعلها تسعل بخفة وكسا وجنتيها لون أحمر قانٍ من تدفق الدماء بهما. وردت قائلة بابتسامة خجولة: –وأنا كمان بحبك يا عماد. انتبه على غمز أدم له مما جعله ينظر إليه بتحذير حتى لا يقدم على ارتكاب فعل أحمق. إلا أنه سرعان ما رمقه بمحبة الأصدقاء، فدائماً وأبداً سيظل صديقه الصدوق.
وعلى الطرف الآخر من المائدة الطويلة، جلس راسل واضعاً الصغير أمامه. في حين أن حياء ظلت تداعبه وهي تضحك وتبتسم. ومن حين لآخر يحاول الصغير جذب حجابها ظناً منه أنه يمازحها، وكلما سحب راسل يده يعود ويجذب حجاب حياء من جديد. قرص راسل وجنته بلطافة قائلاً بطرافة: –هو أنت مصمم تشدلها الطرحة ليه؟ بس أسكت. ترك الصغير حجاب حياء وجذب رابطة عنقه، فقهقت حياء قائلة وهي تدغدغه: –أهو ساب حجابي وناوي يخنقك بالجرافيت.
–دا ولد سفاح باين عليه، تربيتي. قالها راسل ممازحاً وفخوراً، في حين أن زوجته مالت إليه برأسها هامسة بنعومة: –عقبال ما يبقى عندنا سفاح قمر زيه كده إن شاء الله. قبل راسل رأس الصغير وقال باسماً: –إن شاء الله يا روحي.
وضعت يدها على كفه الموضوع على الطاولة ليس لشئ سوى أنها تريد أن تشعر بذلك الدفء الذي سرعان ما ينتقل إليها ما أن يتلامسان. فقبض على أطراف أناملها، وراح يضغط عليهما برفق من حين لآخر. وما أن سنحت لهما الفرصة بانتهاء حفل العشاء العائلي، فضلا الذهاب للشاطئ، كإحدى أفكاره الجنونية التي تطرأ على عقله ويقوم بتنفيذها دون تفكير. سارت خلفه وهو آخذاً بيدها حتى وصلا للشاطئ فقالت باسمة: –هو أنت مش عايز تنام؟
دا الوقت اتأخر دلوقتي والكل نام. توقف عن السير والتفت إليها قائلاً بدهاء ممازحاً: –ماهو أحسن حاجة إنهم كلهم ناموا، علشان استفرد بيكي زي مصاصين الدماء، اللي مبيظهروش إلا في وقت متأخر من الليل، وبيخرجوا يدوروا على فريستهم. أدعت حياء الخوف وقالت كأنها أصبحت طريدته: –يا ماما، يعني أنا هبقى فريسة النهارده؟ صمتت لبرهة ومن ثم قالت مستطردة بمشاغبة: –بس مش خايف تبقى أنت فريستي يا صيادي الحلو القمور؟ أدنى
برأسه منها وهمس في أذنها: –أنا وقعت فريسة حبك وعشقك من زمان مش من دلوقتي. رفعت ذراعيها ووضعتهما على كتفيه وقالت وهي تحدق في وجهه بتتمعن:
–عمر ما في حد أزعجني زيك من أول ما اتقابلنا، وكنت بضايق أكتر لما أشوفك لأن أنا كنت دايماً راسم صورة لفارس أحلامي إنه يخلي قلبي دايماً ينبض من غير راحة، كان نفسي أعيش قصة حب مثيرة مش روتينية. بس المشكلة إن في الوقت ده كان نادر في حياتي، وكنت فاكرة إنه هو ده فارس أحلامي اللي كنت بتمناه. لحد ما ظهرت أنت. بس مكنش ينفع أندفع ورا إحساس مكتشفتش إنه حب إلا لما عرفتك كويس. يعني تقريباً حبيتك بقلبي من أول ما اتعرفنا وفي نفس
الوقت كنت بكرهك بعقلي. كانت حاجات كتير متلخبطة. عارف لما يكون الواحد قدامه اختيارات كتير، بس ميقدرش يختار علشان في حاجات كتير مانعاه. هي دي كانت حالتي وقتها. وجايز كل اللي حصل في حياتي ده علشان أبقى في الآخر ليك أنت. مع إن لو كان حد وقتها قال لي إن أنا هبقى مراتك وهحبك أوي كده، كنت هقول عليه أكيد مجنون، لأن إزاي يجتمع أنا وأنت في جملة واحدة وأبقى مدام حياء راسل النعماني.
ضحكت حياء ما أن انتهت من سرد مشاعرها، التي اتسمت في الماضي بالحيرة والتخبط كالنيران التي كانت خامدة أسفل نهر من الجليد. فأنحنى على جفنيها ومن ثم على وجنتيها كمن يتمهل في عزف أنشودة الغرام. ولكن سرعان ما حمل لها عناقه مدى لهفته إليها، ولم تكن هي لتقبل بأقل من عناق صاخب كالذي يحدث بينهما الآن. ولا تعلم سر أن عناقتهما عذبة المذاق هكذا، كأنها ترتوي بماء عذب جاءها بعد ظمأ شديد.
فتحت عيناها وشعور بالخدر استولى عليها ما أن ابتعد عنها، فقالت وهي تضع رأسها على كتفه: –نفسي الليل يطول ونفضل مع بعض هنا، لأن النهار لما بيطلع أنت بتروح شغلك وأنا بروح شغلي وبفضل مستنية الليل ييجي علشان ترجع لي. رفعها عن الأرض ودار بها وهو يقول باسماً: –الليل كله لينا وبكرة كمان، لأن مش هروح المستشفى بكرة، هقضي يومي معاكي أنتي وسجود.
وضعها أرضاً وأكملا سيرهما. إلا أنها أرادت أن تلهو معه قليلاً، فرشقته بالماء والرمال ومن ثم فرت هاربة. فركض خلفها، وكلما أيقنت من أنها ستقع في قبضته، تعود وتركض من جديد، حتى استطاع اللحاق بها. وظلا يضحكان وهما يحاولان تنظيم أنفاسهما اللاهثة. حتى أنهما لم يكتفيا بالركض واللهو، بل جواد راسل الأسود المفضل له دائماً أصبح رفيقهما بتلك النزهة الشاعرية على الشاطئ خلف القصر، بعدما ذهب راسل وأتى به من حظيرة الخيول.
فجلوسها أمامه على الجواد أتاح لها الفرصة من أن ترفع وجهها وتغمض عينيها تاركة نسمات الليل تصفعها كيفما تشاء. فذراعيه القويين يطوقانها مانعين انزلاقها وتاركين لها الحرية في فرد ذراعيها كعصفور يتأهب للطيران. شعور بالخفة غير معتاد انتابها بعدما وجدته يترك الجواد ويمد لها ذراعيه ليجعلها تطأ الرمال بقدميها الحافيتين. ولكنها ظلت ساكنة بين ذراعيه والهواء يضرب ثوبها.
