الفصل 8 | من 30 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الجزء الثاني الفصل الثامن 8 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
14
كلمة
8,956
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

كست الدهشة وجه راسل، بعد إدلاء حياء بقولها أنها لم ترسل بطلب شقيقها إلا من أجل مساندتها بأن تحصل على الطلاق منه، على الرغم من أنه وعدها بأن يمنحها الطلاق بهدوء دون الحاجة لتدخل أحد آخر بينهما. ظل يتساءل بقراره نفسه عن مغزى فعلها، ولم يحصل على إجابة تريحه من تفكيره، سوى أنها تريده أن يعلم بأنها لا تفتقر إلى السند أو الدعم، وإنه لم يعد كما كانت تصفه دائمًا بأنه مرساتها وأمانها.

تبادلا النظرات سويًا، حتى استطاع رؤية عينيها اللامعتين اللتين انطفأ منهما بريقهما، وكست خطوط الإجهاد والإرهاق والحزن وجهها. خسر الحرب الطاحنة بين أعينهما مبكرًا، فأطرق برأسه قليلًا، حتى لا يعود بإمكانه أن يشعر بالذنب ويجلده ضميره كلما رأى وجهها الشاحب.

وضع يديه بجيبَي ردائه الطبي، ربما ليخفي ارتجافهما أو ليستطيع غرز أظافره بباطن كفيه كيفما يشاء، دون أن يتطلع أحد على تكوير قبضتيه ومحاولته الظهور بمظهر اللامبالي بالأمور. فمعها هي دائمًا يكون الأمر خارج نطاق السيطرة. ولما لا، وهي من تعرى أمامها من بروده وجموده بأشد أوقاته الحالكة. فثنتان

فقط منحاه هذا الامتياز: هي وخالته وفاء. ولكنه عاد الآن ليجعلها بين صفوف الآخرين، لتشاهد ما يظهر من أفعاله وأقواله، ولا يبدو بنيته أنه سيسمح لها بأكثر من ذلك. اتسعت حدقتا ديفيد بعد سماع قول شقيقته، فابتسم بصدمة وهو يقول بعدم فهم: –عايزة ترفعي عليه قضية طلاق، أنتي اللي بتقولي كده يا حياء. أنا مقدر إن سوء التفاهم بينكم خلاكم زعلانين من بعض، بس لازم راسل يعرف الحقيقة، لازم تسمعني.

أراد ديفيد منع راسل من الانصراف، فقبض على ذراعه بحزم، وأخذ قراره بأنه لن يغادر قبل أن ينجلي سوء التفاهم بين شقيقته وزوجها ذي الوجه المتجهم منذ أن رآه. ولكن ديفيد لم يبالِ بتلك النظرات الكارهة التي راح راسل يرشقه بها، كأنه يريده أن يعي مدى انزعاجه من رؤيته، وأنه لا يريد سماع منه كلمة أخرى.

ولكن ساهمت الظروف بجعل راسل سهل الانقياد لرغبته في أن يتحدث معه. فالأطباء والعاملين بالمشفى، هو خير من يعلم طباعهم من الثرثرة حول أموره الشخصية، وأنه كان دائمًا محط أنظارهم وفضولهم، خاصة بعد عودته الآن للمشفى. فدلف لغرفة المكتب وترك الباب مفتوحًا على مصراعيه كدعوة غير صريحة بأنه على استعداد لسماع ما سيقوله. تبعه ديفيد للداخل لكي يقدم اعتذاره. وما كاد يفتح فمه للحديث حتى قاطعته حياء وهي تقول بحدة لم تخفِها نبرة

صوتها المثقلة بالهموم: –ديفيد، قلت لك خلاص ملوش لازمة اللي بتعمله. وعشان تريح ضميرك، أنا مش طالبة الطلاق عشان سوء تفاهم بينا. لأ، عشان هو خلاص اتجوز واحدة تانية وخلف. مراته التانية وابنه هناك واقفين برا مع مامته وبنته.

خرج ديفيد من غرفة المكتب ونظر حيث وقف أفراد عائلة النعماني بآخر الرواق، فوجد باقي عائلة زوج شقيقته يقفون على بعد مسافة من غرفة المكتب، كأنهم اتخذوا جانبًا ليتركوا ثلاثتهم يتحدثون بحرية. فوجد امرأة تحمل طفلًا صغيرًا تقف بجوار وفاء. ظن بالبداية أن شقيقته تمزح معه، ولكن صمت الجميع ومحاولة تلك المرأة الهرب بنظراتها منه، جعله يتأكد بأن الأمر ليس مزحة كما يظن.

عاد ديفيد للداخل ونظر لراسل بحدقتين متسعتين بتعبير الدهشة والصدمة، وكأن نبرته المتوسلة له بأن يمنحه الوقت لتوضيح سوء الفهم بينه وبين شقيقته احترقت بلهيب غيظه من أنه فعل ذلك بحياء التي عشقته حد الموت. صاح بوجهه وهو يقول بنزق: –اتجوزت عليها وخلفت كمان، وهي كانت مموتة نفسها هنا عشانك وعشان خاطر عيلتك. أنت إزاي أناني كده وقدرت تعمل فيها ده كله وتكسر قلبها بالشكل البشع ده وهي قاعدة مستنياك ترجع؟

حتى مرضيتش تسافر معايا وفضلت هنا على أمل إنك ترجع تاني وتقولك الحقيقة. وكز ديفيد صدر راسل، تعبيرًا عن ضيقه مما سمعه بحق شقيقته، حتى كاد أن يترنح راسل بوقفته. وتطور الأمر أكثر بينهما حتى وصل لأن يتعاركا بالأيدي، وكأن غرفة المكتب صارت حلبة للقتال بين ديفيد وراسل. ولكن بتدخل الحاضرين استطاعوا فض الشجار والعراك بينهما، بعدما أسفر عن إصابة حاجب راسل الأيسر بجرح طفيف، ونزف الدم من شفاه ديفيد.

جذبت حياء شقيقها من ثيابه بعدما رأته بصدد العودة للشجار مع زوجها، فوقفت أمامه وقبضت على قميصه وقالت بعينين دامعتين وصوت متحشرج بأنين: –ديفيد، عشان خاطري يلا نمشي من هنا. أنا مليش حد دلوقتي بعد ربنا غيرك أنت. أرجوك أنا محتجالك يا أخويا.

أتمت حديثها بأن أخفت وجهها بصدره وهي تكمل بكاءها، فأسرع ديفيد باحتضانها والربت عليها لعلها تهدأ. بينهما وقف راسل يرمقها بقلب دامٍ، فهو نجح بجدارة في تحطيم ثقتها وأحلامها وهدم حياتها. نزع منها الأمان، وزرع الأشواك ببستان أحلامها الوردية، ولم يكتفِ بذلك بل أحرق جنة أمانيها، وتركها تبكي على الأطلال الرمادية.

ولكن ما إن رأى الجميع أن الأمور استقرت نسبيًا بينهما خرجوا من غرفة المكتب ولكنهم ظلوا بمكان قريب بالخارج تحسبًا لوقوع شجار جديد بينهما. فعاد الأمر يقتصر عليهم هم الثلاثة بغرفة المكتب، وقبل ديفيد رأس حياء وهو يقول بوعد:

–أنا معاكي يا حياء، هعملك كل اللي انتي عايزاه، حتى لو سبت كل حاجة ورايا ورجعت أعيش معاكي هنا في إسكندرية. أنتي بس قوليلي عايزة إيه وأوامرك وطلباتك كلها مجابة. عايزة تطلقي منه، هطلقك وأخليكي تتجوزي سيد سيده. أنا مستعد أجيب الدنيا كلها تحت رجليكي بس بلاش أشوف دموعك وكسرتك دي يا حبيبتي.

رفعت حياء وجهها لديفيد، ورغم حزنها الشديد، إلا أنها ابتسمت من بين دموعها بعدما استشعرت صدق نبرة صوت شقيقها. ولم يكتفِ بذلك بل رفع كفيه ومسح وجهها وهو يبتسم، فانتبهت على نزيف شفتيه، وأخرجت محرمة ورقية من حقيبتها وناولتها له وهي تقول بصوت خافت: –في دمك على شفايفك امسحه، ويلا خلينا نمشي. طوق كتفيها وأدناها منه وعاد يقبل رأسها من جديد ولم ينسَ أن يرمق راسل بنظرة كارهة قبل خروجه من غرفة المكتب. ولكن قبل أن يصلا للباب سمعا

صوت راسل وهو يقول ببرود: –على فكرة اللي انت عملته ده مش هعديهولك بالساهل ولا اللي حصل منك زمان هعرف أدفعك تمنه غالي يا ديفيد. التفت له ديفيد برأسه قائلاً بابتسامة متهكمة: –أعلى ما في خيلك أركبه يا دكتور، ومتبقاش زي الدبور اللي بيزن على خراب عشه، لأن عشانها هي مستعد أرجع أكره عيلة النعماني تاني والمرة دي هيبقى السبب معروف، فمتخلينيش أحطك في دماغي، وأنت مجرب وعارف ولا تكونش نسيت.

