لم يتأثر بوابل ضربات قبضتيها على صدره، بل تركها تفرغ فيه جام غضبها وثورتها. على الرغم من أنه بدأ يشعر بالألم جراء ضرباتها المتلاحقة، كأن يديها مطرقة تحاول بها تفتيت حجر صلب. فلم يكن يعلم أنها باتت تملك تلك القوة الساحقة كالهررة المتوحشة والشرسة. فما يتذكره منها رقة ونعومة أناملها عندما كانت تمررها على وجهه أو لحيته، أو صدره عندما كانت تريد منه أمراً، وتفعل ذلك لتضمن بقاءه هادئاً مستأنساً ليوافق على ما تريده.
انتفض قلبه بصدره عندما شعر بضربات قلبها المتلاحقة، لشدة قربها وإلتصاقها به. فلو ظلت على انفعالها ستصاب حتماً بالإنهاك وربما ستسقط مغشياً عليها. لذلك لم يجد مفر من أن يحكم ساعديه حولها أكثر. وربما بدأت تشعر بالألم وهو كاد يسحق عظامها بساعديه. أسند ذقنه لرأسها، كأنها يفرض حصاره حولها من كل اتجاه، حتى أصبحت محاصرة بين ذراعيه وكبل حركاتها المفرطة. فهتف بها بأمر حازم مزج باللين والرجاء:
–إهدي يا حياء، أنتي كده ممكن يجرالك حاجة، هشش بس يا روحي كفاية. أما زال يملك الجرأة ليقترب منها هكذا أو أن يتوددها بتلك الكلمة التى طالما ناداها بها. فإن كان بالماضي يحيرها ببروده، فهو صار الآن أشد برودة. ولكن لما العجب والدهشة. فهذا هو راسل، الذي تعلم كيف يجيد التسلح بالامبالاة ويتصرف على النحو الذي يجعل الطرف الأخر مذنباً، حتى وإن كان هو المذنب من البداية. –سيبيني وأبعد عني بقولك مش طايقة قربك مني.
قالت حياء بحنق وتململت بين ذراعيه لعله يفلتها، إلا أنه رفض تركها تفعل ما رغبت به بأن يطلق سراحها من سجنه الدافئ، الذي طالما حلمت بأن تعود إليه. وما أن أيقنت من أنه لن يتركها، رفعت قدمها اليمنى وضربت ساقه، فهذا ما استطاعت الوصول إليه، كونه يضغط على جذعها العلوي ويمنعها الحركة. لم تكن ضربتها بالقوة الكافية، التي تجعله يشعر بالألم. ورغم ذلك أرخى ذراعيه عنها ونظر إليها قائلاً بتقييم لأفعالها:
–بقيتي شرسة يا حياء أكتر من الأول. لم يكتف بقوله، بل مد أصابعه وقبض على فكها، ومازالت عيناه تفيض بالغضب. فاستأنف حديثه بصوت هامس: –بس تصدقي تجنني بشراستك دي يا روحي. فغرت حياء فاها، فالموقف بأكمله لا يحتمل. فهو يتحدث معها، كأنه تركها بالصباح وعاد إليها بالمساء، وليس أنه رحل عنها منذ عامان. فأتسعت طاقتها أنفها وردت قائلة بغضب: –بجد أنا مشوفتش حد في برودك يا راسل، أنا بكرهك بكرهك.
دمعت عيناها لعلمها بأن الحقيقة أقسى عليها من تلك الكلمة التي تفوهت بها. إلا أنها أبت أن تذرف دمعة أخرى. فإن كان فعل ما فعله وامتلك زوجة أخرى وطفل، فهو لا يستحق أن تهدر دموعها من أجله. رفعت رأسها بإباء وشموخ شاخصة ببصرها إليه، لربما ترى مردود كلمتها تلك على نفسه. فما كان منه سوى أنه لمس نظارته، كأنها يعيدها لمكانها لتربض خلف زجاجها سوداوتيه، يحجبهما عنها لكي لا ترى ما ارتسم بداخلهما. فرد قائلاً بنبرة كالصقيع:
–عارف إنك أكيد كرهتيني وبتكرهيني، بس قبل ما تحاسبيني حاسبي نفسك يا حياء، أنتي اللي عملتي فينا كده من الأول. أنتي السبب خبيتي عليا أسباب تصرفاتك معايا، وكمان أسمع عمك وأخوكي بيعترفوا بحقيقة رجوعك ليا، المفروض أنا اللي أكرهك. ابتسمت حياء ابتسامة مشوبة بالصدمة ورفعت يدها تشير لنفسها قائلة بدهشة: –أنا السبب!
دلوقتي بقيت أنا السبب في خراب علاقتنا، والمفروض أنت اللي تكرهني، لابجد برافو يا راسل نظام قلب ترابيزة هايل، صحيح خدوهم بالصوت قبل ما يغلبوكم، دلوقتي بقيت أنت الملاك البريء، وأنا الشريرة. أنا اللي كنت بخاف عليك من الهوا أنت وبنتك، ضحيت عشان تفضلوا كويسين ومتتأذوش، كان عندي استعداد أضحي بنفسي عشانكم قصاد أي حد عايز يأذيكم. دلوقتي بقيت المذنبة. قبض على ذراعها وهز جسدها بشيء من القسوة فخرج صوته حاداً:
–ليه مقولتليش، كنتي شايفاني عاجز أن أحميكي وأحمي نفسي وبنتي، ليه محاولتيش تقوليلي الحقيقة، إذا كان في أصلاً حقيقة غير اللي سمعتها. أزاحت يديه عن ذراعها بحدة، ولم تكتف بذلك بل دفعته بصدره بالبدء وما لبثت أن قبضت على تلابيب ثيابه كأنها تريد خنقه وزهق أنفاسه. فصرخت بوجهه وهي تقول بصوت حاولت إخفاء ارتجافه:
–بتدور على أي سبب عشان تبرر بيه اللي أنت عملته، عشان أسكت وأرضى بأن حضرتك رجعت متجوز ومخلف، بس مش أنا اللي هسيبك تعمل فيا كده، وإن كنت مفكر أن هقبل اللي عملته في حقي وأسكت تبقى غلطان يا راسل، أنا مش هفضل على ذمتك ثانية كمان، وطالما بقى عندك زوجة تانية وعايش حياتك، يبقى كل واحد فينا يروح لحاله، أنا خلاص مش هقعد في بيت النعماني دقيقة كمان، طلقني يا راسل.
جذبها العنيف لثيابه، جعله يشعر بياقة قميصه تكاد تطبق على أنفاسه، كأنها على وشك خنقه. فأسرع بإبعاد يديها عنه وفتح أزرار القميص الأولى، ليلتقط أنفاسه، التي شعر بتناقصها وهي قابضة على ثيابه، كأنها لن تتركه إلا إذا انتهت أنفاسه وتعلن عن أنه فارق الحياة. ولكن عوضاً عن تعنيفه وتأنيبه، أخذ كفها ووضعه على جانب عنقه، حيث شعرت بذلك النبض العنيف أسفل يدها، يضرب باطن كفها كالتيار الكهربائي. بهتت من فعلته، وفغرت فاها وهي تقول
بعدم استيعاب لما يفعله: –أنت بتعمل إيه. لن يخبرها بأسبابه الحقيقية لفعلته لتلك، من أنه أراد الشعور بملمس يدها مثلما كان معتاد، وأن تلك الحرارة التي ربما باتت تشعر بها، ماهي إلا نتاج تلك النيران، التي ظلت تتأكل قلبه منذ عامين. ولكنه لم يكتف بذلك بل زاد بالأمر ووضع يدها الأخرى موضع قلبه الهادر بصخب داخل قفصه الصدري. فقال وأنفاسه قد مزقها الشوق بعدما نجحت عيناه بآسر عينيها:
–حاسة بالنبض السريع ده لقلبي، ده دليل أن كان ممكن تخنقيني يا حياء وأنتي مش حاسة، عايزة تقتـ ـليني زي ما قتـ ـلتيني أول مرة شوفتك فيها وشوفت عينيكي الحلوين دول، نظرة واحدة من عينيكي يا حياء قادرة أنها تقتلني من غير ما تعملي مجهود.