فصارا كاثنان عاشقان من تلك العصور القديمة واللذان كانا يلتقيان خلسة دون علم الأهل. ينسجان سوياً أحلاماً وآمالاً على رمال الشاطئ، يخطان بيديهما قصتهما الخاصة. محاولاً هو التحلي بالصبر حتى تعود خصيلات شعرها لطولها المعتاد، فكم اشتاق لدفن وجهه بين طياتها، وكم من أسرار العشق أراد أن تحملها سراً بين جدائلها الحريرية. ولا ينكر أن شعرها القصير يروقه حالياً، ولكن ليس كحبه لرؤيتها على تلك الصورة التي اعتاد أن يراها بها منذ زواجهما. فمرآها الجميل والناعم والخجول الذي انطبع بذهنه منذ يوم زفافهما، ما زال يأسر.
ظن أنه ما أن يراه في نزعه الأخير، سيكون راضياً وأن ثأره وانتقامه منه قد أتمهما على الوجه الأكمل. ولكن حقاً لم يكن هذا شعوره وهو يقف الآن أمام ذلك الفراش القديم المستلقى عليه زوج والدته. ولكن نظراته فارغة جوفاء كأنه لم يعد يبصر أو يرى ما أمامه سوى فراغ أبيض، به نقطة سوداء تتضاءل حجمها كلما سمع حشرجة تلك الروح العالقة بجوفه.
رغم أنه كان لابد له من أن يشعر بالتشفى والانتصار وهو يراه هكذا يلفظ أنفاسه الأخيرة بصعوبة، كأن روحه ستظل حائرة معذبة، قبل أن يأذن الله لها بالخروج. وربما تلك إحدى دلائل جسارة عقابه على ما فعله بماضيه وعدم محاولته أن يصلح خطأه، بل ظل غافلاً يستهويه شيطانه بأن يفعل كل ما حرمه الله من موبقات، تاركاً خلفه ضحية تعاني من تبعات أفعاله.
فارتجف بدن عمرو لا إرادياً ما أن نظر في وجه زوج والدته. بل حالفه الحظ بأن قدميه أطاعته في أن تحمل باقي جسده ليبتعد عن الفراش. وما هي إلا بضعة دقائق بإمكانه أن يحصيها على أصابع اليد الواحدة، حتى سكنت الحشرجة وارتخى الجسد وسقطت اليد التي كانت تتحرك بعشوائية كأنها تبحث عن النجاة. فعلم عمرو وقتها أن زوج والدته قد توفى وانتهى أجله وأمره، وأن من جعل حياته مظلمة قد رحل دون عودة.
أقترب الحارس من الفراش وتحسس النبض ووضع رأسه على صدره ليتأكد من أنه حقاً فارق الحياة. وما أن تيقن من تلك الحقيقة التي سطعت في عقل عمرو منذ أن رآه ساكناً، استقام بوقفته وقال بخوف لا يخلو من الرهبة: –ده مات فعلاً يا عمرو بيه، هنعمل إيه دلوقتي؟ رمق عمرو جسد زوج والدته ومن ثم حول بصره عنه قائلاً بشيء من التيه: –هنعمل إيه في إيه؟
لم يكن الحارس في وضع يخوله أن يعاني من بلادة سيده في ذلك الوقت الحرج. فدنا منه ممسكاً بذراعه قائلاً بما يشبه الرجاء: –عمرو بيه، أنت لازم تشوف حل وإلا كده ممكن نروح في داهية. دا دلوقتي بقى جثة ويمكن يبقى فيها سين وجيم ونروح كلنا السجن. نفض عمرو رأسه لعله يتخلص مما اعتراه وجعله تحت وطأة تلك المشاعر التي أصابت حواسه بالبلادة. فهتف بالحارس قائلاً بما يشبه الأمر:
–هات له كفن وكفنه علشان ندفنه. أينعم هو ميستحقش، بس دلوقتي إكرام الميت دفنه. وكده كده القبر بتاعه موجود من سنتين، وكمان القبر مش بعيد عن المكان هنا. خرج الحارس من الغرفة وذهب لشراء ما أوصاه به عمرو. فأخذ مقعد وجلس قريباً من الفراش وانحنى واضعاً يداه المضمومتين أسفل ذقنه. تأمله ملياً ومن ثم قال بجمود:
–دلوقتي مت قبل ما أنفذ وعدي لنفسي إن يوم ما أحس إن أخدت حقي منك أنا اللي هضربك بالمسدس بتاعي. بس برضه مقدرتش أعملها. كنت عقدة حياتي اللي دمرتني وخلتني عايش متعذب طول عمري. حتى دلوقتي لما مراتي عرفت الحقيقة بقت عاملة زي اللي عايشة بين جنة ونار، لا قادرة تقرب مني ولا أنا قادر أبعد عنها. زي اللي متعلق بقشة وخايف يسيبها يقوم يغرق تاني. بس عارف إن الماضي هيكون دايماً بينا، ماضي أسود ومخجل، و مكنش سهل عليا أقولها كل حاجة وأشوف في عينيها خوفها من أنها تعيش معايا.
ظل يتحدث وقتاً طويلاً، حتى ظن أن ربما سيحاوره، ولكن لا يسمع صوت بتلك الغرفة سوى صوته هو فقط، كأن أمنيته في أن يعلو صوته على صوت زوج والدته، قد حان وقتها ولكن لن يشهد على تحقيقها سوى جدران صماء.
أزاح عمرو يداه عن وجهه، بعد سماع باب الغرفة يفتح ويلج منه الحارس بعدما نجح في جلب ما طلبه منه. وبعد مرور مزيد من الوقت، كان جثمان زوج والدته راقداً في سيارته من الخلف. فانتفاءه لذلك المكان والذي لا يبعد كثيراً عن المقابر، جعله يطمئن بأن أمر دفنه له بذلك القبر الذي يحمل شاهده الرخامي اسمه سيتم بسهولة ويسر، خاصة أن الوقت الآن تعدى الثانية صباحاً.
أوقف السيارة ومن ثم خرج منها وحث الحارس على الإسراع في مساعدته حتى لا يثيران الشكوك حولهما. فبعد أن فتح عمرو البوابة الحديدية لذلك الفناء الذي قام بشراءه ويضم عدة مقابر مازالت خاوية، ساعده الحارس في حمل الجثمان حتى وصلا للقبر. ورغم تلك الرهبة التي تجلت في ارتجاف جسده، إلا أنه أتم المهمة ووضع زوج والدته داخل قبره ومن ثم أغلق بابه.
وما أن وصل للبوابة الكبيرة للفناء، كأن قدميه أضحتا رخويتين ولن تسعفاه في حمله ليعود إلى سيارته. فأسرع الحارس في إسناده متسائلاً بقلق: –مالك يا عمرو بيه؟ أنت تعبان؟ هز عمرو رأسه ونظر للحارس قائلاً بنبرة متقطعة: –سوق أنـ ـت العربية. وروحـ ـني البيت. عايـ ـز أروح.
أسنده الحارس حتى وصلا للسيارة وما أن ساعده في الجلوس بالمقعد المجاور لمقعد السائق، دار حول السيارة ومن ثم قادها حتى وصل به إلى منزله، وقدم له يد المساعدة في الخروج منها.
