الفصل 10 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل العاشر 10 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
20
كلمة
6,934
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

تركض بأروقة تلك المشفى، كمن تركض بمتاهة لا نهاية لها، كمن خدعها النعاس بكابوس، جعلها لا تعلم إذا كان ما حدث حلماً أم حقيقة. فذلك النبأ الذي تلقته مسامعها، من أن أبويها لقيا حتفهما نتيجة حادث سيارة، أصاب قنوات الحس والإدراك لديها بما يشبه الغيبوبة. فإن كانت قدميها تسعفها بالركض، وعيناها لا تكف عن ذرف الدموع، فهي تشعر بتوقف حواسها بأكملها، كأنها صارت بلا روح وأن جسدها ما هو إلا دماء وعظام ولحم تستجيب لحركة قدميها.

فربما هي ما زالت نائمة، وسيأتي أحد ويوقظها الآن ولن يكون سوى والدتها، فهي لن تصدق أنهما رحلا بتلك البساطة والسهولة، وأن نهايتهما أتت هكذا بهذا الوقت المبكر. ولكن ذلك لم يكن حلماً أو كابوساً، بل أمراً واقعاً. وها هي تقف أمام جثتهما بتلك الغرفة المخصصة للموتى التي يطلق عليها "المشرحة"، ترى جثمانين مغطيان بغطاء أبيض لا يرى منهما شيئاً.

رأت الطبيب يقترب منهما يرفع طرف الغطاء عن وجههما، لتأتي لحظة انهيارها التي حافظت على ألا تزورها ثانية إلا بعد أن تتأكد مما سمعته. فها هما متسطحان أمامها فاقدان للحياة. فصرخت بجميع صوتها وهي تحتضن جسد مديحة وتنادي عرفان: –مامااااا لاء أصحى يا باباآآآآ متعملوش فيا كده لااااااااء أنتوا مش هتسيبوني لوحدى لاااااء. حاول نادر سحبها من تعلقها بجثمان مديحة تكاد تسقطه معها أرضاً وهي تنتحب ملء فاها. فحاول ثنيها عما تفعل:

–إهدي يا حياء دا أمر الله حرام عليكي اللي بتعمليه ده. جثمت على ركبتيها، فظلت تضرب ساقيها وهي تندب ما حدث: –أاااهدى إزاي دول خلاص راحوا، بابا وماما سابوني في الدنيا لوحدى أعيش إزاي من غيرهم إزااااى ياااااااارب. كانت تلك آخر كلمة تقولها، قبل أن يبتلعها الظلام، الذي زحف إليها بعدما بدأ جسدها بالارتخاء، تشعر ببرودة أطرافها، فأغشي عليها في الحال.

فانحنى إليها نادر ليجعلها تستعيد وعيها، ولم ترى مجيء قسمت وزوجها بعدما علما بما حدث لعرفان وزوجته. فأقتربت قسمت من جثمان شقيقها وهي تلطم خديها وتنتحب: –يا خراب بيتك يا قسمت أخوكي اللي كان باقيلك راح يامصيبتي يا مصيبتي. ظلت تلطم خديها تارة وتضرب صدرها تارة أخرى، لتعود وتضرب بيدها على رأسها، لتصرخ بعد ذلك صرخة مدوية هزت أرجاء الغرفة وهي تستمع للطبيب يقول:

–ياريت تخلصوا الإجراءات بسرعة علشان الدفن، البوليس جه وعمل معاينة، فإكرام الميت دفنه، وأنتم تتابعوا سبب الحادث. تقدم شكري من الطبيب يسأله عن الخطوات اللازمة لإنهاء الإجراءات: –طب ممكن حضرتك تيجي معايا تقول لي إيه الإجراءات المطلوبة. خرج شكري برفقة الطبيب، يعمل مسرعاً على إنهاء الإجراءات اللازمة، ليتم دفن عرفان ومديحة. فباليوم التالي... بعد أداء صلاة الجنازة، تم حمل الجثمانين إلى مقابر عائلة الطيب.

أستندت حياء على جسد هبة التي شاركتها البكاء على وفاة خالها وزوجته، ظلت تربت عليها تواسيها، فلم تمنع حياء صراخها برؤيتهما وهما يتم إيداعهما بالقبر. فصرخت بجميع صوتها وهي تنوح: –بااااابا ماماآآآ سبتونى لمين. حاولت حياء الفكاك من بين ذراعي هبة التي شدت عليها بعدم التحرك وهي ترى المراسم الأخيرة لتشييع الجثمانين. فرمقتها حياء بعينان حمراوتان من كثرة البكاء. فخرج صوتها هذه المرة يحمل وجع العالم أجمع:

–سيبيني أشوفهم للمرة الأخيرة يا هبة عايزة أشوفهم. أبتلعت هبة تلك الغصة الباكية وهي تجيبها: –بلاش يا حياء أنتي شوفتيهم قبل الدفن ودلوقتي خلاص القبر هيتقفل عليهم. –لااااء سبوني أشوفهم أنا عايزة بابا وماما أنا عايزة أشوووفهم. صرخت حياء بعبارتها، فلم تحتمل ما يحدث، فسقطت مغشياً عليها ربما للمرة الثالثة منذ سماع خبر الوفاة، فمرتها الأولى، كانت بسماع الخبر من صالحة.

أقتربت صالحة منها، تساعد هبة في إفاقتها، فتجمع حولها النسوة، حتى استعادت وعيها وعادت لبكائها ونحيبها مرة أخرى، فضمتها صالحة إليها، وحالها لا يفرق عنها، فهي لو بكت عمرها بأكمله، لن يكون كافياً للتعبير عن حزنها بفقدانها مديحة وعرفان.