جذبت راحتيها بحزم، فذلك اللعين الخافق بين أضلعها قاب قوسين أو أدنى من أن يعلن هزيمته أمام جيش كلماته التي بدأت مفعولها يسري بحواسها. ولكن لا، لن تكون تلك الغبية، التي ستقبل بهكذا إهانة منه. فإن ظن أن حيلته تلك ستفلح وتأتي بثمارها، وتقبل خضوعها له، فهو واهم لا محالة. ابتسمت بسخرية وقالت بعدما عقدت ذراعيها أمام صدرها:
–أمم، هو أنت فاكر لما ترجع تقولي كلامك الحلو ده، أنك كده هتضحك عليها وأقولك عادي يا بيبى يلا بينا نعيش حياتنا زي الأول، لو كان ده تفكيرك عني، يبقى أنت محتاج تعرفني كويس يا دكتور راسل وهعرفك مين هي حياء قصدي إينجيل دانيال إسكندر شمعون، اللي شايلة في دمها دم يهـ ـود.
تصريحها بهويتها الحقيقة ما هو إلا وسيلة أرادت اتباعها من أجل أن يأخذ حذره منها، من أنها زوجة مقهورة شعرت بطعنات الغدر منه، حتى باتت كأنثى أسد جريحة، أصيبت بجراح ثخنة ولن تهدأ حتى تقتص لكرامتها وكبريائها. ولكنها لم تظن بيوم أنه هو أول من ستذيقه قسـ ـوتها المغلفة بكبرياء مهدور على أعتاب غدره لها، وهو من كان تخشى أن يصيبه سوء أو مكروه، وكانت تتخذ من نفسها حماية له من غدر عائلتها. ولكن ضاعت تضحيتها هباء ولم تنال شئ سوى
ذلك الشعور المميت، كلما تتخيل أن هناك أنثى نعمت بكونها زوجته وأغدقها بكل ما أحله الله بين الزوجين حتى أنجبت له طفلاً لم تفلح هي في إنجابه. فعند تلك الخاطرة، راحت دموعها تتدفق من عينيها، على الرغم من أنها تحاول جاهدة ألا تبكي ثانية وهو واقف أمامها.
ارتدت بخطواتها قليلاً للخلف، لعلها تخلق مسافة آمنة بينهما، عوضاً عن تشتتها، وهي تشعر بأنفاسه تحيطها. تنفس راسل بعمق قدر حاجة رئتيه للهواء الذي يمكن أن يرطب من تلك النيران التي استوطنت بداخله منذ أن وجدها فاقدة الوعي بين ذراعيه. فرد قائلاً بهدوء: –اللي أنت عايزة تعمليه أعمليه يا حياء، أنا رجعت وعارف أنك أكيد هتطلبي ننفصل وأنا معنديش مانع، بس أخلص مهمتي اللي جيت عشانها وقبل ما أسافر تاني هخلص إجراءات الطلاق.
ابتسمت حياء بمرارة، فها هي تنال مكافئتها بالأخير من كونها وقعت بالعشق وعشقته بل وضعته بمنزلة لم يستطع أحد النيل منها أو أن طوال تلك المدة التي غاب بها عنها لم يحد أو يخف هذا العشق. ها هو عاد إليها ملثماً بقناع البرود، حاملاً معه دليل سخافتها وحماقتها من أنها فتاة عاطفية أرادت التضحية بنفسها لتفديه هو وابنته. ضمت شفتيها ليتسنى لها الوقت بأن تحاول إلجام دموعها، وسرعان ما هزت رأسها وهي تقول بأنين وألم:
–أنت مخطط وعامل حسابك لكل حاجة، ودلوقتي مبقاش ليا لازمة لا في حياتك ولا حياة بنتك، صحيح هتبقى محتاج ليا في إيه وأنت دلوقتي عندك زوجة تانية وطفل وبتعمل أسرة حلوة زي ما أنت كنت بتحلم. سكتت لبرهة وعادت لتقول وهي بطريقها لغرفة الثياب: –مبروك عليك حياتك الجديدة يا راسل، أنا هاخد هدومي وهمشي. وصلت لغرفة الثياب وسحبت حقيبتها لتضع بها ثيابها، فظهر راسل على عتبة الباب، وهتف بها بصوت خرج من جوفه ممزقاً:
–هتروحي فين يا حياء دلوقتي. –دا على أساس أنك لم اتجـ ـوزتني كنت قاعدة في الشارع ومليش مكان أقعد فيه، عشان تسألني دلوقتي هروح فين. متنساش أن أهلي الحقيقيين أغنياء برضه زي عيلتك وأنا أخويا لسه عايش وعلى وش الدنيا. متفتكرش أن عشان كنت بعتبرك أهلي وعزوتي وكل حياتي، أن هضيع ولا أتشرد لما أسيبك وأبعد عنك.
قالت حياء بأنفة وكبرياء ووضعت شعرها خلف أذنيها ليظهر وجهها بوضوح أمام عيناه، فأنفها كساه الإحمرار وعينيها منتفختان ووجنتيها رطبتين من أثر البكاء، كأنها تلقت لتوها نبأ وفاة أحب الناس إليها. نظرت إليه نظرة عابرة قبل أن توليه ظهرها وتسحب ثيابها المطوية على الأرفف الخشبية، فتساقطت منها قطع الثياب بعد ارتجاف يديها كأنها فقدت السيطرة عليهما. بل راح جسدها ينتفض بأكمله، وحاولت الحد من ذلك الارتجاف ولم تفلح.
–حياء مالك في إيه. قالها راسل ولم ينتظر دقيقة أخرى بعدما رأى تشنج جسدها الواضح بعدما انحنت لتلملم الثياب التي سقطت على الأرض، فجلس القرفصاء مقابلاً لها وأخذ يديها بين راحتيه، حتى بات يشعر بإهتزاز كفيه تزامناً مع ارتجاف يديها، كأنها أصيبت بماس كهربائي. فأحاطها بذراعيه وضمها إليه، حتى نجحت بنقل عدوى الارتجاف إليه. وجد نفسه يقـ ـبل رأسها بحنو، وهو يرجوها بصوته المثقل بشعور من الذنب:
–حياء حبيبتي إهدي، كتر انفعالك ده غلط، إهدي بس وأنا..... لم يكن سعيد الحظ ليكمل حديثه، إذ سمعا صوت ساندرا وهي تناديه، بل أنها صارت تقف على عتبة باب غرفة الثياب وهي تقول باستفسار: –راسل في حاجة، قلقت عليك لما اتأخرت.
