الفصل 11 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
23
كلمة
7,836
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

استغرق الأمر عشر دقائق كاملة، لتستوعب ما ألقاه المحامي عليها. ذلك القول الذي كان أشد وقعًا من الحجارة، كمن تلقت صفعة قوية، أو دلو من الماء المثلج بليلة شديدة البرودة. تزاحمت أفكارها وتداخلت ببعضها البعض، تحاول الخروج من تلك الحرب الطاحنة بعقلها، تريد الخروج ظافرة بشيء، تقنع به ذاتها، من أنها لم تسمع شيئًا خاطئًا، كالذي ألقاه عليها ذلك الرجل الكهل. طفرت شفتيها الباهتتين، بصيحة خافتة مذهولة وهي تعيد ما قاله المحامي:

–مم مش بنتهم إزاي يعني حضرتك بتقول إيه؟ لم يكن شحوب وجهها، واصفرار لونها كافيًا لإقناع ذلك الجالس بجانبها، من أنها لم تكن تعلم بهذا الشأن. يشعر كأنه طُعن بخنجر الخيانة، وذهبت كل آماله وأحلامه هباءً منثورًا. لابد له من أنه يتخيل ما حدث، أو أن ربما المحامي يمازحها قليلاً. فتبسم نادر ابتسامة مذهولة وهو يقول: –هو حضرتك بتهزر معاها ولا إيه؟ لو بتهزر كفاية كده، هي أعصابها تعبانة لوحدها. بادرت قسمت بالرد عوضًا عن المحامي،

قائلة بلهجة المنتصر: –لأ يا دكتور نادر، اللي سمعتوه صح. هي فعلًا مش بنت أخويا، دي جايبينها من ملجأ، ومعرفلهاش أهل. يعني زي ما الناس بتقول كده "بنت حرام".

بوصفها ونعتها لها بهاتين الكلمتين، كمن استلت سكينًا حادًا، وأخذت بتقطيع جسدها إربًا إربًا، غير عابئة بها أو تشعر بالرأفة تجاهها. فقسمت نصبت نفسها قاضيًا وجلادًا، لتصدر الحكم عليها بعدم أهليتها ومشروعيتها بأنها ابنة شقيقها، لتعود وتنفذ بها الحكم، من كلمات أشد قسوة من كل نعت وصفة يوصف بها إنسان.

أول من خصها بنظرة مؤنبة، كان ذلك الرجل الذي لا يملك حيلة ولا حلاً. فهو كان المحامي الخاص بعرفان وصديقه أيضًا، ويعلم غلاظة قلب شقيقته. فلم يستطع كبح كلماته، التي انطلقت من فمه كالسهام: –أظن يا ست قسمت ميصحش كده، وراعي برضه أنها اتربت وعاشت عمرها كله وهي فاكرة إنهم أهلها. فمتجييش دلوقتي وتقولي لها كلمة زي دي، دي مش ذنبها حاجة.

فعاد وحوّل بصره لحياء، التي انهمرت دموعها على وجهها، كسماء أذنت للسحب المختزنة بإفراغ أمطارها. فإلى متى ستظل تبكي؟ ربما للباقية المتبقية من حياتها. حاول أن يواسيها، ولكن لم يجد ما يقوله، سوى كلمات يعلم أنها لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكن لا يملك غيرها: –هدي نفسك يا بنتي وبطلي عياط، دا كله أمر ربنا. بظهر يدها جففت حياء عينيها، فأبتلعت لعابها قبل أن تقول بإصرار:

–أنا عايزة أعرف كل حاجة حصلت وأنا بقيت بنتهم إزاي. عايزة أفهم، لأن مش فاهمة أي حاجة خالص. خلع المحامي نظارته، ووضعها على الأوراق. ضم كفيه يفركهما ببعضهما البعض، فأخذ أنفاسه قدر استطاعته، قبل أن يبدأ بتذكر أحداث الماضي، وما حدث منذ اثنين وعشرين عامًا. ***

صيحات متألمة وصراخ يدوي بين أرجاء المشفى الخاصة بالولادة. يقف عرفان وصديقه أمام إحدى الغرف، يستمعان لصراخ زوجته، التي تضع مولودهما الأول، بعد سنوات طوال من الانتظار لذلك الحدث السعيد. ربت صديقه على كتفه، يحاول تهدئته ليكف عن الذهاب والمجيء برواق المشفى: –إهدي يا عرفان، إن شاء الله خير ومراتك هتقوم بالسلامة.

رفع عرفان أكف الضراعة، يدعو لله بأن يمن عليه بسلامة زوجته ومولوده. وما هي إلا دقائق، حتى ساد الصمت، وسمعا صوت بكاء مولود. تتابعت أنفاس عرفان بالسعادة، بعد علمه بأن زوجته وضعت مولودها. ولكن عندما رأى الطبيب يخرج إليه بوجه شاحب بعض الشيء، كمن يحمل له نبأ سيئ. ولكن لم يدع الطبيب حيرته تدوم أكثر، فأخبره بما سينوي فعله: –حضرتك مراتك ولدت بس للأسف حصل نزيف جامد وحصلها مضاعفات ومضطرين نشيلها الرحم، فأنا قولت أبلغ حضرتك.

لم يكن لديه الوقت الكافي للتفكير بالأمر، فهو ما يعنيه أن يأمن سلامة زوجته. فأجاب الطبيب بلهفة: –المهم مراتى تبقى كويسة يا دكتور، أعمل اللي فيه الصالح. لم ينتظر الطبيب أن يعيدها عرفان ثانية، فعاد للداخل يعمل على إنقاذ حياة مديحة، بعد أن أخذ الإذن من ما يعنيه الأمر. فالخبر السيئ رافق فرحته بأن صار لديه مولود صغير. ولكن تلك إرادة الله ومشيئته، فلن يبدي اعتراضًا.

