الفصل 20 | من 46 فصل

رواية لا يليق بك إلا العشق الفصل العشرون 20 - بقلم سماح نجيب

المشاهدات
19
كلمة
8,585
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

أقحم يده بجيب بنطاله، ووضع هويته الشخصية، ومازالت أصابعه قابضة على أطرافها، يشعر بها تكاد تمزق باطنها، فكنية ترافقت مع اسمه، تحمل أوجاعًا وماضيًا. كان يظن أنه بإستطاعته نسيانه، ولكن كيف له بالنسيان؟

فكلما نظر بها يتذكر من هو. فهو الغائب الهارب من خناق والده الثري، الذي لم يلقى بقصره سوى الجفاء والبرودة. فهو لم يكن له يد فيما حدث، فمشيئة القدير هي من جعلته يحمل دماء واسم رياض النعماني، وحمل أيضًا كرهًا وبغضاء، ترافقت جنبًا إلى جنب مع دمائه. فنظر لها بشموخ، وحاول إكساب صوته البرود، يخشى أن يخرج طيف ذلك الطفل الصغير من بين ثنايا قلبه، وتجده يسقط على ركبتيه باكيًا. ولكن هو بإمكانه تحمل الألم، على أن يرى أحد ضعفه.

فرد قائلاً ببرود: –أكيد كنتِ هتعرفي، كنتِ هتجوزيني إزاي؟ كان ساعة كتب الكتاب هتعرفي. تبسمت حياء بذهول وهي تقول: –ساعة كتب الكتاب عشان أكون قدام الأمر الواقع، عشان مقدرش أرفض ساعتها حفاظًا على صورتي قدام الناس، وأن أخاف من الشوشرة. لاء بجد برافو يا دكتور. رفعت يديها تصفق بها بهدوء، كأنها شاهدت عرضًا مسرحيًا ونال إشادتها بإتقان الممثل تأدية دوره. فما كان منه سوى أن نادى صغيرته وهو يقول: –سيجو روحي أوضتك يلا عشان تنامي.

جذبت سجود يد حياء وقالت: –مامى يلا عشان تحكيلي حدوتة قبل ما أنام. قبل أن يأتيها الرد من حياء، كان والدها آمرًا إياها بحزم: –سجود قولتلك يلا على أوضتك وماما هتحصلك.

امتثلت الصغيرة لأمره وخرجت من الغرفة، بينما ظل الجو بينهما مشحونًا بصمت يحمل بين طياته الكثير من الاستياء والغضب. فهي تراه بمنظور الخداع، فمن قبل واجهت تلك الخدعة، عندما تقدم نادر لخطبتها مصطحبًا أناسًا ليسوا بأهله، والآن علمت أن راسل يخفي عنها كونه ابن رياض النعماني. فلما هي تعيسة الحظ هكذا؟

فإن كانت من قبل استطاعت تجاوز محنتها مع نادر، فهي مُقنعة أن هذه المرة سيتفتت قلبها. فلا تشابه بين ما ظنت أنه حبًا بالماضي، وبين ما تشعر به تجاهه، فشتان بين الحالتين. فنادر لم يعد يعنيها، فهي حتى بدأت بنسيان ملامح وجهه، كأنها لم تقابله من قبل، أو أنها رأته بحلم واستيقظت وطوت الأمر طي النسيان. ولكن راسل لن تستطيع التحرر من تلك القيود الحريرية، التي كبل بها قلبها وروحها.

فدمعت عيناها وهي بإنتظاره أن يكمل حديثه، فلا تعلم ما شعر به من سوء لرؤية عبراتها. فهو من أخذ عهدًا، بأن لا يجعل الحزن يقربها ثانية، ولكنه فشل بفعل ذلك بأول عثرة ستواجه دربهما. فأراد إعطاءها مطلق الحرية للاختيار، فحتى وإن صار عاشقها، فلن يكون أنانيًا ويساهم بكسر أجنحتها التي بدأت تجبر كسرها. فأخذ نفسًا عميقًا وقال:

–عارف أن زعلتِك بس اللي عايز أقولهولك أن كل واحد وله ظروفه. وموضوع ليه أنا مخبي أن رياض النعماني أبويا أو مش حابب العلاقة دي، فده أكيد وراه أسباب. وبرضه مش حابب أتكلم عنها دلوقتي، إلا ما ييجي الوقت المناسب اللي أبقى قادر أحكيلك فيه. بس اللي عايزك تعرفيه أن رياض النعماني بيعتبرني النقطة السودة في تاريخه اللي لا عارف يمحيها ولا عارف يخليني أسامحه عليها. فلو أنتي حاسة يا حياء أنك عايزة تتراجعي عن الجواز، أو شايفة أني خدعتك، أنا هقبل منك أي قرار، ومش هغصب عليكي، حتى لو كنت بحبك. فالقرار في إيدك.

ألقى الكرة بملعبها، بإنتظار قرارها. فلماذا يفعل بها ذلك؟ فحتى وإن كانت مستاءة، فهي كانت بإنتظاره، أن يعلنها صراحة أنه لن يتركها تذهب من هنا، حتى لو كانت هي تريد ذلك. فدائمًا بروده ما يحيرها، وتلك الهالة من القوة، التي تحيطه دائمًا، تجعلها بحيرة من أمرها، لا تساهم بأخذها القرار الصائب. فكبرياؤها دائمًا ما يزعجها بتلك اللحظات، من أنه يريدها أن تكون نده له. فتطلع إليها معقبًا: –هسيبك تفكري وتصبيحي على خير.

رأى أن يترك لها الوقت الكافي بالتفكير، فهي لن تتخذ قرارها بلحظة. لذلك خرج من الغرفة، وأغلق الباب خلفه. فصوت إغلاق الباب جعلها تعي حقيقة أنها صارت بمفردها، أو بالأدق صارت تقف بمنتصف طريق بين قلبها وعقلها الذي يشد من أزره كبرياء أنثى ترى أنها اكتفت من أمور الخداع. جلست على الأريكة المواجهة للفراش، فتمعنت النظر به. فمن المفترض أن بالغد سيتشاركان حياتهما سويًا، سيصبح كل منهما سندًا ودعمًا للآخر، وأنه هو من سيهديها أسرار وخفايا العشق، التي لم تعلم منها وعنها سوى اليسير.

رفعت ساقيها عن الأرض، وأحاطتهما بذراعيها، وظلت تحملق بالفراغ، كأنها بإنتظار بزوغ قرارها من فجر العدم. ***

منذ عودته وهو جالسًا بغرفته، وأحبط محاولات شقيقته وعمه في معرفة ما أصابه. فبعد أن جعل كل ما طالته يداه حطامًا، جلس على المقعد القريب من النافذة، منحني الظهر والأكتاف إلى الأمام، تتساقط عبراته على زجاج إطار صورتها، التي ظل محتفظًا بها منذ أن كانت بالعشرين من عمرها، وكانت قاب قوسين أو أدنى من أن تصبح زوجته، لتأتي رياح الخيبة، وتقتلع جذور أمانيه.