قضى ديفيد بحديثه على كل ذرة عقل وبرود كان يملكها راسل، فخوضه بتهديده لتذكيره بما لقاه منه بالماضي، جعل شياطين العالم تتلبسه دفعة واحدة، بل تخلى عن عقلانيته ومهارته بممارسة البرود، وبدا كإنسان بدائي من تلك العصور، التي كان ينال بها الثأر دون رادع أو اعتبار لأي مظهر من مظاهر السلوك الإنساني أو الحضاري. بل تدافع الأفكار برأسه، جعلته يشعر بالنشوة من تخيله أن يجعل ديفيد يذوق مر الألم والوجع مثلما نجح هو في أن يجعله يتجرعه منذ سنوات مضت.

جذب راسل ذراع حياء دون محاولة منه في إيلامها وقال بنبرة مفعمة بالبرود: –مراتي مش هتسيب البيت إلا في الوقت اللي أنا عايزه وطالما عايزها تحدي يا ديفيد، معنديش مانع أهو حتى أتسلى لحد ما أسافر، المغامرة مطلوبة برضو عشان تكسر الملل. سحبت حياء ذراعها من بين يده القابضة عليه بإحكام، فما ظنه بها؟ هل هي بيدق بتلك اللعبة التي يريد خوضها مع شقيقها من أجل شعوره بالغيظ والغضب منه؟

ظلت تحرك رأسها ببطء لعلها تقنع ذاتها بأن هذا الرجل هو حقًا زوجها راسل. فهي ستصاب حتمًا بالجنون. وظلت تتساءل بشيء من الحيرة، هل أن عامين قادران على تغيير طباعه وسلوكه إلا هذا الحد، الذي يجعلها تظن أحيانًا بأنه ليس هذا من أحبته وتزوجته، بل تم استبداله برجل آخر يشبهه كثيرًا. رفع جفنيها بشيء من البلادة وغمغمت بتعجب وصدمة: –هو أنت مفكرني لعبة في إيدك تتسلى بيها وتاخد بيها بتارك من ديفيد؟ لاء بجد فاجأتني يا دكتور راسل.

رفعت حياء وجهها وعادت تستأنف حديثها بتحدٍ وإصرار:

–أنا كنت ناوية أسيبك بهدوء وأمشي من غير ما نأذي بعض، بس طالما أنت عايز كده تمام، مفيش مشكلة. وغلاوة سجود عندك لأكسرك يا راسل وأكسر كبرياءك وأحطم حياتك وأهدم أحلامك وأخليك تبكي بدل الدموع دم، وأنت اللي جبته لنفسك. لأن متستهونش بواحدة قلبها انكسر. سلام يا زوجي العزيز، أنا مستنياك في البيت على ما ترجع. وإن كنت أخدت قراري بإن أسيب قصر النعماني، فدلوقتي أنا قعدالك واستعد للمفاجأة اللي هتوصلك مني قريب. يلا يا ديفيد عشان توصلني.

تأبطت حياء ذراع ديفيد وخرجت من غرفة المكتب، وقبل أن يتم إغلاق الباب، رفعت يدها ولوحت لراسل بأطراف أصابعها، وارتسم على ثغرها الملتوي ابتسامة حملت كل النوايا بتحطيمه، بل حملت طابع الهيمنة والسيطرة دلالة على أن الأيام المقبلة سيشهد بها تجهيز مقبرة ومحرقة كبريائه.

ولم تنسَ وهي تسير بالرواق متأبطة ذراع شقيقها أن تحاول الظهور بمظهر القوة والبأس، ولكن اصطدمت نظراتها بنظرات ساندرا وهي تسير من جوارها ويبدو عليها أنها على وشك دخول غرفة المكتب. فلم تسمح بأن يضيء بريق الغيرة عينيها، ولكن تلك اليد الصغيرة التي علقت بحجابها، جعلتها تتوقف عن السير. وجدت الصغير قابضًا على طرف حجابها ولم يكتفِ بذلك بل وضعه بفمه وهو يضحك.

وكلما حاولت ساندرا جعله يفلت طرف حجاب حياء من يده، عاد ويقبض عليه من جديد، فكانت تلك هي المرة الأولى التي ترى بها الصغير عن قرب. طفل جميل عيناه تفيض بالشقاوة والمشاكسة ولكنه عنيد، وربما تلك هي الصفة الوحيدة التي ترى أن الصغير يتقاسمها مع راسل، فكلاهما عنيدان ولديهما إصرار لعين على الاقتراب منها. فإن كانت استباحت لنفسها بأن تقتص لقلبها من زوجها، فهي ستجعل الصغار خارج نطاق تلك الحرب التي ستشنها بينها وبين من كان يحمل صفة معشوقها وحبيبها حتى تلك اللحظة التي وطأ بها المنزل بقدميه بعد الغياب. أم الآن فهي لم تجد خانة تضعه بها سوى تلك الخانات التي كانت مهجورة بقلبها وهي خانات الغدر والخذلان.

الطقس المشمس بالحديقة، جعل بيرى أكثر تصميمًا على خروج مارجريت من غرفتها التي تسكنها بعدما قامت هي بنقلها إلى ذلك الجزء الذي تسكنه بعد وفاة أبيها. فهي من أنستها بمعيشتها بعدما غادر ديفيد لصقلية ورفضت حياء ترك منزل زوجها. ونشأت بينهما ألفة من نوع خاص رغم خوفها أحيانًا من حديثها المبهم، أو لما تظل تتمتم بعبارات غير مفهومة كأنها تهذي. ولكن استطاعت بيرى إقناع عقلها بأن ما تعانيه مارجريت ربما يرجع أثره لكونها طاعنة بالسن أو أن احتجاز أبيها لها بمكان بمفردها، جعلها تفقد شيئًا من عقلها.

تململت مارجريت بنومها بعدما شعرت بيد توكزها بكتفها بلطف، وعلى الرغم من علمها بصاحبة تلك اليد، إلا أنها أرادت إكمال نومها، الذي ترى أنها لم تحصل منه على القسط الكافي، رغم أنها نامت بالأمس في وقت مبكر جدًا. فأرادت صرف بيرى بلطف، بأن جذبت الغطاء لوجهها، كأنها تنبئها بأنها ليست على استعداد لترك فراشها. جذبت بيرى الغطاء وقالت وهي تضحك بصوت مسموع:

–مارجريت، أنا عارفة إنك صاحية، وأنتي نايمة من امبارح. كفاياكي نوم ويلا نخرج نأكل في الجنينة. ديفيد راجع البيت النهاردة، هو اتصل عليا وقال لي، بس قال لي هيروح يشوف حياء الأول.

لسماعها اسم ديفيد وحياء كان ذلك أدعى بأن يجعلها تنصاع لقول بيرى، خاصة وأن هؤلاء الثلاثة الآن هم درع القوة لتلك العائلة، رغم أن أحد أضلاع هذا المثلث والمتمثل بحياء الغير راغبة في الاعتراف بهويتها الحقيقية، سيجعل الضلعين الآخرين يتبعونها. وربما ستندثر أصول وجذور تلك العائلة إذا لم يسرع ديفيد في الزواج وإنجاب وريث آخر لعائلة إسكندر شمعون.

جلست مارجريت بفراشها ومسحت بكفيها على قسمات وجهها المتجعدة بفعل المشيب، فقالت بابتسامة ربما تنافي قسمات وجهها الصلبة: –أخيرًا رجع ديفيد أبو دماغ ناشفة.

جلست بيرى بجانبها على طرف الفراش وهي تهز رأسها ببطء، فشردت للحظة تفكر فيما أصاب حياء، خاصة بعد علمها بعودة زوجها وأنه لم يعد بمفرده. فصار لديها يقين الآن بأنهما تعيستان الحظ بعشقهما. وعلى الرغم من علمها بأن عبد الرحمن لم يتزوج، إلا أنها لم تملك الجرأة بالبحث عنه وكتابة نهاية لقصة عشقهما العالقة منذ سنوات، كأنها تخشى أن ترى منه رد فعل أقوى بعد كذبته بأنه متزوجًا. خاصة أنها لن تستطيع أن تعيد إليه ذراعه المبتور، والذي بتره والدها غدرًا من أجل تهديده بالابتعاد عنها. فهي تفضل أن تظل هكذا وتتذكر ما كان من أمرهما سابقًا، على أن يعودا ويلتقيان ثانية وربما ترى بعينيه نظرات الكره والبغض لها، على أن عشقها هو المتسبب بإيذائه.

زحفت يد مارجريت ببطء، حتى حطت بها على يد بيرى، فانتفضت فجأة لانغماسها بالتفكير حتى لم تعد تتذكر أنها جالسة بجوارها. وضعت بيرى يدها على صدرها لتهدأ من روعها، فابتسمت مارجريت على نحو غريب وهي تقول بنبرة مبهمة: –طريق النسيان مش سهل يابيري، لاء ده طويل قوي، وكل خطوة هتخطيها فيه هتلاقي ألف خطوة بعدها، كأنك بتلفي في دايرة مقفولة مش عارفة بدايتها ولا نهايتها.