ألتف حولهما النسوة كأنهما دائرة مغلقة، يشعرن بالحسرة على تلك الفتاة التي صارت عيناها ذابلتان من كثرة الدموع والحزن، ووجهها شاحب أقرب لوجوه الموتى، وجسدها متشنجاً كمن أصيبت أطرافها بشلل مفاجئ. فبعد انصراف المشيعين، لم يتبقى سوى نادر وقسمت وزوجها وابنتها وصالحة، فجلست حياء أمام القبر، تتلمس بيدها التربة الرطبة بالماء، بعد انتهاء الدفن، كمن أصبح العالم حولها مختفياً لا ترى سوى القبر فقط.

وكأن كل شيء صار باللون الأسود، لا ترى شيئاً ولا تسمع أحداً. بالمساء..... ارتدى راسل ثيابه المكونة من بنطال أسود وقميص بلون مماثل، وظل يحدق بالمرآة وقت لا بأس به، كأنه يبحث عن إجابة لشيء يؤرقه. وما كان هذا الشيء، سوى إقدامه على الذهاب لمنزل "عرفان الطيب" لتقديم تعازيه، ولكن حسم الأمر قبل أن يتفاقم تفكيره المشتت أكثر من ذلك، فخرج من غرفته، وهبط الدرج حتى وصل للصالة. رأته سجود فركضت إليه تتعلق بساقيه وهي ترمقه بطفولية.

فما كان منه إلا أنه جلس القرفصاء أمامها وهو يمسد على ذراعيها بلطف، فهي إذا رأته خارجاً الآن ستصر على الذهاب معه. فتبسم لها بتشجيع: –سيجو أنتي هقعدي مع تيتة على ما أرجع ماشى يا روحي. تعقلت الصغيرة بعنقه وهي تقول برفض: –لاء يا بابي هاجى معاك. ربت على ظهرها بحنان وهو يجيبها: –مش هينفع يا روحي بابي تيجى معايا دلوقتي أنا رايح مشوار بسرعة وهرجع ماشى.

بكت الصغيرة وخاصة وهي تعلم أن إذا عاد والدها من مشفاه، لا يذهب لمكان آخر إلا إذا كانت هي برفقته، فهي تظن أنه يريد أن يتملص من وعده لها بأخذها لمدينة الألعاب مثلما أعطاها وعده بذلك. فتعلقت أكثر بعنقه وهي ترفض تركه: –لاء هاجى معاك أنت قولتلي هتوديني الملاهي. لا يعرف كيف يستطيع إفهامها، أنه طرأ أمر آخر الآن ويجب عليه الذهاب. فلم يكن منه إلا أن نادى وفاء: –ماما ماما تعالي خدي سجود.

خرجت وفاء من المطبخ على صوت مناداة راسل لها، فهي تعلم بشأن ذهابه لتقديم تعازيه لطبيب يعمل بمشفاه، بعد علمه بوفاة والدي عروسه. فأقتربت وفاء من سجود تحملها وهي تحاول إسكاتها: –حبيبة تيتة تعالي يلا هجيب لك حاجة حلوة وبابا مش هيتأخر هو رايح عزا يا سجود مش هينفع ياخدك معاه. بعد عدة محاولات استطاع راسل الخروج من المنزل، فأستقل سيارته وذهب لمنزل عرفان المقام به مراسم العزاء.

صف سيارته بالخارج، فتقدم من نادر وشكري ووحيد الذي أتى إكراماً ومواساة لهبة، لعلمه بأنها كانت تحب خالها وزوجته. صافح راسل الثلاثة يردد عبارات المواساة، وجلس على أحد المقاعد، فالعزاء مقام بالحديقة، وتجلس النسوة بالداخل. تردد صوت المقرئ بآيات القرآن الكريم، ولم يقطع هذا الصوت إلا صوت صراخ قادم من الداخل، ليرى جميع الحاضرين حياء تخرج إليهم وهي صارخة: –أنتوا جايين تعزوا في مين بابا وماما مماتوش مماتوش فاااااهمين.

شعر الجالسين بالحرج والشفقة أيضاً على تلك الفتاة التي يبدو عليها أن وقع الخبر عليها، أصابها بنوع من الجنون. فانصرف الحاضرين تباعها، وعندما هم راسل بالمغادرة. أقترب منها نادر قائلاً بصوت هامس: –حياء مينفعش كده إهدي وأدخلي جوا خلاص يا حياء أتقبلي الموضوع وأدعيلهم بالرحمة، عمايلك دي مش هترجعهم تاني. فقدت آخر ذرة عقل لديها، فدفعته بصدره يكاد يترنح بوقفته من مباغتها له بفعلتها. فصرخت بوجهه:

–أسكت فاهم أسكت خالص ومتقلش عليهم أنهم ماتوا ماشى سامعني. بعد قولها خذلتها قدماها، فسقطت جالسة على الأرض، تضع وجهها بين راحتيها وأجهشت بالبكاء. ساقته قدماه إليها، ولا يعلم لما فعل ذلك، فالأمور بينهما لم تكن على وفاق منذ البداية. وقف على مقربة منها وهو يقول: –البقاء لله يا آنسة حياء. رفعت وجهها بعد سماع صوته، فما كان منها إلا أنها استقامت بوقفتها وهي تجيبه بصوت هادر بإندفاع:

–جاي علشان تتشمت فيا مش كده يا دكتور راسل، فرحان فيا صح. أيقن الواقفين أنها حقاً أصيبت بالجنون، فلم يرد راسل جواباً على ما قالته. فما كان منه سوى أنه ترك المكان مغادراً، تاركاً مهمة إسكاتها عن التفوه بتلك الترهات لنادر. فأخذ سيارته يقودها ليعود لبيته، فهو فعل ما أملاه عليه الواجب الاجتماعي، ولكنه لا يلومها على ما قالت فألتمس لها العذر، فهي لا تعي ما تتفوه به من كثرة حزنها.