في الحديقة، كانت سهى تجلس على أحد المقاعد بعدما يأست من الدوران حول نفسها بقلق من تأخره كل هذا الوقت خارج المنزل. فمنذ اكتشافها مكانه الخالي في الفراش، راحت تبحث عنه في كل مكان في البيت. وعندما يأست من إيجاده، حاولت أن تتحدث معه عبر الهاتف ولكن لم يأتيها رد، سوى أن هاتفه خارج نطاق التغطية. وهذا ما جعل القلق ينهشها ويقتات على أفكارها السوداوية. –ياترى أنت روحت فين يا عمرو؟
همست بعبارتها وهي تفرك يديها بتوتر وتهز ساقيها بعصبية. وما كادت تترك مكانها في الحديقة، حتى رأته قادماً يستند على رجل لم تراه في المنزل من قبل. ركضت سهى إليهما وتساءلت بقلق وخوف حقيقي: –هو في إيه؟ مالك يا عمرو؟ سحب عمرو ذراعه من حول كتف الحارس وأمره بالانصراف. فنظر إليها قائلاً بإرهاق اكتسح ملامحه: –مفيش حاجة بس تعبان شوية وعايز أنام.
انهارت قدماه فجأة وكان على وشك السقوط، لولا أنها مدت ذراعيها وأسندته لتحول بين سقوطه أرضاً. ولكنها كانت في حاجة لبذل مزيد من الجهد لتستطيع تحمل وزن جسده الواقع عليها. فقالت بمشقة: –عمرو، مالك أنت؟ شكلك محتاج دكتور. –أنا كويس، متقلقيش.
لم يفهم بكلمة أخرى إذ شعر بأن لسانه معقود، ولم تعد قدماه قادرتين على حمله. فإضطرت تلك المسكينة أن تقوم بدور المتكأ حتى لا يسقط أرضاً، وصار أمر مساعدتها له في أن يصل لغرفتهما تحدياً صعباً كأنها في حاجة لمعجزة. حتى أنها غير قادرة على الصياح لتنادي أحد ليساعدها، خاصة وأن الجميع نائمون الآن. ولكن تمثل لها الخلاص في رؤيتها لذلك الرجل الذي يعمل كمساعده الأيمن. فصاحت قدر استطاعتها: –ألحقني أرجوك، ده شوية وهيغمى عليه.
هرول الرجل إليهما ووقف بجوار عمرو ولف ذراع سيده حول عنقه ليسنده من الجانب الآخر. فشعرت سهى بالامتنان له كونه ساهم في تخفيف عبء قيامها بمساعدة زوجها بمفردها. وما أن وصلوا لغرفة النوم ووضع الرجل في الفراش. نظرت إليه سهى وتساءلت بحذر: –هو ليه عامل كده؟ هو بيشرب خمرة؟ هز الرجل رأسه بعنف نافياً ورد قائلاً بصدق: –عمرو بيه من ساعة ما جه البيت هنا وأنا عمري ما شفته بيشرب خمرة، هو كان بس بـ...
رفعت سهى يدها تشير له بالصمت كونها تعلم أن ما سيتفوه به سيكون تنويهاً عن أن زوجها كان يتعاطى المخدرات في السابق. فهزت رأسها بخفة وقالت بهدوء: –اتفضل أنت وشكراً. خرج الرجل من غرفة سيده، وانحنت سهى وهي تحاول أن تشم رائحته لعل ما أصابه تأثير الخمر أو الكحول، ولكنها لم تجد سوى رائحة عطره كأنها مخلوطة برائحة أخرى لم تستطع تمييزها. ولكن ما أن دقت النظر في ثيابه وجدتها متسخة بالأتربة.
انتظرته أن يفيق لعله يقدم لها تفسيراً لما حدث له. فبعد دقائق فتح عمرو عيناه وجدها جالسة قبالته على طرف الفراش وبعينيها ألف سؤال. فأعتدل جالساً قائلاً بإرهاق: –سهى، أنا عايز على ما آخد شاور تجيب لي أي حاجة آكلها لأن حاسس إني جعان أوي. تلاحم حاجباها من مطلبه خاصة أنه لا يتناول طعامه في وقت متأخر من الليل. بل بدت نبرته متوسلة كأنه لم يتناول الطعام منذ أيام. فنهضت عن الفراش وردت قائلة وهي تتأمل هيئته الرثة قليلاً:
–حاضر، هروح أجيب لك سندويتشات.
خرجت من الغرفة، فنهض عن الفراش وأخذ ثياباً نظيفة وولج للمرحاض. وأثناء خلع قميصه عنه رأى آثار اتساخ الأتربة عندما قام بدفن جثمان زوج والدته. فلم يكتف بخلعه ولكن قام بشقه لنصفين ومن ثم ألقاه في سلة المهملات. ولم يكتف بالقميص فقط، بل كل ما كان يرتديه أضحى مصيره الإلقاء بتلك السلة والتي يتم التخلص مما بها يومياً. فجلس بالمغطس وفتح الماء ليغرقه، لعله يفلح في أن يخرج من بلادته والتي جعلته يتصرف على هذا النحو، كأنه شبح يسير وفق ما يملي عليه من أوامر.
–عمرو، عمرو أنت كويس؟ أنت اتأخرت كده ليه؟ نادلته سهى من الخارج لاستغراقه وقتاً أكثر من اللازم. فخرج إليها لا يستره سوى سروال قصير رغم أنه أخذ ثياباً له قبل الدخول، ولكن كأنه وجد مشقة في ارتداء الباقي من ثيابه. نظر للصينية التي جلبتها زوجته، فجلس وبدأ يتناول الطعام بشراهة. وظلت سهى متعجبة من أفعاله المبهمة اليوم. فجلست على طرف الفراش وتساءلت بإلحاح: –هو إيه بالظبط؟ مالك كده تصرفاتك غريبة، حصل حاجة؟
أنت كنت عند جوز مامتك؟ هو جراله حاجة؟ رد عليا. –مات ودفنته. كلمتان فقط هما ما استطاع التفوه بهما. ومن ثم عاد يكمل تناول طعامه كأنه لم يقل شيئاً. فتتابعت أنفاسها بخوف من أن يكون أوفى بوعده للانتقام لنفسه بأنه هو من سيطلق عليه الرصاص. رأى عمرو تململها في جلستها، فأراد أن ينهي حيرتها فقال وهو يحاول بلع ما علق في جوفه من طعام: –متخافيش أوي كده، أنا مقتلتوش، هو مات لوحده، ودفنته ورجعت.
هكذا وبكل سهولة ويسر يخبرها أنه قادم من المقابر وليس هذا وحسب، بل أنه قام بدفن جثة قبل عودته إليها. فأنهى طعامه وأرتمى على الفراش ومن ثم غرق في سبات عميق ولم تعد تسمع سوى صوت أنفاسه.
وفي صباح اليوم التالي، رفض عمرو ترك فراشه كأنه مصاب بسقم من الصعب وصف أعراضه التي لا تتعدى سوى أنه يرغب في أن يظل نائماً. ولكن حالته تلك أثارت الخوف في قلب زوجته، التي حاولت أكثر من مرة أن تجعله يترك الفراش أو أن يفهمها ما أصابه. ولكن لم تكن محاولتها ذات فائدة.