تشابكت حاجبا بيرى بتقطيبة خفيفة من حديث مارجريت الغامض، فأحيانًا كثيرة تحيرها بحديثها الغير مفهوم، وتأخذ هي بحديثها على سبيل الدعابة أو الطرافة، على الرغم من شعورها أحيانًا بأن مارجريت تستطيع قراءة أفكارها أو أنها تعلم ما تهمس به لقلبها وعقلها. لمست بيرى حاجبها الأنيق وقالت بشرود: –قصدك إيه يا مارجريت بكلامك ده. أنا مبفهمش تقصدي إيه.

حاولت مارجريت تغيير دفة الحديث، خاصة أن بيرى لا تعلم شيئًا عن مهاراتها بالاستبصار وقراءة الورق والتي تخلت عنها منذ وفاة أدريانو. فهي لم تكن تفعل ذلك إلا من أجل إرهابه وأن تجعله يشعر بفداحة أفعاله مع شقيقه وأبنائه، كأنها كانت تمارس إحدى الألعاب النفسية المنهكة للعقل، وتجعله بالأخير يفقد القدرة على التفكير السليم. وضعت مارجريت قدميها الشبه رخوتين أرضًا وهي تقول بابتسامة خافتة:

–يلا عشان نخرج الجنينة وأستنى ديفيد عشان وحشني. أنا لما بشوفه كأن شفت دانيال أبوه، ودانيال كان غالي قوي على قلبي لأنه مكنش زي أبوكي بيدور على المشاكل من أي مكان. مش عارفة شيطان زيه خلف ملاك زيك إزاي. قهقهت مارجريت على ما قالته، ونظرت لبيرى تقدم اعتذارها بعينيها الضيقتين، فحتى وإن كان أدريانو شيطان والجميع يسلم بتلك الحقيقة حتى ابنته، إلا أنها لم تقصد أن تجعلها تشعر بالسوء كونها تنتمي إليه.

تركت بيرى مكانها وساعدتها حتى انتهت من روتينها من الاغتسال وارتداء ثياب نظيفة، فخرجتا للحديقة وأوصت بيرى الخادمة بأن تضع الطعام على الطاولة بالحديقة. وما أن انتهت الخادمة من وضع أطباق الطعام على الطاولة المستديرة، رأت بيرى ديفيد قادمًا برفقة حياء، فتركت مكانها وصاحت بسعادة: –حياء وديفيد جم يا مارجريت. هرولت بيرى تجاه حياء واحتضنتها وأعربت عن سعادتها بعودة ديفيد، فأشارت للطاولة وهي تقول بطرافة:

–تعالوا يلا كلنا ناكل مع بعض وزي ما بيقولوا حماتكم بتحبكم. اقتربت حياء من أحد المقاعد وجلست عليه ووضعت من الطعام بفمها وهي تقول بتهكم: –أنا حماتي ماتت وقريب هخلي ابنها يحصلها من قهرته. حدقت بيرى بديفيد لعله يقدم تفسيرًا لما قالته حياء، إلا أنه ظل صامتًا بل جلس على المقعد المجاور لشقيقته بعدما قبل رأس مارجريت، فعادت بيرى لمقعدها ووزعت نظراتها بينهما وهي تقول بإلحاح: –هو في إيه مالكم؟

ما تفهموني إيه اللي حصل، وأنتي عملتي إيه مع جوزك يا حياء؟ أنتي كلمتيني وقولتلي على موضوع أنه رجع ومتجوز ومخلف، ومعرفتش حاجة تاني، فقوليلي ناوية على إيه. تنفست حياء بعمق وأسندت ظهرها لمقعدها ومضغت قطعة من الخبز بهدوء مميت، فردت قائلة بعدم اكتراث:

–ناوية على كل خير إن شاء الله. أنا هعرفه يعني إيه وجع القلب وكسرة النفس. ودلوقتي سيبوني آكل عشان جعانة، حتى يبقى عندي باور أخطط وأتكلم، وعلشان أقعد معاكم شوية قبل ما أرجع أرض المعركة.

رافق حديثها ابتسامة لتجعلهم يتوهمون أن حياتها ستأخذ منحنى آخر يتسم بالشر والمكائد، ولكن لا أحد منهم يبدو عليه أنه يصدقها بأنها قادرة على فعل ذلك، نظرًا لرقتها وهشاشتها، كأنها خُلقت من تلك الحلوى الهشة المسماة "غزل البنات" والتي تبدو للرائي أنها منسوجة بقوة، ليتضح فيما بعد أن ما إن تلمسها يد تذوب كقطعة السكر، التي تم غزلها منها. شد ديفيد على يدها ليجعلها تنصت لحديثه:

–حياء ملوش لازم ترجعي بيت النعماني خليكي هنا، مش عايزك تتأذي ولا قلبك ينكسر زيادة، وأنا هعرف أردلك حقك متقلقيش. ربتت حياء على يده وأخذتها بين كفيها وهي تقول بإصرار:

–ديفيد، في سنتين ضاعوا من عمري بين دموع وأنات وقلب اتحرق بنار الفراق والانتظار، وزي ما كل حاجة لازم يبقى ليها تمن، فأنا مش هسيبه إلا لما يدفع فاتورة السنتين دول وبعد كده أوعدك أنا اللي هرجع هنا، بس أكون راجعة وأنا واخدة حقي. وطالما هو حابب أبقى وسيلة في إيده يلعب بيها معاك، فأنا اللي هلعب بيه، لأن محدش يعرف نقط ضعف راسل زيي، وأعرف أوجعه فين وأمتى، وأنت هتكون معايا خطوة بخطوة وبعد ما آخد حقي أنا اللي هكتب كلمة النهاية بإيدي.

أن تختمر خطط الانتقام بعقل وقلب عاشقة، لهو شيء يستحق التأمل والتفكير، بل من الأدعى أن يأخذ الطرف الآخر حذره منها. قلبها مقهور واحترقت أمانيها حتى صار كجمرة ملتهبة تلتهم مشاعرها وعواطفها دون هوادة. فإن كان راسل نجح بالبداية أن يجعل قلبها يتقد بلهيب العشق، فها هو ينجح مرة أخرى بأن يجعلها تتقد بنيران الانتقام منه لقلبها الذي كان مولعًا به.

وضعت يدها على صدرها وأغمضت عينيها ريثما تعيد تنظيم أنفاسها التي شعرت بانتقاصها وهي تتلو عهود الثأر، فشعرت بملس القلادة المعدنية أسفل أناملها. رفعت طرفها ونظرت مليًا لتلك الصورة المحفورة عليها والخاصة بزوجها وابنته. وبدون تفكير جذبت القلادة من عنقها بشيء من القوة والحدة.

انقطع السلسال الذهبي بعدما ترك آثار احتكاكه بمؤخرة عنقها أثناء جذبها له، فإن كانت حرصت على جعل تلك القلادة قريبًا من قلبها لتأنس وحشتها أثناء غيابه، فالآن لم يعد لها فائدة بأن تظل ترتديها. حتى وإن كانت تستثني سجود من انتقامها، فما سيجعلها رحيمة به ولن تقضي عليه حتى رمقه الأخير، هو وجود تلك الصغيرة، والتي تعلم مدى حبها وعشقها لأبيها. ولكنها لن تتركه حتى تترك له ذكرى أليمة سيضعها بجانب ذكرياته المرة، ليدرك فداحة أفعاله معها، ومن ثم ستتركه كشيء مهمل بحياتها، ولن تعود وتفكر به، ولكن سيظل هو يتذكرها لما تبقى من عمره.

فتح آدم تلك الحقيبة الصغيرة الخاصة به، وأخرج قنينة العطر التي كانت آخر إنتاج من شركة العطور التي كانت تملكها والدته الراحلة. فهي كانت تتفنن في صنع العطور الجذابة والفواحة والتي ذاع صيتها بفرنسا. وأطلقت عليها اسم "حسناء" باللغة الفرنسية. تأملها من كل جوانبها وهو يبتسم، كون أنه لا يرى أنثى يناسبها ذلك العطر سوى "حياء". لذلك رغب في أن يهديها إياه، لتكون أول هدية يقدمها لها. وما جعله يتشجع قليلًا بتفكيره، أنها لم تكن فظة

معه عندما رآها بذلك اليوم على الشاطئ، بل كانت على غير عادتها من أمور النفور وما شابه. رغم أنها لم تبدِ له أكثر ما يقتضيه الذوق بالرد على حديثه. ولكن معرفته بأنها ربما ستأتي برفقة بيرى لتنظيم الحفل الغنائي الثاني له بالإسكندرية، جعله أكثر تصميمًا تلك المرة على أن يتجاذب معها أطراف الحديث بلباقة ولا تجعلها تشعر بأنه يحاول مغازلتها أو استمالتها إليه.

وضع قنينة العطر من يده وولج للمرحاض وهو يطلق صفيرًا بصوت عالٍ. وبعد انتهائه خرج وهو ما زال ينشد بكلمات أغنيته التي سيسمعها للجمهور اليوم، ولكنه أعد مفاجأة أخرى وهي أنه حفظ كلمات أغنية باللغة العربية وسيغنيها من أجل حياء. سمع طرقًا على باب غرفته تلاه دخول مدير أعماله والذي راح يصيح قائلًا باستياء: –يا سلام على برودك يا أخي، الحفلة خلاص فاضل عليها نص ساعة وأنت لسه حتى ملبستش هدومك. هتروح تغنيلهم على نص الليل ولا إيه.