تلك الفرصة المتاحة لديها الآن، ستكون فرصتها الذهبية في البحث والتنقيب بغرفة والدتها. فهي حرصت على العودة للشقة بعد عودتها من عملها، ولم تذهب لمتجر والدتها مثلما تفعل يومياً. ولا تعلم لما صار عقلها يصرخ بها بأن تبحث بالشقة، لعلها تجد ما يجعل أفكارها الثائرة تهدأ قليلاً. بدأت بالتفتيش بكل مكان بالغرفة، حتى أصابها اليأس من عدم وجود شيء غير مألوف. جلست على الفراش المبعثر، تلتقط أنفاسها بغيظ، من أن محاولاتها باءت بالفشل.

فراحت تدمدم بغيظ: –يعني قلبت الأوضة كلها ومش لاقية حاجة خالص، طب وبعدين هفضل كده مش فاهمة حاجة. بعد أن أطلقت زفراتها المنهكة، تركت مكانها لتعيد كل شيء لما كان عليه، قبل أن تبدأ رحلة البحث الخاصة بها. فبدأت بالفراش تعيد ترتيبه، وبدأت بلم بعض الدفاتر التجارية الخاصة بالمتجر، التي كانت تقذفها لترى ما خلفها.

فبدأت بإلتقاطها الواحد تلو الآخر، ولكن وجدت وسط تلك الدفاتر، دفتر شخصي صغير، أخذته بين يديها لترى من يخص ذلك الدفتر. فبالصفحة الأولى وجدت اسم من كانت تخط ذكرياتها بذلك الدفتر، ولم تكن سوى شقيقتها الراحلة.

أخذت الدفتر وجلست على الفراش ثانية، وبدأت بقراءة كل ما خطته يداها، فعند كل كلمة تقرأها دمعة تذرفها بحنين إليها، وعبرات حارة بوصفها معاناتها من قسوة أبيهما، حتى وصلت لآخر ورقة بذلك الدفتر، فقرأت آخر كلمات تركتها شقيقتها أشجان. قرأت ولاء ما كُتب بصوت شابه الحزن والقهر والذهول أيضاً:

–أنا بابا جايب لي عريس كبير في السن وكمان مش مصري عايزني أتجوزه وهو في إجازته في مصر ويأخد فلوس على الجواز وبعد كده يسافر ويطلقني، هو قال لي كده أن دي جوازة مؤقتة، عايز يتاجر فيا زي البضاعة، بس أنا مش هسيبه يعمل فيا كده، كفاية القسوة اللي من وأنا صغيرة بشوفها منه، أنا قررت أنتحر، عارفة أن ده حرام وربنا هيغضب عليا، بس مش هقدر أكون زي حتة اللحمة اللي بابا عايز يكسب من وراها لما كل واحد ينهش منها حتة، سامحني يارب.

بعد أن انتهت من القراءة، أخذت ولاء الدفتر تضمه لصدرها وهي تنتحب وتنادي شقيقتها بقهر: –أشجان أشجان. كمن بإنتظار أن تجيبها على مناداتها، فهي علمت الآن سبب إقدام شقيقتها على الانتحار، ولم يكن ذلك سوى نتاج لقسوة أبيهما، أرادها كلعبة يتربح من أوجاعها وبيعها، لكل من سيدفع ثمناً لها، فعوضاً عن أن يكون الحامي والسند، صار البائع وبأرخص الأثمان.

أستلقت على الفراش وهي مازالت تنتحب وتضم مآسي وقهر شقيقتها المتمثل بدفتر خطت به أوجاع سنوات عمرها، حتى قررت هي إنهاءها وبتلك الطريقة الآثمة، بعد استرسالها في البكاء، غلبها النعاس كنتيجة طبيعية لأوجاع رأسها، وتخدر حواسها من كثرة بكائها، لعل الأحلام تجمعها بها، وتراها تعاتبها على ما فعلته، ولكن من تعاتب فمن الأحق أن يعاتب وليس بأي طريقة سوى القسوة هو والدها.

فتحت إسعاد باب الشقة، وهي واضعة الهاتف على أذنها، فهي تهاتف ولاء ولكن لا مجيب، فأصابها القلق من أن يكون حدث لها مكروه، ولكن سمعت صوت هاتف ولاء يأتي من غرفتها هي. ولجت الغرفة بسرعة، رأت ولاء نائمة بأعين باكية ووجه رطب من أثر دموعها، فشعرت بالقلق والخوف، أكثر من ذي قبل. فأقتربت من الفراش توكزها بلطف وهي تقول: –ولاء ولاء.