فكلما تذكر حديثها معه وتصريحها بأن فواز خطيبها، وهو يشعر بنيران تلتهم قلبه وأوردته، وتعجزه عن التفكير السليم. فلو بيده كان جعل من فواز أشلاء، فمن تجرأ على التفكير بها لابد أن يستحق العقاب. قبل أن تختمر خططه الانتقامية من قلبه العاشق، سمع صوت ميس وهي تناديه برقة كعادتها: –خالو أنا ميس افتحلي الباب بليز عشان خاطري.

لم يخيب رجاءها ونداءها، فترك مكانه وفتح لها الباب. فبعد أن ولجت الغرفة بقدميها، أوصد الباب ثانية بالمفتاح، لكي لا تتبعها سوزانا. نظرت ميس لمحتوى الغرفة المتناثر بكل أرجائها، فشهقت بخفوت وهي تضع يدها على فمها وقالت: –إيه ده يا خالو أنت عملت إيه في الأوضة كده؟ طب أنت كويس؟ اتعورت ولا حاجة؟

حرك عاصم رأسه دليلاً على أن كل شيء على ما يرام. فعاد وجلس مكانه ثانية، محاولًا إخفاء صورة غزل، ولكن استطاعت ميس رؤيتها، فسحبتها من جواره وهي تمعن النظر بها. فلم تمنع إطلاق صيحة إعجاب بجمال صاحبة الصورة وهي تقول: –واووو مين البنت الجميلة دي يا خالو؟ دي واحدة من حبيباتك؟ رد عاصم قائلاً بنبرة مشتاقة: –دي حبيبتي الوحيدة، لا في قبلها ولا كان في بعدها.

عقدت ميس حاجبيها بعدم تصديق لما قاله، فهي على علم ودراية بأموره الغرامية، وليس هي وحسب بل الجميع يعلم بشأن علاقاته النسائية المتعددة. فجلست بجانبه، وارتكزت بمرفقها على ساقها وأسندت فكها على كف يدها، ونظرت له بصمت دام لثوانٍ، ولكنها قالت في الأخير: –عليا الكلام ده يا خالو؟ دا أنت صيتك زي الطبل زي ما بيقولوا. ابتسم عاصم ابتسامة تخلو من المرح وهو يقول: –مش بيقولوا لك الصيت ولا الغنى؟

بس صدقيني يا ميس، وجايز دي حاجة أول مرة أقولها لحد. أنا عمري ما لمست واحدة ست، جايز كنت أعرف ستات بس المعرفة السطحية اللي عمرها ما انتهت بحاجة غلط، لحد ما طلع عليا إني بتاع ستات. وجايز دي حاجة كنت راضي بها كنوع من الغرور مش أكتر، بس الحقيقة غير كده. غزل دي هي الوحيدة اللي قدرت تاخد قلبي من أول ما عيني وقعت عليها ساعة ما اتولدت، كأنها اتخلقت في الدنيا دي عشان تاخد قلبي و عشان تبقى ناري وعذابي وجنتي اللي هفضل مطرود منها طول عمري.

استشعرت ميس نبرة الحزن التي تخللت صوت خالها. فمن تكون تلك المحبوبة، التي جعلته مدلها بغرامها إلى هذا الحد؟ فما تراه به من مال وقوة ووسامة تخوله الحصول على ما يريد من النساء. فضمت شفتيها بالبدء، لتعود بعد ذلك وتنفرج تمهيدًا لقولها: –هو إيه اللي حصل خلاك تقول كده يا خالو؟ يعني أنت كان بإمكانك أنك تتجوزها؟ ولا هي مثلا كانت فقيرة فعلشان كده الجوازة ما تتمتش؟ ابتسم عاصم بألم وهو يقول:

–مش هتصدقي لو قولتلك إنها من أكبر العائلات في إسكندرية، وأبوها وجدك كانوا أعز أصحاب من وهم صغيرين. ومش بس كده، دا كان فيه كمان صلة قرابة بينا، كنا يعتبر كلنا عيلة واحدة. تعجبت ميس من سماع كم تلك المغريات، ومع ذلك لم يصح له الزواج منها، فهتفت قائلة بغرابة: –يعني كل ده وبرضه مقدرتش تتجوزها؟ أنا مش فاهمة حاجة يا خالو، إيه اللي حصل؟ فهمني. مسح عاصم وجهه بيده السليمة وهو يزفر من أنفه بتيه:

–اللي حصل إن في شيطان دخل بينا والدنيا اتقلبت. والعداوة بينا بقى عارف بها كل الناس اللي حوالينا، وكنت أنا السبب. لأنها فاكرة إن أنا خنتها قبل فرحنا بأسبوع. ومش بس كده، دي قفشتني في فندق مع واحدة أجنبية كانت جاية إسكندرية في زيارة، وكانت فضيحة بجلاجل. لم تعلم ميس لماذا واتتها الرغبة بالضحك على جملة خالها الأخيرة، خاصة أنه قالها بكل ما يحمله من غيظ، على تلك الظروف التي حالت بينه وبين معشوقته.

فقطب حاجبيه وهو يراها تحاول كبت ضحكتها، فثارت ثائرته أكثر وعلا صوته قائلاً بحدة: –بتضحكي على إيه أنتي دلوقتي؟ جاية تضحكي على أحزان خالك؟ أنا غلطان إني اتكلمت معاكي. انفجرت ميس ضاحكة، كأنه أعطاها إشارة على بدء نوبة الضحك العالية التي انتابتها من حديثه معها. فدمعت عيناها وحاولت تقديم أسفها على ما بدر منها. فحمحمت تجلى صوتها وهي تقول:

–والله بجد أسفة يا خالو، بس لما سمعتك بتقول قفشتني مع واحدة أجنبية مقدرتش أمسك نفسي. أسفة والله، بس يعني غلطة زي دي مقدرتش تسامحك عليها، وخصوصًا إنك مكنتش غلطان حسب ما فهمت من كلامك. حرك عاصم رأسه بعدما أغمض عينيه متنهدًا وقال: –هي شايفة إنها غلطة متغتفرش. وأنتي كمان متعرفيش إن اللي بين العيلتين وصل للدم كمان، اللي راح ضحيته أ...

أمتنع عاصم عن إكمال حديثه. ففتح عينيه على اتساعها، فهو كان على وشك إخبارها بالسبب الحقيقي لوفاة أبيها. فهي لا تعلم شيئًا سوى أنه وافته المنية أثر حادث سيارة، ولا تعلم السبب الحقيقي لمقتله.

فعندما رأى فضولها يزداد بعينيها لمعرفة بقية حديثه، أشار لها بالخروج وإخبار إحدى الخادمات بضرورة المجيء لتنظيف الغرفة. فخرجت ميس على مضض من دفعه خالها لها برفق ليجعلها تخرج من الغرفة، بل لم يكتف بذلك بل أغلق الباب حتى لا تعود للغرفة ثانية. ***

قضى ليلته بأكملها على أريكة خشبية بجوار المسبح، فهذا هو المكان الذي يمكنه بوضوح، من رؤية شرفة غرفته، التي مازالت أضواؤها على حالها منذ الأمس. فحرارة الشمس بدأت بلسع جلده، بعدما عملت على إفاقته من نومه، بعد أن غلبه النعاس بوقت متأخر من الليل. فبعد أن يئس من رؤيتها تأتي لتخبره بقرارها، فضل أن يعبث النوم بجفنيه، لعله عندما يستيقظ، يجد الأمور أكثر وضوحًا على ضوء النهار.