جالسًا على مقعد بجوار الفراش، يراقب حركة زوجته المتململة، فهي بدأت تفيق من تخديرها. فتبسم بوجهها قائلًا بحنان: –حمد الله على السلامة يا حبيبتي. ضمت مديحة شفتيها الجافتين، فخرج صوتها من بينهما خافتًا وهي تسأل عن الصغير: –إبني فين يا عرفان؟ نهض عرفان من مقعده، واقترب من مهد صغير، فحمل تلك الصغيرة الجميلة النائمة، واقترب ثانية من فراش زوجته. وضعها بين ذراعيها وهو يقول:

–قصدك بنتنا يا مديحة، ربنا رزقنا ببنت زي القمر، كلها أنتِ. ضمت مديحة الصغيرة إليها، وهي تقبل جبينها الغض. فبدأت الصغيرة، تلعب بالهواء بيديها وقدميها، يخرج صوتها مستاءً، كمن لديها اعتراض على إفاقتها من نعاسها. فازدادت ابتسامة مديحة وهي تداعب وجهها: –هنسميها حياء يا عرفان.

سعد الأبوان بالصغيرة، على الرغم من الحزن الذي اكتنف قلب مديحة، بعد علمها بأنها لن تستطيع الإنجاب ثانية. فأسرع عرفان بتقديم العطايا والهدايا والمنح للعاملين، على ولادة صغيرته.

فيمر شهران كاملان، وتبدأ الصغيرة رحلة معاناة مع المرض، بعد اكتشاف الأطباء، إصابتها بأمراض بالقلب. حاول عرفان مرارًا أن ينقذ الصغيرة، حتى أنه بدأ بالاستعداد لمغادرة البلاد، والرحيل لبلاد الغرب لمعالجة الطفلة. ولكن إرادة الله حالت بين ذلك، ففي يوم فجع عرفان ومديحة بخبر إعلان الطبيب عن وفاة ابنتهما. يأس وحزن ملأ حياتهما، وأصيبت مديحة بوعكة صحية ونفسية، جعلتها طريحة الفراش. لم يجد عرفان حلاً أو مخرجًا من ذلك الأمر.

فتقدم له صديقه بنصيحة، وهو جالسًا برفقته: –طب ما تشوفوا طفل يا عرفان تتكفلوا بيه وتربوه واعتبروه ابنكم ويعوضكم. تغضن جبين عرفان بتفكير. فهو يعلم أن لا يوجد بالدين الإسلامي ما يسمى بالتبني. فأجابه قائلًا باستنكار: –أنت عارف أن التبني حرام شرعًا. ربت صديقه على ساقه، وهو يحاول إفهامه مقصده: –أنا مش قصدي تتبناه، قصدي تكفلوه وتربوه.

لقي اقتراح صديقه هوى بنفس عرفان، فأخبر زوجته بما اقترحه صديقه. فلم يلقى منها جوابًا، فهي تعيش مغيبة، تتصرف بآلية وليست تلك هي زوجته، التي كانت مفعمة بالحياة والنشاط. فأمام أحد دور الرعاية للأطفال، صف عرفان سيارته، يصطحب زوجته وصديقه. أخذ يد زوجته تسير بجانبه وعيناها جامدة وقسمات وجهها، تنبئ بقدوم إحدى نوبات البكاء. أثناء سيرهم بالحديقة، تسمرت مديحة بوقفتها، مما جعل زوجها يلتفت إليها، ليعلم لما هي رافضة السير. فناداها

بحنان وهو يقبض على كفها: –مديحة مالك وقفتي ليه؟ رفعت مديحة يدها تشير بها، تنسكب دموعها على وجهها وهي تلفظ حروفها بنحيب: –بنتي أهي يا عرفان، حياء أهي. نظر عرفان حيث تشير زوجته، فرأى على مقربة منهم، امرأة يبدو عليها أنها تعمل بالدار، تحمل رضيعة صغيرة تحاول أن تجعلها تكف عن بكاءها، تهدهدها وهي تروح ذهابًا ومجيئًا بمكانها.

قبل أن يفقه أحد منهم شيئًا، كانت مديحة تقترب من تلك المرأة وأخذت الرضيعة منها، فظلت تقبلها بلهفة، حتى أثارت غرابة المرأة. ولكن ظنت المرأة أن ربما تكون هي أم تلك الصغيرة. فتبسمت بوجهها وهي تقول: –هو حضرتك أمها؟ طب كويس إنكم جيتوا علشان تاخدوها. زرعت مديحة الصغيرة بين ذراعيها، تأبى أن يقترب منها أحدًا، أو أن يأخذها منها. فاستجابت الصغيرة لحنان ذراعيها وغفت بعد بكاءها.

وكل هذا وعرفان وصديقه ينظران لها ولما تفعله. فأقتربت منه مهللة الوجه، وهي تصيح بصوت مملوء بالسعادة: –بنتنا أهي يا عرفان، حياء رجعت، رجعت لحضني تاني. لم يكن من العسير بمكان، أن تصير تلك الفتاة بحوزتهما، لتنفيذ رغبة زوجته في أخذ الرضيعة، التي شاء الله لها بأن تكون بعمر ابنتهما المتوفاة حديثًا. وهكذا صارت الرضيعة، ابنة لعرفان ومديحة.

مسح المحامي دمعة فرت من إحدى عينيه، على تذكر صديقه. وعاد من سرد ما حدث ماضيًا، على صوت نهنهة حياء. فأخرج ورقة أخرى من بين طيات الأوراق. ورفعها أمام وجه حياء وهو يقول بشفقة: –دي ورقة التبني بتاعتك من الملجأ. أخذتها منه حياء بأصابع مرتعشة، تجيل ببصرها على تلك الورقة التي شابها الاصفرار، ربما بسبب احتفاظه بها منذ سنوات طوال. ولكن سؤال آخر ألح عليها، تريد منه إجابة. بمنديل ورقي مسحت عينيها وأنفها وهي تتساءل:

–طب طالما أنا مش بنتهم، ليه سماني على اسمه وبقى اسمي حياء عرفان الطيب؟ تذكر المحامي تلك الخدعة التي استطاع هو وعرفان ممارستها، خشية من ظهور أبويهما الحقيقيين. فزفر بتعب وربما بعض الندم وهو يجيبها:

–لما عرفان بيه الله يرحمه، شاف مراته اتعلقت بيكي، وهو كمان حبك زي بنته، خافوا يظهر ليكي أهل ويتحرموا منك. فـ أنا وعرفان بيه دفعنا فلوس وخلينا شهادة ميلاد بنته الحقيقية ليكي انتي، وخفينا شهادة وفاتها. فبقيتي انتي عايشة بهوية بنته وشهادة ميلادها علشان انتوا الاتنين كنتوا تقريبًا نفس السن. فخفينا من السجلات شهادة الوفاة الحقيقية، وبكده بقت حياء عرفان الطيب اللي مفروض إنها ماتت بقت انتي، وشهادة الوفاة الوحيدة اللي فضلت معايا أهي.