بسماع حياء صوتها، رفعت وجهها عن صدره وحدقت بها وتأملتها ملياً. فتاة حسناء، هيفاء القامة ورشيقة، جمالها أخاذ بغمازتيها المحفورتان بوجنتيها. وكأن تأملها لها ما زادها إلا أن تعود إليها نيران غضبها وغيظها أضعافاً مضاعفة. فدفعته عنها وإستقامت بوقفتها وهي تقول بسخرية: –قوم طمن المدام عليك، أصلها قلقت يا حرام، والله فعلاً أنا مغلطتش لما قولت عليك أن زي أي راجل عينه زايغة وميملاش عينك إلا التراب يا راسل، صحيح ديل الـ.
ابتـ ـلعت باقى حروفها ما أن وجدته يرمقها بنظرة مغزاها إن زادت حرف أخر، ربما ستلقى منه ما لا يرضيها. فهدوءها الذي اكتسبته منذ لحظات بعدما استكانت بين ذراعيه لتستشعر دفئه، لم يعد له وجود. فتساءلت بقرارة نفسها بسخط، لما تركت لأذنيها الحرية بسماع صوته والتأثر به. فجاءتها الإجابة محمولة على أجنحة الضعف والخذلان من أنها كانت بشدة شوقها لسماعه مرة أخرى، حتى وإن دلت حركتها المفرطة وشجارهما، بأنها لم تعد تطيق رؤية وجهه أو إقترابه منها. فقلبها ليس آلة لتضغط على الزر وتنطفئ جذوة الحب مرة واحدة، بل تعلم أنها بحاجة لمزيد من الوقت لتبرأ من هذا الوهم. ولكن عزاءها الوحيد أن كبرياءها كأنثى حاضرًا ولن يجعل قلبها يلين أو يجبن أمامه.
وقف راسل ونظر لساندرا قائلاً بهدوء: –ساندرا روحي شوفي ساجد وأرتاحوا شوية وأنا جاي. ما أن خرجت ساندرا من الغرفة، حتى عادت حياء تلملم ثيابها. ولكن وجدت كفه يقبض على معصمها بحزم وهو يقول بما يشبه الأمر:
–خروج من البيت ده مش هتخرجي طول ما أنتي لسه على ذمتي، لما نبقى نطلق أبقى إمشي، لكن طول ما أنتي لسه مدام حياء راسل النعماني هتفضلي هنا ومسمعكيش بتغلطي بكلمة يا حياء وإلا صدقيني هتشوفي مني اللي أكيد مش هيعجبك، أنا حاولت أحل الأمور بينا بالحسنى من غير ما أغلط فيكي، بس الظاهر أنك محتاجة تتعلمي الأدب وإزاي تتكلمي مع جوزك. نظرت إليه نظرة كره واشمئزاز وقالت بعدما أقسمت على قلبها بأن تجعله يذوق ويلاتها:
–عايزني أفضل هنا يبقى تستحمل اللي هيجرالك مني يا دكتور راسل.
لما حاولت سحب معصمها من بين براثن يـ ـده القابضة عليه كالسوار الحديدي، يزيد هو من إحكام قبضته، كأنه لن يتركها ولو بعد ألف عام. بل أراد جعلها أن تكف عن محاولتها المستميتة بتخليص معصمها من يـ ـده. فالتفت أنامله حول عنقها، بينما إبهامه استقر قريباً من نحرها، رابتاً به بدهاء حيث شعر بذلك النبض المتسارع من محاولتها التقاط أنفاسها اللاهثة جراء شعورها بالغضب. ولكن ما أن التقت عيـ ـنهما، وألتقط نظراتها من فوره، شعر بذلك
الخطر المحدق به، وهو من أن بندقيتيها قادرة على سلبه أنفاسه الواحد تلو الآخر، بل قادرة على أن تشعل فتيل تلك الحرب الضارية بداخله. فلو لم تكن الأمور سارت بينهما على هذا النحو السيئ، لربما كان الآن يروي قلبه الظمآن من أنهار وصالها، وسيشكو وجع الهوى بساحة قضاء العشق، ليستصدر حُكماً بأن تكون عيـ ـنيها وشـ ـفتيها رهن اعتقاله ليقتص منهما كيفما يشاء، ويأسر صبيته الحسناء التي اشتاقها واشتاق لمرآها. ولكن أفضت الأمور بينهما في
النهاية لتلك الحالة التي أصبحا عليها من زوجة تقسم بأن تذيقه العذاب وزوج سيجد مشقة بإلجامها عما تنتوي فعله.
مثلما أحاط أمر إقلاعه عن الإدمان بالسرية، كان حريصاً على جعل زيارة الطبيب المختص بالعلاج النفسي له بنطاق السرية أيضاً. فالوحيد الذي يأمنه على تلك الأمور الخاصة به، هو ذلك الرجل، الذي كان فيما مضى ذراع أبيه الأيمن والرجل المخلص له بأعماله سواء كانت المشروعة أو غير المشروعة، وبات الآن الحارس الأمين على أسراره حتى بعدما أعلن عمرو أنه لن يخوض بالأعمال الغير مشروعة. فبموت أدريانو كأن جاءه الخلاص، لكونه لم يكن سيستطيع إعلان تمرده على أدريانو إذا كان على قيد الحياة. كأن بموته سكنت شياطين الإنس ولم يعد أحد يسمع شيئاً عن هؤلاء الرجال، الذين كانوا يعملون تحت إمرته.
سمع صوت طرقات على الباب، تبعها ولوج ذلك الرجل وهو يقول باحترام: –عمرو بيه الدكتور وصل تحت. هز عمرو رأسه قائلاً بصوت هادئ: –قدموله حاجة يشربها وأنها هخلص لبس هدومي ونازل وراك.
خرج الرجل من الغرفة، وأغلق عمرو الزر الأخير من قميصه، قبل أن يقوم بثني أكمامه عن ساعديه المعضلين، وكأن بتركه للإدمان واتجاهه لممارسة الرياضة وإتباع نظام غذائي صحي، أكسبه كل هذا من مظهراً بدنياً قوياً وملامح رجولية، كأن لم يعد ذلك الشاب الذي كان عليه سابقاً. فإن كان قبل عامان من هذا اليوم شاباً وسيماً ثرياً يتوارى خلف كل هذا شاب منغمس ببئر من المفاسد والموبقات، فإنه اليوم صار قوي البنية مفتول العضلات، وحملت وسامته
طابع النضوج. ولكن لم يكتسب كل هذا بسهولة، بل يتذكر أيامه الأولى الذي امتنعه فيها عن تناول المخدرات، أصابه الهزال وضُعفت قوته، حتى بات يظن أنه سيلقى حتفه لا محالة. وكم من مرة أعلن بخضم شعوره بالألم من أعراض الانسحاب، أنه لا يريد أن يقلع عن إدمانه. ولكن كلما كانت تشتد آلامه وتثبط عزيمته، كان يتجدد الأمل بداخله من زيارة إمام المسجد له ليبث به الإيمان والثقة، حتى نجح بالأخير في اجتياز اختباره الأول وهو تركه للإدمان.
خرج من غرفته حتى وصل لغرفة مكتبه، التي يجرى بها العادة جلساته مع طبيبه النفسي، ووجد ذلك الطبيب الكهل بانتظاره. فابتسم عمرو قائلاً وهو يجلس على المقعد المجاور لتلك الأريكة الجالس عليها الطبيب: –آسف لو كنت اتأخرت عليك شوية. رد الطبيب ابتسامته بابتسامة هادئة وهو يقول أثناء ارتدائه لنظارته الطبية:
–متأخرتش كتير، يلا بينا نبدأ الجلسة، إحنا المرة اللي فاتت وقفنا عند لما كنت في الجامعة واتعرفت على أول شاب كان صديق ليك، قولي بقى إيه اللي حصل وقتها وليه انجذبت له مع أنك قولت أن في الجامعة كانوا معتقدين أنك شاب متعدد العلاقات بالفتيات ومكنش حد يعرف حاجة عن شذوذك، مخفتش مثلاً أن الشاب ده يفشي سرك في الجامعة.