آلمته مؤخرة عنقه، التي بدأت تألمه من النوم غير المريح، فقميصه مجعد وشعره مشعث من كثرة ما عاثت به يده فسادًا. فترك مكانه وحاول أن يجعل الدماء تسري بأطرافه المتيبسة، فتمطى بجسده ثلاث مرات، حتى رأى أنه بحالة جيدة نسبيًا. ففكر بالذهاب للداخل، ليرى ما آلت إليه الأمور. ولج للداخل ووجد حركة نشاط غير معتادة. فقابل وفاء التي تحمل بيدها طبقًا به طعامًا وبطريقها لوضعه على مائدة الطعام. فتبسمت له وهي تصيح بإبتسامة:

–إيه يا حبيبي؟ أنت كنت فين كل ده؟ مش يلا عشان تفطر وتشوف هتعمل إيه وتجهز نفسك عشان كتب الكتاب والفرح؟ مبقاش فاضل عليهم غير كام ساعة بس. جف حلقه يخشى سؤالها عن حياء، فتتعجب من سؤاله ويضطر بالأخير أن يخبرها بما حدث، ولكن سعادتها تنبئ بأن ربما كل شيء مازال على حاله. فأراد سؤالها بطريقة غير مباشرة: –هي سجود فين؟ وضعت وفاء الطبق من يدها وهي تقول:

–فوق مع حياء في الأوضة عشان الميكب أرتست جت وهي معاها فوق هي وولاء. ويلا بقى أنت كمان ظبط نفسك، عايزك قمر زي ما أنت قمر على طول. عوضًا عن سماعه أمرها له المغلف بالسعادة، وجد نفسه يقترب منها ويطوقها بذراعيه، كأنه يدعوها لاحتضانه مثلما تفعل دائمًا بأوقاته العسيرة. فرفعت ذراعيها وضمته إليها فشعرت بوجود أمر يقلقه. فربتت على ظهره تحثه على البوح بما لديه: –مالك يا حبيبي؟ في إيه؟

–حياء عرفت أنا إبن مين، عرفت إن رياض النعماني أبويا وزعلت وأنا سبتها تاخد قرارها براحتها. يا تمشي يا توافق نكمل جوازنا. قالها راسل بصوت حاول إخفاء رجفته، ولكن كأنه نقل إليها عدوى الارتجاف. فيداها ارتعتشت وهي تحاول سحبه بعيدًا عنها، لتنظر لوجهه فتعمقت خطوط الارتجاف حول فمها وهي تقول: –وإيه يعني لما تعرف؟

ما كان مسيرها في يوم هتعرف كل حاجة يا راسل، مفيش حاجة بتستخبى العمر كله. بس هي فوق دلوقتي وبتجهز نفسها. لو كانت هتمشي كانت مشيت من الصبح. ثم متحاولش تفكر في حاجة النهاردة، افرح يا حبيبي بجوازك ومتخليش حاجة تعكنن عليك. تنهد بثقل قائلاً بحزن: –وتفتكري هفرح يا ماما؟ ولا أنا انكتب عليا الوجع وبس؟ ربتت على وجنته وأنزلقت دمعة من عينيها وهي تقول: –هتفرح يا حبيبي إن شاء الله.

تركها راسل وصعد الدرج بتأنٍ، فجلست على أحد مقاعد المائدة، ووضعت يدها على فمها لتمنع صوت بكاءها على حاله. ولكن بسماعها صوت أقدام قادمة، مسحت عينيها سريعًا، ونهضت لتكمل إعداد المائدة. فتبسمت لها صالحة وهي تقول: –متتعبيش نفسك يا ست وفاء، خليكي مرتاحة. أسفة يعني في سؤالي، هو حضرتك مولودة ومتربية فين؟ اللي يشوفك يقول عليكِ هانم بنت بشوات، بس برضه ست بيت شاطرة قوي. ربتت وفاء على كتف صالحة وقالت بابتسامة:

–وأنا تعبانة في إيه يعني؟ ثم أنا مش مولودة وفي بوقي معلقة دهب ولا حاجة، دا أنا أصلي بسيط أوي ومولودة ومتربية في حارة. وكان أبويا الله يرحمه شغال ساعي في شركة ريا... أمتنعت وفاء عن قول اسم "رياض النعماني". فتبسمت بتوتر وأكملت حديثها:

–بس جوزي صفى الدين الله يرحمه كان عطار وربنا فتحها عليه وبقى عنده محل كبير وكمان اشترى البيت ده وبنى المستشفى لراسل. يلا بقى نشوف هنعمل إيه عشان اليوم ميطرش مننا وإحنا لسه معملناش حاجة. وهتصل أشوف إسعاد اتأخرت ليه كده.

سبقتها صالحة للمطبخ، بينما تلكأت وفاء في الذهاب. فبعد إخبار راسل لها بما حدث بينه وبين حياء، تخشى أن تنتهي الليلة نهاية غير مستحبة أو صادمة له. فهي تعلم أنه اكتفى من الألم والوجع منذ صغره وحتى الآن. فرفعت وجهها وهي تهمس بالدعاء لله أن تمر الليلة بسلام وأن ينعم بالسعادة. ولم تنسى أخذ هاتفها لحث إسعاد على المجيء بسرعة.

أنهت استعدادها للذهاب لمنزل صديقتها، لكي تكون بجانبها اليوم. فولاء سبقتها لهناك. ولكن أثناء فتحها الباب وجدت زوجها حسان، يقف مبتسمًا لها ويقول بسماجة: –راحة فين على الصبح كده يا ست إسعاد؟ نفخت إسعاد بضيق من رؤيته وقالت: –أصبحنا وأصبح الملك لله. مش عوايدك تيجي بدري كده حسان؟ مش عايزة أتأخر، النهاردة فرح راسل. دفعها حسان للداخل وهو يقول: –فرح راسل! هو مبيزهقش من الجواز؟

ما علينا، كنت جاي أفكرك بخطوبة بنتك لفؤاد بيه. مش عارف هو الصراحة الأسبوعين خلصوا وهو غطسان فين، بس مسيره يظهر. فكرت إسعاد أن زوجها لا يعلم بما حدث وأن رياض النعماني أمره بأن يترك تلك الزيجة. فتبسمت إسعاد بتشفٍّ: –أنت متعرفش إن أصلًا مفيش خطوبة ولا جواز خلاص. العريس طار، كان فيه منه وخلص. لوى حسان ذراعها خلف ظهرها وهو يقول: –بتقولي إيه يا ولية أنتي؟ يعني إيه الكلام ده؟ صرخت إسعاد بألم وهي تقول: –آآآه دراعي!