قلب آدم عينيه بملل وألقى المنشفة بوجه صديقه وهو يقول بانزعاج: –بس اسكت، صوتك عالي. عشر دقائق وأكون جاهز، مش عايز مزاجي يتعكر النهارده بصوتك الوحش ده. ضيق صديقه ما بين عينيه قائلًا بغيظ متفكيًا: –أنا الغلطان اللي علمتك تتكلم عربي، من ساعة ما بقيت تتكلم عربي وأنت لسانك طويل وبقيت قليل الأدب. تركه آدم وولج لغرفة الثياب وهو يقول بمكر محاولًا إغاظته:

–عادي ما أنا كنت بشتمك قبل ما أتعلم أتكلم عربي. وبس بقى مش عايز أتأخر على مليكتي. لطم صديقه خديه قائلًا بنفاذ صبر: –يا ابني يا حبيبي ربنا يهديك أنت مصر تخرج من هنا وترجع فرنسا في تابوت ميت ليه؟ يا ابني دي متجوزة متجووووووزة افهم بقى، يعني جيش الحرس اللي عند أبو جوزها ده واحد منهم بس بطلقة صغيرة يخليك تودع الدنيا باللي فيها. أبوس إيدك خلينا في أكل عيشنا، ومتقومش الدنيا على دماغنا.

خرج آدم من غرفة الثياب، ورمقه بنظرة لا مبالية، ووقف أمام المرآة وقام بثني أكمام قميصه ومشط شعره ونثر عطره وأخذ متعلقاته وأشار له بأن يتقدمه بالسير ليذهبا حيث يقام الحفل الغنائي. وصلا لتلك القاعة المقام بها الحفل، وجد آدم بيرى بانتظاره، فأقتربت منه على وجه السرعة وهي تقول بعملية:

–آدم أنت اتأخرت على الميعاد اللي اتفقنا عليه. أنا طلبت منك إنك تيجي قبل الحفلة بنص ساعة تقريبًا بس أنت وصلت دلوقتي وتقريبًا فاضل عشر دقايق بس قبل ما تدخل القاعة. لم ينتبه آدم لما تقوله بل راحت عيناه تتجول بالمكان ليرى هل هي هنا أم لا، ولكنه لم يكن يملك الوقت الكافي لسؤال بيرى عنها، بل جذبته من ذراعه ووصلا حيث ذلك المكان الذي سيخرج منه للقاعة، وما عاد ينظر خلفه حتى دفعه صديقه برفق ليدخل ويبدأ الغناء.

بدأ آدم الغناء بفتور على غير العادة، رغم حماس الجمهور بالتهليل والتصفيق، ولكن اختفى كل هذا ما إن أبصرها قادمة من مكان بآخر تلك القاعة ووقفت بجوار بيرى، فعاد إليه حماسه وبدأ يشدو بنغمات أغنيته الجديدة حتى فرغ منها وعلا صوت التصفيق الحار من الجمهور. ترك آدم مكانه ووصل حيث وقف كل من صديقه وحياء وبيرى، بعد أخذه تلك الاستراحة القصيرة على أن يعود ويكمل باقي فقرات الحفل الغنائي، فابتسم لحياء قائلًا بصوت ودود:

–فرحان إنك جيتي النهارده مليكتي. ابتسمت حياء ابتسامة خالية من المرح، إلا أنها لم تنكر شعورها بالانزعاج كلما ناداها بتلك الكلمة المتوددة، فنظرت إليه قائلة بجدية: –آدم أرجوك بلاش كلمة مليكتي دي إذا سمحت مش عايزة حد يسمعك كده ويفتكر حاجة مش كويسة. رأى بوادر الانزعاج والضيق بوضوح على وجهها، فأسرع بتقديم اعتذاره وهو يقول بلباقة: –آسف يا حياء، بس منكرش إن أنا فرحان إنك جيتي النهارده.

–شكرًا يا آدم وأظن وقت استراحتك خلص يلا عشان تدخل تغني تاني. قالت حياء وهي تشير بيدها بأن يسرع بدخول القاعة، فأطاعها على الفور، ولم يفوتها تلك النظرات التي حملت علامات الاستفهام من صديق آدم وبيرى، إلا أنها حقًا لم تكن راغبة في الحديث، فهي لم تأتِ لهنا إلا للترويح عن نفسها، عوضًا عن جلوسها بالمنزل وترى زوجها، الذي بدا أن السبل والدروب تقطعت بينهما من غير رجعة.

بعد انقضاء ساعات الحفل جلسوا حول إحدى الطاولات بذلك المطعم التابع للفندق الذي أقيم الحفل بإحدى قاعاته، وبعد تناول العشاء وثرثرتهم، أخرج آدم تلك القنينة ووضعها أمام حياء. نظرت لها حياء بتفحص وما لبثت أن عقدت حاجبيها وتساءلت: –إيه ده يا آدم، بتديني البيرفيوم ده ليه؟ ابتسم آدم وهو يشير إليها قائلاً برجاء:

–دا آخر نوع برفيوم ماما كانت عملاه قبل ما تموت، حبيت أدهولك هدية، عشان لما أسافر تفتكريني. اعتبريها هدية بسيطة واعتذار عن لو كنت ضايقتك في أي مرة شوفتك فيها.

رفعتها حياء ونظرت لاسمها فابتسمت بمرارة كون أن ذلك الاسم، كان يدللها به راسل زوجها، ورغم ذلك الشعور الذي اجتاحها من أنها لا تريد أن تتذكره أو تتذكر أوقاتهما سويًا، إلا أنها قبلت أخذ الهدية، فوضعتها بحقيبتها وشكرت آدم، ولكنها ألحت على بيرى بضرورة الانصراف، فنهضت بيرى من مقعدها ولكن قبل أن تصل كل منهما لسيارتها رأتا ديفيد قادمًا برفقة فتاة تتأبط ذراعه بدلال أنثوي صارخ، ولكن يبدو على وجهه أنه يشعر بالاستياء.

تقدمت منه حياء ونظرت للفتاة وتساءلت بصوت خفيض: –مين دي يا ديفيد؟ أنت رجعت تلعب بديلك تاني؟ قلب ديفيد شفتيه ورد قائلاً بسخط: –ديلي إيه ومصيبة إيه، دي بلوة اتحذفت عليا ومعرفتش أخلص منها. تبقى بنت شريكي في صقلية ووصلت إسكندرية النهاردة، فجبتها أحجزلها في الفندق هنا، لأن دي ما أضمنهاش لو قعدت معايا في البيت.

فهمت حياء وبيرى مغزى حديثه، فضحكتا بصوت عالٍ، فابتسمت الفتاة على الرغم من عدم فهمها لما يقولونه كونها لا تتحدث العربية. بادلها ديفيد ابتسامتها بابتسامة صفراء، قادرة على أن تجعلها تعلم مدى شعوره بالانزعاج من وجودها، ولكنها لم تبالِ بسخطه، بل جل ما فعلته بأن ربتت على وجنته بدلال. رمق ديفيد شقيقته وابنة عمه مازحًا:

–استنوني هنا هشوفلها أي أوضة تقعد فيها وأجيلكم ولو اتأخرت تعالوا خدوني، متسبونيش معاها لوحدي، وأنا أساسًا تاريخي مفيش أسود منه ماشي.

جلست حياء وبيرى بالحديقة التابعة للفندق ريثما ينتهي ديفيد من تسكين ضيفته الشابة بإحدى غرف الفندق. مالت حياء برأسها للخلف ونظرت للسماء، التي ظهرت بها النجوم كنقاط بيضاء وسط سواد حالك، ولكن لم ترَ أثرًا للقمر، كأنه الليلة ظل مختبئًا بمكان بعيد، حتى لا تراه، وتعود من جديد تسأله عن تلك الوعود والعهود التي تقاسمتها هي وحبيبها بأيام زواجهما الأولى. فهي ظلت حافظة الوعد والعهد وظلت باقية على الود لأيام وشهور، ولكن تبخر كل شيء بلحظة واحدة، كانت كفيلة بقتلها حتى وإن كانت أنفاسها ما زالت تجري برئتيها. ولكن ليس كل القتل ترى آثاره متمثلة بدماء وروح تزهق، بل هناك قتل من نوع آخر، وهو المتمثل بذلك البرود والخواء اللذين استطاع زرعهما بقلبها.

مررت يدها ببطء حتى وصلت موضع قلبها، شعرت بتلك الخفقات المؤلمة والتي يدوي صوتها بين أضلعها. فإن نجحت بتلك الأيام القليلة الماضية بأن لا تراه حتى تأخذ وقتها الكافي بترتيب حياتها، وإعداد أول خطة لتلك الحرب الباردة بينهما، فقريبًا ستصبح المواجهة بينهما حتمية، وستقدم كبرياءه المهدور قربانًا لقلبها الجريح.