أخرج ورقة أخرى، تثبت صحة قوله، أن من كانت تحمل اسم "حياء عرفان الطيب" قد وافتها المنية منذ ما يقرب من اثنين وعشرين عامًا، لتحيا هي بهوية مزيفة، وباسم فتاة أخرى. فعاد معقبًا يبدي ندمه:

–أنا عارف إن اللي عملناه ده كان غلط، بس حبهم ليكي خلاهم يتصرفوا كده. وانتوا كنتوا عارفين هم بيحبوكي قد إيه، لدرجة إن كان يوم كتب كتابك كان عرفان بيه طلب مني أن أجهز أوراق نقل نص أملاكه باسمك. وكان قايل لي أجيبهم وأجي علشان يوقعها. وكانوا ناوين يقولوا لك الحقيقة بس بعد ما يكون أمن مستقبلك. بس أمر الله نافذ، وحصلت الحادثة، وانتِ عرفتي كل حاجة دلوقتي.

سبقها نادر بالحديث تلك المرة، وكأن قسمت وشكري ما هما إلا مشاهدان فقط بدون أن يتحدثان أثناء محادثة حياء والمحامي. فكسا احمرار طفيف وجهه وهو يقول بثقة: –بس كده حياء على الأوراق الرسمية بنته وتورث منه كمان ولا إيه يا حضرة المحامي؟ صيحة محتجة خرجت من جوف قسمت، وهي تهب من مجلسها. فبتخيلها أن يشاركها أحد بهذا الإرث الضخم، جعلها تشعر بالسخط، على من سيفكر فقط، في أن يأخذ منها ولو قرشًا واحدًا مما سيصبح بحوزتها.

فبدون أن تعي، كانت تقترب من نادر توكزه بكتفه بشيء من الجفاء والقسوة معًا:

–اسمع يا دكتور، أنت اللي بتفكر فيه ده شيله من دماغك. لو فكرت بس مجرد تفكير تعمل حركة كده ولا كده علشان تاخد مليم واحد بس ههد الدنيا على دماغك. آه، أنا أعملها أوي وبمنتهى البساطة هقدر أثبت إنها مش بنت أخويا، إذا كان بورقة التبني أو بشهادة وفاة بنت أخويا الحقيقية، أو حتى لو وصل الأمر أني أفتح على أخويا تربته ونعمل تحليل إثبات نسب، وأظن جثته لسه يعني فيها اللي يثبت حتى لو كان شعره.

بتخيل حياء ما تنوي تلك المرأة فعله، من انتهاك حرمة الموتى، انتفضت هي الأخرى وهي تقول برفض: –لأ خلاص مش عايزة منك حاجة، بس سيبوا بابا وماما مرتاحين في نومه، أنا مش عايزة حاجة، مش عايزة حااااجة.

لم يعد يعنيها المال، فما فائدته بعدما تركها من أخذوا قلبها معهما. فبعلمها هويتها الحقيقية، لم يتزعزع شيء من حبها لهما، بل ربما زاد الحب بقلبها ولكن ترافق معه امتنان على حب أغدقاه عليها، وتنشئتهما لها تلك النشأة السوية. فمن كان يدري، ماذا كان سيحدث لها إذا ظلت بدار الرعاية، ولم تحيا بكنف أبوين محبين مثلهما.

انصرف المحامي بعدما علمت كل شيء، وظلت وجهًا لوجه أمام ثلاثة أزواج من العيون الراصدة لها، عينان شامتان وعينان مقلقتان وعينان باردتان. حاولت فتح فمها لتقول شيئًا، فسبقتها قسمت بذلك وهي تقول بنبرة أقرب للتهديد: –بصي بقى دلوقتي، أنتي عرفتي كل حاجة وخلاص مبقاش فيه حاجة تستخبي. فأنا هعمل بأصلي معاكي وأسيبك عايشة هنا في البيت معانا لحد ما الدكتور ياخدك بالسلامة. ويا ريت ميطولش ولا يماطل ولا يمكن يطفش، مين عارف.

هب نادر من مجلسه قائلاً بضيق: –أنا همشي دلوقتي يا حياء، لأن مش هستنى أسمع كلمة تانية من الست دي. –هتـروح فين وتسيبـني يا نـادر؟ نطقت بها حياء وعيناها تتوسلاه، بألا يتركها بين براثن قسمت وزوجها. فلو أبدى رغبته في الزواج بها ويقطنان بشقته فهي لن تعترض. ولكن لم ترحم عيناه عينيها البريئتين، فتلك الجذوة من نيران المدح والشوق، التي كانت تشعل بها دفء غرامه، حل محلها جبال من الجليد.

ارتجفت أطرافها وهي ترتد بخطواتها، كمن هي أمام ثلاثة من المردة، على وشك إلقاءها بالجحيم. فتصنع نادر الابتسام يحاول أن يطمئنها: –متقلقيش يا حياء، أنا معاكي. أنا هظبط أموري وبعدين هاخدك من هنا. مش عايزك تقلقي. حاولت أن تستمد القوة والطمأنينة، من حديثه الواهي، فهي تريد التشبث بأي شيء يحيي الأمل بداخلها من أنها لن تبقى بمفردها، بعدما كانت تحيا مدللة بكنف عرفان ومديحة.

رحل نادر وذهبت قسمت إلى الغرفة التي تقطنها، فتسمرت قدميها وهي ترى شكري مازال واقفًا ولا يفعل شيئًا سوى التحديق بها، يشملها بنظراته التي جعلتها، تفر هاربة إلى غرفتها. أغلقت الباب واستندت عليه وهي تبكي وتنوح. انهارت قدماها شيئًا فشيئًا حتى سقطت جالسة خلف الباب. وضعت يدها على فمها تكتم بكاءها فظلت تتمتم: –يارب يارب خليك معايا يارب، أنا مليش غيرك.