حرام عليك سيبني. وإن كان على بنتك، فيه عريس تاني أحسن منه وأغنى منه كمان عايز يتجوزها وهي موافقة. قالت ما لديها لعله يرحمها من ذلك الألم. فترك ذراعها وتبسم باتساع وهو يقول: –هي البت بقى الطلب عليها زايد ليه كده؟ بس مش مهم. بس طالما كده مقولتوش ليه؟ وعايز أشوف العريس ده اللي بتقولوا عليه.

عجزت إسعاد عن الرد، فهي تعلم بشأن خوف ابنتها من مقابلة معتصم لوالدها. فمتى سينتهي ذلك الخوف والحيرة التي يعيشها. فبعدما أخبرته بأن قريبًا ستخبره بالموعد المرتقب لمجيء معتصم، ذهب حسان وهو سعيد بأن ربما هذه المرة سيتلقى عرضًا أفضل من أجل زيجة ابنته. فخرجت من المنزل وهي تجر قدميها جرًا وتفكر كيف ستكون حالة ابنتها بعدما تعلم بشأن زلة لسانها وأنها أخبرت والدها بالأمر.

بالطابق الثاني من منزله وأمام غرفته، كان مازال واقفًا منذ أن صعد الدرج. تتقاذفه رغبة الإقدام والإحجام عن طرق الباب. فهو لا يريد الذهاب لتلك الغرفة التي كانت مخصصة له بالإقامة حتى مجيء ليلة الزفاف، قبل أن يتحدث معها ويسمعها منها صراحة. فانتهى الصراع الدائر بخلده بطرقه على الباب طرقات وصلت حد الإلحاح. ففتحت سجود الباب وتبسمت لأبيها وهي تقول: –بابي عايز إيه؟ انحنى راسل لسجود ومسد على ذراعيها وهو يقول:

–عايزك تقولي لمامي بابي عايز يتكلم معاكي في موضوع ضروري. ولجت الصغيرة بخطوات راكضة وأخبرت حياء بما يريده والدها. فأستأذنت حياء من تلك المرأة التي كانت على وشك البدء بتزيين وجهها. فوضعت عليها ثوب الصلاة، وأطلت برأسها من شق الباب. فنادته بصوت منخفض: –كنت عايزني في إيه؟ وإيه الموضوع الضروري ده؟ قلقتني. غرز يده بين طيات شعره مغمغمًا بإرهاق: –كنت عايز أعرف قرارك النهائي وهل أنتي حابة نكمل جوازنا. أطرقت حياء برأسها أرضًا

وهي تقول بخجل: –أكيد طبعًا حابة نكمل جوازنا وأنك تبقى جوزي وسجود بنتي. وعن إذنك بقى عشان هتعطلني كده. أغلقت الباب قبل أن تستمع لرده، فكأنها ألقت عليه سحرًا، جعل الحزن يتبدد عن عينيه وتسكن البهجة قلبه ثانية. فتبسم قائلاً بلطافة: –على فكرة دي تاني مرة تقفلي الباب في وشي وكده مش حلو خالص. وضعت يدها على فمها تكتم ضحكتها إلا أنها استطاعت القول: –يلا روح شوف هتعمل إيه عشان الوقت ما يضعش على الفاضي.

هرول بخطواته صوب الغرفة التي ينتظره بها ثيابه لتلك الليلة. بينما هي عادت ثانية وجلست على المقعد أمام منضدة الزينة، وسمحت للمرأة بأن تبدأ عملها، وظلت تتجاذب أطراف الحديث معها ومع ولاء وسجود التي جلست على ساق ولاء وهي تعمل على طلاء أظافرها الصغيرة بلون يتماشى مع لون ثوبها الجميل. فقبلتها ولاء على وجنتها وقالت: –ها حلو اللون ده يا سيجو؟ دا تالت لون تخيليني أحطهولك وترجعي تخليني أشيله. نظرت الصغيرة لأظافرها بتقييم:

–مم حلو يا ولاء. عايزة أحط روج ومكياج. ضحكن جميعًا على قولها. فطوقتها ولاء وهي تقول: –من عيوني حاضر، بس خلينا نعمل كده قبل الفرح ما يبدأ بدقيقتين عشان عارفة إني هلاقي الروج في كل حتة في وشك واحتمال كمان الاقيه في الفستان. ماشي؟

أومأت الصغيرة برأسها موافقة. فتركت ساق ولاء واقتربت من حياء لتجعلها ترى طلاء أظافرها. فقبلتها حياء وأجلستها أمامها. فهي تريد النظر إليها وإلى أبيها لما تبقى من عمرها. فهي اتخذت قرارها واستمعت لنداء قلبها. فهي تثق به ولن تجعل شيئًا ينال من تلك الثقة أو الحب الذي تكنه له بقلبها.

شردت ولاء بخيالها، وهي ترى نفسها بيوم كهذا. فالفرصة سانحة ومستحيلة بالوقت ذاته. فهي حتى الآن لم تخبر راسل بما حدث. فهي تنتظر انتهاء الزفاف ويأتي الوقت المناسب لإخباره. ***

ضمت هند ساقيها بذراعيها وهي جالسة على الفراش، تهتز بحركات متتابعة ورتيبة للأمام والخلف، وعيناها عالقتان باللاشيء. فجفنيها حمراوان من عدم نومها، ووجهها شاحب. فمنذ عودة والديها، وحدوث تلك الكارثة لها، وهي كأنها اعتزلت الجميع، وفضلت العزلة بعيدًا عن أعين المحيطين بها. فتلك الفتاة المفعمة بالنشاط والحيوية وحب الحياة، لا تمت بصلة لتلك التي يكاد يجزم كل من يراها، أنها ألقي عليها سحر أسود، جعلها كالمجذوبة. فهي حتى لم تنسَ أن تحدث نفسها وتلومها بصوت مسموع، كأنها حقًا قد اختل عقلها.

فـعاودت جلد ذاتها وهي تقول: –أنا السبب، أنا اللي عملت في نفسي كده. مسمعتش كلام اللي حواليا لحد ما ضعت فعلًا. أنا السبب. خلاص يا هند ضيعتي خلاص ارتحتي دلوقتي. تبع حديثها ضحكات هستيرية، فتعالت أصوات الضحكات شيئًا فشيئًا، واختتمتها بصوت صرخة كادت تمزق أحبالها الصوتية، يرافقها دموع ساخنة أللهبت وجنتيها. فعلى إثر تلك الصرخة فتح باب الغرفة وولجت والدتها بأقدام مرتجفة ظنًا منها أنها أصابها مكروه. فأقتربت من الفراش وانحنت

تتحسس وجهها وتقول بلهفة: –مالك يا هند؟ مالك يا حبيبتي؟ فيكي إيه؟ وليه صرختي كده؟ دمعت عيناها وهي تنظر لوجه والدتها وقالت بصوت مرتعش: –مفيش حاجة يا ماما. دا أنا كنت نايمة وحلمت بكابوس، فقمت صرخت من غير ما أقصد. جلست والدتها على حافة الفراش وضمتها إليها وهي تربت على ظهرها بحنان:

–نفسي أعرف إيه اللي جرالك يا حبيبتي خلاكي من ساعة ما رجعت أنا وباباكي وأنتي قاعدة في أوضتك لا بتخرجي ولا بتشوفي حد. دا أنتي وشك بقى باين عليه التعب خالص. حاسة بإيه يا قلب ماما؟ قوليلي. أنتي حزينة وزعلانة عشان راسل هيتجوز تاني؟ فبما تخبرها هي الآن؟ هل تخبرها بأن ابنتها وزهرة هذا المنزل ومدللة أبيها وقعت بالمحظور؟ هل تخبرها بأنها أصبحت وردة ذابلة لا لون لها ولا عطر؟

أنفاس حارة خرجت من أنفها، ودموع تسللت من بين أهدابها المغلقة. فهذا كل ما حصلت عليه والدتها من إجابات على ما سألتها إياه. فحاولت إخفاء ارتجاف صوتها وهي تقول: –أنا كويسة يا ماما مفيش حاجة. ثم خلاص أنا مبقتش بفكر في راسل. –كويسسسسسة إزاي بعد عملتك السودة دي يا هند؟ فتلك العبارة هزت بدنها عندما استمعت لصراخ أبيها وهو يلج غرفتها كالإعصار. فبديهيًا انكمشت بين ذراعي والدتها. فنظرت له بذعر وهي تقول: –أنت قصدك إيه يا بابا؟

لم يكن رده على ما قالته، سوى صفعة تلقتها وجنتها وكادت تقتلع أسنانها. فهو لم يكتف بذلك، بل قبض على شعرها وحرك رأسها بعنف وهو يقول بغضب العالم أجمع: –قصدى إيه! قصدي على سمعتي وشرفي اللي حطيتيهم في الطين يا قليلة الأدب يا عديمة التربية! جرها من على الفراش وأسقطها أرضًا على ركبتيها، ومازال غضبه يعميه ويصفعها بيديه بأي مكان تصل إليه يداه بأنحاء جسدها كافة.

صرخت والدتها وهي ترى ابنتها فريسة لغضب أبيها، والذي لا تعلم ما أصابه حتى يفعل ذلك بها. فهي تعلم مدى حبه لابنته وتدليله لها، ولكن أن يأتي الآن ويضربها هكذا، فالأمر شيء لا تفهمه. فبجهد جهيد حاولت إبعاد جسد هند عن أيدي أبيها الغاضبتين، فصرخت به بخوف: –بااااس كفاية! أنت هتموتها في إيدك! إيه اللي حصل لكل ده؟ دا أنت عمرك ما مديت إيدك عليها! ارتخت يداه فجأة، وقال بصوت يغلب عليه الحسرة:

–ياريتني كنت ضربتها من زمان وعلمتها الأدب بدل ما كانت حطت شرفي في الطين وهتخلي سمعتنا على كل لسان. تركت ابنتها ووقفت أمام زوجها، تحاول الاستقصاء عن أسباب أقواله. فما تبادر لذهنها من ظنون جعلها تخشى قولها. فتلعثمت حروفها وهي تقول بترقب: –أنت قصدك إيه؟ أوعى يكون... حطت يديها على فمها، عندما قرأت الجواب بعيني زوجها الدامعتين. فلا تعلم كيف أخذت الدموع تجري على وجنتيها عندما تأكدت ظنونها؟ وليس هذا فحسب، فهو أخرج هاتفه من

جيبه وناوله لها وهو يقول: –خدي شوفي بنتك المحترمة عملت إيه، وإن المنافس ليا في انتخابات مجلس الشعب بقى يهددني يا أنسحب وأساعده ينجح، يا إما فيديو بنتك هينتشر على السوشيال ميديا وتبقى فضحتنا بجلاجل.

ارتعشت يداها وهي تأخذ منه الهاتف. بدأت بمشاهدة الفيديو وعيناها جاحظتان. فهي ترى ابنتها ترقص بملابس فاضحة وهي مخمورة وتفعل أشياء مشينة مع شاب لم ترى وجهه جيدًا. فلم تستطع إكمال المشاهدة، إذ سقط الهاتف من يدها، وتجمدت ملامح وجهها، بل بدأت تشعر بأن الدماء قد تم سحبها من جسدها ببطء، والخدر بدأ يأخذ مكانه بأطرافها. فأحنت رأسها وهي تنظر لابنتها الملقاة على الأرض، ودموعها تتساقط كحبات المطر الغزير. فلم تحسن غير خروج بضع

كلمات من فمها وهي تقول: –أنتي يا هند... فقبل أن تعاود إكمال قولها، سمعا صوت ارتطام بالأرض، ولم يكن سوى زوجها، الذي سقط مغشيًا عليه، من هول ما علمه من فعلة ابنته. صرخت هند وهي ترى جسد أبيها طريح الأرض بجانبها: –باااااباااااااا! أقتربت منه زاحفة على ركبتيها، وشفتيها تنزفان من آثار احتكاك خاتم والدها بهما أثناء صفعه لها. فحاولت تحريك جسده وهي تهذي بجنون: –بابا بابا رد عليا! بابا بص لي أبوس إيدك يا بابا رد عليااااااا!

جثث والدتها هي الأخرى، بجانبهما وهي تبكي وترى زوجها كمن أوشك على بلوغ نزوع الروح. ففعلت ما فعلته ابنتها تحاول أن تجعله يفيق من إغمائه المفاجئ، ولكن لم تأتِ حيلتهما بأي نتيجة مرجوة. فأسرعت زوجته بطلب سيارة الإسعاف من المشفى الخاص براسل، وجاءتها على جناح السرعة، ونقلت زوجها للمشفى. ***

مرت سريعًا الساعات المتبقية على موعد عقد القران وبدء حفل الزفاف. فهي أتمت زينتها على أكمل وجه وأرتدت ثوبها الأبيض الأنيق. وولاء وسجود كانتا بطلة أكثر من رائعة. وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها جيدًا، تحاول تهدئة وجيب قلبها الذي اشتد خفقانه، حتى شعرت بألم به. ويرجع ذلك لتلك السعادة التي مزجت بالترقب مما سيحدث بعد قليل. فلم يتبقى سوى دقائق ويقترن اسمها باسمه وستصبح "حياء راسل صفى الدين". ولكنها عادت وتذكرت أن اسمه الحقيقي هو "راسل رياض النعماني". ولكن ذلك لن يشكل لها فرقًا، فهي تريده هو مهما كان مسمى والده، حتى وإن كانت تشعر بالكراهية تجاه والده الحقيقي ولها الحق بذلك.

صوت الطرقات على باب الغرفة، هو من جعلها تخرج من شرودها. ففتحت ولاء الباب وهي مبتسمة لرؤية وفاء، التي ولجت الغرفة وهي تطلق الزغاريد كعادتها. فأقتربت من حياء وقبلت وجنتيها وهي تقول: –بسم الله ماشاء الله الله أكبر، عروسة زي القمر. يلا يا حبيبتي عشان كتب الكتاب وكمان الشيخ اللي طلبتيه عشان يبقى وكيلك جه هو ومراته وابنه.