فتح آدم تلك الحقيبة الصغيرة الخاصة به، وأخرج قنينة العطر التي كانت آخر إنتاج من شركة العطور التي كانت تملكها والدته الراحلة. فهي كانت تتفنن في صنع العطور الجذابة والفواحة والتي ذاع صيتها بفرنسا. وأطلقت عليها اسم "حسناء" باللغة الفرنسية. تأملها من كل جوانبها وهو يبتسم، كون أنه لا يرى أنثى يناسبها ذلك العطر سوى "حياء". لذلك رغب في أن يهديها إياه، لتكون أول هدية يقدمها لها. وما جعله يتشجع قليلًا بتفكيره، أنها لم تكن فظة

معه عندما رآها بذلك اليوم على الشاطئ، بل كانت على غير عادتها من أمور النفور وما شابه. رغم أنها لم تبدِ له أكثر ما يقتضيه الذوق بالرد على حديثه. ولكن معرفته بأنها ربما ستأتي برفقة بيرى لتنظيم الحفل الغنائي الثاني له بالإسكندرية، جعله أكثر تصميمًا تلك المرة على أن يتجاذب معها أطراف الحديث بلباقة ولا تجعلها تشعر بأنه يحاول مغازلتها أو استمالتها إليه.

وضع قنينة العطر من يده وولج للمرحاض وهو يطلق صفيرًا بصوت عالٍ. وبعد انتهائه خرج وهو ما زال ينشد بكلمات أغنيته التي سيسمعها للجمهور اليوم، ولكنه أعد مفاجأة أخرى وهي أنه حفظ كلمات أغنية باللغة العربية وسيغنيها من أجل حياء. سمع طرقًا على باب غرفته تلاه دخول مدير أعماله والذي راح يصيح قائلًا باستياء: –يا سلام على برودك يا أخي، الحفلة خلاص فاضل عليها نص ساعة وأنت لسه حتى ملبستش هدومك. هتروح تغنيلهم على نص الليل ولا إيه.

قلب آدم عينيه بملل وألقى المنشفة بوجه صديقه وهو يقول بانزعاج: –بس اسكت، صوتك عالي. عشر دقائق وأكون جاهز، مش عايز مزاجي يتعكر النهارده بصوتك الوحش ده. ضيق صديقه ما بين عينيه قائلًا بغيظ متفكيًا: –أنا الغلطان اللي علمتك تتكلم عربي، من ساعة ما بقيت تتكلم عربي وأنت لسانك طويل وبقيت قليل الأدب. تركه آدم وولج لغرفة الثياب وهو يقول بمكر محاولًا إغاظته:

–عادي ما أنا كنت بشتمك قبل ما أتعلم أتكلم عربي. وبس بقى مش عايز أتأخر على مليكتي. لطم صديقه خديه قائلًا بنفاذ صبر: –يا ابني يا حبيبي ربنا يهديك أنت مصر تخرج من هنا وترجع فرنسا في تابوت ميت ليه؟ يا ابني دي متجوزة متجووووووزة افهم بقى، يعني جيش الحرس اللي عند أبو جوزها ده واحد منهم بس بطلقة صغيرة يخليك تودع الدنيا باللي فيها. أبوس إيدك خلينا في أكل عيشنا، ومتقومش الدنيا على دماغنا.

خرج آدم من غرفة الثياب، ورمقه بنظرة لا مبالية، ووقف أمام المرآة وقام بثني أكمام قميصه ومشط شعره ونثر عطره وأخذ متعلقاته وأشار له بأن يتقدمه بالسير ليذهبا حيث يقام الحفل الغنائي. وصلا لتلك القاعة المقام بها الحفل، وجد آدم بيرى بانتظاره، فأقتربت منه على وجه السرعة وهي تقول بعملية:

–آدم أنت اتأخرت على الميعاد اللي اتفقنا عليه. أنا طلبت منك إنك تيجي قبل الحفلة بنص ساعة تقريبًا بس أنت وصلت دلوقتي وتقريبًا فاضل عشر دقايق بس قبل ما تدخل القاعة. لم ينتبه آدم لما تقوله بل راحت عيناه تتجول بالمكان ليرى هل هي هنا أم لا، ولكنه لم يكن يملك الوقت الكافي لسؤال بيرى عنها، بل جذبته من ذراعه ووصلا حيث ذلك المكان الذي سيخرج منه للقاعة، وما عاد ينظر خلفه حتى دفعه صديقه برفق ليدخل ويبدأ الغناء.

بدأ آدم الغناء بفتور على غير العادة، رغم حماس الجمهور بالتهليل والتصفيق، ولكن اختفى كل هذا ما إن أبصرها قادمة من مكان بآخر تلك القاعة ووقفت بجوار بيرى، فعاد إليه حماسه وبدأ يشدو بنغمات أغنيته الجديدة حتى فرغ منها وعلا صوت التصفيق الحار من الجمهور. ترك آدم مكانه ووصل حيث وقف كل من صديقه وحياء وبيرى، بعد أخذه تلك الاستراحة القصيرة على أن يعود ويكمل باقي فقرات الحفل الغنائي، فابتسم لحياء قائلًا بصوت ودود:

–فرحان إنك جيتي النهارده مليكتي. ابتسمت حياء ابتسامة خالية من المرح، إلا أنها لم تنكر شعورها بالانزعاج كلما ناداها بتلك الكلمة المتوددة، فنظرت إليه قائلة بجدية: –آدم أرجوك بلاش كلمة مليكتي دي إذا سمحت مش عايزة حد يسمعك كده ويفتكر حاجة مش كويسة. رأى بوادر الانزعاج والضيق بوضوح على وجهها، فأسرع بتقديم اعتذاره وهو يقول بلباقة: –آسف يا حياء، بس منكرش إن أنا فرحان إنك جيتي النهارده.

–شكرًا يا آدم وأظن وقت استراحتك خلص يلا عشان تدخل تغني تاني. قالت حياء وهي تشير بيدها بأن يسرع بدخول القاعة، فأطاعها على الفور، ولم يفوتها تلك النظرات التي حملت علامات الاستفهام من صديق آدم وبيرى، إلا أنها حقًا لم تكن راغبة في الحديث، فهي لم تأتِ لهنا إلا للترويح عن نفسها، عوضًا عن جلوسها بالمنزل وترى زوجها، الذي بدا أن السبل والدروب تقطعت بينهما من غير رجعة.

بعد انقضاء ساعات الحفل جلسوا حول إحدى الطاولات بذلك المطعم التابع للفندق الذي أقيم الحفل بإحدى قاعاته، وبعد تناول العشاء وثرثرتهم، أخرج آدم تلك القنينة ووضعها أمام حياء. نظرت لها حياء بتفحص وما لبثت أن عقدت حاجبيها وتساءلت: –إيه ده يا آدم، بتديني البيرفيوم ده ليه؟ ابتسم آدم وهو يشير إليها قائلاً برجاء:

–دا آخر نوع برفيوم ماما كانت عملاه قبل ما تموت، حبيت أدهولك هدية، عشان لما أسافر تفتكريني. اعتبريها هدية بسيطة واعتذار عن لو كنت ضايقتك في أي مرة شوفتك فيها.

رفعتها حياء ونظرت لاسمها فابتسمت بمرارة كون أن ذلك الاسم، كان يدللها به راسل زوجها، ورغم ذلك الشعور الذي اجتاحها من أنها لا تريد أن تتذكره أو تتذكر أوقاتهما سويًا، إلا أنها قبلت أخذ الهدية، فوضعتها بحقيبتها وشكرت آدم، ولكنها ألحت على بيرى بضرورة الانصراف، فنهضت بيرى من مقعدها ولكن قبل أن تصل كل منهما لسيارتها رأتا ديفيد قادمًا برفقة فتاة تتأبط ذراعه بدلال أنثوي صارخ، ولكن يبدو على وجهه أنه يشعر بالاستياء.

تقدمت منه حياء ونظرت للفتاة وتساءلت بصوت خفيض: –مين دي يا ديفيد؟ أنت رجعت تلعب بديلك تاني؟ قلب ديفيد شفتيه ورد قائلاً بسخط: –ديلي إيه ومصيبة إيه، دي بلوة اتحذفت عليا ومعرفتش أخلص منها. تبقى بنت شريكي في صقلية ووصلت إسكندرية النهاردة، فجبتها أحجزلها في الفندق هنا، لأن دي ما أضمنهاش لو قعدت معايا في البيت.

فهمت حياء وبيرى مغزى حديثه، فضحكتا بصوت عالٍ، فابتسمت الفتاة على الرغم من عدم فهمها لما يقولونه كونها لا تتحدث العربية. بادلها ديفيد ابتسامتها بابتسامة صفراء، قادرة على أن تجعلها تعلم مدى شعوره بالانزعاج من وجودها، ولكنها لم تبالِ بسخطه، بل جل ما فعلته بأن ربتت على وجنته بدلال. رمق ديفيد شقيقته وابنة عمه مازحًا:

–استنوني هنا هشوفلها أي أوضة تقعد فيها وأجيلكم ولو اتأخرت تعالوا خدوني، متسبونيش معاها لوحدي، وأنا أساسًا تاريخي مفيش أسود منه ماشي.