ضمت ساقيها بذراعيها ودفنت رأسها بينهما، وما زالت عيناها تأبى الكف عن البكاء، فماذا تفعل هي الآن؟ وكيف ستكون حياتها ومعيشتها؟ هل سيفي نادر بقوله؟ أم أنه سيتركها بمهب الريح بمفردها؟ أسئلة كثيرة لا تجد لها إجابات شافية، فوعوده التي تركها قبل رحيله كانت أشد برودة من ليلة شتوية مطيرة، فهو لم يزرع بقلبها الأمان، بل ترك قلبها يرجف بخوف من بزوغ فجر اليوم التالي، وتجد نفسها بلا مأوى. ***

خرج راسل للحديقة، ذاهبًا لملعبه الخاص. وجد سجود تركض حول ولاء الجالسة على أحد المقاعد، واضعة يدها على وجنتها، تحدق بالفراغ بشرود. فمنذ علمها بسبب إقدام شقيقتها على الانتحار، وهي كمن أصيبت بضربة قوية على رأسها. ولم تنس نصيبه ونصيب وفاء من استيائها على إخفائهما الأمر عنها. –أنتي قاعدة كده ليه يا ولاء؟ قالها راسل وهو يسحب مقعدًا آخر ليجلس عليه، فاتحًا ذراعيه، لتستكين صغيرته بينهما. أزاحت ولاء يدها وأجابته بهدوء:

–هعمل إيه يعني يا أبيه؟ وضع راسل قبلة على رأس سجود، قبل أن يلقي ببصره على محياها الفاتر: –أنا عارف إنك زعلانة مني ومن ماما، بس أنا كمان مكنتش أعرف بخبر موت أشجان يا ولاء، لأن في الوقت ده كنت بخلص دراستي في إنجلترا، وماما خبت عليا ومرضيتش تقول لي إلا لما رجعت. بس لما سمعت الخبر اتوجعت زيك بالظبط، لأنها كانت غالية عليا. توارت عيناها خلف كف يدها، لتحجب عبراتها الحارة. فأطرقت برأسها وهي مغمغمة ببكاء:

–أنا اللي وجعني إنها عاشت تعاني من قسوته، حتى في موتها كان هو السبب. أنا مش عارفة أب إيه ده اللي يعمل في بناته كده؟ هو إحنا مش بناته عشان كده بيعاملنا المعاملة الوحشة دي؟ ها يا أبيه، إحنا مش بناته قول لي. شوف أنت بالرغم من اللي حصل من مراتك، بس بتحب بنتك وبتخاف عليها إزاي.

أدركت خطأها الفادح بالآتيان على ذكر زوجته. فأزاحت كفها عن وجهها، رمقته بحذر لترى رد فعله على ما قالته، ولكن وجدت محياه هادئًا. بل أنه شدد من احتضان ابنته، يقبلها على رأسها مرارًا وتكرارًا. فزفر راسل متنهدًا: –الحب والكره مش بإيدينا يا ولاء. وأوقات كتير بيبقى الوجع قادر يخلي البني آدم يكره كل اللي حواليه. بس دايما فيه حتة كده في قلبه لسه على الفطرة اللي خلقنا بيها ربنا، وإنها تفضل تحب رغم الكره. فركت

ولاء يديها تهتف به بأسف: –أنا آسفة يا أبيه لو كنت فكرتك بحاجة، عشان عارفة إنك مبتحبش تسمع السيرة دي. بس غصب عني طلع الكلام مني، لأني مقهورة إن ما أخدتش حب الأب اللي كل بنت بتحسه من أبوها. تعرف إن أوقات كتير بتمنى موته وإنه يختفي من حياتنا، جايز نعيش كويس.

قاطع حديثهما مجيء وفاء، تحمل صينية تراصت عليها عدة أطباق، وضعتها على الطاولة، وجلست هي الأخرى. فهي استمعت لما قالته ولاء، ولكنها لم ترغب في مناقشتها، لأنها لا تريد فتح باب النقاش، وتصل الأمور إلى ما لا يحمد عقباه. فتبسمت وهي تناول كل منهم طبقًا وهي تقول: –خدوا، أنا عملالكم رز باللبن بالمكسرات حكاية. عارفة إنكم بت'موتوا فيه يا راسل. فرك راسل يديه قائلًا بحماس: –رز بلبن!

يبقى مفيهاش لعب إسكواش النهاردة يا ماما، وجيبالي طبق بس فين الحلة؟ بحب أنا آكل منها على طول. أفلتت ضحكة من فم ولاء على مزحة راسل، فهي تعلم أنه يفعل ذلك من أجل الترفيه عنها، وتغيير دفة الحديث. فتناولت الطبق من يد وفاء، وبدأت بتناوله بصمت. ظل راسل يطعم صغيرته وهي جالسة على ساقه، رافضة الابتعاد أو الجلوس بجواره. وكلما وجدته متأخرًا بإطعامها، عقدت ذراعيها وتمط شفتيها دليلاً على ضيقها. فتعود وتنهره بطفولية:

–بابي، سجود ما أخدتش معلقة! رفعت إصبعها تشير لفمها وهى فاغرة إياه. فتبسم لها وقبلها على وجنتها المكتنزة، ليعود ويطعمها ثانية، حتى غفت بعد ذلك بين ذراعيه. بعد أن أنهت ولاء طبقها، نظرت لهاتفها وهي تترك مقعدها استعدادًا لمغادرتها وهي تقول: –أنا لازم أروح دلوقتي، سلام. رفع راسل رأسه قائلاً: –استني، هطلع سجود تنام وأجي أوصلك عشان متروحيش في المواصلات لوحدك. اقعدي استنيني، هغير هدومي وراجع.

حمل راسل سجود، ولج للداخل وصعد لغرفة الصغيرة ووضعها بالفراش، وذهب إلى غرفته وأرتدي ثيابًا ملائمة، وأخذ مفاتيح سيارته وهبط الدرج ثانية، يشير لولاء بالاقتراب من السيارة التي سرعان ما انطلقت من المنزل في طريقه لإيصالها لمنزلها.