فبعد مرور أسبوع قضته سهى في بذل جهد مضنٍ لخروج زوجها من تلك الحالة التي تلبسته، مما جعلها تستدعي أحد الأطباء لفحصه. إلا أن الطبيب أخبرها بأن صحته الجسدية على خير ما يرام ولا يشكو مرضاً ولا ألماً، وربما هو في حاجة لزيارة طبيب نفسي.
خرجت من الغرفة ونادت ذلك الحارس لكي يرافق الطبيب إلى سيارته. فقيامها بهذا الدور وحدها جعلها في حاجة إلى ذهن متيقظ وأن تتحلى وتتميز بطول الأناة، خاصة أن والدته سافرت إلى الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من أسبوعين، معللة الأمر بأنها تريد زيارة أصدقاء لها هناك وأن تأخذ عطلة وتترك لهما المنزل لينعما بأوقاتهما سوياً.
عادت للغرفة وجدته مستلقياً على بطنه وعيناه مفتوحتان ولكن كأنهما صارتا متحجرتان ولا يرف لهما جفن. فأنحنت إليه قليلاً وربتت على كتفه قائلة بابتسامة تشجيع: –عمرو، تحب تنزل الجنينة تغير جو شوية، بدل ما أنت نايم كده في السرير ومش راضي تقوم. أغمض عينيه لعله يريحهما قليلاً من التحديق في الفراغ، إلا أنه عاد وفتحهما قائلاً بصوت منخفض: –معلش يا سهى، سبني براحتي، أنا مش عايز أقوم.
لم تفلح في إقناعه بأن يترك مكانه، فجلست على طرف الفراش وظلت تزفر بخفوت وتفرك يديها كأنها لم تعد تملك حيلة ستفلح معه. ولكن بعد برهة رفع جزعه العلوي وجذبها من ذراعها، إذ كانت ما تزال جالسة مكانها على طرف الفراش. فشهقت سهى من مباغتته لها بجذبها، بل أنه طوقها بذراعيه وأطبق عليها ولم يدع لها مجال للتفكير في أن تتخلص من قيد ساعديه. وظنت أنه سيكتفي بذلك، ولكن ما كادت تمر دقيقتين حتى وجدته يفرض عليها حقوقه كزوج بحاجة لزوجته.
كاد يقضي على أنفاسها بعناقه، ولكن كلما سنحت له الفرصة بفصل العناق يهمهم لها بصوت متألم: –أنا بحبك أوي يا سهى، بحبك ومحتاجلك. بالبداية لم تستطع أن تجاريه، ولم يكن لديها الوقت الكافي لاستيعاب ما يفعله. أرادت أن تظل بجمودها للنهاية، لعلها حالة طارئة وسرعان ما سيخمد اشتياقه وتعود أوضاعهما لما كانت عليه. ولكنها لم تستطع أن تقاوم للأخير، فسقطت مقاومتها معلنة عن هزيمتها. وهمهمت دون أن تعي ما تقوله:
–وأنا كمان حبيتك أوي يا عمرو، بس خايفة أتوجع بسبب الحب ده لو أنت خنت ثقتي فيكي. ابتسم عمرو ما أن سمع عبارتها فتشابكت أيديهما وهو يقول بثقة: –عمري ما هفكر إن أوجعك أو أخليكي تفقدي الثقة فيا يا حبيبتي.
كأن ذلك الذي يعانقها لا يمت بصلة لزوجها الذي كان راقداً في فراشه ولم يرغب في قول أو فعل أي شيء. وكأنه صار إنساناً آخر، فسلمته زمام أمورها، ولم يكن هو بحاجة إلا لتلك الفرصة التي منحته إياها برضا تام. ورغم مخاوفهما التي اختلفت أسبابها لدى كل منهما، إلا ما أن استطاع هزيمة خوفه ورهبته من وصاله الفطري الأول في حياته، حتى صار الوصال والود بينهما مملوء بالشغف، كأن كل منهما يحاول اكتشاف الآخر. وتعجبت سهى من قدرته على
استمالتها، وليس هذا وحسب، بل اندهشت من عدم معارضتها له في البداية، بل أنها منحته موافقتها دون محاولة منها أن تعارضه أو أن تطالبه بمزيد من الوقت. ولا تعلم هل هذا نبع من أمنيتها كأنثى وزوجة في أن تصبح جزء منه وأن تختبر ذلك الشعور بأن تكون بين يدي من تحب، الذي أملت وطمحت في أن يهديها ثروات الليل الدفينة من عشق وغرام، قبل علمها بأن هناك جانب مظلم في حياته.
–أنتي أجمل حاجة حصلت في حياتي كلها، وأوعدك إن مخليش الحزن يعرف طريقه لقلبك، أو أنك تندمي علشان حبيتك.
يبدو لها عاشقاً مدللاً يمنحها الكثير من الوعود والعهود. تنصت له باهتمام رغم شعورها بتلك اللجة العميقة التي غرقت بها بعد أن نجح في رسم عالمهما الخيالي والذي لم تعد تسمع به سوى همهماته العاشقة. وما أن وصلا للمرفأ الأخير، لم يسمح لها بالابتعاد. فما شعر به في ليلتهما الأولى تلك، سيجعله يفكر في أن تظل حبيسة ذراعيه في الأيام المقبلة، فتلك المشاعر الفطرية لا يوازيها أي مشاعر أو أحاسيس أخرى. فسبحان من يجعل القلوب تألف بعضها ولا يجد ابن آدم اكتفاءه مما حلله الله له إلا مع نصفه الآخر من بنات حواء. وما يتم ترويجه للمبادئ المخلة بالفطرة ما هو إلا فخ وشرك لإنشاء مجتمعات يحكمها الفساد وتحدي الفطرة السليمة التي خلق الله عليها بني الإنسان.
لذلك فكر لما لا يساهم في توعية الآخرين بتلك المخاطر الجسيمة التي تتوارى خلف تلك الأفكار الهدامة التي يحاول الكثيرون زرعها في عقول الشباب والأطفال، حتى لو كان سيفعل ذلك دون الحاجة لإظهار نفسه.
لم يكن أحمقاً حتى لا يستطيع أن يرى حنق زوجته مما فعله وربما بلغ ذروته الآن. إلا أنها ما زالت تتحاشى الحديث معه في هذا الأمر، رغم أن مر على إنقاذه لليالي أكثر من شهر. حتى إنه استطاع التخلص من ذلك الرجل الذي كان يريد قتله وأرسل رجاله من أجل ذلك. ولكن نجا عمران من محاولة قتله بمعجزة أنعم الله بها عليه.
وما كان هذا الرجل سوى شخص لا يعلم أحد شيئاً عن ماضيه سوى أنه كان يعمل عاملاً في الميناء، ليغادر الإسكندرية ويعود رجلاً آخر ذا مال وجاه. وكل هذا اكتسبه من طرق غير مشروعة كالاتجار في الفتيات وإتمام بعض الزيجات التي لا تتم إلا بغرض المتعة والحصول على المال. وما أن أفشت ليالي للشرطة بكل ما تعلمه عنه، استطاعوا إيجاده والقبض عليه قبل محاولته أن يفر هارباً من الإسكندرية.