وضع عمرو ساق على الأخرى وأسند رأسه لطرف مقعده بارتياح، فتذكر المرة الأولى التي أجرى بها تلك الجلسات مع الطبيب الكهل، وكيف كان شعوره الساحق بالخجل والخوف من أن يبدأ سرد قصته منذ البداية، أي منذ كان طفلاً صغيرًا لا يتعدى عمره بضعة سنوات، عندما بدأ رحلته مبكرًا بعالم الفساد والآثام. أطلق عمرو زفرة عميقة ورد قائلاً بعدما فتش بذاكرته عن صورة ذلك الشاب:
–وقتها كنت خايف ومش خايف، كأن في اتنين جوايا بيتخانقوا مع بعض، والشاب ده أوقات كتير كانوا بيتنمروا عليه، ومكنش بيقدر يعمل حاجة للشباب اللي بيضايقوه. لما دافعت عنه بدأ هو يقرب مني لحد ما في يوم هو اللي جه وقالي أنه بيحبني وساعات عرفت أنه عنده ميول شذوذ. ساعتها فرحت زي ما أكون لقيت فريستي اللي كنت مستنيها.
هز الطبيب رأسه، وهو يحرك يده بالقلم على إحدى صفحات الدفتر الصغير الموضوع على ساقه. فرفع وجهه عن الدفتر، وخفض نظارته عن عينيه قائلاً بصوت رصين: –فرحت عشان كنت هتبقى أنت المسيطر في العلاقة، يعني تبقى الجانب الأقوى وتحاول تعمل فيه زي ما عمل فيك جوز أمك، لأن كان بيبقى هو دايما المسيطر عليك، كنت عايز أقلده، لسه حاسس أنه مسيطر عليك.
اهتز جسد عمرو بمشاعر عدة، فالتـ ـهبت أذنيه وصارت أكثر احمرارًا عن وجهه، كأن ارتفعت حرارة جسده فجأة، ولم يحسن إخفاء نبرة صوته الحادة وهو يقول برفض غير مقنع للطبيب: –أنا مكنتش عايز أقلده وأنا مش ضعيف مش ضعيف، أنا دلوقتي أقوى منه أقوى منه. رفع الطبيب يده يشير إليه بالتزام الهدوء، فثورته خير دليل على أنه مازال يعاني تبعات سيطرة زوج والدته. حاول الطبيب أن يحد من غضبه واستيائه، فابتسم له وهو يقول بهدوء ولين:
–إهدي يا عمرو العصبية مش هتفيدك، وأظن هاجس الخوف عندك من جوز مامتك مبقاش له وجود بعد خلاص ما مات. هذا ما يظنه الطبيب، بل ويظنه الجميع حتى والدته، من أن زوج والدته توفى بذلك الحادث في العام الماضي. ولكن ليست تلك هي الحقيقة، فهو استطاع تزييف موت زوج والدته، حتى يأخذ حريته بتعذيبه كيفما يشاء، حتى إن دنت تلك اللحظة لكي يتخلص منه، لا يجد مشقة بذلك، فكل الأوراق والدلائل تشير أن زوج والدته ألقى حتفه منذ عام كامل.
حركة عينيه الزائغتين، جعلت الطبيب يشك بأن هناك أمرًا لا يعرفه. فحملق به بقوة متسائلاً بشيء من الإلحاح: –عمرو هو أنت في حاجة مخبيها عليا، حركة عينيك وأنك مش مرتاح في قعدتك بتدل على أن في حاجة أنت مخبيها. أزدرد عمرو لعابه ورد قائلاً بارتباك: –هكون مخبي إيه يعني مفيش حاجة، أنا بس متوتر شوية عشان النهاردة هروح أزور خطيبتي بقالي فترة طويلة مشوفتهاش.
يعلم الطبيب بأمر خطبته المزيفة، ولكنه أرجأ الحديث عنها، عندما يحين وقتها، كونه أراد أن يبدأ معه منذ البداية مرورًا بمراحل عمره المختلفة، وما عاناه منذ الصغر. فأغلق باب فضوله مؤقتًا ليستأنف معه الحديث. ولكن أعلن عمرو عن رغبته في عدم إكمال الجلسة لشعوره المفاجئ بالإرهاق. فلم يلح عليه الطبيب بالأمر، بل تركه وخرج من غرفة المكتب، ووجد ذلك الرجل الذي سيقوم بتوصيله لسيارته.
نظر عمرو من النافذة العريضة، وبعدما تأكد من مغادرة الطبيب، خرج من غرفة مكتبه، وهو بنيته أن يذهب لذلك المنزل الذي يحتجز به زوج والدته. ولكن عاد وتذكر أمر سهى عندما هاتفته تخبره بأن أباها يريده بأمر هام. خرج لمرآب السيارات، واستقل إحدى سياراته المصفوفة بالمرآب الكبير، وفكر بالذهاب إليها بالجامعة أولاً ليعلم أي أمر هذا الذي يريده منه أباها. فقاد سيارته حتى وصل لداخل الحرم الجامعي وأوقف السيارة أمام تلك الكلية التي تدرس بها سهى وهي كلية "طب الأسنان".
أخرج هاتفه من جيبه واجرى اتصالاً بها، ولكنها لم تجيبه إلا بالمرة الرابعة تقريبًا، فخرج صوته حاداً وهو يقول باستياء: –أنتي مبترديش عليا ليه على طول، لازم أرن عليكي كذا مرة عشان تردي. وضعت سهى الهاتف أمام عينيها لتتأكد أن من يتحدث معها هو عمرو بعينه، فذلك الصياح الحاد، جعلها تظن أن أحدًا يحدث زوجته التي جعلته ينتظر وقتًا أكثر من اللازم وحان وقت عقابه لها بالصياح والصراخ وتأنيبها على عدم إجابتها على اتصاله.
عقدت سهى حاجبيها وردت قائلة وهي تكز على أسنانها: –في إيه يا أستاذ عمرو، إهدي شوية أنت بتزعق فيا ليه، كنت في المحاضرة ولسه خارجة.
أدرك عمرو حماقته بأن احتد عليها بحديثه وهي ليست مذنبًة بتلك الحالة التي ألمت به بعد إنهاءه جلسة علاجه النفسي. فأحيانًا يأخذ قراره بأن لا يستمر بمقابلة الطبيب، حتى لا ينكأ جراحه بيده، خاصة أن الطبيب يتشدد بمعرفة تفاصيل حياته كاملة والأدق منها الخاصة بعلاقاته المحرمة. ولكن يعود ويصرف تفكيره عن الرفض بمقابلته رغبة منه في أن يشفى من تلك الآلام والجراح التي ألمت به منذ حداثة سنه. غمغم عمرو معتذرًا:
–سوري مكانش قصدي يا سهى، أنا هنا في الجامعة جيت عشان أقابلك، عشان أعرف باباكِ عايز إيه، أنا مستنيكي في العربية بتاعتي قدام الكلية.