حاول طوال الطريق صرف غضبها وضيقها، فهو يشعر بالمسؤولية تجاهها. فإن لم يكن باستطاعته ماضيًا أن يقدم يد المساعدة لأشجان، فسيحرص على أن يكون سندًا وداعمًا لولاء، ولن يتركها تعاني مما عانت منه شقيقتها، حتى لو تطلب الأمر أن يقف بوجه والديها. فالتفت إليها بلمحة خاطفة، ليعود وينظر أمامه واضعًا تركيزه على الطريق أمامه:

–أنا بس عايزك تتأكدي يا ولاء إن أنا هفضل جنبك ومش هسمح لحد إنه يأذيكي حتى لو كان أبوكي، لأن غلاوتك من غلاوة أشجان بالضبط. تبسمت ولاء بهدوء قائلة بإمتنان: –تسلم لي يا أبيه، أنا عارفة ومتأكدة من الكلام ده. وصلا للحَي الذي تقطن به، فترجلت من السيارة وهي تلوح له بيدها، وصعدت درج البناية السكنية، بينما عاد راسل أدراجه بالسيارة ليعود لبيته، ولكن رنين هاتفه يعلن عن وصول إشعار من موقع التواصل الاجتماعي "الفيس بوك".

جعله يخرجه من جيب سترته، فتح الهاتف لتتسع مقلتيه وتتلبسه الشياطين، عندما رأى ميس بوسط مجموعة من أصدقائها، أكثرهم من الشباب، يقيمون حفلة بأحد المطاعم الفارهة، احتفالًا باقتراب تخرجهم من الجامعة. فهي أخبرته بشأن ذلك الحفل، ولكنه أبدى اعتراضه على حضورها.

وما جعله أكثر جنونًا، ذلك الثوب القصير الذي ترتديه، وليس هذا فقط، بل بجوارها شاب يضع ذراعه حول كتفها. علم أين يقيمون ذلك الحفل الذي رآه ماجنًا بعض الشيء، فأخذ سيارته وانطلق بها ذاهبًا هناك وهو يتوعدها أشد الوعيد. فخرجت حروفه من بين أسنانه تحمل غضبًا: –صبرك عليا يا ميس، أما أوريكِ، مبقاش أنا راسل.

صف سيارته وترجل منها سريعًا ليلج للداخل، ويرى تلك التي خالفت أمره وضربت بكلامه عرض الحائط. جال بعينيه وسط ذلك الجمع، فكانت هي الأسبق برؤيته، فألقت كوب المشروب من يدها، تحاول أن تتوارى عن عينيه. فلعنت نفسها على أنها قامت بنشر صورها ومكان تواجدها على صفحتها الخاصة، فكيف غفلت عن أنه سيراها لا محالة. أنحنت ميس بـ جزعها قليلاً، تسير من خلف أصدقائها حتى لا يراها، فهي خلعت حذاءها حتى لا يعرقل هروبها من المكان.

تبسمت قليلاً من أنها استطاعت الوصول للباب الخارجي، قبل أن يصل إليها، ولكنها لم تضع بحسبانها أنها عندما تلتفت للخلف لتطمئن لعدم رؤيته، وتعود وتنظر أمامها ستصطدم به. فغرت فاها وهي تراه يقف أمامها عاقدًا ذراعيه يبتسم بضيق: –على فين يا آنسة ميس؟ –ماهو ماهو أصل يعنى افهمني بس يا راسل. قالتها ميس برجاء، ليقبض هو على ذراعها يجرها خلفه وهي تسير خلفه حافية القدمين. فتألمت من دعس قدميها للحصى على الأرض فهتفت به بألم:

–راسل أنا ماشية حافية. التفت إليها وترك ذراعها، ليتسنى لها انتعال حذاءها. وبعد أن انتهت شده ثانية، حتى وصل لسيارته صارخًا بوجهها: –قولي لحد من الحرس بتوعك دول يسوق عربيتك عشان هتركبي معايا عربيتي. أسرعت بتنفيذ مطلبه، فهي لا ترغب بمزيد من صراخه. فعادت وجلست بالمقعد المجاور له بسيارته، انطلق بها وهي يأنبها على ما فعلته: –هو أنا مش قايل لك متخرجيش وتروحي الحفلة دي؟ كلامي مب'يتسمعش ليه؟ ولا فستانك ده اللي أنتي لبساه؟

هو أنتي مش سقعانة في البرد ده؟ أنكمشت ميس بمقعدها تنزوي بجوار باب السيارة. فتبسمت تحاول إلهاءه وهي تجيبه: –الجو النهاردة كان دافئ مش ساقعة أوي يعني. ضرب مقود السيارة بيده، وهو يرفع يده الأخرى بتحذير لها: –بلاش استفزاز يا ميس، أنتي فاهمة؟ أنا على أخرى منك. مسحت على ذراعه قائلة بلين ولطف: –طب إهدي بس يا حبيبي. نفض يدها عن ذراعه محذرًا: –شيلي إيدك وبلاش عمايلك دي عشان أنا مش هفوتهالك المرة دي خلاص. فرصك خلصت خلاص.

ألتزمت الصمت لما تبقى لهما من وقت للوصول لقصر النعماني. فتحت البوابة الكبيرة، وعبرت منها سيارة راسل للداخل، فترجل من السيارة، ودار حولها يخرجها هي الأخرى قابضًا على كفها بأصابع قاسية. عبرا بهو القصر الفسيح، حتى وصلا للصالة التي جلس بها رياض وعاصم وسوزانا، التي انتفضت من مكانها بعد رؤية راسل يجر ميس خلفه وهي على وشك البكاء. فأعترضت طريقه تصيح به: –أنت إيه اللي عمله فيها ده؟ سيبها.