جلست حياء وبيرى بالحديقة التابعة للفندق ريثما ينتهي ديفيد من تسكين ضيفته الشابة بإحدى غرف الفندق. مالت حياء برأسها للخلف ونظرت للسماء، التي ظهرت بها النجوم كنقاط بيضاء وسط سواد حالك، ولكن لم ترَ أثرًا للقمر، كأنه الليلة ظل مختبئًا بمكان بعيد، حتى لا تراه، وتعود من جديد تسأله عن تلك الوعود والعهود التي تقاسمتها هي وحبيبها بأيام زواجهما الأولى. فهي ظلت حافظة الوعد والعهد وظلت باقية على الود لأيام وشهور، ولكن تبخر كل شيء بلحظة واحدة، كانت كفيلة بقتلها حتى وإن كانت أنفاسها ما زالت تجري برئتيها. ولكن ليس كل القتل ترى آثاره متمثلة بدماء وروح تزهق، بل هناك قتل من نوع آخر، وهو المتمثل بذلك البرود والخواء اللذين استطاع زرعهما بقلبها.

مررت يدها ببطء حتى وصلت موضع قلبها، شعرت بتلك الخفقات المؤلمة والتي يدوي صوتها بين أضلعها. فإن نجحت بتلك الأيام القليلة الماضية بأن لا تراه حتى تأخذ وقتها الكافي بترتيب حياتها، وإعداد أول خطة لتلك الحرب الباردة بينهما، فقريبًا ستصبح المواجهة بينهما حتمية، وستقدم كبرياءه المهدور قربانًا لقلبها الجريح.

فتح آدم تلك الحقيبة الصغيرة الخاصة به، وأخرج قنينة العطر التي كانت آخر إنتاج من شركة العطور التي كانت تملكها والدته الراحلة. فهي كانت تتفنن في صنع العطور الجذابة والفواحة والتي ذاع صيتها بفرنسا. وأطلقت عليها اسم "حسناء" باللغة الفرنسية. تأملها من كل جوانبها وهو يبتسم، كون أنه لا يرى أنثى يناسبها ذلك العطر سوى "حياء". لذلك رغب في أن يهديها إياه، لتكون أول هدية يقدمها لها. وما جعله يتشجع قليلًا بتفكيره، أنها لم تكن فظة

معه عندما رآها بذلك اليوم على الشاطئ، بل كانت على غير عادتها من أمور النفور وما شابه. رغم أنها لم تبدِ له أكثر ما يقتضيه الذوق بالرد على حديثه. ولكن معرفته بأنها ربما ستأتي برفقة بيرى لتنظيم الحفل الغنائي الثاني له بالإسكندرية، جعله أكثر تصميمًا تلك المرة على أن يتجاذب معها أطراف الحديث بلباقة ولا تجعلها تشعر بأنه يحاول مغازلتها أو استمالتها إليه.

وضع قنينة العطر من يده وولج للمرحاض وهو يطلق صفيرًا بصوت عالٍ. وبعد انتهائه خرج وهو ما زال ينشد بكلمات أغنيته التي سيسمعها للجمهور اليوم، ولكنه أعد مفاجأة أخرى وهي أنه حفظ كلمات أغنية باللغة العربية وسيغنيها من أجل حياء. سمع طرقًا على باب غرفته تلاه دخول مدير أعماله والذي راح يصيح قائلًا باستياء: –يا سلام على برودك يا أخي، الحفلة خلاص فاضل عليها نص ساعة وأنت لسه حتى ملبستش هدومك. هتروح تغنيلهم على نص الليل ولا إيه.

قلب آدم عينيه بملل وألقى المنشفة بوجه صديقه وهو يقول بانزعاج: –بس اسكت، صوتك عالي. عشر دقائق وأكون جاهز، مش عايز مزاجي يتعكر النهارده بصوتك الوحش ده. ضيق صديقه ما بين عينيه قائلًا بغيظ متفكيًا: –أنا الغلطان اللي علمتك تتكلم عربي، من ساعة ما بقيت تتكلم عربي وأنت لسانك طويل وبقيت قليل الأدب. تركه آدم وولج لغرفة الثياب وهو يقول بمكر محاولًا إغاظته:

–عادي ما أنا كنت بشتمك قبل ما أتعلم أتكلم عربي. وبس بقى مش عايز أتأخر على مليكتي. لطم صديقه خديه قائلًا بنفاذ صبر: –يا ابني يا حبيبي ربنا يهديك أنت مصر تخرج من هنا وترجع فرنسا في تابوت ميت ليه؟ يا ابني دي متجوزة متجووووووزة افهم بقى، يعني جيش الحرس اللي عند أبو جوزها ده واحد منهم بس بطلقة صغيرة يخليك تودع الدنيا باللي فيها. أبوس إيدك خلينا في أكل عيشنا، ومتقومش الدنيا على دماغنا.

خرج آدم من غرفة الثياب، ورمقه بنظرة لا مبالية، ووقف أمام المرآة وقام بثني أكمام قميصه ومشط شعره ونثر عطره وأخذ متعلقاته وأشار له بأن يتقدمه بالسير ليذهبا حيث يقام الحفل الغنائي. وصلا لتلك القاعة المقام بها الحفل، وجد آدم بيرى بانتظاره، فأقتربت منه على وجه السرعة وهي تقول بعملية:

–آدم أنت اتأخرت على الميعاد اللي اتفقنا عليه. أنا طلبت منك إنك تيجي قبل الحفلة بنص ساعة تقريبًا بس أنت وصلت دلوقتي وتقريبًا فاضل عشر دقايق بس قبل ما تدخل القاعة. لم ينتبه آدم لما تقوله بل راحت عيناه تتجول بالمكان ليرى هل هي هنا أم لا، ولكنه لم يكن يملك الوقت الكافي لسؤال بيرى عنها، بل جذبته من ذراعه ووصلا حيث ذلك المكان الذي سيخرج منه للقاعة، وما عاد ينظر خلفه حتى دفعه صديقه برفق ليدخل ويبدأ الغناء.

بدأ آدم الغناء بفتور على غير العادة، رغم حماس الجمهور بالتهليل والتصفيق، ولكن اختفى كل هذا ما إن أبصرها قادمة من مكان بآخر تلك القاعة ووقفت بجوار بيرى، فعاد إليه حماسه وبدأ يشدو بنغمات أغنيته الجديدة حتى فرغ منها وعلا صوت التصفيق الحار من الجمهور. ترك آدم مكانه ووصل حيث وقف كل من صديقه وحياء وبيرى، بعد أخذه تلك الاستراحة القصيرة على أن يعود ويكمل باقي فقرات الحفل الغنائي، فابتسم لحياء قائلًا بصوت ودود:

–فرحان إنك جيتي النهارده مليكتي. ابتسمت حياء ابتسامة خالية من المرح، إلا أنها لم تنكر شعورها بالانزعاج كلما ناداها بتلك الكلمة المتوددة، فنظرت إليه قائلة بجدية: –آدم أرجوك بلاش كلمة مليكتي دي إذا سمحت مش عايزة حد يسمعك كده ويفتكر حاجة مش كويسة. رأى بوادر الانزعاج والضيق بوضوح على وجهها، فأسرع بتقديم اعتذاره وهو يقول بلباقة: –آسف يا حياء، بس منكرش إن أنا فرحان إنك جيتي النهارده.

–شكرًا يا آدم وأظن وقت استراحتك خلص يلا عشان تدخل تغني تاني. قالت حياء وهي تشير بيدها بأن يسرع بدخول القاعة، فأطاعها على الفور، ولم يفوتها تلك النظرات التي حملت علامات الاستفهام من صديق آدم وبيرى، إلا أنها حقًا لم تكن راغبة في الحديث، فهي لم تأتِ لهنا إلا للترويح عن نفسها، عوضًا عن جلوسها بالمنزل وترى زوجها، الذي بدا أن السبل والدروب تقطعت بينهما من غير رجعة.

بعد انقضاء ساعات الحفل جلسوا حول إحدى الطاولات بذلك المطعم التابع للفندق الذي أقيم الحفل بإحدى قاعاته، وبعد تناول العشاء وثرثرتهم، أخرج آدم تلك القنينة ووضعها أمام حياء. نظرت لها حياء بتفحص وما لبثت أن عقدت حاجبيها وتساءلت: –إيه ده يا آدم، بتديني البيرفيوم ده ليه؟ ابتسم آدم وهو يشير إليها قائلاً برجاء:

–دا آخر نوع برفيوم ماما كانت عملاه قبل ما تموت، حبيت أدهولك هدية، عشان لما أسافر تفتكريني. اعتبريها هدية بسيطة واعتذار عن لو كنت ضايقتك في أي مرة شوفتك فيها.