نظرت سهى أمامها أثناء خروجها من مبنى الكلية، وجدته جالسًا بسيارته الفارهة. أزدردت لعابها خشية أن يراها، وتراه يترجل من سيارته فتثار الأقاويل حولها، خاصة أن لا أحد من زملاءها يعلم بشأن خطبتها. فذلك الخاتم الماسي، الذي قدمه لها بيوم خطبتهما المزيفة، لا ترتديه إلا بالمنزل أمام أبيها وزوجته وغير ذلك تضعه بحقيبتها. ولا تعلم حتى الآن كيف انطلت تلك الكذبة على عائلتها، أو لما والدها ظل طوال هذان العامان صامتًا ولم يساوره
القلق أو الشك من عدم مجيء عمرو لزيارتها إلا بضعة مرات تعد على أصابع اليد الواحدة. ولكن ربما الآن صار مستاءً من ذلك الوضع وأراد وضع حدًا له، لذلك طلب منها أن تخبره بشأن أن يأتي لمقابلته، لكونه لا يراه بتلك الشركة التي يعمل بها، والتي من المفترض أنه المالك لها.
حدث ما كانت تخشاه ووجدت عمرو يترك سيارته ويرفع يده ملوحًا لها يناديها بصوت جهوري: –سهى سهى. أسرعت بخطواتها تجاهه وهي تضرب بيدها على فمها كأنها تشير له بالصمت. فهتفت به بغيظ: –بس أسكت أنت بتنادي على واحدة تايهة، الطلبة يقولوا عليا إيه. وضع يديه بجيبه بنطاله الجينز، فابتسم على نحو غير معتاد لها ورد قائلاً بحرج طفيف: –افتكرتك مش شيفاني فبنادي عليكي.
–ما أشوفكش إزاي وأنت بسم الله ما شاء الله زي الحيطة وأطول من الطلبة الموجودين هنا، طبيعي أي حد هيشوفك.
يالها من فتاة سليطة اللسان، تجعله أحيانًا يريد أن يتخلى عن كل مظهر حضاري ويجلدها بلسانه هو الآخر. فهو لم ينسى يوم خطبتهما المزيفة، كيف كانت هادئة وأجادت تمثيل دورها ببراعة، حتى ظن أنها خطبة رسمية وسيتزوجان بالقريب العاجل. ولكن ما أن انتهى الحفل العائلي، عادت لما كانت عليه من سلاطة اللسان وحديثها اللاذع. ولولا أنه بعد خطبتهما مباشرة بدأ خطة علاجه من الإدمان، لكان تفنن في رد كرامته المهدورة. ولكنه عاد وتذكر أنها فتاة وليست شاب أو رجل ليقتص منه بالطريقة التي يراها عادلة، فلا يردعه عنها سوى كونها بالنهاية أنثى، ولا يحق له استعراض قوته كرجل أو شاب في مجابهتها.
أدنى رأسه للأمام قائلاً بصوت منخفض: –أنتي عارفة لسانك ده عايزة قطعه والله. زاعلـ ـت عينيها بكل اتجاه تستعرض تلك النظرات المنصبة عليهما من هؤلاء الفتيات، اللواتي تركن كل شيء وجلسن يشاهدن ما يفعلانه، كأنهما يؤديان فقرة تمثيلية أمام الجمهور. فرأت أنه من الأنسب لهما أن يرحلان من هنا. ولكن ما كادت تخبره بشأن عودتها للمنزل، وجدت شاب يناديها، ولم يكن سوى شاب يدرس معها بالكلية.
ضمت سهى كتبها لصـ ـدرها وزحف الخجل لوجنتيها حتى صارتا بلون الورود الحمراء. فردت قائلة بتهذيب: –أفندم حضرتك بتنادي عليا. مد الشاب يده لها ببعض الأوراق وهو يقول بابتسامة هادئة: –دي المحاضرة اللي أنتي محضرتهاش الأسبوع اللي فات أنا صورتها لك عشان تذاكريها ولو في أي محاضرات تانية محتجاها أنا تحت أمرك. أخذت سهى الأوراق من يده وإبتسمت وهي تقول بخجل: –متشكرة جداً على ذوقك.
غادر الشاب وأقترح عمرو بأن يقوم بإيصالها للمنزل، فأخبرته سهى بأنها ستعود لمنزلها بسيارة أجرة على أن يوافيها هو بسيارته. وما أن وصلت للمنزل وصعدت درج الطابق الأول لتصل لشقتهم بالطابق الثاني، انتفضت من صوت عمرو وهو يهتف بها بضيق: –هو كان مين الشاب اللي كلمك في الكلية ده كمان وإيه الأدب والخجل اللي كنتي فيه ده فجأة. هو أنتي زي البنات الطبيعيين بتتكسفي وكده. مقولتليش باباكِ كان عايزني في إيه.
رحلت عن وجهها ملامح الهدوء والخجل، التي بدت كأنها ضيف مؤقت. لم يتبقى سوى لحظات معدودة، وعادت لما كانت عليه من أمور الشراسة وإطلاق العنان للسانها السليط. فرفعت شفتها العليا وردت قائلة بامتعاض: –معرفش بابا عايزك ليه، ويارب يكون عايزك عشان يفسخ الخطوبة، لأن بصراحة زهقت من التمثيلية دي وأنا خلاص دلوقتي دخلت الجامعة وبابا شايف أن متفوقة فيها. مظنش أنه لو فسخنا الخطوبة هيغصب عليا اتجوز إلا لما أخلص دراستي. قال
عمرو بنبرة صوته المتهكمة: –أه يعني دلوقتي خلصت حاجتي من عند جارتي، ضمنتي مستقبلك ومبقاش ليا لازمة، بس لسا مجاوبتنيش مين الشاب ده اللي كلمك في الكلية. نفخت سهى بضيق وردت قائلة بوجوم: –هو أنت مبتشوفش، يعني أدانى ورق محاضرات أكيد يعني زميلي في الكلية سهلة أهي ولا أنت عندك الفهم بطيء. ثم أنت بتسأل بصفتك إيه، أنت فكرت نفسك خطيبي بجد عشان تسأل وتستفسر مين اللي كلمني أو لأ.
ربما اليوم هو يوم حظها السئ، كونه أنه ليس بحالة مزاجية، تسمح له بسماع هراءها وسبابها اللاذع. فقبض على ذراعها حتى كادت أن تشعر بأنه أصابعه ستنفذ لعظامها، وكانت الطامة الكبرى بمحاولته أن يعانقها رغماً عنها، ولا يعلم لما أقدم على ارتكاب تلك الحماقة، خاصة أنهما على الدرج وبإمكان أي أحد أن يراهما. فهو لم يعانق فتاة بحياته، ولا يعلم كيف يكون مذاق العناق بين شاب وفتاة، وأراد اختبار ذلك الأمر معها، دون أن يتروى بتفكيره.
ولكنه ساذج وأحمق إذا ظن بأنها ستسمح له بارتكاب ذلك الأمر الذي لا يحل له حتى وإن كان خطيبها. لذلك قبل أن يحقق مراده ويعانقها دوى صوت تلك الصفعة التي صفعته إياها على وجهه بأذنيهما، ولم تكتف بذلك بل دفعته عنها وهي تبكي وتلعنه على أنه فكر بفعل ذلك وهي ليست زوجته ولا تحل له بأي صورة. فوضع يـ ـده على وجنته يتحسس مكان تلك الصفعة التي تلقاها منها. ولم ينتظر دقيقة أخرى إذ هبط الدرج بخطوات سريعة حتى وصل لسيارته، فاستقلها
وأنطلق بها لتلك الوجهة الأولى التي كان يخطط لها منذ خروجه من المنزل، من أن يذهب لذلك المنزل المحتجز به زوج والدته، ليصب عليه جام غضبه ونقمه وسخطه، على ما لقاه بيومه.