فحياء أبدت رغبتها بأن يكون إمام المسجد ووالد بلال هو وكيلها بأمر زواجها. فلم يخيب رجاءها به وأتى هو وأسرته. فخرجت حياء من الغرفة وتأبطت ولاء ذراعها وسجود تحمل طرف الوشاح الأبيض على رأسها وهي تقفز بسعادة. هبطوا جميعًا الدرج، وسبقتهن وفاء وهي تعلن عن حضور العروس.

ترقب الجالسين بغرفة المعيشة ظهور عروس الليلة، وخاصة هو فدقات قلبه تصدر صخبًا بين أضلعه. فدقائق فقط هي من منعته عن جلبها بنفسه، فهو ينتظر فقط أن يعلنها المأذون، ولن يمنعه عنها شيئًا حتى وإن كان بموته. أقترب منها والد بلال متبسمًا وقال: –ألف مبروك يا بنتي. ومتعرفيش فرحت قد إيه إنك خلتيني وكيلك واعتبرتيني زي والدك. –بادلته حياء الابتسام بابتسامة أشد خجلًا:

–أنت فعلًا بقيت زي والدي وأنا اللي المفروض أشكرك إنك مرفضتش طلبي وجيت. ملأت السعادة وجوه الحاضرين، عدا بلال الذي لم يستطع جلب مظاهر الفرحة والسعادة لوجهه أو شفتيه. فهو لا ينكر أن منذ مجيئها للحي وهو كان يريد أن تكون من نصيبه، ولكنها ستصبح الآن ملك لرجل آخر. رجل رأى كيف ينظر إليها وعيناه تود لو تجعلها سجينتهما لكي لا يراها أحد. فزفر بضيق إلا أنه لم يحاول افتعال أمر يخرب الزيجة، بل جلس بجانب والدته صامتًا.

وضع راسل يده بيد إمام المسجد وبدأ المأذون بعقد القران. وبعد قول جملته الشهيرة "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير" تعالت أصوات الزغاريد من وفاء وصالحة حتى ولاء التي لم تتمكن من فعل ذلك بالطريقة الصحيحة. حاولت حياء التقاط أنفاسها، التي شعرت بها تنسحب ببطء من رئتيها بعدما وعى حقيقة واحدة وهي أنها أصبحت زوجته الآن. فها هي تخط اسمها بيدها على قسيمة الزواج بعدما تم التوقيع عليها من راسل وإمام المسجد والشاهدان.

بعد انتهائها سحبت ولاء من يدها القلم وهي تقول بتفكه: –أخدت القلم بدل ما أقرصك في ركبتك وأحصلك في جمعتك. قهقهت حياء على قولها فانتبه لها راسل، الذي عقد حاجبيه تحذيرًا لها بلطف لكي لا يستمع أحد لصوت ضحكتها. فعبست وأخفضت وجهها، فتبسم بخفوت على فعلتها، وكم يشتهي هو الآن أن يتشاجران وأن يستطيع هو إنهاء المشاجرة بينهما ليس كمثل أي مرة حدثت من قبل، ولكن هذه المرة ستنتهي نهاية مرضية له عندما تجعله يثمل من خمر عشقها.

ولكن زاد عبوسه أكثر برؤية بلال يقترب منها وهو يقول: –مبروك يا آنسة حياء ربنا يتمم بخير. ردت حياء وهي باسمة وقالت: –الله يبارك فيك يا أستاذ بلال وعقبال عندك إن شاء الله. قبل أن يستمر الحوار بينهما أكثر من ذلك، كان راسل يتقدم من مقعدها وبسط لها كفه قائلاً: –يلا بينا يا حياء عشان نلحق نروح القاعة اللي معمول فيها الفرح.

باستحياء وضعت يدها بيده، فجذبها برفق حتى استقامت بوقفتها. فبدأ الحاضرين بالخروج من المنزل للذهاب إلى القاعة المقام بها حفل الزفاف. تأبطت ذراعه ولكنها تلتفت حولها تبحث عن سجود فقالت: –راسل فين سجود؟ راحت فين؟ تبسم لها راسل وهو يقول: –سجود مع ولاء متقلقيش. ثم أول مرة أسمع منك بتقولي يا راسل. مكنتش أعرف إن اسمي حلو كده.

وجنتاها صارت بلون الدم من كثرة تدفق الدماء بهما، تشعر بحرارة شديدة تجتاحها. فهل تشعر بالخجل من الحديث فقط، فما بالها بما سيحدث لها بعدما تصبح زوجته فعليًا. بوقت ليس بالكثير، كانوا جميعهم بالقاعة، فرأت حياء كثيرًا من الحضور، فالقاعة مكتظة بالمدعوين. فلابد أن زوجها ذائع الصيت بالمجتمع السكندري. فهي ترى العديد من الأفراد يهنئونه بزفافه.

لم تكن تعلم أن زفافها سيكون أسطوريًا هكذا. فـتنوعت فقرات حفل الزفاف بشكل منسق. فسعادتها بلغت أوجها، تنظر إليه بين الفينة والأخرى بابتسامة. ولكن تلك الابتسامة ماتت على شفتيها وهي ترى رياض النعماني يلج القاعة وميس تتأبط ذراعه وخلفهما الحرس الخاص به. بـبادئ الأمر لم ينتبه راسل على مجيئه لإنشغاله بمداعبة ابنته. ولكن سمع صوته يرن بأذنه وهو يقول: –ألف مبروك يا دكتور راسل، بس مش عيب ما تعزمش أبوك على الفرح؟ مبروك يا عروسة.

ردت حياء بصوت خافت: –الله يبارك فيه. ظل راسل على صمته، ولكنه انتبه على اقتراب ميس منه وهي تقبله على وجنته وقالت: –مبروك يا حبيبي ألف مبروك. تركت ميس راسل وأقتربت من حياء وقبلتها هي الأخرى معقبة: –ألف مبروك يا عروسة. خلي بالك منه. قالتها ميس ممازحة لعلها تخفف من حدة الجو المشحون بالغضب والعصبية من جانب جدها وجانب راسل المتجهم الوجه. فلم تنسَ أيضًا تقديم الهدية التي ابتعتها من أجل حياء، فمدت يدها لها بها.

فأخذتها منها حياء وشكرت لطفها. حاولت ميس جذب يد جدها وهي تقول: –جدو تعال يلا نقعد. رفض رياض مطلبها وهو يرفع يده قائلاً: –روحي أنتي اقعدي يا ميس وجاي وراكي، بس لما أتكلم مع عمك المحترم شوية. قبض رياض على ذراع راسل، فلم يبدي احتجاجًا على ما فعله، بل ربما هذا أفضل من أن يعلو صوتهما ويثيرا جلبة بالقاعة. خرجا من القاعة وبأحد الزوايا الهادئة، كان راسل يقف وجهًا لوجه مع أبيه، الذي تدل هيئته على أنه غاضب منه بشدة.