فتحت ولاء جفنيها بصعوبة، لترى أمها ماكثة بجوار الفراش تنحني إليها بقلق، فما لبثت أن عادت للبكاء ثانية، توليها ظهرها، كأنها غير راغبة في رؤية أحد. تنحني ولاء عن طرف الفراش، أتاحت الفرصة لإسعاد بالجلوس جانبها، فسحبتها من مرفقها، لتجعلها تنظر إليها، فالقلق يساورها بأن خطب عظيم قد وقع. –في إيه يا بنتي ردي عليا مالك إيه اللي حصل. قالتها إسعاد بما يشبه الاستعطاف لها بأن تجيبها.

فأنتفضت ولاء وهبت جالسة بالفراش وهي تمد يدها بالدفتر أمام وجه إسعاد وهي تنوح: –اللي حصل إن عرفت أشجان أختي أنتحرت ليه وعلشان إيه عملت في نفسها كده بسببه هو بسببها. صفر وجه إسعاد بعد سماع حديث ولاء، فأزدردت ريقها للمرة التي لا تعلمها، فبما تجيبها هي الآن.

حاولت ضمها إليها، فظلت ولاء تتخبط بين ذراعيها احتجاجاً كأنها تحمل لها اتهاماً هي الأخرى بما حدث لشقيقتها، ولكن بإحكام إسعاد ذراعيها حولها، جعلها تستكين بالنهاية ولكن مازالت تنتحب بمرارة. فأنسكبت دموع إسعاد هي الأخرى، بعدما تذكرت ابنتها الراحلة، وأنها هي بسبب خوفها وجبنها ساهمت بدون أن تدري بانتحار ابنتها. –دا أمر ربنا يا ولاء. نطقت بها إسعاد، ظناً منها بأنها بذلك ستخمد نيران غضب وحزن ابنتها.

فما كان من ولاء سوى أنها ابتعدت عنها فتعالت صيحتها المحتجة: –ربنا مبيرضاش بالظلم، أنتوا ظلمتوها وظلمتوني أنا كمان وأنتي السبب بسكوتك على عمايله أنتي السبب. بكنسمة من رياح عاتية، كانت ولاء تترك الفراش تاركة إسعاد تأخذ دورها بالبكاء والنوح، فحتى ابنتها المتبقية لها، صارت تراها الآن من منظور آخر، وهو أنها شاركت في إنهاء حياة ابنتها الكبرى. ولكن قبل أن تصل ولاء لعتبة الباب، استدارت لأمها ومسحت عينيها وهي تقول بإصرار:

–بعد اللي عرفته النهاردة مش هرتاح يا ماما إلا ما أعرف سبب سكوتك ده إيه وإنك إزاي كنتي عايزة تسبيه يعمل في أشجان اللي كان عايز يعمله ويتاجر فيها، لأن حجتك بتاعت ضل راجل ولا ضل حيطة دي مبقتش تاكل معايا وهعرف برضه إيه اللي مخبياه عني.

خرجت ولاء من الغرفة، تصفق الباب خلفها، فكفت إسعاد عن البكاء وتحجرت عيناها بعدما سمعت إصرار ابنتها، وجدت ذاكراتها تأخذها لذلك اليوم الذي جعل حياتها رأساً على عقب تعيش بهوية مزيفة، ترتجف من افتضاح أمرها. عودة لوقت سابق.

بأحد جلسات رفقاء السوء من احتساء الخمور والمخدرات، التي اعتاد زوجها على إقامتها بشقتهما حديثة العهد بها وهي مازالت فتاة يافعة لم تكمل عامها التاسع عشر بعد، فهي مازالت عروس منذ ما يقرب الثلاثة أشهر، فهي فضلت الزواج عن إكمال دراستها هرباً من أقاربها، تبدي موافقتها على أول عريس طرق بابها، ولم يكن سوى حسان، الذي كان بتلك الآونة يعمل سائق لإحدى شاحنات النقل، فهي ظنت بزواجها منه، ستهنأ بعيشها وتجد راحتها التي كانت لا تجدها بين جدران منزل أقاربها، فهي يتيمة الأبوين، ولم يأويها بمنزله سوى رجل كان أحد أقارب والدها الراحل.

همست من شق الباب المفتوح تحاول تنادي زوجها: –حسان حسان. لم ينتبه حسان على ندائها إلا بعد وكز الرجل الجالس بجانبه له بكتفه، فاليوم لم تكن الجلسة على نطاق واسع مثلما اعتاد أن يفعل، بل اكتفى بمجيء صديق واحد. –قوم ياعم الجماعة بتوعك بينادوا عليك. رفع رأسه الثقيل من كثرة احتسائه الخمر، يحاول أن يزيل الرؤية الصبابية التي تغيم على عيناه، قام من مكانه وساقيه يلتفان ببعضهما البعض، وهو يبتسم ببلاهة.

وصل للغرفة فتنحت للداخل تختفي عن أعين ذلك الرجل الجالس بالخارج وعيناه لم تفارقها، ولج حسان الباب فأغلقت هي الباب خلفه، لتتوارى عن أنظار صديق زوجها. بدفعة خفيفة كانت تسقط زوجها على الفراش وهي تصيح به: –حسان أصحى وفوق بقى وكفاية القرف ده حرام عليك عامل الشقة زي الخمارة، دا حتى عيب تدخل حد غريب ومراتك موجودة عندكش نخوة ولا رجولة. لم يكن إجابته سوى صفعة تلقتها وجنتها تكاد تسقطها أرضاً، فخرجت كلماته تفوح

منها رائحة الخمر وهو يقول: –أتلمي يابت أنتي ولمي لسانك دا أنا أرجل من ١٠٠ راجل مش كفاية لميتك وأنتي لا أهل ولا أب ولا أم مقطوعة من شجرة احمدي ربنا أن اتجوزتك يا نبيلة. انهمرت دموعها بسخاء على وجهها وهي تقول: –وأنا افتكرت أنك هتكون سند وأمان وتحميني بس فاتح لي البيت لكل من هب ودب أنت مش خايف عليا يا أخي من أصحابك دول اللي كل واحد فيهم عينه يندب فيها رصاصة.