رفع راسل يده بوجهها يشير لها بإلتزام الصمت. فعاد وأكمل طريقه وصعد الدرج وميس خلفه، تاركًا ثلاثتهم ينظرون لبعضهم البعض بعدم فهم لما يفعله. وصلا لغرفة ميس، ففتح راسل الباب وسارا حتى وقفا بمنتصف الغرفة، فترك يدها وذهب لغرفة الثياب، حمل كل الأثواب المرصوصة على الأرفف يلقيها على الأرض بغضب. أقتربت ميس لترى ماذا يفعل. فوجدت غرفة الثياب رأساً على عقب، فهتفت به وهي مشدوهة: –أنت بتعمل إيه يا راسل؟ أنت بهدلت الدنيا ليه كده؟

رمقها وعيناه تنذر بالخطر: –الهدوم دي متتلبسش تاني، مفهوم؟ مش كفاية إن مش راضي أغصب عليكِ تلبسي الحجاب، عشان مش عايزك تلبسيه غصب وبعد كده تقلعه. عمال أقول بكرة تعقل وتبطل لبسها ده بس شكلك أخدتي على كده. وأنا اللي اتلهيت عنك. انهمرت دموعها على وجنتيها فدمدمت ببكاء:

–افتكرت دلوقتي إنك أنت اللي بعدت يا راسل. سبتني في أكتر وقت كنت محتاجالك فيه. عايزني أعمل إيه وأنا عايشة اللي أطلبه ألاقيه من غير نقاش ولا تعب. عايشة بين حفلات وبين وسط كل اللي عايشين فيه كده. لبست قصير لبست طويل محدش اتكلم، عادي كلهم بيقولوا دي الموضة وكل البنات بتلبس كده. حتى جدو بالرغم من حبه وخوفه عليا، بس بحس أوقات كتير إن مفيش في دماغه غيرك أنت يا راسل وإن إزاي أنت تتسامحه. عادت وتبسمت بألم:

–بابا ومات من وأنا صغيرة ملحقتش أعيش معاه. وماما سيدة مجتمع من الطراز الأول، شايفة إن كل ده عادي لأنها عاشت واتربت كده هي كمان. خالو عاصم وقته كله للشغل وبرضه لغرامياته اللي فاكرنا منعرفش بيها. في وسط ده كله عايزني أطلع إزاي. مسمعتش المثل اللي بيقول "من شب على شيء شاب عليه". اقترب منها يقبض على كتفيها سرعان ما ضمها إليه يربت على ظهرها متأسفًا:

–عارف إن خذلتك في وقت كنتي محتاجاني فيه بس دلوقتي خلاص يا ميس، أنا معاكي وجمبك. مسحت دموعها بكتفه وهي باسمة، ولكن قبل أن تفه بكلمة انفتح باب الغرفة، فرأى راسل سوزانا تقف على الباب تطالعه بنظرات مقت وكره يعرفه هو جيدًا. فأخرج ميس من بين ساعديه وهو يقول: –أنا همشي دلوقتي واللي قولته يتسمع، مفهوم؟ هزت ميس رأسها بتأكيد وهي تجيبه: –حاضر، هعمل كل اللي أنت عايزه يا حبيبي.

قبل أن يصل للباب مدت سوزانا يدها تمنعه من الخروج، قبل أن تقول ما لديها، فهتفت به باستياء عارم: –بص يا ابن بنت الساعي، أنت بنتي ملكش دعوة بيها، مفهوم؟ وإياك مرة تانية أشوفك مجرجرها وراك بالشكل ده، ماشي؟ تربية الحواري والشوارع دي متتعملش مع بنتي ولا في بيت النعماني، أنت فاهم؟ التوى ثغره بابتسامة هازئة:

–أنا عارف إنك خايفة ومرعوبة من ابن بنت الساعي، عشان لو هو حطكم في دماغه هينسف عيلة النعماني والعز اللي انتوا عايشين فيه. بس علشان خاطرها هي أنا ساكت والأفضل برضه تسكتي انتي وأخوكي. سلام. قال راسل ما لديه وخرج من الغرفة، هبط الدرج فألقى نظرة خاطفة على رياض الذي تأهب جسده الهرم، ظنًا منه أن ربما ذلك العنيد، سيرأف بحاله قليلاً، ولكن خاب أمله ككل مرة في الأعوام الماضية. فهو خرج بسرعة البرق، قبل أن ينبث رياض ببنت شفة. ***

ببحثه عن من يكون والدها، استطاع الوصول لتلك الشقة التي يعلم أنه يقضي بها معظم أوقاته. فلم يجد جهدًا يذكر، بدخوله تلك الشقة معللاً، أنه راغبًا في أن يقضي وقتًا بالتسلية ولعب القمار، فهو أيضًا يهوى تلك اللعبة، يبرز براعته في لعبها. استقبلته تلك المرأة وهي فاتحة ذراعيها بترحيب أنثوي، غير متغافلة عن تقبيل وجنتيه بدلال. فبحة صوتها الذي شابته بعض الخشونة من كثرة احتسائها الخمور، رن بأذنيه كلحن نشاز وهي تقول:

–منور يا فؤاد بيه، دا الشقة زاد نورها بوجودك. أهداها ابتسامة مقتضبة لا تتجاوز شفتيه، ولا تصل لعينيه وهو يجيبها: –دا نورك انتي يا ست سونيا. تأبطت ذراعه تصحبه بجولة من باب الشقة، مرورًا بجلسات السمر على الأرائك بين رجال ونساء، لا يجدون رادعًا لهم بأن يكفوا عن تلك الأفعال المشينة. وبين تلك الطاولة الخاصة بلعب القمار، حتى انتهى بهما المطاف بجوار أحد الأركان يشبه الحانة بتلك الأرفف المصفوف عليها زجاجات الخمور.

فأستندت سونيا بأحد ذراعيها، على حاجز زجاجي، تميل بجسدها قليلاً وهي تلوى شفتيها بابتسامة ماكرة: –مقولتليش هواك في إيه بقى؟ شرب ولا لعب ولا... أعتدلت بوقفتها، تمد يدها تعبث برابطة عنقه وهي معقبة بدلال: –ولا ليك شوق في حاجة تالتة؟ لف خصلة من شعرها المتدلي حول إصبعه، يشد عليه قليلاً، جعلها تشعر بألم طفيف، ولكنها لم تتأذى من فعلته، بل لقى هوى بنفسها. فدنا من أذنها يهمس بصوت أجش:

–الصراحة ليا شوق في حاجات كتير أوي، بس خلينا نأجل الكلام ده بعدين. عايز بس ألعب دورين على التربيزة، مين اللي هيلعب معايا؟ ألتف ذراعها حول عنقه، وهي تهمس في أذنه بدورها: –دلوقتي ييجي حسان، أحسن واحد بيلعب على تربيزات القمار. بس ده ميمنعش إنه على ما ييجي، نشرب كاسين مع بعض ونقعد نتكلم حوار على السريع كده.