ومنذ ذلك الحين وليالي مقيمة بمشفى راسل لتلقي العلاج اللازم لها. ومن المضحك بالأمر أن ميس هي من تشرف على علاجها كطبيبة، رغم شعورها الساحق بالغيرة والتي تود لو بإمكانها أن تحرق زوجها به عوضاً عن كتمانه هكذا. ولكن ليالي صارت تعاني من حالة حرجة، بعد اكتشاف الأطباء أنها تعاني من مرض خطير بات يهدد حياتها، وأنها ربما سترحل من هذا العالم في وقت ليس بالبعيد.
وصارت لم تعد تفيق من إغمائها من بعد لقائها بضابط الشرطة إلا أوقات قليلة. ولكن ما يجعل ميس تحترق بنيران الغيرة هو همسها الدائم باسم عمران، كأنها مصابة بالهذيان، وتريده أن يكون بجوارها. ترك عمران مقعده أمام تلك الغرفة التي ترقد بها ليالي، بعدما رأى زوجته تخرج منها. فسألها بعفوية: –هي عاملة إيه دلوقتي يا ميس؟ وضعت ميس يداها بجيبَي رداءها الطبي وبللت شفتيها وقالت بمهنية:
–مفيش جديد في حالتها، زي ماهي، كل اللي على لسانها اسمك وبس. حك عمران مؤخرة عنقه بحرج، لعلمه بمغزى قول زوجته، ولكنه ليس مذنباً في ذلك، فأي أحد بمكانه سيفعل ما فعله إذا وجد امرأة أو رجل في حاجة للمساعدة. فضم شفتيه وسرعان ما أطلق سراحهما من بين فكيه ودارت عيناه حوله ليتأكد من خلو الردهة من أي أحد بإمكانه الانتباه عليهما. أخذها من يدها ودلفا للمصعد الكهربائي، ولكنه استطاع إيقافه عن الصعود والهبوط. فرمقته ميس بشك وتساءلت:
–أنت وقفت المصعد ليه؟ ضغط عمران على عينيه كأنه يشعر بألم شديد بهما فقال معتذراً: –ميس، أنا عارف إنك مضايقة مني ومن اللي حصل، بس صدقيني كان لازم أعمل كده، وأنتي شايفة ليالي دلوقتي مريضة، يعني هي حالة إنسانية مش أكتر. حاصرته ميس في أحد أركان المصعد ونظرت إليه بشر مستطير من خضراوتيها قائلة وهي تكز على أنيابها:
–أنا كل اللي مضايقني مش إنك أنقذتها أو إن أنا الدكتورة بتاعتها، اللي مجنني إن مفيش على لسانها إلا اسمك، يعني كل ما تفوق شوية تقول عمران عمران. حاسس أنت بشعوري لما أسمع اسم جوزي بالحرارة دي من واحدة تانية؟ أنت متعرفش يعني إيه غيرة وإنك تغير على اللي بتحبه، وأنت مش جوزي بس يا عمران أنت حبيبي كمان. يعني كويس إن لسه محافظة على أخلاق مهنتي وإلا كنت أنا عجلت بموتها وريحتها من الدنيا كلها.
ابتسم عمران رغماً عنه وهو يرى طابع زوجته الذي يميل لاستعمال العنف والدموية من أجل أن تقضي على ذلك الشعور الذي بات يحترق بداخلها. فقبض حاجبيه مدعياً الخوف منها: –مالك يا ميس يا حبيبتي؟ أنتي بقيتي تخوفي كده ليه؟ أنا حاسس إنك شوية وهتطلعي مطوة من جيبك وتغوزيني. لوت ميس ثغرها وقالت بسخرية: –لأ معايا مشرط وهغزك في وشك الحلو ده أعملك عاهة مستديمة، إيه رأيك؟ –وأهون عليكي يا ماسة؟
وضع بعبارته كل رقة صوته وخفوته وهمسه الباعث على الارتجاف الذي سكنها ما أن حط بكفيه على كتفيها. وازدراها للعابها جعله يتيقن من أنها تحاول استجماع شجاعتها لتقول ما لديها. ولكن جاءت عبارتها تحمل الرضا الكافي له إذ سمعها تقول بوله: –عمرك ما تهون عليا يا حبيبي. ولكنها انتفضت فجأة، كأن شبح الزوجة العاشقة قد غادرها وعادت إليها طباع الزوجة الغيورة. فكست ملامحها تعبيرات الغضب التي ظن أنه نجح في محوها.
وعادت تقول بصوتها الغضوب: –بس أنا مش طايقة أسمع اسمك منها، كل ده بسببك أنت. من ساعة الاقتراح المهبب في إنك تصاحبها علشان تكشف براءة راسل، وهي مسكت فيك ومش عايزة تسيبك ولا تنساك. تنهد عمران قائلاً كأنه شعر بإرهاق مفاجئ: –أعمل إيه بس يا ميس؟ مش ذنبي إني وسيم واتحب. وهي ذوقها حلو، أعمل إيه؟
أدركت أنه يمازحها، فراحت تضربه على صدره بقبضتيها، إذ لم تكن بحال يسمح لها بالاستماع لمزاحه. ولكن استطاع أسر كفيها بين راحتيه، وجذبها إليه قائلاً بانتشاء: –أنتي عارفة لو مكنش في المستشفى كنت خدت حقي منك يا بنت النعماني. انتبهت أخيراً على أنهما ما زالا في المصعد الكهربائي، فسحبت يديها وشهقت عندما تذكرت أمر تلك الجراحة التي طلب منها راسل أن تساعده بها:
–يا خبر أبيض، دا زمان راسل هيقتلني دلوقتي، دا المفروض إني أدخل معاه أوضة العمليات. الله يسامحك نسيتني شغلي. استدارت وضغطت على زر المصعد وبدأ في الهبوط حتى وصلا للطابق الأول. وما كادا يخرجان حتى سمعا صوت صراخ ولاء التي يبدو عليها أنها جاءت للمشفى لتضع طفلها الثاني. صرخت ولاء بصوت عالٍ: –ألحقني يا معتصم، هموت. ربت معتصم على يدها قائلاً بحنان: –بعد الشر عليكي يا حبيبتي، إن شاء الله هتقومي بالسلامة. ما أن رأى معتصم شقيقه
وزوجته ناداهما بلهفة: –ألحقوني، ولاء بتولد وشكلها تعبان أوي. هرولت إليها ميس وحاولت طمأنتها بصوتها الرقيق: –اهدى يا ولاء وإن شاء الله خير.