–هششش بطلي نواح واسكتي وروحي اعملي لي لقمة أكلها وفنجان قهوة عشان أصحصح. تتابعت حركة يده على فمه كمن يتثأب، فأصابها اليأس والسأم من أقواله وأفعاله. أرتدت حجابها الفضفاض، وذهبت للمطبخ لتعد له الطعام وقدح القهوة الذي أوصى به، ولكنها شعرت بأقدام خلفها وأنفاس تقترب منها، فظنت أنه زوجها، فدمدمت بغيظ بدون أن تلتفت إليه: –القهوة والأكل لسه مخلصوش يا حسان.

ولكن لم يأتيها رد سوى شعورها بحرارة أنفاس تضرب عنقها من الخلف، ويدان تتسللان لتقبض على خصرها، شهقت برعب من تلك الفعلة التي باغتها بها صديق زوجها، فأنسكبت القهوة بأكملها على الموقد، زاد رعبها أكثر بإحكام الرجل قبضته عليها. فنادت بأعلى صوتها ليغيثها زوجها: –حسان ألحقني حسان. تحاول بكل ما أوتيت من قوة دفع ذلك الرجل عنها، وهي تهتف به بذعر: –أبعد عني أنت بتعمل إيه أنت اتجننت أبعد يا حسان.

كمن تنادي بوادٍ فسيح، لا تسمع به سوى صدى صوتها، فتبسم الرجل بشر وهو مازال يحاول عناقها: –حسان نايم زي القتيل برا ومش داري بالدنيا خليكي معايا بس يا نبيلة أنا من ساعة ما شوفتك في الفرح وأنا هموت عليكي، حسان ميستاهلكيش، أنتي عايزة واحد يقدرك ويقدر جمالك زيي كده.

حاول استمالتها بشتى الطرق، ولكنها مازالت كالفريسة التي تحاول الفرار من صيادها الغادر، ولوهلة استطاعت إبعاده عنها، وهو ملتصق بها كالعلكة التي لا تستطيع التخلص منها، فحاولت أن تبحث عن شيء ترهبه به، لعله يكف عن أفعاله، ولكنها لم تجد سوى سكين حاد. فأشهرته بوجهه مهددة: –لو مبعدتش عني هضربك بالسكينة دي. التوى ثغره وهو يقول هازئاً: –نزلي اللعبة دي من إيدك يا حلوة أحسن تعوريني.

لم يأخذ حديثها على محمل الجد، بل أنه عاد للأقتراب منها ثانية، ولكن تلك المرة كانت تسبقه بغرز السكين في صدره بموضع قلبه، كمن تبلد إحساسها بتلك اللحظة، فظلت ترمقه بعينان متسعتان، يكاد بؤبؤ عينيها يترك مكانه. صوت ارتطام جسده بالأرض بعد وقوعه ساكناً لا يأتي بأي حركة، هو من جعل جسدها ينتفض فجأة يخلع عنها رداء الذهول ويلبسها ثوب الخوف والرعب، وهي تراه مسجى بدماءه بجوار قدميها.

ارتجاف جسدها بتذكرها ماحدث ماضياً، جعلها تعود لواقعها الحالي، وتغلق باب تلك الذكرى، كمن شاهدت فيلماً سينمائياً ولم تستطع إكمال مشاهدته للأخير مكتفية بجزء منه كفيل بجعل الأرق والخوف لديها يتزايد أضعافاً كثيرة، وخاصة الآن بعد أن أخبرتها ولاء صراحة، أنها لن تهدأ قبل أن تعلم ما تخفيه عنها. تأخذها بين ذراعيها تهدهدها، لتجعلها تكف عن البكاء والارتجاف، فمنذ يوم الوفاة وحتى الآن، وهي مازالت تبكي.

فاليوم مر شهراً على رحيل عرفان ومديحة، أصاب جسدها النحول بسبب امتناعها عن تناول الطعام، فهي لا تضع بفمها من الزاد إلا قليلاً، لكي تظل على قيد الحياة، ولا تترك غرفتها، فالطبيبة تزورها يومياً للاطمئنان عليها، بعدما أوصى نادر لها بذلك. ابتعدت حياء عن صالحة، ترغب في شرب الماء، فهي تشعر بجفاف مفاجئ بحلقها، من كثرة تذوقها لملوحة دموعها. ناولتها صالحة كوب الماء، وبعد أن أخذت كفايتها منه أعادته إليها، فربتت صالحة على

ظهرها وهي تحاول الابتسام: –بالهنا يارب أجبلك حاجة تاكليها يا حبيبتي. هزت حياء رأسها رفضاً وهي تجيبها بصوت خافت: –مش جعانة يا دادة. مدت صالحة يدها أسفل ذقنها لترفع وجهها، فتفرست بملامحها الشاحبة وهي تقول بأسى:

–أنا عارفة أن اللي راحوا ما يتعوضوش، بس دي إرادة ربنا، والحزن بيفضل في القلب العمر كله، بس برضه لازم تاخدي بالك من نفسك، أنتي كده بتموتي نفسك بالبطيء، لما ترفضي الأكل والشرب وعايشة حابسة نفسك في أوضتك ليل ونهار، أخرجي حتى اقعدي في الجنينة شمي شوية هوا غيري هوا الأوضة اللي بقى كله أدوية والمحاليل اللي مبقتش تتقطع دي بسبب قلة أكلك، أنا مش بقولك متحزنيش عليهم، دول لو الواحد عاش عمره كله حزين عليهم مش هيبقى كفاية، بس