سحبته من رابطة عنقه، تجره خلفها ذاهبة لإحدى الغرف التي شهدت على ليالٍ ارتُكب فيها من الكبائر أفظعها، ومن المحرمات مجملها. ظنت هي أنها ستحظى بوقت ليس له مثيل، تطلق العنان به لأفعالها المشينة، ولكن انقلب السحر على الساحر، ولم تعد تدري شيئًا سوى أن ذلك الرجل أشد فسقًا ودناءة منها.

حرصت على تعديل هندامها المبعثر، ووقفت أمام إحدى المرايا المثبتة على الحائط، وجدت حمرة شفاهها قد خربت، أو ربما زينتها بأكملها، فعملت على إعادة طلاء شفتيها، وتمشيط خصيلاتها المشعثة، حريصة على الانتهاء قبل قدوم حسان، فلو علم بفعلتها لن تفلت من يده، فهو يشدد أوامره لها بأن لا يقربها أحد غيره. ولكنها من وقت لآخر، تميل بهواها لرجل من الرجال الذين يرتادون شقتها. فتمتمت وهي تطلي شفتيها مبتسمة وترى انعكاس صورة فؤاد بالمرآة

وهو يغلق أزرار قميصه: –هي الساعة كام دلوقتي؟ أحسن حسان ييجي دلوقتي ويعمل مشاكل. أجابها فؤاد وهو ينظر بساعة معصمه: –الساعة دلوقتي ١٠. فـ عاد وارتدى سترته ورابطة عنقه. وبعدما أنتهى سألها مستطردًا: –هو انتي متجوزة حسان يا سونيا؟ حركت سونيا رأسها سلبًا وهي تجيبه: –لأ مش متجوزاه، حسان إيه ده كمان اللي اتجوزه؟ أنا بس بخاف منه عشان هو بلطجي في تصرفاته وإيده طويلة.

–وبنته طلع له بس وربنا لأوريها. وإما مخلتهاش زيك يا سونيا مبقاش فؤاد. بس آخد غرضي منها. هكذا تمتم فؤاد لنفسه، عندما تذكر ولاء، وتذكر أيضًا كل مقابلتهما سويًا، التي تنتهي بخروجه منها مسلوب الكرامة، ولا تتوانى عن الحط من شأنه وكبريائه المعتد به كرجل وسيم ثري، يرى النساء يرغبن في رفقته، فدائمًا يرغب الفاسقون بجر الطيبين لأوحالهم.

أعادت الأمور إلى نصابها، وخرجت من الغرفة تتأبط ذراعه، ولكن سرعان ما تركته بعدما رأت باب الشقة يفتح ويلج منه حسان. فأسرعت في الاقتراب منه مبدية ترحيبها الحار المزيف: –حسان يا حبيبي، اتأخرت ليه كده؟ دول مستنينك من بدري عشان اللعب. دا حتى فيه زبون جديد بس إيه مليان فلوس ولا خزنة البنك أهو. رفعت يدها تشير لفؤاد، الذي تقدم منهما باسماً يمد يده يصافح حسان وهو يقول:

–أهلًا بيك، دا أنا منتظرك من الصبح. الست سونيا بتقول عليك إنك أحسن لاعب على التربيزة والصراحة أنا بحب ألعب مع المحترفين عشان اللعبة يبقى ليها طعم. شد حسان على يده، وهو يرمقه من رأسه لأخمص قدميه بتقييم حاد، فرد عليه بترفع: –أه أهلًا بيك، باين عليك شاطر بس هنشوف. سونيا قومي الناس من على التربيزة عشان هلعب أنا وهو بس ونشوف مين الشاطر فينا.

أسرعت سونيا في إخلاء الطاولة، وصرف الجالسين حولها. جلس حسان في المقعد المقابل لفؤاد، وبدأت اللعبة بينهما. أراد فؤاد كسب مودته بالبدء، فتركه يفوز بالجولة الأولى والثانية. وكلما زاد مكسب حسان زادت ابتسامته ظنًا منه أن ذلك الرجل المدعو فؤاد ما هو إلا أبله لا يجيد لعب الورق. ولكن بالجولة الثالثة، انقلبت موازين اللعبة كافة، وبدأ فؤاد بحصاد المال، الذي تم وضعه على الطاولة. جولة وأخرى واستطاع فؤاد استعادة ماله ثانية.

فأكفهرت ملامح حسان يقول بصياح محتج: –إيه ده؟ أنت بتغش في اللعب على فكرة. بابتسامة على جانب ثغره الماكر، كان فؤاد يجيبه بوداعة: –دا بس حظ المبتدئين، والمثل بيقول ما يوقع إلا الشاطر. لم يرغب حسان بإكمال خسارة ما تبقى من ماله، فترك الطاولة وهو يهتف به: –أنا خلاص كده شطبت، شوف حد تاني تلعب معاه.

ألقى فؤاد الورق من يده ليلحق به، فجلس حسان ليأخذ حصته من احتساء الخمور. جلس فؤاد على مقعد مجاور له، يحاول التودد إليه، فأخرج علبة سجائر من جيب سترته، يناوله إحداها وهو يقول: –أنا مش عايزك تزعل مني عشان خسرتك فلوسك النهاردة. اللعب يا غالب يا مغلوب وأنت شاطر أوي في اللعب بس زي ما قولتلك دا حظ المبتدئين.

بإصراره على مدحه وإظهار ندمه بأنه جعله يخسر ماله، زرع الشك والغرابة بعقل حسان. فتلك هي المرة الأولى التي يرى بها أحد متأسفًا لمكسبه بلعب الورق، ويبدي اعتذاره لغريمه باللعب. فأراد حسان إنهاء الأمر، فمال برأسه إليه متسائلاً: –أنت إيه حكايتك بالظبط؟ عمال ترغي ترغي وتعتذر على إيه؟ قلبي بيقولي إنك أنت عايز مني حاجة، فهات اللي عندك عشان أنا مليش خلق ولا صبر لحد. –أنا عايز أتجوز بنتك اللي اسمها ولاء. قالها فؤاد فجأة، ليقطب

حسان حاجبيه وهو يجيبه: –ولاء بنتي! وأنت تعرفها منين أصلًا؟ وضع فؤاد سيجارته بفمه، ليعود وينفث دخانها وهو يقول: –أعرفها عشان أنا عميل في البنك اللي هي بتشتغل فيه، والصراحة هي عجبتني بس مش مديني وش حلو، ودايمًا لسانها سابقها. فـ أنا دورت وعرفت إن أنت أبوها وبتسهر هنا يوميًا، فجيت عشان أتعرف عليك وأقولك جايز أنت تقدر تقنعها. وصدقني لو حصل هدفع لك مهر متتحلمش بيه. فقولت إيه؟