وضعت هند آخر طبق من الطعام على المائدة، التي عملت على تزيينها بوضع أطباق الطعام الشهي، الذي أعدته من أجل تلك الليلة. ولم تنسى وضع بعض الشموع الفواحة، لتضفي مظهراً أكثر جاذبية ورومانسية على ليلتهما المميزة. فاليوم الذكرى الثانية ليوم زفافهما، لذلك أرادت أن يحتفلا سوياً كالعام الماضي، الذي ما زالت متذكرة كيف كان يومًا لا ينسى بحياتها، وربما الليلة ستعوض ما فاتها من أيام، غاب عنها زوجها من انغماسه بعمله وعودته بعدما
يكون أدركها النعاس وهي بإنتظاره. لذلك أصرت على إعداد تلك المائدة العامرة بأنواع الطعام الذي يحبه زوجها. ولم تنسى أن تكون هي الأخرى على أتم الاستعداد لاستقباله بعد عودته. فثوبها الأسود الحريري، الذي يماثل لون خصيلاتها الفحمية، كان مسدلاً بنعومة على قوامها الرشيق، وتضارب لونه مع صفاء ونقاء بشرتها الغضة الملساء. ولم تكتف بذلك بل نثرت ذلك العطر الذي فاح منها لتكتمل تلك الصورة الأنثوية الصارخة بمعالم الجمال والذي ستخلب
عقل زوجها لا محالة.
أضاءت الشموع وأطفأت الأنوار وقالت بصوت حالم: –يارب ترجع من الشغل النهاردة بدري يا كرم زي ما قولتلي عشان أنت وحشتني أوي.
أخذت هاتفها وأرسلت له رسالة تحثه على العودة باكرًا، فهي تريد مفاجئته بكل ما أعدته من أجله. جلست تنتظره بشوق، فمرت ساعة واثنان وثلاثة حتى شب القلق بقلبها. فأخذت هاتفها لكي تطمئن عليه، ولكن لم يحالفها الحظ بالوصول إليه، نظرًا لأن هاتفه مغلق. دارت حول نفسها بخوف من أن يكون أصابه مكروه فالوقت أقرب من منتصف الليل وهو لم يعود.
التقطت أنفاسها وهي تراه يلج من الباب، فها هو قد عاد للبيت سليمًا، ولكن كان غضبها منه وصل لذروته، ولم يعد بإمكانها السيطرة على صوتها الذي خرج حادًا وهي تقول بانزعاج: –كل ده تأخير يا كرم وكمان تليفونك مقفول حرام عليك حرقة أعصابي دي. تعجب كرم من هجومها المفاجئ بحديثها على غير عادتها معه من لين الحديث ولطافتها ودلالها. فقطب حاجبيه قائلاً بدهشة طفيفة:
–مالك يا هند بتعلي صوتك ليه كده، هي دي أول مرة أتأخر في الشغل يعني، كان في فوج سياحي وصل وصاحب شركة السياحة طلب مني أكون معاهم لحد ما رجعوا الفندق.
تلك هي الإجابة الوحيدة التي تحصل عليها منه، كلما سألته عن سبب تأخره في العودة للمنزل. فمنذ عمله مترجمًا للغة الفرنسية بأحد شركات السياحة، وهو يعود إليها بوقت متأخر من الليل معللًا ذلك بأنه رافق أحد الأفواج السياحية التابعة لتلك الشركة التي يعمل بها بجانب تدريسه بأحد المدارس الخاصة بالمرحلة الثانوية. وكأن وقته أصبح محصورًا بين عمله نهارًا بالمدرسة، ومساءً بشركة السياحة، ولا تحصل هي إلا على تلك السويعات القليلة الفاصلة بينهما.
زفرت هند زفرة مطولة وأغمضت عينيها ريثما تهدأ قليلاً. ولكن سرعان ما فتحتهما وهي تقول بدون مقدمات: –كرم أنت لازم تشوفلك حل في الموضوع ده أنا مبقتش ألحق أقعد معاك، حتى كمان مانعني من أن أحمل وأجيب طفل يسليني في وحدتي دي، كده كتير وحرام بصراحة، خلاص خلينا نجيب بيبي على الأقل يشغلني شوية ويعوضني عن غيابك طول النهار. ما أن أتت على ذكر الإنجاب، تغيرت ملامح وجهه ورد قائلاً بحدة:
–قولتلك يا هند موضوع الخلفة ده لازم نأجله شوية على ظروفي ما تتحسن، مش عايزك تتكلمي في الموضوع ده تاني دلوقتي ماشي. ساهمت نبرة صوته الحادة والرافضة لمطلبها بزيادة حنقها. ألم يكفيه أنه لم ينتبه عليها وعلى ذلك الثوب الذي ارتدته، أو على تلك المائدة التي أعدتها من أجله، وأنصهرت تلك الشموع الفواحة بفعل لهيبها، كإنصهار حلمها بأن تنعم بليلة حب دافئة وهي جالسة بانتظاره أن يعود. فضمت طرفي رداءها وقالت بغيظ
وهي تتجه صوب غرفة النوم: –ماشي يا كرم لا هتكلم في الموضوع ده ولا أي موضوع تاني تصبح على خير، الأكل عندك على السفرة لو كنت عايز تاكل تصبح على خير.
ولجت لغرفة نومهما وأغلقت الباب خلفها بحدة. فعقد كرم حاجبيه بغرابة من ذلك التحول الذي طرأ عليها اليوم، أو لما الليلة احتدم النقاش بينهما هكذا، على الرغم من أن حياتهما تسير على ذلك المنوال منذ عدة أشهر. أقترب من المائدة ونظر للورود والأطباق المتراصة بأناقة وبقايا الشموع. ففطن أنها أعدتها من أجل ليلة مميزة. وضع يده على جبهته ودلكها برفق ليتذكر تاريخ اليوم، وما أن تذكر أن اليوم هو يوم ذكرى زواجهما، علم مدى انزعاجها لحرصها الدائم على أن يكون ذلك اليوم ذكرى لا تنسى بحياتهما.
أسرع بخطواته تجاه غرفة نومهما وفتح الباب وهو بنيته أن يقدم اعتذاره لها. فوجدها مستلقية على الفراش تـ ـوليه ظهرها، ويبدو أنها كانت تبكي. فأقترب أكثر منها، حتى باتت بإستطاعتها أن تراه وهو جالس القرفصاء بجوار الفراش. ولكن قبل أن يفه بكلمة، رمقته بعينان دامعتان وهي تقول بصوت متحشرج: –كرم بكرة أنا هسافر إسكندرية، بابا وماما وحشوني وعايزة أشوفهم وهقعد هناك كام يوم.
هذا ما كان يخشاه أن يصيبها السأم سريعًا منه ومن معيشتهما. إلا أنه لم يبدي لها قلقه هذا، فرد قائلاً بهدوء: –زي ما أنتي عايزة يا هند، عايزة تسافري سافري أنا مش مانعك، جايز أعصابك ترتاح لما تشوفي باباكِ ومامتك.