أنتي لسه صغيرة متخليش الحزن والهم يكسرك بدري يا حبيبتي، وسبحان الله كل شيء في الدنيا بيبدأ صغير وبيكبر إلا الحزن بيتولد كبير وبيصغر مع الوقت، وأنتي إن شاء الله بكرة تتجوزي وتخلفي وتعيشي حياتك أينعم مش هتنسي اللي حصل، بس هيبقى عندك اللي يشغلك، فلو ليا معزة عندك قومي من سريرك خدي لك شاور كده وتعالي اقعدي في الجنينة شوية ماشى يا حبيبتي.

استمعت حياء لحديثها للنهاية، وبعد إلحاح منها أطاعتها وذهبت للمرحاض، اغتسلت وارتدت ثيابها وخرجت منه، يلتصق شعرها المبتل بخديها، فكأنها نسيت تجفيف شعرها، فظل يقطر ماء على ثيابها ووجهها، فسحبت المنشفة تجففه، ووقفت أمام المرآة تطالع شبحها المخيف، جفنيها حمراوين، ووجهها أصابه الشحوب، وخسرت بعض من وزنها جعلها تبدو أكثر نحافة عن ذي قبل، فتلك التي تراها أمامها لا تمت بصلة لتلك الفتاة بذلك اليوم الذي كانت تنتظره لعقد قرانها.

بعد انتهاءها خرجت للحديقة، فالطقس مشمس يشوبه نسمات رقيقة، تهتز لها أوراق الأشجار. جلست بجوار تلك الرقعة من الورود الحمراء، تتذكر أنها كانت بصغرها تقطفها يومياً لتقديمها لوالديها، كأنها ترى تلك الفتاة الصغيرة التي تركض بالحديقة تلهو وتركض خلفها مديحة تحاول إمساكها. فأنسكبت دموعها رغماً عنها، ولكن وقع الأقدام القادمة، جعلتها تسرع بمحوها عن وجنتها. استدارت برأسها لترى من القادم، فوجدت قسمت وزوجها شكري.

اقتربا منها يتخذ كل منهما مقعد حول تلك الطاولة التي تجلس حياء على أحد مقاعدها، عقدت ذراعيها كمن تحاول استجلاب الدفء لجسدها الذي اجتاحه برودة مفاجئة. وخاصة بمجيء شقيقة والدها وزوجها، فهي لم تر أحد منهما منذ انتهاء أيام العزاء. ولكنها كانت تتيقن من أسباب مجيئهما الآن، فعرفان ترك إرثاً كبيراً، ولابد أن تتشاركها قسمت به، فهي لن يكون لديها اعتراض على شيء، طالما كل منها ستأخذ حقوقها طبقاً للشرع والقانون.

فبدأ شكري حديثه متنحنحاً بلطافة: –أزيك يا حياء عاملة إيه دلوقتي معلش كنا انشغلنا عنك اليومين اللي فاتوا غصب عننا أنتي عارفة غلاوتك عندنا. كتم شكري صيحة متألمة بعد أن أصابته قسمت بقدمها بمنتصف ساقه من أسفل الطاولة، فألتصق حاجبي حياء ببعضهما البعض، وهي تراقب وجهه الذي شابه حمرة خفيفة. فأجابته بهدوء: –الحمد لله نحمد ربنا على كل حال.

–الحمد لله المهم كنا جايين نقول أن خلاص الأربعين بعد عشر أيام وهييجي المحامي علشان كل حي يعرف اللي له. قالتها قسمت ببرودها المعتاد، فلم يكن من حياء سوى أن أماءت برأسها موافقة. ولكن لا تعلم لما شعرت بعدم الراحة بعدما رأت ابتسامة عريضة تزين ثغر قسمت، فمن بمكانها لابد لها أن تشعر بالحزن لرحيل شقيقها الوحيد، ولكن ربما قسمت استطاعت تجاوز تلك المحنة بسهولة، حسدتها عليها حياء بتلك اللحظة. وضعت قسمت حقيبتها على الطاولة،

ونهضت من مكانها وهي تقول: –أنا هروح الحمام وجاية. تركت قسمت الحديقة، وعبرت من الباب الفاصل بينها وبين المنزل، ظلت تتأمل المنزل ملياً، كأنها تراه لأول مرة. أخذتها قدماها حتى صعدت للطابق الثاني، فتحت الغرف كلها تنظر بداخلها، فالطابق بأكمله تم تجهيزه لحياء ونادر، فظلت تبتسم على ما تراه. ولم تقل سوى جملة واحدة وهي مبتسمة: –خلاص هانت مش فاضل غير ١٠ أيام. هبطت الدرج وذهبت للمرحاض بالطابق الأول، وهي تفكر فيما سيحدث قريباً.

فبالحديقة.. لم يحيد شكري بناظريه عن وجه حياء، التي عملت على صرف بصرها عنه، تتأمل المكان من حولها، وهي تتمنى أن تسرع قسمت بالعودة، وتلك هي المرة الأولى التي تتمنى وجودها بمكان، فالانزعاج بداخلها بدأ يأخذ منها كل مأخذ، فلم هو يحدق بها هكذا.