فحاول إنهاء الأمر سريعًا ليعود للداخل، فقال ببرود: –خير يا رياض باشا عايز مني إيه في ليلة زي دي؟ أنت مش شايف إن أنا عريس النهاردة؟ جذبه رياض من سترته وهو يقول: –أنت إيه؟ مش ناوي ترتاح إلا ما تموتني؟ كل حاجة تتصرف فيها من دماغك. يعني مش كفاية جوازتك المنيلة من الإيطالية اللي كان بسببها ممكن تموت؟ رايح دلوقتي تتجوز واحدة متعرفش ليها أصل ولا فصل ولا نعرف بنت مين؟ ومتعرفش إيه اللي ممكن يحصلك بعدين؟ حدق به راسل قائلاً

بوحشية: –ملكش دعوة بيها مفهوم؟ دي دلوقتي مراتي. ثم إزاي أنا معرفش هي بنت مين؟ دي بنت عرفان الطيب وأنت أكيد عارف هو مين. –وعرفت كمان إنها مش بنته وإنه متبنيها، مش كده؟ قالها رياض فجأة، بينما عمل راسل على سحب طرف سترته من كف رياض. فرد قائلاً بتحذير: –أنا مش عايز أسمع كلمة عنها تزعلني. ثم ميهمنيش بنت عرفان ولا مش بنته ومش عايز أعرف هي بنت مين. وأعتبرها إنها بقت بنتي أنا وبقت حياء راسل النعماني.

ألتوى ثغر رياض بابتسامة قائلاً: –راسل النعماني! وده من إمتى؟ ما أنت بقالك أكتر من ٢٠ سنة متبري من الاسم. حاول أن يجاري راسل سخريته وهو يقول: –أصل ممكن يكون اسم النعماني ليه برضه مميزاته. ومتنساش إن أنا وريثك الوحيد دلوقتي وأنا اللي همد في اسمك. ولا تحب أخلي اسم رياض النعماني ينتهي معايا؟

وأنت عارف سجود وميس هيجيلهم الوقت إن شاء الله اللي ولادهم هيشيلوا اسم حد تاني. فأنا بقى اللي حابب أمد في اسمك بس ولادي بإذن الله مش هخلفهم من حد غير حياء وهي اللي هتبقى أمهم. وخلي الزمن يعيد نفسه تاني يا رياض باشا يبقى حد من عيلة النعماني خلف من واحدة فقيرة. بس أوعدك إن شاء الله مش هخلي ولادي يكرهوني ولا هعايرهم بأمهم.

ذلك التهديد الأخرق الذي ما فتئ يذكره به، فهو سمع منه ذلك الحديث بزواجه الأول، وها هو يعيده ثانية. ولكن هذه المرة رأى بعينيه تصميم وإرادة لم يراها من قبل. فانتهى الحديث بينهما بعودة راسل لحياء ثانية. فمد يده وتخللت أصابعه بأصابعها يتشابكان سويًا، بل شعرت بضغط يده كأنه على وشك كسر عظام يدها. فحاولت ما أمكنها أن تتحمل الألم ولكنها هتفت به بأنين: –مالك يا راسل؟ حصل حاجة بينك وبين بابا؟ تبسم لها وهو يحرك رأسه قائلاً:

–لاء مفيش يا حبيبتي. يلا بينا نرقص سوا. أخذها من يدها، بعدما خفضت الإضاءة، وتعالت نغمات الموسيقى الناعمة. فوضعت يديها على كتفيه وحاوط هو خصرها بكفيه. فأحنى رأسه إليها وأستند بجبينه على جبينها وقال: –أنا بحبك يا حياء وعايزك تعرفي إن مفيش حد هيقدر يفرق بينا ولا أي حاجة هتخليني أتخلى عنك وأسيبك. شعرت بالقلق من حديثه، فأبتعدت برأسها قليلاً وهي تقول: –راسل هو في إيه؟ باباك عرف حقيقتي صح؟ عرف إن أنا مليش أهل مش كده؟

قبل أن يرى عينيها تدمعان، أسرع القول بحب وثقة: –أنا أهلك يا حياء. أنتي هتبقي مراتي وبنتي وحبيبتي ومش عايز أسمعها منك تاني إنك تقولي ملكيش أهل. –أنا بحبك. انطلقت الكلمة من فمها بسهولة، فتساقطت حروفها على قلبه قبل أذنيه. فهو لم يسمعها منها من قبل إلا الآن. فإن كان لا يطيق صبرًا حتى يعود للمنزل، فصبره أوشك على النفاذ بعد قولها.

فربما الوقت خدمه الليلة بـانتهائه سريعًا. فها هما يعودان للمنزل بعد انتهاء حفل الزفاف، الذي لم تكن تعلم حياء بأنه سيظل ذكرى رائعة بقلبها طوال عمرها. وصلوا المنزل بمفردهما، فوفاء وسجود ذهبتا برفقة إسعاد وولاء لمنزلهما للمبيت عندهما لترك المنزل لهما بمفردهما الليلة. وصالحة عادت لمنزلها برفقة أسرة إمام المسجد.

ولج راسل المنزل وهو يحملها بين ذراعيه، تضع هي ذراعيها حول عنقه ولكنها لم تحيد بنظرها عن وجهه، بل تركت العنان لعينيها لتلتهم ملامحه بعشق جارف. صعد بها الدرج بسهولة حتى وصل غرفته، فدفع الباب بقدمه. فأنفتح سريعًا، كأنه تُرك مفتوحًا، فربما الخادمة التي عملت على وضع الطعام بالغرفة تركته هكذا قبل انصرافها من المنزل.

بمنتصف الغرفة كان يحررها من بين ساعديه، ولكنه لم يتركها تبتعد، فربما حان وقت دفع غرامات الشوق المتراكمة بقلبه. فإن كانت تظن أن بإمكانها الفرار فهي واهمة، فحصاره أشتد حولها. ولكن همس لها: –يلا عشان نصلي يا حبيبتي. أسرعت بتنفيذ مطلبه وذهبت لغرفة الثياب، خلعت ثوب الزفاف وهي تدعو أن لا يأتي الآن. فبعد انتهائها وضعت ذلك الرداء الأبيض الحريري على جسدها تخفي ما ارتدته أسفله، وجذبت ثوب الصلاة وارتدته هو الآخر.