لم يتكلف عناء زيادة كلمة أخرى، بل نهض من مكانه وخرج من الغرفة. ففغرت هند فاها لظنها بأنه سيستميت بأن لا يجعلها تذهب لمنزل أبيها بمفردها، مثلما كان يفعل معها دائمًا. فإن كانت قالت حديثها رغبة منها في أن تسمعه يخبرها بأنه لن يجعلها تقضي أيامًا بعيدة عنه، فبالغد ستسافر للإسكندرية مثلما أخبرته. أخذت الوسادة ووضعتها على رأسها لتكتم صوت بكاءها وحزنها على انتهاء ليلتهما قبل أن تبدأ، بل انتهت نهاية غير مستحبة من جانبها. ولن يقتصر الأمر على ذلك، فغدًا ستأخذ حقيبتها وتتجه صوب محطة القطار، قبل أن يتفاقم غضبها أكثر وتثور أفكارها حول رغبتها بأن تنجب طفلاً. فهي لا تعلم إلى متى ستستطيع إرجاء تفكيرها بهذا الأمر؟
خاصة أن غريزة الأمومة بدأت تلح عليها منذ أن وضعت والدة سويلم حملها وأنجبت فتاة خلبت قلب هند منذ رؤيتها وتمنت أن يصبح لديها طفلة مثلها تدللها وتعتني بها. وكم تهوى لو أن ترث لون عينيّ زوجها، حتى تسلبها قلبه وعقله كما سلبهما كرم بعشقها له. ولكن استياءها الحالي منه جعلها ترغب في أن تجعله يشعر بالذنب لتفكيره بأن يحرمها تلك العاطفة التي خلقها الله بقلب كل فتاة منذ لهوها بالدمى وهي صغيرة.
لم تكن قواه الخائرة ووهنه الظاهر للعيان أن يمنعانه من أن يتهلل وجهه وهو يرى ذلك الواقف بجوار فراشه بالمشفى. وبالبدء ظن أنه يرى شبحاً أو طيفاً يشبه ولده الهارب، وليس هذا وحسب بل يرافقه طيف آخر لحفيدته الصغيرة، التي اختفت البهجة من حياته ومنزله منذ أن أخذها راسل وغادر من الإسكندرية. ولكن كأنه استعاد عافيته فجأة، فأرتفعت رأسه عن الوسادة وملأت الابتسامة وجهه، وأراد أن يتأكد من أن ما يراه حقيقة وواقع بإمكانه لمسه. لذلك رفع يديه يشير لسجود بالإقتراب، فاستجابت له على الفور وتركت يد والدها وأقتربت من الفراش، بل لم تكتف بذلك بل صعدت بجوار جدها وانحنت إليه تقـ ـبله برقة شـ ـفتيها الصغيرتين، ووضعت يدها الصغيرة بكف رياض.
قالت سجود بابتسامة: –وحشتني يا جدو. عبارتها كترياق لداء كان يصعب عليه أن يجد له دواء. ولكن ها هي قد عادت تحمل معها الأمل والابتسامة له، حتى وإن كان يعلم بدنو أجله، وأن ربما الموت يحوم حوله بتلك الأيام. ولكنه لم يكن يخشى الموت قدر حاجته لأن يراها ويرى ابنه قبل أن يأذن الله له بالرحيل. مسد بيد على رأسها ورد قائلاً وعيـ ـناه شبه دامعتان: –حبيبة قلبي جدو، حمد الله على السلامة وأنتي كمان وحشتيني أوي يا سيجو.
خطى راسل تلك الخطوات القليلة التي كانت تفصل بينه وبين أباه، وكلما حاول فتح فمه ليعرب له عن مدى قلقه الشديد بعد علمه بما أصابه، يعود ويضم شفتيه. ولكن أسرع رياض ببدء الحديث الذي لم يخلو من العتاب: –حمد الله على السلامة يا دكتور راسل، كان لازم تعرف أن أنا بموت عشان ترجع، بس فيك الخير، أنا قولت أنك هتنفذ كلامك اللي قولتهولي مرة أن لو حتى أنا مت مش هتيجي تاخد العزا.
شعور ساحق بالذنب بدأ بسحق قلبه ورغم ذلك ظل ثابتاً جامداً، لا تعتري ملامح وجهه سوى معالم الهدوء والسكون. ربما ليخدع عيني والده، بأنه مازال كما هو قاسيًا متحجرًا بمشاعره تجاهه، وألا يجعله يفطن الحقيقة، من أنه حقًا يشعر بالخوف بل من داخله مرعوبًا من فكرة رحيله عنهم بصورة نهائية. لمس راسل نظارته وحملق بأباه قائلاً بنبرة جامدة:
–أظن ده مش وقت العتاب دلوقتي، أنا لما عرفت رجعت عشان أعملك العملية وجبتلك سجود تشوفيها قبل ما ندخل أوضة العمليات عشان خلاص مبقاش فاضل غير نص ساعة قبل ما أبدأ العملية. نظر راسل لساعة معصمه، هرباً من تحديق والده به، وأراد الخروج من الغرفة قبل أن تخترقه نظرات أبيه وينهار ثباته المزيف، الذي يحاول جاهدًا الحفاظ عليه حتى يمر الأمر بسلام، وإلا سيخفق في إجراء تلك الجراحة.
خرج من غرفة والده وجد الجميع بالخارج، فكلهم جاءوا من أجل الاطمئنان على رياض، ولا أحد منهم بنيته المغادرة قبل أن تنتهي الجراحة. –ميس يلا عشان هتدخلي معايا أوضة العمليات. هتف راسل بميس بشيء من الحزم، فوجدها ترتد بخطواتها للخلف وهي تهز رأسها بالنفي، رغم أنها رافقته عدة مرات بغرفة الجراحة، إلا أن تلك المرة لن تستطع فعلها خاصة أن المريض جدها الحبيب. وجدته يرمقها بنظرة مستاءة وسرعان ما قال آمرًا إياها:
–اللي قولته يتسمع يا دكتورة ميس ومش عايز نقاش أتفضلي جهزي نفسك، في دكتورة تتأخر عن تأدية واجبها ده مش وقت الدلع.
أطاعته ميس على مضض، خشية إثارة المزيد من استيائه، الذي لا تعلم له سببًا، ولكن يبدو عليه أنه وجد بها كبش فداء لينفس بها جام خوفه واستيائه وخشية إخفاقه بمهمته. فبعد استعدادهما لدخول غرفة الجراحة، ألقى راسل نظرة أخيرة على حياء الجالسة بمقعد بعيد عن مكان جلوس ساندرا والصغير وتضع على ساقيها سجود، التي رفضت تركها. فمنذ تلك المواجهة بينهما بعد عودته وهما لم يتحدثا مرة أخرى، بل فضل تركها بمعزلها عنه، حتى لا يتفاقم الأمر بينهما أكثر، ولكي يرى فيما بعد ما سيحدث بينهما خاصة أنه أخذ قراره بإطلاق سراحها ومنحها الطلاق قبل مغادرته البلاد.
ولج لتلك الغرفة التي سيجرى بها الجراحة لوالده، ووقف بجوار ذاك السرير الصغير ناظرًا لأباه الغافي بعدما تم حقنه بإبرة المخدر، فتنفس بعمق هامسًا لذاته: –بسم الله الرحمن الرحيم، يارب قوني والعملية تتم على خير وأقدر أنقذه.