بإنغماسه في مطالعة تلك الأوراق الموضوعة أمامه، الخاصة بالمعدات الطبية الجديدة التي استقدمها من أجل المشفى، لم يستمع لصوت طرقات الباب، إلا بعدما ألح الطارق بدق الباب، فأذن له بالدخول. ومازالت عيناه تجول بين السطور، سمع صوت حمحمة خفيفة، جعلته يترك ما بيده وينظر للقادم. رأى راسل نادر يقف على عتبة الباب بيده ورقة، فأشار إليه بالجلوس، فتقدم نادر وأتخذ مقعده أمام المكتب، فشبك راسل كفيه ببعضهما البعض

وهو يقول بهدوئه المعتاد: –خير يا نادر في إيه. وضع نادر الورقة التي يحملها معه أمام راسل قائلاً بإبتسامة خفيفة: –حضرتك دي استقالتي من الشغل في المستشفى أنت عارف أن خطيبتي أهلها اتوفوا واحنا خلاص هنتجوز قريب فطبعاً محتاجاني أساعدها بخصوص شغل باباها ومينفعش أسيبها لوحدها. أخذ راسل الورقة يطالعها بصمت، ولكن سرعان ما خط توقيعه عليها وهو يقول:

–تمام يا نادر ربنا يوفقك أنا مضيت لك على الاستقالة ولو ليك أي مستلزمات أو مستحقات هنا في المستشفى اتفضل خدها قبل ما تمشي. قام نادر من مكانه وهو يمد يده يصافحه: –متشكر جدا يا دكتور راسل أشوف وشك بخير سلام. –مع ألف سلامة. قالها راسل وهو يرى نادر يغادر غرفة مكتبه، فعاد لمطالعة أوراقه ثانية، حتى انتهى منها بصورة نهائية، وبإستدعاءه له لإجراء جراحة عاجلة، ترك مكتبه يتهيأ لدخوله غرفة الجراحة.

وبعد انتهاء دوامه بالعمل، عاد لبيته ولصغيرته، وطوال طريقه للمنزل، يتذكر ما قالته له حياء بآخر مرة التقاها بها، واتهامها له بأنه سعيد بفقدانها لأبويها، كمن كانت تنتظره لصب جام حزنها ويأسها عليه. قبل انتهاء العشرة أيام المتبقية على إتمام أربعون يوماً على وفاة عرفان ومديحة، حضرت قسمت وزوجها كالمعتاد بالأيام المنصرمة. أصر نادر على حضور تلك الجلسة، بحكم خطبته لحياء وبأنه سيكون الزوج المستقبلي لها بالقريب العاجل.

فهو فكر بأن يتمم تلك الزيجة قريباً، فلا داعي للانتظار، حتى وإن كان سيجعلها تتخلى عن إقامة حفل زفاف مثلما كانت تريد، فالآن لن يجد منها اعتراضاً على أن يعقدا قرانهما وينتقل للعيش معها هنا بالمنزل. وضعت صالحة صينية المشروبات، وأنصرفت سريعاً عائدة للمطبخ، ولكنها تشعر بالشفقة على حياء، فهذه الأمور الخاصة بالإرث ربما تجلب العديد من المشكلات، فدعت الله أن يجعل الأمور تسير بخير.

ولكن قبل أن تصل للمطبخ وجدت قسمت خلفها، تقبض على ذراعها بشيء من القسوة، فألتفتت لها صالحة وهي تقول: –في حاجة يا ست قسمت أنتي ماسكاني ليه كده. تنحت بها قسمت جانباً وهي تهتف بها: –صالحة لمي هدومك وخلاص عيشك هنا خلص لحد كده. حاولت صالحة استيعاب ما قالته، ولكن قبل أن تفهم بكلمة، وجدت حياء تقترب منها بعدما سمعت ما قالته قسمت عن طريق الخطأ أثناء ذهابها للمرحاض.

–أنتي عايزاها تمشي ليه يا عمتو هي عملت إيه دادة هنا من وأنا صغيرة وأنتي بتطرديها ليه. قالتها وهي تقترب من صالحة تمسد على ذراعها، فما كان من قسمت سوى أنها صاحت بهما: –الكلمة اللي أقولها تتسمع أنتي فاهمة يا حياء، وأتعودي من هنا ورايح تسمعي كلامي أنتي فاهمة وصالحة هتمشي دلوقتي وإلا مش هيحصل طيب وأنتي عرفاني. خشيت صالحة من هجوم تلك المرأة، أو أن تتأذى حياء بسبب دفاعها عنها، فما كان منها سوى الطاعة وهي تقول:

–خلاص يا ست قسمت همشي بس وحياة ولادك ما تزعلي الست حياء إكراماً للمرحوم أخوكي. طالعتها قسمت وهي ترفع حاجبها الأيسر ببرود، فأسرعت صالحة بلم أغراضها لتذهب من المنزل، وكل هذا وحياء تقف متصنمة بوقفتها، لا تصدق أن قسمت بدأت هجومها هكذا بوقت مبكر. أثناء خروج صالحة من المنزل، ركضت إليها حياء وهي تبكي بأن كل عزيز لديها يتركها بهذا الوقت. بكت حياء على كتف صالحة تحاول هي تهدئتها، ولكن عيناها خانتها هي الأخرى، فشاركتها البكاء.

رفعت حياء وجهها لها وهي تقول بنهنهة: –دادة خليكي متمشيش، خليكي معايا أنا كل اللي بحبه بيسبوني لوحدي ليييه. حاولت صالحة الابتسام: –متخافيش يا ست حياء أنا هاجي أزورك على طول وأطمن عليكي، وأنا مش عايزة أعمل لك مشاكل مع عمتك يا حبيبتي.