نادت ميس لإحدى الممرضات لتقوم باستدعاء الطبيبة النسائية. وبذلك الوقت وقعت في حيرة بين أن تذهب لراسل في غرفة الجراحة أو أن ترافق ولاء والطبيبة. فحسمت أمرها بأن ذهبت لترى ولاء وهي تضع مولودها، رغم علمها بأنها لن تسلم من توبيخ راسل لها لعدم استماعها لأوامره. ولكنها نسيت كل شيء عندما سمعت صوت بكاء الصغير، الذي جاء للعالم بعد قليل من المشقة. بعد أن ألبسته الممرضة ثيابه، حملته ميس بين ذراعيها وابتسمت قائلة بصوت خافت:
–بسم الله الرحمن الرحيم، ما شاء الله. نظرت لولاء وأضافت: –عسول أوي يا ولاء، ربنا يبارك لك فيه. ردت ولاء قائلة بوهن: –تسلميلي يا حبيبتي وعقبال عندك يا رب. لم تكن ميس تريد أن تشق عليها في الحديث، فتركتها بعهدة الطبيبة وأخذت الصغير وخرجت من الغرفة. فأقبل عليها معتصم بلهفة. فوضعت الرضيع بين ذراعيه وهي تقول بابتسامتها الصافية: –مبروك ما جا لك يا معتصم، يتربى في عزك إن شاء الله. قبل معتصم رأس الرضيع ونظر
لشقيقه عمران وهو يقول بحب: –إيه رأيك في عمران الصغير يا عمران؟ بقى عندي مراد وعمران. اجتاح عمران شعور عارم بالمحبة تجاه شقيقه، إذ لم يضع في باله يوماً أن يطلق اسمه على أحد أطفاله. فأقترب منه يحتضنه. فأسرعت ميس في أخذ الصغير وهي تقول بتفكه: –هاتوا عمران قبل ما تفعصوه بينكم، دا هيبقى حبيب مرات عمو ده، وهربيه وأعلمه الأدب علشان...
ضحكت وتركت باقي جملتها معلقة في الهواء. ولكنها تعلم أن زوجها ربما فطن لمقصدها ودل على ذلك حاجبه الأيسر المرفوع بتحذير من أنه يضمر لها نية لا تعلم عاقبتها. خرج راسل من غرفة الجراحة ولكن قبل أن يتبرم لعدم استماعها لأمره، ذاب قلبه ما أن رأى ذلك الرضيع بين يديها. فانحنى يقبله وهو يقول باسماً: –ما شاء الله تبارك الرحمن، ده ابن ولاء. حركت ميس رأسها بالإيجاب وقالت بابتسامة مشرقة: –أيوه، يبقى عمران أفندي الصغير.
نظر راسل لعمران ممازحاً: –مش كفاية علينا عمران واحد محدش قادر عليه، يبقى عندنا عمران تاني ويزهقنا. وضع عمران يديه بجيبَي بنطاله قائلاً بوعيد زائف: –لو مسكتش أنت وبنت أخوك، هخلف لكم كل سنة عيل وأسميه عمران برضه، علشان ينكدوا عليكم في الراحة والجاية. ضحكوا جميعهم ومن ثم دلفوا لتلك الغرفة التي تم نقل ولاء إليها، فأقترب راسل من فراشها مهنئاً: –حمد الله على السلامة يا ولاء، ويتربى في عزكم إن شاء الله.
ردت ولاء قائلة بابتسامة: –تسلميلي يا أبيه ويبارك في عمرك يارب وعقبال ما نفرح بأخ ولا أخت لسجود. ولجت والدتها الغرفة قائلة بلهفة: –حبيبتي عاملة إيه دلوقتي؟ ألف الحمد لله على السلامة. كده معتصم ميتصلش عليا إلا بعد ما ولدتي. انحنت إسعاد تقبل ابنتها، فربتت ولاء على ذراعها متأسفة: –معلش يا ماما الولادة جت فجأة ومعتصم كان مرتبك، كويس إنه جابني المستشفى أولد مودنيش مكان تاني. جلس معتصم على طرف الفراش قائلاً بتفكه:
–أعملك إيه؟ عمالة تصوتي في ودني وتقولي لي هموت، مع إنك ولدتي قبل كده، مش عارف الصياح بتاعك المرة دي كان زيادة أوي عن المرة الأولى. كأن ولاء انتبهت على أن مراد لم يكن برفقتهما، فرمقت زوجها بفزع وتساءلت: –هو مراد فين يا معتصم؟ أجابها زوجها بهدوء: –سبته في البيت مع الدادة، متخافيش مش هكون مرتبك لدرجة أنسى ابني الأولاني في أي مكان. جذب عمران يد زوجته حتى خرجا من الغرفة. فهمس لها قائلاً وعيناه ملتمعتان ببريق التمني:
–دلوقتي بقى عندنا عمران تاني، مش يبقى إحنا بقى نجيب له ماسة؟ علشان يبقى في البيت ماسة وعمران. زاغت ميس بعينيها حتى لا تفضحها خضراوتيها في أنها باتت لا تتمنى سوى أن تعود وتحمل ثمرة عشقهما. واحمرار وجنتيها كان خير دليل على أنها لا تمانع في تحقيق أمنيته. فما أن انتهى دوامها بالمشفى وعادت برفقته للمنزل، واطمئنا على خلود مراد للنوم، إذ أن ولاء ستظل ليلتها تلك في المشفى ويرافقها والدتها ومعتصم.
سبقته هي إلى الغرفة، لحين انتهائه من الحديث مع أحد رجاله. وما أن انتهى عمران من اجتماعه القصير، صعد الدرج حتى وصل لغرفته، فزفر بإحباط ما أن وجد الغرفة خالية. ولكن قبل أن يعرب عن ضيقه، وجد ذراعان ناعمان حنونان يلتفان حوله ورأسها الجميل يتكأ على ظهره. أغمض عينيه وهو يستنشق الهواء حوله والذي كاد يسكره من رائحة عطرها المختلطة به. فرفع إحدى راحتيها وقبل باطنها دلالة على أن هناك عاصفة من الشوق قد تجتاحهما سوياً، ولن يقبل تلك المرة بأي عذر ومبرر لابتعادها عنه، فهو تحمل ما زاد عن طاقته في انتظارها حتى تستطيع أن تضع الماضي ومخاوفها السابقة جانباً. ولا حاجة لها أن تخشاه، فهي لن تجده سوى زوجاً عاشقاً متلهفاً لإحياء ليالي عشقهما من جديد.
وما هي إلا لحظات حتى غلبتهما عاطفتهما ولم يدرِ أي منهما ذلك التغيير الذي طرأ على عناقهما الهادئ والذي أضحى وصال شغوف وضع فيه كل أشواقهما. فتأملها بحيرة وهي غافية على ذراعه، إذ أن لا أنثى غيرها تستطيع أن تضعضع توازنه وصلابته غيرها. كأن عينيه وقلبه يأبيان أن تأسرهما سوى خضراوتيها المتمردتين. فصار مثلما قالت من أنه يشبه ذكر الذئب الذي لا ترضيه سوى أنثى واحدة.
صارت أيامه خالية من البهجة والحياة ومن أي لون يستطيع به أن يكمل الباقي من حياته. رتابة وملل وفتور، هذا ما كان عليه حاله منذ أن ودعها أمام منزل أبيها. وبعد عودته لمنزله تأهب للعودة إلى إيطاليا مرة أخرى، وربما تلك المرة سيكون ذهاباً دون عودة. فشقيقته تحسنت أوضاعها وأحوالها مع زوجها وابنة عمه أيضاً وبات مطمئناً من أنهما سينعمان بحياة زوجية سعيدة، ولا يوجد خاسر في لعبة العشق غيره. لذلك سيلملم الباقي من قلبه الجريح المتأجج بنيران لن يفلح أي شيء في إخمادها سوى ما هو ناوي على فعله.