خرجت من الغرفة وجدته بإنتظارها، فبدأ صلاتهما وبعد انتهائه من دعائه لها، أخذها وأجلسها بجانبه على الأريكة، التي تم وضع الطعام على المنضدة أمامها. فأخذ طعامًا من أحد الأطباق وقربه منها وهو يقول: –عايزك تأكلي الأكل ده كله. دا أنتي طلعتي خف الريشة. أنتي مكنتيش بتاكلي كويس؟ أزدرت لعابها وهي تقول: –لاء بأكل عادي يعني، بس جايز شهيتي قلت الفترة الأخيرة. تجولت أنفاسه على وجهها وهو يقول:

–لاء أنا عايز حياء اللي شفتها أول مرة. أينعم كانت المقابلة مش ولابد، بس مقدرتش أنسى عينيكي وهي بتدق شرار بعد ما فقتي وكنتي عايزاني أعتذرلك. تبسمت رغما عنها وهي تقول: –أنت كنت فظيع وكنت كل ما أشوفك كان نفسي أخنقك والله. تبسم على قولها ووضع الطعام بفمها، فأبتلعته بحرص حتى لا تختنق. فهو لا يعلم ما تشعر به الآن من خوف وتوتر وترقب وقلق، وكل ما يمكن أن تشعر به فتاة بليلة كهذه.

أراد منحها الوقت الكافي للتأقلم على وضعها الحالي، ولكن ساهمت كل الأجواء المحيطة به، بأن ينفذ مخزون صبره سريعًا. فكانت طامته الكبرى عندما رأى ثوبها الذي ترتديه أسفل ثوب الصلاة. فشعر بشيء يسد عليه مجرى الهواء ويمنعه من الوصول لرئتيه.

فبدأ الأمر بينهما بهدوء وروية. فبعد أن استكانت لملمس يديه القابضة على كفيها بحنان وحب، طار صوابهما سويًا من عناقهما الأول. فإن كان هو متزوجًا من قبل وليست هذه هي المرة الأولى له، فتلك المشاعر التي يشعر بها الآن لم تزوره من قبل، خاصة وأن الطرف الآخر بتلك الحالة. ماهي إلا فتاة خجولة وربما تستحي أن تظهر تعلقها به دفعة واحدة، وليست كزوجته الأولى التي كانت تمتاز بالجرأة الشديدة.

سقطت ببحر الغرام، فتصارعت أمواج الشوق بإغراقهما. فارس مغوار وصبية تاهت بين أرجاء مدينة الحزن واليأس، فعمل على إنقاذها، وأودعها بقلبه لتصنع من خفقاته ملاذًا لها، فشيدت من أضلعه سياجًا تحيط قلعتها التي بنتها بداخل قلبه وتربعت هي ملكة على عرشها. كانت آخر كلمة سمعتها منه قبل أن تعود النجوم لسماءها التي قطفتها برحلتهما لدنيا السحر هي: –بحبك.

كلمة تجعلها تشعر كأنها امتطت جواد الأحلام وسافرت لبلاد سحرية، لتجمعها به بعالم آخر غير ذلك العالم. فخرجت الحروف من بين شفتيها بهمس خافت: –وأنا بعشقك يا راسل.

من زهد بالطعام منذ زمن فجاءته كوجبة شهية وسد رمقه حتى شعر بالاكتفاء. فذلك الصخب الذي اعتمل بداخل صدره، وصل لأذنيها وهي تضع رأسها موضع قلبه. فقبل رأسها بانتشاء. فدماؤه السارية بعروقه كأنها يسري معها مخدر جعله لا يريد أن يفلتها من بين ذراعيه. ولكنه نهض من مكانه على مضض للذهاب إلى المرحاض.

فدفنت وجهها بالوسادة وهي مغمضة العينين، ولكن تذكرت أمرها فنهضت وسحبت الغطاء التي تدثرت به فأمعنت النظر بغطاء الفراش أسفلها. ولكنها لم ترى ذلك الشيء الذي كانت بإنتظاره كدليل على عفتها وطهارتها.

فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

–من حقي أن أدافع عن نفسي، وأنا مش هسيب حقي. –أنا مش عايزة أدافع عن حاجة، أنا عايزة أعيش. –إزاي تعيشي وأنتِ مش عايزة تدافعي عن نفسك؟ –أنا مش قادرة أدافع عن نفسي، أنا تعبانة. –تعبانة؟ ده أنتِ قوية، وقادرة. قومي يلا. –مش قادرة. –أنا هاخدك. –لا! –أومال إيه؟ –أنا عايزة أروح. –تروحي فين؟ –عند ماما. –ماما؟ ماما ماتت. –لا، ماما عايشة. –ماما ماتت يا بنتي. –لا! –أنا هوديكي عند ناس طيبين، هيحبوكي. –مش عايزة. –لازم.

(أمسك يدها وسحبها معه، وهي تبكي بصوت عالٍ) –سيبيييني! –ما فيكيش حاجة. –أنت مش كويس. –أنا كويس، بس أنتِ اللي مش كويسة. –أنت وحش. –مش وحش. (وصلوا إلى منزل، فتح الباب ودخلوا) –مين دول؟ –دول ناس طيبين. –مش عايزة. –لازم تقعدي. (رأت فتاة صغيرة، تشبهها كثيرًا) –مين دي؟ –دي أختك. –أختي؟ –أيوه. (اقتربت منها، ونظرت إليها) –أنا اسمي حياء. –وأنا اسمي حنين. –أنتِ اختي؟ –أيوه. (عادت إليها البسمة) –أنا حاسة إني عرفاكي. –وأنا كمان.

(احتضنتها) –أنا مش وحيدة تاني. –وأنا كمان. (بعد مرور سنوات) –حياء، أنا عايزة أتكلم معاكي. –قولي يا حبيبتي. –أنا بحبك. –وأنا كمان بحبك. –بس أنا مش عايزة أتجوز. –ليه؟ –عشان مش عايزة أسيبك. –أنا مش هسيبك. –بس أنا عايزة أعيش معاكي. –ده اللي هيحصل. –أنتِ بتقولي إيه؟ –أنا عايزة أتجوزك. –بس أنا... –أنا عارفة إنك بتحبيني. –بس أنا مش مناسب ليكي. –إيه اللي يخليك تقول كده؟ –أنا مش من هنا. –منين؟ –أنا من عالم تاني. –عالم تاني؟

–أيوه. –أنا مش فاهمة. –أنا مش من البشر. –إيه؟ –أنا كائن فضائي. –أنت بتهزر؟ –لا. –بس أنا بحبك. –وأنا كمان بحبك. –طب إيه اللي هيحصل؟ –مش عارف. –بس أنا مش عايزة أسيبك. –وأنا كمان. (بدأ يختفي) –لا! استنى! (اختفى تمامًا) –حياء! (نادتها أختها) –إيه يا حياء؟ –أنا كنت بحلم. –حلمت بإيه؟ –حلمت إني بتجوز. –مين؟ –واحد غريب. –غريب؟ –أيوه. –طب يلا عشان نجهز. –نجهز لإيه؟ –للجواز. –بس أنا مش عايزة. –لازم. –مين ده؟ –ده اللي هيحميكي.

–هيحميني من إيه؟ –من كل حاجة. –أنا خايفة. –متخافيش. (دخل شاب وسيم) –مين ده؟ –ده جوزك. –جوزي؟ –أيوه. –بس أنا مش عايزة. –لازم. –أنا أسف يا حياء. –أنت مين؟ –أنا اللي بحبك. –بس أنا بحب واحد تاني. –مين؟ –واحد من عالم تاني. –عالم تاني؟ –أيوه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...