سحبت صالحة يدها بصعوبة من بين كفي حياء المتشبثان بها، أرادت حياء الصراخ بملء فاها، فليس من المنصف ما تفعله معها قسمت، فبأي حق هي تفعل ذلك، فهي ستنتظر تقسيم الإرث وتجعل صالحة تعود للمنزل مرة أخرى فلم يتبقى سوى يومان فقط.

مر اليومان كأنهما دهراً بأكمله، وخاصة بعد رفض قسمت العودة لشقتها باليومين الماضيين، وسكنت غرفة شقيقها وزوجته برغم احتجاح حياء على ذلك، ولكنها غضت الطرف عن مناشدة حياء لها بأن تترك الغرفة مغلقة لتنعم برائحتهما كلما اشتد بها الشوق إليهما، ولكن لم ترأف قسمت بمطلبها البسيط، مفضلة الإقامة في غرفة شقيقها وزوجته.

جلست حياء على مقربة من نادر، الذي ربما امتننت لحضوره حتى لا يتركها بمفردها مع قسمت أو زوجها، الذي لم تعد تشعر بالراحة من نظراته لها، على الرغم من أنه لم يقدم على فعل شيء يجعل الخوف يسكنها. وضع ذلك المحامي الكهل، حقيبته الجلدية على الطاولة أمامه، وأخذ نظارته من جيب سترته يضعها على عينيه، تضيف له وقاراً، عمل بعد ذلك على إخراج عدة أوراق من حقيبته. تهلل وجه نادر وسبقه لسانه في الإعراب عن سعادته المتوارية

خلف هدوءه وهو يقول: –أظن يا أستاذ الآنسة حياء خطيبتي لها النصيب الأكبر في الورث بحكم أنها البنت الوحيدة لعرفان بيه الله يرحمه مش كده. بتلك اللحظة، تعالت صوت ضحكة قوية من فم قسمت على ما سمعته من نادر فتمتمت: –بنت عرفان الوحيدة شكلك واثق من نفسك أوي يا دكتور نادر. تجهمت ملامح وجه حياء بعد سماع قول قسمت، فألقت نظرة على وجه نادر الممتقع بغيظ، فعادت وحولت بصرها لوجه قسمت وهي تقول بجفاء:

–بتضحكي على إيه يا عمتو هو قال حاجة غلط، نادر معاه حق في كل اللي قاله ومتنسيش أنه خطيبي وقريب هنتجوز. أفتر ثغر شكري عن ابتسامة هازئة وهو يعبث بمسبحته: –متستعجليش أوي كده يا حياء في الرد، دلوقتي هتشوفي رد فعل دكتور نادر على اللي هيسمعه من المحامي. إحساسها بوجود شيء مبهم يكتنف حديثهما، جعل الريبة تسكنها، فماذا يقصدان بقولهما أو تلك التلميحات، فأرادت هي أن يسرع المحامي بقول ما لديه، حتى تنتهي تلك الجلسة سريعاً. فرفعت

يدها تشير للمحامي للبدأ: –اتفضل حضرتك قول اللي عندك. رأت حياء نظرة مقلقة بعيني المحامي أو ربما نظرة شفقة، فتململت بجلستها لا تشعر بالراحة، فقبضت بيديها على طرفي مقعدها حتى ابيضت مفاصل يدها. حمحم المحامي يجلي صوته ليقول وعيناه منصبة على الورق الممسك به:

–المرحوم عرفان الطيب، كان بيملك الفيلا دي وكمان فيلتين في الساحل والمصنع والشركة وخمس محلات لبيع القماش وبعض العقارات السكنية ومبالغ نقدية بالبنك تقدر بس بحوالي ٢٠٠ مليون جنيه. ساد الصمت أثناء إخبار المحامي لهم بما كان يملكه عرفان بحياته، تهلل وجه قسمت بسماع ذلك، فهي لم تكن تضع ببالها أن شقيقها يملك كل هذا، فبأقصى طموحها قدرت ما يملكه لم يكن سوى المنزل والمصنع، ولكن بالمصرف فقط ثروة أخرى بالعملات النقدية.

تراقصت السعادة بعيني نادر، وهو يستمع لكل ما يقال، ولكن ادعى الجدية وعدم الاكتراث، عندما رأى حياء تنظر إليه. خرجت حياء عن صمتها وهي تقول بهدوء: –طب حضرتك عمتو هتاخد نصيبها وأنا هاخد نصيبي بس ده كله هيتوزع إزاي أو هيتقسم إزاي بنا. خلع المحامي نظارته يرمقها قائلاً بأسف: –للأسف يا آنسة حياء أنتي مش هتورثي في عرفان بيه. لوهلة ظنت أنها لم تسمع جيداً ما قاله، إلا أنها رفرفت بأهدابها عدة مرات قبل أن تقول بتساؤل:

–مش هورث إزاي يعني مش فاهمة هو مش أنا بنته الوحيدة وليا حق في الورث. أجابها المحامي وهو يضع الأوراق من يده: –الورث ده كله هيبقى من حق الست قسمت أخت عرفان بيه الله يرحمه لأنها أخته الوحيدة وأنتي ملكيش حق فالورث علشان أنتي يا آنسة حياء مش بنت عرفان بيه ومديحة هانم أصلاً أنتي بنتهم بالتبني.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...