أرخى أصابعه التي تحمل السيجارة، لتسقط على الأرض، فسرع فؤاد بدعسها قبل أن تنشب نيرانها بطرف السجادة. فظل حسان صامتًا لبرهة وجيزة، كأنه يزن تلك الكلمات التي ألقاها عليه فؤاد، ولكن ما جعل لعابه يسيل على تلك الزيجة، هو ذلك الوعد من فؤاد بأن يدفع له مهرًا نظير زواجه من ابنته. فهيئته تدل على الثراء، ويرى استماتته بالزواج من ولاء، فلو طلب المبلغ الذي يريد، سيدفعه راضيًا بدون أن يعترض. فربما الليلة خسر نقوده على طاولة الميسر، ليأتيه الخير من مصدر آخر متمثلًا بزيجة ابنته من رجل ثري.

*** كأس تلو الآخر يلقيه نادر على الأرض ليتحطم شر تحطيم. فبعد عودته من منزل عرفان الطيب، وعلمه بأن حياء ليست ابنته، ذهب رأسًا لمنزل شقيقه نصر، الذي تركه ينفث جام سخطه ونقمه على الكؤوس، لعله يهدأ بعد ذلك، ولكن زاد بالأمر مما أصاب نصر بألام بالرأس وخاصة صوت صيحاته المحتجة، على ما سار إليه أمره. فقام من مكانه يقبض على مرفقه قائلًا بصياح مدوي: –بس بقى اسمع! وجعت دماغي يا أخي، إيه ده؟

كسرت كل الكاسات اللي كانت موجودة. أهمد بقى واسكت. تتابعت أنفاس نادر، ونفض يد شقيقه عنه وهو يدفعه بصدره: –أنت مش عارف ثروة عرفان الطيب كانت قد إيه؟ دا البنك بس كان فيه ٢٠٠ مليون جنيه، غير الأملاك وده كله أطلع من المولد بلا حمص. وضيعت وقتي على الفاضي. شد نصر على أذنه كأنه طفل صغير: –ماهو ده آخرة اللي ميسمعش كلام أخوه وبيحب يتصرف من دماغه. كنت فاكر نفسك فالح يا نادر.

احمر وجهه، وتحولت خضراوتيه للون أكثر قتامة، يأخذ أنفاسه كمن يركض بطريق طويل. فالمرة الأولى التي أراد بها نيل المال، عوضًا عن تلك الجراحات المحفوفة بالمخاطر، أدت بالنهاية للفشل. –أنا مش غايظني إلا إن الست اللي اسمها قسمت دي هتكوش على كل حاجة لوحدها. نطق بها نادر بغيظ لم يفلح بكظمه، وخاصة عندما تذكر وكزها له بتهديد، فبتلك اللحظة كان يريد الانقضاض على عنقها ويزهق أنفاسها. مسح نصر وجهه بكفيه مغمغمًا:

–وهتعمل إيه دلوقتي مع حياء؟ بإتيان شقيقه على ذكرها، تصلبت حواسه ينظر بالفراغ، كأنه يبحث عن إجابة. فإتمامه زواجه منها لم يعد محط طلبه الآن، فهو لا يملك المال الكافي مثلما تعتقد أو يعتقد كل من يراه. فكور قبضة يده يضرب باطن يده الأخرى مدمدمًا: –لو كانت بس الحادثة اتأخرت يوم واحد كان زمان حياء وارثة نص الأملاك بتاعة عرفان الطيب. بس مش عارف ليه ده حصل أو مين اللي عمل كده. رمق نادر شقيقه بشك قائلًا بحذر:

–أوعى تكون أنت يا نصر اللي عملتها وقتلتهم؟ زوى نصر ما بين حاجبيه يجيبه باستنكار: –وأنا أقتلهم ليه؟ وأنا مالي بيهم؟ هو أنا اللي كنت هناسبهم؟ أنا آه كنت بأمن على جوازتك بس مش لدرجة أقتلهم يعني. هو ممكن كنت عملت كده بعد ما تتجوز، لكن إن أقتلهم يوم كتب الكتاب، دي تبقى حركة خايبة أوي يا نادر. دار نادر حول نفسه، يكاد يصاب بالجنون قائلًا بحيرة: –طب إزاي ده حصل؟

تحقيق النيابة أثبت إن الحادثة بفعل فاعل، وإن فيه عربية نقل خبطت العربية بتاعتهم والسواق هرب والعربية من غير نمر كمان. يبقى مين اللي عملها؟ مييييين؟ بصراخه الذي كان على وشك صم أذنيه، وضع نصر يديه على جانبي رأسه، ليمنع وصول صوت شقيقه الساخط. فنهره على فعل ذلك بقوله: –اكتم بقى وبطل صراخ وجعت دماغي يا أخي، ومتقرفنيش معاك واللي حصل حصل، هتعمل إيه يعني؟ –عايز تسافرني يا نصر، عايز أبعد عن هنا شوية.

نطق بها نادر يناشد نصر بتنفيذ مطلبه، فما كان منه سوى أن أماء برأسه إيجابًا، فربما هذا أفضل. ربت على كتفه بهدوء: –تمام يا نادر، هغورك من هنا على الأقل أرتاح منك شوية. بس برضه مقلتليش هتتصرف مع حياء إزاي؟ اتسع بؤبؤ عينيه، وفرقع إصبعيه كأنه وجد حلاً مناسبًا فهتف به قائلًا: –بس أنا لقيتها! إيه رأيك دي تنفعنا في شغلنا؟ فكر نادر وسأله بعدم فهم: –تنفعنا في شغلنا إزاي يعني؟ مش فاهم. تبسم نصر بمكر وهو يجيبه:

–يعني طالما مبقاش ليها حد، ولا معروف ليها أهل، فنريحها من الدنيا وقرفها واللي هتشوفه هنا. نسفرها برا، أنت عارف إنهم طالبين كام بنت للشغل اللي بالك فيه. وأهو تاخدها معاك وانت مسافر بصفتها مراتك وهتقبض قرشين حلوين. قولت إيه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...