أخذ حقيبته وخرج من غرفته، وكان قد أوصى بيرى والخدم بأن يعتنوا بمارجريت أثناء غيابه. ورغم عدم فهم حياء وبيرى لإصراره في العودة لإيطاليا بعد ما وضع خططه للإقامة الدائمة في الإسكندرية، إلا أن لا واحدة منهما أبدت اعتراضها على أن يفعل ما يريده ويراه مناسباً.
ما أن وصل للخارج ورآه الحارس هرول إليه ليأخذ حقيبته ويضعها بتلك السيارة التي سيقوم بقيادتها لعدم رغبة سيده في أن يقودها. وما أن جلس ديفيد في المقعد الخلفي، أدار الحارس محرك السيارة وأنطلق بها. ومن حين لآخر ينظر في المرآة الأمامية متعجباً من حال ديفيد، والذي إذا رآه أحد لا يصدق أنه بذاته القادر على خلق حالة من الهرج والمرج والجنون إذا لم يطيعه أحد من رجاله، بل بدا هادئاً ساكناً صامتاً كأنه لم يعد يجد ما يقوله أو أنه صار أبكماً.
هتف الحارس به باحترام بعدما صف السيارة: –وصلنا يا ديفيد بيه.
انتبه على صوت الحارس الذي انتشله من شروده وتفكيره الذي تمحور حول تلك التي فارقته وربما لن يعود بالإمكان أن يلتقيان مرة أخرى. فأخذ نفساً عميقاً وخرج من السيارة ومن ثم بدأ في إنهاء إجراءات سفره لإيطاليا. وما أن اتخذ مقعده في الطائرة، نظر من النافذة وشعور سحق قلبه من أن ربما عندما سيعود إلى الإسكندرية مرة أخرى لن يعود حياً. فحاول غلق باب التفكير في تلك الأمور التي سيقدم عليها حالياً، ولينال قسطاً من النوم لحين وصوله، فهو لديه الوقت الكافي للتفكير في كل ما حدث وما يمكن أن يحدث.
وما أن هبطت الطائرة خرج منها وأنهى معاملاته في المطار ووصل للخارج ليرى تلك السيارة التي من المفترض أن تكون في انتظاره. ولكنه رأى ذلك الرجل الذي كان يتبعه كظله في الإسكندرية. فألقى عليه نظرة عابرة كريهة دون أن يتحدث. إلا أن ذلك الرجل لم يكن يفوت تلك الفرصة في إثارة أعصاب ديفيد حد الانفجار. أقترب منه ووكزه في كتفه بخفة ممازحاً بسخافة: –أرى أنك منذ الآن قد افتقدت زوجتك، ولك الحق يا صديقي، فهي امرأة جميلة ومثيرة.
لم يكن ديفيد بوضع يخوله أن يسمع صوت أحد خاصة هو. فوثب عليه وظل يلكمه في وجهه وهو يصرخ بجنون: –لا أريد سماعك تتحدث عنها أيها الوغد، أسمعت.
لولا إسراع بعض المارة في فض العراك بينهما، لكان ديفيد أطلق عليه الرصاص في الحال. فرشقه الرجل بنظراته الكريهة المنبعثة من عينيه التي لم يرَ بهما ديفيد سوى الكره الخالص له. وربما ذلك يعود لأن ديفيد صار الفتى المدلل لدى الزعيم الكبير. فهذا الرجل يرى أنه هو الأحق بذلك، لذلك صار لا يفوت مناسبة دون إثارة أعصابه ليجعله يخطئ مرة تلو الأخرى وبذلك يكون لديه الحجة اللازمة لإخبار الزعيم بأن ديفيد لا يستحق كل هذا التدليل الذي سيعود عليهم بالسوء والخسارة.
رفع ديفيد سبابته قائلاً بوعيد صريح: –إياك أن تحاول إثارة غضبي مرة أخرى، وإلا أقسم لك بأنني لن أتوانى عن إهدائك طلقة في رأسك وأخرسك إلى الأبد. أفهمت؟
حمل ديفيد حقيبته وألقى بها في تلك السيارة المكشوفة الغطاء، ومن ثم جلس خلف المقود وقادها بسرعة تاركاً ذلك الرجل واقفاً مكانه ليتدبر أمره في العودة. وما أن وصل لتلك المنزل الذي يملكه، خرج من السيارة ولم يكتف بذلك، بل أنه بعدما أخذ حقيبته، قام بتشغيل المحرك حتى سقطت السيارة من على ذلك الجرف العالي القريب من المنزل، لعلمه بأنها المفضلة لدى صاحبها. حدق في السيارة المشتعلة قائلاً برضا تام:
–كان نفسي يبقى هو كمان جواها علشان أولع فيهم هم الاتنين، بس ملحوقة، مبقاش باقي كتير، وهخلص منه. ولج المنزل ونادى الخادمة التي أسرعت في أخذ حقيبته لتضعها في غرفته. ورغم تلك الأجواء الساحرة المحيطة بذلك البيت ذو التصميم الرائع والأنيق، إلا أن لا شيء يستطيع محو ذلك التجهم الذي انطبع على قسماته المليحة، سوى أن يعود ويراها من جديد. ولكن كأن أمنيته تلك ستظل عالقة بين الرجاء والتمني.
فبعدما أخذ قسطاً من الراحة نهض من فراشه، وأخذ حاسوبه وبدأ في تسجيل بعض الرسائل الصوتية والمرئية لزوجته وشقيقته على أقراص مدمجة. وبعدما انتهى وضعها بظرف أبيض وأمر أحد الرجال بإرساله إلى السفارة المصرية في الغد مع رسالة نصية مكتوبة على ورقة داخل الظرف. ولم ينس أن يرفق معه رسالة أخرى توضح أسباب إرساله إلى السفارة المصرية. وبعد انتهائه ذهب للمرحاض واغتسل وارتدى ثيابه، وأخذ ثلاثة أسلحة نارية، وضع كل منهم بمكانه داخل سترته وغمده.
سمع رنين الهاتف وضعه على أذنه قائلاً بجمود: –حسناً، فالوقت قد حان، واليوم سيكون لدينا الكثير من العروض الدموية. أنهى مكالمته ومن ثم خرج من الغرفة وقدميه تسيران بثبات رغم علمه أنه ربما ذاهباً ليلقى حتفه، إلا أن لا شيء سيردعه عن فعل ما يريد، فلا مجال للتراجع أو العودة. وبعدما أخذ تلك السيارة الموضوعة في المرآب، خرج من المنزل، كأنه لا يملك صبراً ليصل إلى وجهته التي ربما ستكون الأخيرة التي يصل إليها.
صف السيارة أمام ذلك المبنى الضخم والملتف حوله العديد من الرجال المدججين بالسلاح، فهنا يتم عقد كل الصفقات الغير مشروعة من تجارة المخدرات والأسلحة والأعضاء البشرية وبيع الفتيات وكل ما يختص بذلك العالم المظلم والسئ والذي يطلق عليه عالم عصابات المافيا. اصطحبه أحد الرجال حتى وصل لتلك الغرفة الفسيحة والتي تتوسطها طاولة طويلة يترأسها رجل أشيب نال منه الكبر ورغم ذلك ما زالت ملامحه توحي بالقوة والتسلط والجبروت.