رفعتها حياء ونظرت لاسمها فابتسمت بمرارة كون أن ذلك الاسم، كان يدللها به راسل زوجها، ورغم ذلك الشعور الذي اجتاحها من أنها لا تريد أن تتذكره أو تتذكر أوقاتهما سويًا، إلا أنها قبلت أخذ الهدية، فوضعتها بحقيبتها وشكرت آدم، ولكنها ألحت على بيرى بضرورة الانصراف، فنهضت بيرى من مقعدها ولكن قبل أن تصل كل منهما لسيارتها رأتا ديفيد قادمًا برفقة فتاة تتأبط ذراعه بدلال أنثوي صارخ، ولكن يبدو على وجهه أنه يشعر بالاستياء.

تقدمت منه حياء ونظرت للفتاة وتساءلت بصوت خفيض: –مين دي يا ديفيد؟ أنت رجعت تلعب بديلك تاني؟ قلب ديفيد شفتيه ورد قائلاً بسخط: –ديلي إيه ومصيبة إيه، دي بلوة اتحذفت عليا ومعرفتش أخلص منها. تبقى بنت شريكي في صقلية ووصلت إسكندرية النهاردة، فجبتها أحجزلها في الفندق هنا، لأن دي ما أضمنهاش لو قعدت معايا في البيت.

فهمت حياء وبيرى مغزى حديثه، فضحكتا بصوت عالٍ، فابتسمت الفتاة على الرغم من عدم فهمها لما يقولونه كونها لا تتحدث العربية. بادلها ديفيد ابتسامتها بابتسامة صفراء، قادرة على أن تجعلها تعلم مدى شعوره بالانزعاج من وجودها، ولكنها لم تبالِ بسخطه، بل جل ما فعلته بأن ربتت على وجنته بدلال. رمق ديفيد شقيقته وابنة عمه مازحًا:

–استنوني هنا هشوفلها أي أوضة تقعد فيها وأجيلكم ولو اتأخرت تعالوا خدوني، متسبونيش معاها لوحدي، وأنا أساسًا تاريخي مفيش أسود منه ماشي.

جلست حياء وبيرى بالحديقة التابعة للفندق ريثما ينتهي ديفيد من تسكين ضيفته الشابة بإحدى غرف الفندق. مالت حياء برأسها للخلف ونظرت للسماء، التي ظهرت بها النجوم كنقاط بيضاء وسط سواد حالك، ولكن لم ترَ أثرًا للقمر، كأنه الليلة ظل مختبئًا بمكان بعيد، حتى لا تراه، وتعود من جديد تسأله عن تلك الوعود والعهود التي تقاسمتها هي وحبيبها بأيام زواجهما الأولى. فهي ظلت حافظة الوعد والعهد وظلت باقية على الود لأيام وشهور، ولكن تبخر كل شيء بلحظة واحدة، كانت كفيلة بقتلها حتى وإن كانت أنفاسها ما زالت تجري برئتيها. ولكن ليس كل القتل ترى آثاره متمثلة بدماء وروح تزهق، بل هناك قتل من نوع آخر، وهو المتمثل بذلك البرود والخواء اللذين استطاع زرعهما بقلبها.

مررت يدها ببطء حتى وصلت موضع قلبها، شعرت بتلك الخفقات المؤلمة والتي يدوي صوتها بين أضلعها. فإن نجحت بتلك الأيام القليلة الماضية بأن لا تراه حتى تأخذ وقتها الكافي بترتيب حياتها، وإعداد أول خطة لتلك الحرب الباردة بينهما، فقريبًا ستصبح المواجهة بينهما حتمية، وستقدم كبرياءه المهدور قربانًا لقلبها الجريح.

فتح آدم تلك الحقيبة الصغيرة الخاصة به، وأخرج قنينة العطر التي كانت آخر إنتاج من شركة العطور التي كانت تملكها والدته الراحلة. فهي كانت تتفنن في صنع العطور الجذابة والفواحة والتي ذاع صيتها بفرنسا. وأطلقت عليها اسم "حسناء" باللغة الفرنسية. تأملها من كل جوانبها وهو يبتسم، كون أنه لا يرى أنثى يناسبها ذلك العطر سوى "حياء". لذلك رغب في أن يهديها إياه، لتكون أول هدية يقدمها لها. وما جعله يتشجع قليلًا بتفكيره، أنها لم تكن فظة

معه عندما رآها بذلك اليوم على الشاطئ، بل كانت على غير عادتها من أمور النفور وما شابه. رغم أنها لم تبدِ له أكثر ما يقتضيه الذوق بالرد على حديثه. ولكن معرفته بأنها ربما ستأتي برفقة بيرى لتنظيم الحفل الغنائي الثاني له بالإسكندرية، جعله أكثر تصميمًا تلك المرة على أن يتجاذب معها أطراف الحديث بلباقة ولا تجعلها تشعر بأنه يحاول مغازلتها أو استمالتها إليه.

وضع قنينة العطر من يده وولج للمرحاض وهو يطلق صفيرًا بصوت عالٍ. وبعد انتهائه خرج وهو ما زال ينشد بكلمات أغنيته التي سيسمعها للجمهور اليوم، ولكنه أعد مفاجأة أخرى وهي أنه حفظ كلمات أغنية باللغة العربية وسيغنيها من أجل حياء. سمع طرقًا على باب غرفته تلاه دخول مدير أعماله والذي راح يصيح قائلًا باستياء: –يا سلام على برودك يا أخي، الحفلة خلاص فاضل عليها نص ساعة وأنت لسه حتى ملبستش هدومك. هتروح تغنيلهم على نص الليل ولا إيه.

قلب آدم عينيه بملل وألقى المنشفة بوجه صديقه وهو يقول بانزعاج: –بس اسكت، صوتك عالي. عشر دقائق وأكون جاهز، مش عايز مزاجي يتعكر النهارده بصوتك الوحش ده. ضيق صديقه ما بين عينيه قائلًا بغيظ متفكيًا: –أنا الغلطان اللي علمتك تتكلم عربي، من ساعة ما بقيت تتكلم عربي وأنت لسانك طويل وبقيت قليل الأدب. تركه آدم وولج لغرفة الثياب وهو يقول بمكر محاولًا إغاظته:

–عادي ما أنا كنت بشتمك قبل ما أتعلم أتكلم عربي. وبس بقى مش عايز أتأخر على مليكتي. لطم صديقه خديه قائلًا بنفاذ صبر: –يا ابني يا حبيبي ربنا يهديك أنت مصر تخرج من هنا وترجع فرنسا في تابوت ميت ليه؟ يا ابني دي متجوزة متجووووووزة افهم بقى، يعني جيش الحرس اللي عند أبو جوزها ده واحد منهم بس بطلقة صغيرة يخليك تودع الدنيا باللي فيها. أبوس إيدك خلينا في أكل عيشنا، ومتقومش الدنيا على دماغنا.

خرج آدم من غرفة الثياب، ورمقه بنظرة لا مبالية، ووقف أمام المرآة وقام بثني أكمام قميصه ومشط شعره ونثر عطره وأخذ متعلقاته وأشار له بأن يتقدمه بالسير ليذهبا حيث يقام الحفل الغنائي. وصلا لتلك القاعة المقام بها الحفل، وجد آدم بيرى بانتظاره، فأقتربت منه على وجه السرعة وهي تقول بعملية:

–آدم أنت اتأخرت على الميعاد اللي اتفقنا عليه. أنا طلبت منك إنك تيجي قبل الحفلة بنص ساعة تقريبًا بس أنت وصلت دلوقتي وتقريبًا فاضل عشر دقايق بس قبل ما تدخل القاعة. لم ينتبه آدم لما تقوله بل راحت عيناه تتجول بالمكان ليرى هل هي هنا أم لا، ولكنه لم يكن يملك الوقت الكافي لسؤال بيرى عنها، بل جذبته من ذراعه ووصلا حيث ذلك المكان الذي سيخرج منه للقاعة، وما عاد ينظر خلفه حتى دفعه صديقه برفق ليدخل ويبدأ الغناء.

بدأ آدم الغناء بفتور على غير العادة، رغم حماس الجمهور بالتهليل والتصفيق، ولكن اختفى كل هذا ما إن أبصرها قادمة من مكان بآخر تلك القاعة ووقفت بجوار بيرى، فعاد إليه حماسه وبدأ يشدو بنغمات أغنيته الجديدة حتى فرغ منها وعلا صوت التصفيق الحار من الجمهور. ترك آدم مكانه ووصل حيث وقف كل من صديقه وحياء وبيرى، بعد أخذه تلك الاستراحة القصيرة على أن يعود ويكمل باقي فقرات الحفل الغنائي، فابتسم لحياء قائلًا بصوت ودود:

–فرحان إنك جيتي النهارده مليكتي. ابتسمت حياء ابتسامة خالية من المرح، إلا أنها لم تنكر شعورها بالانزعاج كلما ناداها بتلك الكلمة المتوددة، فنظرت إليه قائلة بجدية: –آدم أرجوك بلاش كلمة مليكتي دي إذا سمحت مش عايزة حد يسمعك كده ويفتكر حاجة مش كويسة. رأى بوادر الانزعاج والضيق بوضوح على وجهها، فأسرع بتقديم اعتذاره وهو يقول بلباقة: –آسف يا حياء، بس منكرش إن أنا فرحان إنك جيتي النهارده.