تلك الأصوات الصادرة عن ذلك الجهاز المختص بتوضيح ضربات القلب من حيث انتظامها، جعل عيـ ـناه تصب كامل تركيزها وانتباهها على ما تفعله يـ ـداه. فبدقة واحترافية، بدأ بوضع المبضع بجـ ـسد أبيه ليشق ذلك الجزء اللازم، الذي سيمكنه من إجراء تلك الجراحة التي عاد من أجلها. وعلى الرغم أن ما يحدث الآن يستلزمه بذل مجهود هائل للحفاظ على رابطة جأشه وأن ينسى ولو مؤقتًا أن من يرقد أسفل يـ ـديه الآن هو والده، إلا أنه متمرسًا ومحترفًا بفصل
عواطفه وقتما يريد. فـتلك الخبرة التي اكتسبها ساهمت بأن يبدأ عمله، كأنه يجرى الجراحة لأحد المرضى العاديين. فلو ترك عاطفته تغلبه، سيجد جسده يرتجف بل ربما سيبدأ بالبكاء والنواح من أجل أباه، ولا يعلم كيف شعر بكم تلك المشاعر والعواطف، على الرغم من أن الأمور بينهما دائمًا كانت تشوبها النفور والإحجام، حتى تلك المدة القصيرة التي أقامها معه قبل سفره، لم تشفع له عندما أخذ قراره بالمغادرة.
جحظت عيني راسل بعدما رأى انخفاض مؤشر ضربات القلب، دليلاً على أن ربما والده يتهيئ لأن يرحل عن دنياهم. ولكن عزيمته جعلته يأخذ قراره بأن تسرع ميس بتنفيذ أوامره بمساعدته من أجل إعادة ضربات القلب لمعدلها الطبيعي، دون أن تثير مشهدًا عاطفيًا سيجعل زمام الأمور تفلت من أيديهما. فدموعها التي تلألأت بعينيها جعلته أكثر شدة وحزم معها حتى جعلها بالأخير تبدأ هي بإنجاز تلك المهمة التي أوكلها إليها.
زفر راسل براحة وسحب قناعه الطبي بعد بضعة ساعات قضاها يصارع الوقت في إنقاذ والده وتوجيه ميس بتنفيذ تعليماته، فغمغم برضا: –الحمد لله إنها عدت على خير الحمد والشكر لله. رمقتهما الأطباء والممرضين المصاحبين لهما بغرفة الجراحة بإعجاب، كونهما استطاعا تحقيق هذا الإنجاز العظيم بإنقاذ أبيه وهو كان قاب قوسين أو أدنى من أن ينتهي أمره.
خرجا من غرفة الجراحة محاوطاً كتفيّ ميس بذراعه. فهو أثنى عليها من كونها أظهرت مهاراتها اليوم رغم شعورها بالخوف والحزن. فحدق بها قائلاً بابتسامة: –كنتي هايلة يا ميس، عايزك لما تكوني في أوضة الجراحة تفصلي عواطفك عن شغلك، عشان تعرفي تنقذي المريض. نـ ـدت عنها زفرة مطولة وردت قائلة بإرهاق:
–أنا كنت حاسة أن هيجرالي حاجة وخصوصاً لما نبضات القلب معدلها انخفض كنت هموت من الخوف، وكمان أنت تقريباً بدأت أول خطوة في العملية وخليتني أنا كملتها للأخر، كنت حاسة بمسؤلية كبيرة. بس الحمد لله عدت على خير وجدو دلوقتي بقى كويس الحمد لله.
ما أن وصلا لذلك الرواق المؤدي لغرفة المكتب وجدا أفراد العائلة يتدافعون عليهما لسؤالهما عما صار لكبيرهم، فطمأنهم راسل بأنه هو وميس أتما الجراحة لوالده على نحو مشرف وتم نقله لغرفة العناية الفائقة لحين إفاقته. فالوحيدة التي لم تنهض من مكانها هي حياء على الرغم من أن سجود تركتها وركضت إليه مع البقية.
ظلت جالسة مكانها تنظر للجدار المقابل لمقعدها، عاقدة ذراعيها وتجلس بصمت رغم أنها أرهفت سمعها لتطمئن على أحوال والد زوجها، لكنها لم تريد أن تقوم من مكانها وتراه. وما أن اطمئن قلبها على أحوال رياض، تركت مقعدها وتأهبت للمغادرة وما كادت تبتعد خطوتين حتى سمعت صوت شقيقها ديفيد يناديها، وهو يتقدم منها بخطوات متلهفة. قطعت هي المسافة الفاصلة بينهما ومدت ذراعيها له ودمعت عيناها. فتلقاها بين ذراعيه واحتضنها هامسًا لها بحنان:
–وحشتيني أوي يا حياء. –وأنت كمان وحشتني أوي يا ديفيد كويس أنك رجعت أنا كنت محتاجالك أوي. قالت حياء بصوت تخلله رنة حزن مختلطة بالبكاء. ولم يخف على ديفيد استقبالها له من إلقاء نفسها بين ذراعيه، كأنها تحتمي به. على الرغم من أنهما أشقاء إلا أن الأمر اقتصر بينهما قبل سفره على عناق أشقاء هادئ ولم يكن مثلما حدث منها الآن.
أبتعد عنها قليلاً ورفع وجهها له وقرأ بعينيها الألم المتسطر بوضوح على صفحات وجهها. ولكن قبل أن يفه بكلمة، رأى راسل يقف وسط أفراد عائلته. فعاد يرمقها بدهشة وهو يقول متسائلاً: –هو جوزك رجع أمتى؟ هو لسه زعلان منك ولا إيه، عشان كده كلمتيني أرجع إسكندرية؟ أنا هروح أفهمه كل حاجة، لازم يعرف أنك مظلومة.
قبل أن تعترض حياء على اقتراب ديفيد من راسل، كان شقيقها يهرول إليه، ظنًا منه أنه هو من سينهي ألم شقيقته بالاعتذار من زوجها عما بدر منه هو وعمه وأنه ما أن يصحح مفهومه الخاطئ عنها ستعود حياتهما لما كانت عليه قبل لقاءها به. ما أن رأى راسل شقيق زوجته يقترب منه، حتى تغيرت ملامح وجهه، وأراد الانصراف قبل أن يصل إليه. فترك مكانه وهو بنيته الدخول لمكتبه. ولكن ديفيد قبض على ذراعه قائلاً باستجداء:
–راسل استنى أنا عايز أكلمك ضروري. نفض راسل يد ديفيد عنه ورفع سبابته بوجهه وهو يقول من بين أسنانه محاولاً كظم غيظه: –متحاولش تلمـ ـسني مرة تانية أنت فاهم وأنا مش عايز أتكلم معاك ولا أشوف وشك لأن صدقني ممكن ثانية كمان وأمسح بدمك بلاط المستشفى. ثارت ثائرة حياء بعد سماع قول راسل لديفيد، فجذبت ذراع شقيقها قبل أن يسهب في تقديم اعتذاره، خاصة أن الاعتذار لن يفيد بتلك الحالة. فقالت بكبرياء وهي تنظر بعينيٌ زوجها:
–ديفيد ملوش لازمة الكلام ولا تضيع وقتك في الاعتذار، خلاص راسل مبقاش يلزمني، كانت حكاية وخلصت زي اللعبة اللي انتهت بالخسارة، بس أنا روحي رياضية مبزعلش من الخسارة اللي بتبقى أحسن من المكسب، خصوصاً لو خسرت حاجة متستاهلش الزعل. ثم أنا لما كلمتك يا ديفيد عشان ترجع إسكندرية مش عشان تيجي تعتذر لحد ولا أنك تحاول تصلح الأمور بيني وبينه، لاء أنا عايزك ترفع لي قضية طلاق على جوزي دكتور راسل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!