ابتسم ما أن رأى ديفيد وأشار إليه بأن يجلس على يمينه بذلك المقعد الذي كان فيما مضى مختصاً بعمه أدريانو. فقال بنبرة خشنة: –هيا اجلس يا ديفيد، فلا أحد غيرك يستحق هذا المقعد. أرى أن نصائح أدريانو لم تذهب سدى، ولعبتنا تلك قواعدها كل ما تناله يدك يصبح ملك لك. وضع ديفيد يده على كتف الرجل الأشيب وانحنى قائلاً بابتسامة مراوغة: –إذن فأنت الآن ملك لي، فـيدي قد نالت منك حقاً.
تبع ديفيد حديثه بضحكة عالية ليوهم الجميع أن قوله ما هو إلا مزحة ودعابة أراد بها أن يضفي قليل من المرح قبل بدأ جلستهم. فضحك الجميع وكأن شيئاً لم يكن. وبعد أن أخذ ديفيد مكانه حيث أشار الزعيم، نظر لذلك الذي يقف بجوار مقعده وينظر له بحقد دفين.
بدأ الاجتماع كالعادة بأن يملي عليهم الزعيم الكبير تلك المهام التي من المفترض أن يقوم بها كل فرد يجلس في تلك الغرفة. نظر ديفيد للساعة في هاتفه، فالوقت قد حان وبدأ العد التنازلي لبدأ تلك المعركة الدامية. وما أن انتهى الوقت المحدد أخرج ديفيد أحد الأسلحة الثلاثة ووضعه أمامه على الطاولة قائلاً بهدوء وابتسامة شبه مختلة: –أرى أنك تحدثت كثيراً، وقد حان الوقت لأن تصمت إلى الأبد.
حملق الزعيم في وجهه بدهشة من جرأته في الحديث معه. وبطرف سبابته أشار لرجاله بأن يجهزوا عليه، ولكن لم يتحرك أحد من مكانه. فصاح بصوت جهوري: –لم لا تنفذون ما أمرتكم به؟ تولى ديفيد الرد عليه قائلاً بثقة بعدما أشار للرجال بتصويب أسلحتهم تجاه الزعيم: –لأنهم صاروا رجالي الآن ولن تجد أحد يستمع إليك سوى ذلك العاهر الذي يقف بجوارك. متى وكيف تم كل هذا؟
فلا أحد يعلم سوى ديفيد الذي استطاع شراء الحراس جميعهم وتعهدوا له بالولاء والطاعة. فهو خطط لذلك الأمر منذ عمله معهم ليحقق انتقامه وثأره لموت والديه وأشقاءه. فذلك الرجل الذي يجلس أمامه هو من أصدر أمره بقتل أبويه عندما تم كشف أمر عمه أدريانو والذي لم يستطع فعل شيء سوى مساعدتهم في النيل من شقيقه وصار هو ضحية لأطماعه وافترق عن شقيقته وتم حرمانه من دفء أسرته ليلقى به عمه في أحضان الخطيئة والرزيلة وتشرب طباع الغدر والخداع. وكم كان بارعاً في إتقان دور الشاب المطيع لأوامره حتى جعله يأمن جانبه لحين مجيء اللحظة الحاسمة لأخذ ثأره.
لوح ديفيد بسلاحه في وجه الرجل ساخراً: –لا تخف هكذا، فأنا سأحرص على إرسالك للجحيم في أسرع وقت دون أن تتألم كثيراً، رغم أنني أريد تمزيق جسدك كما مزقت قلبي لموت والدي وأشقائي. فكل مرة كنت أنظر فيها إليك كنت أشعر بأنني أحترق حياً، ولكن كان علي أن أطيعك وأبتسم وأكون الرجل المفضل لديك. ولكن الآن لن يعود في مقدوري أن أنتظر دقيقة أخرى، فلم أعد أملك ما أخسره بعدما خسرت كل شيء.
ما كاد يطلق ديفيد رصاصة من سلاحه حتى توافد من خارج الغرفة عدد من الرجال لم يعلم من أين جاءوا بتلك اللحظة. ولا شيء يفسر وجودهم سوى أن الزعيم دائماً ما كان متيقظاً لحدوث شيء كهذا. لذلك هو يملك عدداً من الرجال لا أحد يعلم بشأنهم سواه هو. وتلك العصا التي يحملها بها جهاز دقيق يرسل إشارات بأن هناك خطر يحيطه. فاختلت توازن تلك اللعبة والخطة التي وضعها ديفيد، وصار الموقف متأزماً بعد سماعه قصف الطلقات النارية. بل أن هناك نيران نشبت في الغرفة لم يستطع أحد تفسير أسباب اشتعالها، فباتت الغرفة كأحد أبواب الجحيم. ولكن ديفيد أقسم أن ينال منه وسيفعل. فبمهارته المعتادة استطاع إصابة الزعيم بطلقة نارية في جبهته حتى وهو وسط عدد من رجاله.
وبسقوط الزعيم قتيلاً، كأن حرباً أهلية قامت بين الجميع، وصار المكان ممتلئاً بالقتلى. وأصيب ديفيد بطلق ناري في كتفه وآخر في ساقه، علاوة على آثار الحروق التي ملأت أحد جانبي وجهه. نجح في الهروب إلا أنه وجد ذلك الرجل يتبعه فصاح قائلاً بحقد: –إلى أين أنت ذاهب يا ديفيد؟ فقد حان وقت إرسالك إلى الجحيم أنت أيضاً.
دوى صوت الطلقات النارية في ذلك السكون وتلاه صراخ ذلك الطائر الذي ربما شهد على لمحة من إحدى المجازر البشرية وعلت صيحة احتجاجه على رؤية تلك الدماء الغزيرة وظل كأنه ينوح حتى طار بعيداً. فسقط الرجل قتيلاً وسقط ديفيد على وجهه هامساً بخفوت: –ياسمين. فبعد مرور يومان... وأثناء وجود راسل في غرفة مكتبه بالمشفى، سمع رنين هاتفه. وتعجب في البداية من أن الرقم من خارج مصر. إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يجيب على الاتصال. فرد قائلاً
بهدوء: –ألو، أيوة مين معايا؟ جاء الرد على الطرف الآخر متسائلاً: –هو حضرتك الدكتور راسل النعماني زوج مدام حياء؟ أجابه راسل بشيء من التوجس خاصة بعد سماع اسم زوجته: –أيوة أنا، خير في إيه؟ وحضرتك تعرف مراتى منين؟ عاد الرجل يسأله باستفسار: –هي ليها أخ فعلاً اسمه ديفيد دانيال اسكندر شمعون؟ رد راسل قائلاً بنفاذ صبر: –أيوة ديفيد دانيال يبقى أخوها، بس ليه بتسأل وعايز منها إيه وأنت علاقتك إيه بيهم؟
قال الرجل بمهنية ونبرة تميل للبرود قليلاً: –أنا من السفارة المصرية في إيطاليا، ببلغ حضرتك إن أخو المدام بتاعتك للأسف مات. وكان بعتلنا ظرف فيه سيديهات ورسالة مكتوب فيها إنهم خاصين بمراته وأخته وكمان رقم تليفونك وإن في حالة وفاته نكلمك ونبلغك الخبر وأحنا هنبعت الجثة بكرة على إسكندرية وحد يستلمها علشان إجراءات الدفن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!