–شكرًا يا آدم وأظن وقت استراحتك خلص يلا عشان تدخل تغني تاني. قالت حياء وهي تشير بيدها بأن يسرع بدخول القاعة، فأطاعها على الفور، ولم يفوتها تلك النظرات التي حملت علامات الاستفهام من صديق آدم وبيرى، إلا أنها حقًا لم تكن راغبة في الحديث، فهي لم تأتِ لهنا إلا للترويح عن نفسها، عوضًا عن جلوسها بالمنزل وترى زوجها، الذي بدا أن السبل والدروب تقطعت بينهما من غير رجعة.

بعد انقضاء ساعات الحفل جلسوا حول إحدى الطاولات بذلك المطعم التابع للفندق الذي أقيم الحفل بإحدى قاعاته، وبعد تناول العشاء وثرثرتهم، أخرج آدم تلك القنينة ووضعها أمام حياء. نظرت لها حياء بتفحص وما لبثت أن عقدت حاجبيها وتساءلت: –إيه ده يا آدم، بتديني البيرفيوم ده ليه؟ ابتسم آدم وهو يشير إليها قائلاً برجاء:

–دا آخر نوع برفيوم ماما كانت عملاه قبل ما تموت، حبيت أدهولك هدية، عشان لما أسافر تفتكريني. اعتبريها هدية بسيطة واعتذار عن لو كنت ضايقتك في أي مرة شوفتك فيها.

رفعتها حياء ونظرت لاسمها فابتسمت بمرارة كون أن ذلك الاسم، كان يدللها به راسل زوجها، ورغم ذلك الشعور الذي اجتاحها من أنها لا تريد أن تتذكره أو تتذكر أوقاتهما سويًا، إلا أنها قبلت أخذ الهدية، فوضعتها بحقيبتها وشكرت آدم، ولكنها ألحت على بيرى بضرورة الانصراف، فنهضت بيرى من مقعدها ولكن قبل أن تصل كل منهما لسيارتها رأتا ديفيد قادمًا برفقة فتاة تتأبط ذراعه بدلال أنثوي صارخ، ولكن يبدو على وجهه أنه يشعر بالاستياء.

تقدمت منه حياء ونظرت للفتاة وتساءلت بصوت خفيض: –مين دي يا ديفيد؟ أنت رجعت تلعب بديلك تاني؟ قلب ديفيد شفتيه ورد قائلاً بسخط: –ديلي إيه ومصيبة إيه، دي بلوة اتحذفت عليا ومعرفتش أخلص منها. تبقى بنت شريكي في صقلية ووصلت إسكندرية النهاردة، فجبتها أحجزلها في الفندق هنا، لأن دي ما أضمنهاش لو قعدت معايا في البيت.

فهمت حياء وبيرى مغزى حديثه، فضحكتا بصوت عالٍ، فابتسمت الفتاة على الرغم من عدم فهمها لما يقولونه كونها لا تتحدث العربية. بادلها ديفيد ابتسامتها بابتسامة صفراء، قادرة على أن تجعلها تعلم مدى شعوره بالانزعاج من وجودها، ولكنها لم تبالِ بسخطه، بل جل ما فعلته بأن ربتت على وجنته بدلال. رمق ديفيد شقيقته وابنة عمه مازحًا:

–استنوني هنا هشوفلها أي أوضة تقعد فيها وأجيلكم ولو اتأخرت تعالوا خدوني، متسبونيش معاها لوحدي، وأنا أساسًا تاريخي مفيش أسود منه ماشي.

جلست حياء وبيرى بالحديقة التابعة للفندق ريثما ينتهي ديفيد من تسكين ضيفته الشابة بإحدى غرف الفندق. مالت حياء برأسها للخلف ونظرت للسماء، التي ظهرت بها النجوم كنقاط بيضاء وسط سواد حالك، ولكن لم ترَ أثرًا للقمر، كأنه الليلة ظل مختبئًا بمكان بعيد، حتى لا تراه، وتعود من جديد تسأله عن تلك الوعود والعهود التي تقاسمتها هي وحبيبها بأيام زواجهما الأولى. فهي ظلت حافظة الوعد والعهد وظلت باقية على الود لأيام وشهور، ولكن تبخر كل شيء بلحظة واحدة، كانت كفيلة بقتلها حتى وإن كانت أنفاسها ما زالت تجري برئتيها. ولكن ليس كل القتل ترى آثاره متمثلة بدماء وروح تزهق، بل هناك قتل من نوع آخر، وهو المتمثل بذلك البرود والخواء اللذين استطاع زرعهما بقلبها.

مررت يدها ببطء حتى وصلت موضع قلبها، شعرت بتلك الخفقات المؤلمة والتي يدوي صوتها بين أضلعها. فإن نجحت بتلك الأيام القليلة الماضية بأن لا تراه حتى تأخذ وقتها الكافي بترتيب حياتها، وإعداد أول خطة لتلك الحرب الباردة بينهما، فقريبًا ستصبح المواجهة بينهما حتمية، وستقدم كبرياءه المهدور قربانًا لقلبها الجريح.

فتح آدم تلك الحقيبة الصغيرة الخاصة به، وأخرج قنينة العطر التي كانت آخر إنتاج من شركة العطور التي كانت تملكها والدته الراحلة. فهي كانت تتفنن في صنع العطور الجذابة والفواحة والتي ذاع صيتها بفرنسا. وأطلقت عليها اسم "حسناء" باللغة الفرنسية. تأملها من كل جوانبها وهو يبتسم، كون أنه لا يرى أنثى يناسبها ذلك العطر سوى "حياء". لذلك رغب في أن يهديها إياه، لتكون أول هدية يقدمها لها. وما جعله يتشجع قليلًا بتفكيره، أنها لم تكن فظة

معه عندما رآها بذلك اليوم على الشاطئ، بل كانت على غير عادتها من أمور النفور وما شابه. رغم أنها لم تبدِ له أكثر ما يقتضيه الذوق بالرد على حديثه. ولكن معرفته بأنها ربما ستأتي برفقة بيرى لتنظيم الحفل الغنائي الثاني له بالإسكندرية، جعله أكثر تصميمًا تلك المرة على أن يتجاذب معها أطراف الحديث بلباقة ولا تجعلها تشعر بأنه يحاول مغازلتها أو استمالتها إليه.

وضع قنينة العطر من يده وولج للمرحاض وهو يطلق صفيرًا بصوت عالٍ. وبعد انتهائه خرج وهو ما زال ينشد بكلمات أغنيته التي سيسمعها للجمهور اليوم، ولكنه أعد مفاجأة أخرى وهي أنه حفظ كلمات أغنية باللغة العربية وسيغنيها من أجل حياء. سمع طرقًا على باب غرفته تلاه دخول مدير أعماله والذي راح يصيح قائلًا باستياء: –يا سلام على برودك يا أخي، الحفلة خلاص فاضل عليها نص ساعة وأنت لسه حتى ملبستش هدومك. هتروح تغنيلهم على نص الليل ولا إيه.

قلب آدم عينيه بملل وألقى المنشفة بوجه صديقه وهو يقول بانزعاج: –بس اسكت، صوتك عالي. عشر دقائق وأكون جاهز، مش عايز مزاجي يتعكر النهارده بصوتك الوحش ده. ضيق صديقه ما بين عينيه قائلًا بغيظ متفكيًا: –أنا الغلطان اللي علمتك تتكلم عربي، من ساعة ما بقيت تتكلم عربي وأنت لسانك طويل وبقيت قليل الأدب. تركه آدم وولج لغرفة الثياب وهو يقول بمكر محاولًا إغاظته:

–عادي ما أنا كنت بشتمك قبل ما أتعلم أتكلم عربي. وبس بقى مش عايز أتأخر على مليكتي. لطم صديقه خديه قائلًا بنفاذ صبر: –يا ابني يا حبيبي ربنا يهديك أنت مصر تخرج من هنا وترجع فرنسا في تابوت ميت ليه؟ يا ابني دي متجوزة متجووووووزة افهم بقى، يعني جيش الحرس اللي عند أبو جوزها ده واحد منهم بس بطلقة صغيرة يخليك تودع الدنيا باللي فيها. أبوس إيدك خلينا في أكل عيشنا، ومتقومش الدنيا على دماغنا.

خرج آدم من غرفة الثياب، ورمقه بنظرة لا مبالية، ووقف أمام المرآة وقام بثني أكمام قميصه ومشط شعره ونثر عطره وأخذ متعلقاته وأشار له بأن يتقدمه بالسير ليذهبا حيث يقام الحفل الغنائي. وصلا لتلك القاعة المقام بها الحفل، وجد آدم بيرى بانتظاره، فأقتربت منه على وجه السرعة وهي تقول بعملية:

–آدم أنت اتأخرت على الميعاد اللي اتفقنا عليه. أنا طلبت منك إنك تيجي قبل الحفلة بنص ساعة تقريبًا بس أنت وصلت دلوقتي وتقريبًا فاضل عشر دقايق بس قبل ما تدخل القاعة. لم ينتبه آدم لما تقوله بل راحت عيناه تتجول بالمكان ليرى هل هي

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...